وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُحَاقَلَةِ وَهِيَ بَيْعُ الْحَبِّ فِي سُنْبُلِهِ بِجِنْسِهِ وَفِي بَيْعِهِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ وَجْهَانِ وَلَا الْمُزَابَنَةِ وَهِيَ بَيْعُ الرُّطَبِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ إِلَّا فِي الْعَرَايَا وَهِيَ بَيْعُ الرُّطَبِ فِي رُؤوسِ النَّخْلِ خَرْصًا بِمِثْلِهِ مِنَ التَّمْرِ كَيْلًا
Its commentaries
ولأنَّ قولَه تَعالى: (وَأحلَّ الله الْبَيعَ) . عامٌّ خرَجَ منه المَنْصُوصُ عليه، وهو بَيعُ التَّمْرِ بالتَّمْرِ، وليس هذا في مَعْناهُ فبَقِيَ على العُمُومِ، وقِياسُهم لا يَصِحُّ،
فإنَّ التَّفَاوُتَ كَثِيرٌ، ويَنْفَرِدُ أحَدُهما بالنُّقْصَانِ،
بخِلافِ مَسْألتِنا. ولا بَأْسَ بِبَيعِ الحَدِيثِ بالعَتِيقِ؛ لأنَّ التَّفَاوُتَ فيه يَسِيرٌ ولا يُمْكِنُ ضَبْطُه، فَعُفِيَ عنه.
فصل: ويَجُوزُ بَيعُ القُطَارَةِ والدِّبْس والخَلِّ، كلُّ نوْعٍ بَعْضُه بِبَعْضٍ مُتَسَاويًا. قال أحمدُ في رِوايَةِ مُهَنّا في خَلِّ الدَّقَلِ: يَجُوزُ بَيعُ بعْضِه ببَعْضٍ مُتَسَاويًا؛ لأنَّ الماءَ في كُلِّ واحِدٍ منهما غيرُ مَقْصُودٍ، وهو من مَصْلَحَتِه، فلم يَمْنَعْ جوازَ البَيعِ، كالخُبْزِ بالخُبْزِ، والتَّمْرِ بالتَّمْرِ، في كُلِّ واحِدٍ منهما نَواهُ. ولا يُباعُ نوعٌ بآخَرَ، لأنَّ في كُلِّ واحِدٍ منهما من غيرِ جِنْسِه يَقِلّ ويَكْثُرُ، فيُفْضِي إلى التَّفاضُلِ. والعِنَبُ كالتَّمْرِ، إلَّا أنّه لا يُباعُ خَلّ العِنَبِ بخَلِّ الزَّبِيبِ؛
لانْفِرادِ أحَدِهما بما ليس من جِنْسِه.
ويَجُوزُ بَيعُ خَلِّ الزَّبِيبِ بعضِهِ بِبَعْض، كخَلِّ العِنَبِ، وخَلِّ التَّمْرِ.
فصل: ويَجُوزُ بَيعُ اللَّحْمِ باللَّحْمِ رَطْبًا. نَصَّ عليه.
وقال الخِرَقِيُّ: لا يَجُوزُ بَيعُ بَعْضِه ببَعْضٍ إلَّا إذا تَناهَى جَفافُه. وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ. واخْتَارَه أبو حَفْصٍ العُكْبَرِيُّ في «شَرْحِه».
قال القاضِي: والمذْهَبُ جَوازُ بَيعِه. ونَصُّ أحمدَ على جَوازِ بَيعِ الرُّطَبِ بالرُّطَبِ،
تَنْبِيهٌ على إباحَةِ بَيعِ اللَّحْمِ باللَّحْمِ، من حيث كان اللَّحْمُ حالُ كمالِه ومُعْظَمُ نَفْعِه في حالِ رُطُوبَتِه دونَ حالِ يُبْسِه، فجَرَى مَجْرَى اللَّبَنِ،
بخِلافِ الرُّطَبِ؛ فإنّ حال كمالِه ومُعْظَمَ نَفْعِه في حالِ يُبْسِه،
فإذا جازَ فيه البَيعُ، ففي اللَّحْمِ أوْلَى.
فأمّا بَيعُ رَطْبِه بيابِسِه، ونِيئِه بمَطْبُوخِه، فلا يَجُوزُ، لانْفِرادِ أحَدِهما بالنَّقْصِ ثانِي الحالِ، فلم يَجُزْ، كالرُّطَبِ بالتَّمْرِ.
قال القاضِي: ولا يَجُوزُ بَيعُ بَعْضِه بِبَعْضٍ إلَّا مَنْزُوعَ العِظَامِ، كما لا يَجُوزُ بَيعُ العَسَلِ بمِثْلِه إلَّا بعدَ التَّصْفِيَةِ. وهذا أحَدُ الوَجْهَينِ لأصْحَابِ الشافِعِيِّ. وكلامُ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، يَقْتَضِي الإِباحَةَ مُطْلَقًا، فإنَّه
قال في رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: إذا صارَ إلى الوَزْنِ رَطْلًا برَطْل، مِثْلًا بمِثْلٍ. فأطْلَقَ ولم يَشْتَرِطْ شَيئًا. ولأنَّ العَظْمَ تاجٌ للَّحْمِ بأَصْلِ الخِلْقَةِ، فأشْبَهَ النَّوَى في التَّمْرِ. وفارَقَ العَسَلَ في أنَّ اخْتِلاطَ الشَّمْعِ به من فِعْل النَّحْلِ، لا من أصْلِ الخِلْقَةِ.
١٦٨٦ - مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيعُ المُحاقَلَةِ؛ وهو بَيعُ الحَبِّ في سُنْبُلِه بجِنْسِه. وفي بَيعِه بغَيرِ جِنْسِه وَجْهانِ) وذلك لِما رَوَى البُخَارِيُّ عن أنَسٍ، قال: نَهَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن المُحَاقَلَةِ، والمُخاضَرَةِ، والمُلَامَسَةِ، والمُنَابَذَةِ، والمُزَابَنَةِ. والمُخَاضَرَةُ؛ بَيعُ الزَّرْعِ الأخْضَرِ. والمُحَاقَلَةُ؛ بَيعُ الزَّرْعِ في الحُقُولِ بحَبٍّ من جِنْسِه.
قال جابِرٌ: المُحَاقَلَةُ أنْ يَبِيعَ الزَّرْعَ بمائَةِ فَرْقٍ حِنْطَةً .
وقال الأزْهَرِيُّ ؛ الحَقْلُ؛ القَراحُ؛ المَزْرُوعُ. وفَسَّرَه أبو سَعِيدٍ باسْتِكْرَاءِ الأرْضِ بالحِنْطةِ. ولأنَّه بَيعُ الحَبِّ بجِنْسِه جُزَافًا من أحَدِ الجانِبَينِ، فلم يَجُزْ، كما لو كانَا على الأرْضِ.
فأمَّا بَيعُه بغَيرِ جِنْسِه، فإنْ كان بدَرَاهِمَ أو دَنَانِيرَ، جازَ؛ لأنَّ نَهْىَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - عن بَيعَ الحَبِّ حتى يَشْتَدَّ . يَدُلُّ على جَوازِ ذلك إذا اشْتَدَّ. وهذا أحَدُ قَوْلَي الشّافِعِيِّ.
وإنْ باعَهُ بحَبٍّ، ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، يَجُوزُ، لقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إذا اخْتَلَفَ الجِنْسَانِ فبِيعُوا كيفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ».
والثاني، لا يَجُوزُ، لعُمُومِ الحَدِيثِ المذكورِ. ١٦٨٧ - مسألة: (ولا) يَجُوزُ بَيعُ (المُزَابَنَةِ؛ وهو بَيعُ الرُّطَبِ في رُءُوسِ النَّخْلِ بالتَّمْرِ، إلَّا في العَرَايا؛ وهي بَيعُ الرُّطَبِ في رءُوسِ النَّخْلِ خرْصًا بمثْلِه من التَّمْرِ كيلًا فيما دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ لمن به حاجَةٌ إلى أَكْلِ الرُّطَبِ ولا ثَمَنَ معه) لا يَجُوزُ بَيعُ المُزَابَنَةِ؛ لأنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن المُزَابَنَةِ، وهو بَيعُ الثَّمَرِ بالتَّمْرِ. مُتَّفَقٌ عليه . ورَوَى البُخارِيُّ، عن أنس، أنّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن المُزَابَنَةِ.
فأمّا العَرَايَا، فيَجُوزُ في الجُمْلَةِ، وهو قولُ أكثرِ أهلِ العِلْمِ؛ منهم مالِكٌ في أهْلِ المَدِينةِ، والأوْزَاعِيُّ في أهْلِ الشامِ، والشّافِعِيُّ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: لا يَحِلُّ بَيعُها؛ لِما ذَكَرْنَا من الحَدِيثِ. ولأنَّه بَيعُ الرُّطَبِ بالتَّمْرِ من غيرِ كَيلٍ في أحَدِهِما، فلم يَجُزْ، كما لو كان على وَجْهِ الأرْضَ. ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيرَةَ أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَخَّصَ في العَرَايَا في خَمْسَةِ أَوسُقٍ، أو دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ. مُتَّفَقٌ عليه . ورَواهُ زَيدُ بنُ ثابِتٍ، وسَهْلُ بنُ أبي حَثْمَةَ وغيرُهما. وحَدِيثُهم في سِيَاقِه:«إلَّا العَرَايَا». كذلك في المُتَّفَقِ عليه .
وهذه زِيَادَةٌ يَجِبُ الأخْذُ بها.
ولو قُدِّرَ التَّعَارُضُ وَجَبَ تَقْدِيمُ حَدِيثنا؛ لخُصُوصِه، جَمْعًا بين الحَدِيثين، وعَمَلًا بكِلَا النَّصَّينِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: الذي نَهَى عن المُزَابَنَةِ هو الذي أرْخَصَ في العَرايَا، وطَاعَةُ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أوْلَى. والقِياسُ لا يُصارُ إليه مع النَّصِّ، مع أنَّ في الحَدِيثِ أنّه أرْخَصَ في العَرَايَا. والرُّخْصَةُ اسْتِباحَةُ المَحْظُورِ مع وجُودِ السَّبَبِ الحاظِرِ،
فلو مَنَعَ وُجُودُ السَّبَبِ من الاسْتِبَاحَةِ، لم يَبْقَ لَنَا رُخْصَةٌ بحالٍ. فصل: وإنّما يَجُوزُ بشُرُوطٍ خَمْسَةٍ؛ أحَدُها، أنْ يكُونَ فيما دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ، ولا خِلافَ في أنّها لا تَجُوزُ في زِيادَةٍ على خَمْسَةِ أوْسُقٍ، وأنّها تَجُوزُ فيما نَقَصَ عن خَمْسَةِ أوْسُقٍ، عندَ القائِلِينَ بجَوازِها.
فأمّا الخَمْسَةُ الأوْسُقُ، فظاهِرُ المَذْهَبِ أنّه لا يَجُوزُ فيها. وبه قال ابنُ المُنْذِرِ، والشّافِعِيُّ في أَحَدِ قَوْلَيه.
وقال مالِكٌ، والشّافِعِيُّ في قَوْلٍ: يَجُوزُ. ورَواهُ إسْماعِيلُ بنُ سَعِيدٍ عن أحمدَ؛ لأنَّ في حَدِيثِ زَيدٍ وسَهْلٍ أنّه رَخَّصَ في العَرَايَا مُطْلَقًا، ثم استَثْنَى ما زادَ على الخَمْسَةِ، وشَكَّ الرّاوي في الخَمْسَةِ، فبَقِيَ المَشْكُوكُ فيه على أصْلِ الإِباحَةِ. ولَنا، أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن المُزَابَنَةِ. والمُزَابَنَةُ؛ بَيعُ الثَّمَرِ بالتَّمْرِ، ثم أزخَصَ في العَرِيَّةِ فيما دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ. وشَكَّ في الخَمْسَةِ، فيَبْقَى على العُمُومِ في التَّحْرِيمِ.
ولأنَّ العَرِيَّةَ رُخْصَةٌ بُنِيَتْ على خِلافِ النَّصِّ والقِياسِ فيما دُونَ الخَمْسَةِ، والخَمْسَةُ مَشْكُوكٌ فيها، فلا تَثْبُتُ إِباحَتُها مع الشَّكِّ. ورَوَى ابنُ المُنْذِرِ بإسْنَادِه، أنّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَخَّصَ في بيعِ العَرِيَّةِ في الوَسْقِ والوَسْقَينِ والثّلاثَةِ والأرْبَعَةِ. والتَّخْصِيصُ بهذا يَدُلُّ على أنَّه لا تَجُوزُ الزِّيادَةُ في العَدَدِ عليه، كما اتَّفَقْنا على أنَّه لا تَجُوزُ الزّيَادَةُ على الخَمْسَةِ؛ لِتَخْصِيصِه إيّاهَا بالذِّكْرِ. ولأنَّ خَمْسَةَ الأوْسُقِ في حُكْمِ ما زادَ عليها في وجُوبِ الزَّكاةِ فيها دونَ ما نَقَصَ عنها.
فأمّا قَولُهم: أرْخَصَ في العَرِيَّةِ مُطْلَقًا. فلم يَثْبُتْ أنّ الرُّخْصَةَ المُطْلَقَةَ سابِقَةٌ على الرُّخصَةِ المُقَيَّدَةِ، ولا مُتَأخِّرَةٌ عنها، بل الرُّخْصَةُ واحِدَة، رَوَاها بَعْضُهم مُطْلَقَةً وبعضُهم مُقَيَّدَةً، فيَجِبُ حَمْلُ المُطْلَقِ على المُقَيَّدِ، ويَصِيرُ القَيدُ المَذْكُورُ في أحَدِ الحَدِيثَينِ كأنَّه مَذْكُورٌ في الآخَرِ، ولذلك يُقَيَّدُ فيما زادَ على الخَمْسَةِ، اتّفَاقًا.
فصل: ولا يَجُوزُ أنْ يَشْتَرِيَ أكْثَرَ من خَمْسَةِ أوْسُقٍ فيما زادَ على صَفْقَةٍ، سواءٌ اشْتَرَاهَا مِن واحِدٍ أو مِن جَماعَةٍ.
وقال الشّافِعِيُّ: يَجُوزُ للإِنْسانِ بَيعُ جميعِ حائِطِه عَرايَا، مِن رِجُلٍ واحِدٍ،
ومِن رِجَالٍ في عُقُودٍ مُتَكَرِّرَةٍ، لعُمُومِ حَدِيثِ زيدٍ، ولأن كُلَّ عَقدٍ جازَ مَرَّةً جازَ أنْ يتَكَرَّرَ، كسائِرِ البُيُوعِ. ولَنا، عمومُ النَّهْي عن المُزَابَنَةِ، اسْتَثْنَى منه العَرِيَّةَ فيما دونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ، فما زادَ يَبْقَى على العُمُومِ في التَّحْرِيمِ. ولأنَّ ما لا يَجُوزُ عليه العَقْدُ مَرَّةً إذا كان نَوْعًا واحِدًا، لا يَجُوزُ في عَقدَينِ، كالذي على وَجْهِ الأرْضِ، وكالجَمْعِ بين الأخْتَينِ. فصل: ولا تُعْتَبَرُ حاجَةُ البائِعِ،
فلو باعَ رَجُلٌ عَرِيَّةً من رَجُلَينِ فيها أكثرُ من خَمْسَةِ أوْسُقٍ، جازَ.
وقال أبو بكْرِ، والقاضِي: لا يَجُوزُ، لِما ذَكَرْنا في المُشْتَرِي. ولَنا، أنّ المُغَلِّبَ في التَّجْويزِ حاجَةُ المُشْتَرِي، بدَلِيلِ ما رَوَى محمودُ بنُ لَبِيدٍ، قال: قُلْتُ لزَيدِ بنِ ثابِتٍ: ما عَرَايَاكُم هذه؟ فسمّى رِجَالًا مُحْتاجِينَ من الأنْصَارِ شَكَوْا إلى رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّ الرُّطَبَ يَأْتِي، ولا نَقْدَ بأيدِيهِم يَبْتَاعُونَ به رُطَبًا يأْكُلُونَه، وعِنْدَهم فُضُولٌ من التَّمْرِ، فرَخَّصَ لهم أنْ يَبْتَاعُوا العَرايَا بخَرْصِها من التَّمْرِ الذي في أيدِيهم، يَأْكُلُونَه رُطَبًا .
وإذا كان سَبَبُ الرُّخْصَةِ حاجَةَ المُشْتَرِي، لم تُعْتَبَرْ حاجَةُ البائِعِ إلى البَيعِ، فلا يَتَقَيَّدُ في حَقِّه بخَمْسَةِ أوْسُقٍ. ولأنَّنَا لو اعْتَبَرْنَا الحاجَةَ من المُشْتَرِي، وحاجَةَ البائِعِ إلى البَيعِ، أفْضَى إلى أنْ لا يَحْصُلَ الإِرْفاقُ، إذْ لا يكادُ يَتَّفِقُ وجُودُ الحاجَتَينِ، فَتَسْقُطُ الرُّخْصَةُ.
فإنْ قُلْنا: لا يَجُوزُ ذلك. بَطَلَ العَقْدُ الثاني.
وإنِ اشْتَرَى عَرِيَّتينِ، أو باعَهُما، وفيهما أقَلُّ من خَمْسَةِ أوْسُقٍ، جازَ، وَجْهًا واحِدًا.
الثاني، أنْ يكونَ مُشْتَرِيها مُحْتَاجًا إلى أكْلِها رُطَبًا،
ولا يَجُوزُ بَيعُها لغَنِيٍّ. وهو أحَدُ قَوْلَي الشّافِعِيِّ. وله قَوْلٌ آخرُ، أنّها تُباحُ مُطْلَقًا لكلِّ أحَدٍ؛ لأنَّ كُلَّ بَيعٍ جازَ للمُحْتَاجِ، جازَ للغَنِيِّ، كسائِرِ البِياعاتِ ، ولأنَّ حَدِيثَ أبي هُرَيرَةَ وسَهْلٍ مُطْلَقان. ولَنا، حَدِيثُ زَيدِ بنِ ثابِتٍ الذي ذَكَرْنَاهُ.
وإذا خُولِفَ الأصلُ بشَرْطٍ، لم تَجُزْ مُخَالفَتُه بدُونِ ذلك الشَّرْطِ،
ولا يَلْزَمُ من إباحَتِه للحَاجَةِ إباحَتُه مع عَدَمِها، كالزَّكَاةِ للمَسَاكِينِ. فعلى هذا، مَتَى كان المُشْتَرِي غيرَ مُحْتَاجٍ إلى أكْلِ الرُّطَبِ، لم يَجُزْ شِراؤها بالتَّمْرِ،
ولو باعَها لواهِبِها تحَرُّزًا من دُخُولِ صاحِبِ العَرِيَّةِ حائِطَهُ، كمَذْهَبِ مالِكٍ، أو لغَيرِه، لم يَجُزْ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يباحُ. ويَحْتَمِلُه كلامُ أحمدَ؛ لان الحاجَةَ وُجِدَتْ من الجانِبَينِ، فجازَ، كما لو كان المُشْتَرِي مُحْتَاجًا إلى أكلِها. ولنا، حَدِيث زَيدٍ الذي ذَكَرْنَاهُ، والرُّخْصَةُ لمَعْنًى خاصٍّ، لا تَثْبُتُ مع عَدَمِه، ولأنّ في حَدِيثِ زَيدٍ وسَهْلٍ:«يَأْكُلُها أَهْلُها رُطَبًا».
ولو جازَتْ لتَخْلِيصِ المُعَرَّى لَما شَرَطَ ذلك. الثالِثُ، أنْ لا يَكُونَ للمُشْتَرِي نَقْدٌ يَشْتَرِي به؛ للخَبَرِ المَذْكُورِ.
الرَّابعُ، أنْ يَشْتَرِيَها بخَرْصِها من التَّمْرِ،
ويَجِبُ أنْ يكونَ التَّمْرُ الذي يَشْتَرِي به مَعْلُومًا بالكَيلِ،
ولا يَجُوزُ جُزافًا. لا نَعْلَمُ خِلافًا في هذا عند مَنْ أباحَ بَيعَ العَرايَا؛ لِما رَوَى زَيدُ بنُ ثابِتٍ، أنَّ رسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَخَّصَ في العَرِايَا أنْ تُباعَ بخَرْصِها كَيلًا. مُتَّفَقٌ عليه . ولمُسْلِمٍ: أنْ تُؤخَذَ بمثلِ خرْصِها تَمْرًا يَأْكُلُها أهْلُها رُطَبًا. إذا ثَبَتَ ذلك، فمَعْنَى خَرْصِها بمِثْلِها من التَّمْرِ، أنْ يَنْظُرَ الخارِصُ إلى العَرِيَّةِ، فيَنْظُرَ كم يَجِئُ منها تمْرًا، فيَشْتَرِيها المُشْتَرِي بمثلِه تمرًا. وبهذا قال الشّافِعِيُّ.
ونَقَلَ حَنْبَل عن أحمدَ، أنّه قال: يَخْرُصُها رُطَبًا، ويُعْطِي تَمْرًا. وهذا يَحْتَمِلُ الأوَّلَ، ويَحْتَمِلُ أنّه يَشْتَرِيها [بِتَمْرٍ مثلِ] الرُّطَبِ الذي عَلَيها؛ لأنَّه بَيعٌ اشْتُرِطَتِ المُماثَلَةُ فيه، فاعْتُبِرَتْ حال البَيعِ، كسائِرِ البُيوعِ. ولأنَّ الأصْلَ اعْتِبارُ المُماثَلَةِ في الحالِ،
وأنْ لا يُباعَ الرُّطَبُ بالتَّمْرِ، خُولِفَ في الأصْلِ في بَيعِ الرُّطَبِ بالتَّمْرِ، فبَقِيَ فيما عَدَاهُ على قَضِيَّةِ الدَّلِيلِ. قال القاضِي: والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّه يَنْبَنِي على خَرْصِ الثِّمارِ في العُشْرِ،
والصَّحِيحُ خَرْصُه تمْرًا. ولأنَّ المُماثَلَةَ في بَيعِ التَّمْرِ بالتَّمْرِ مُعْتَبَرَةٌ حالةَ الادِّخارِ، وبَيعُ الرُّطَبِ بمثْلِه تمْرًا يُفْضِي إلى فَواتِ ذلك.
فأمّا إنِ اشْتَرَاها بخَرْصِها رُطَبًا، لم يَجُزْ. وهذا أحَدُ الوُجُوهِ لأصْحابِ الشّافِعِيِّ.
والثاني، يَجُوزُ. والثالِثُ، لا يَجُوزُ مع اتِّفاقِ النَّوْعِ،
ويَجُوزُ مع اخْتِلافِه. وَوَجْهُ جَوازِه، ما رَوَى الجُوزْجانِيُّ، عن أبي صَالِحٍ، عن اللَّيثِ، عن ابنِ شهابٍ، عنِ سالِمٍ، عن ابنِ عمرَ، عن زَيدِ بنِ ثابِتٍ، عن رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه أرْخصَ بعد ذلك في بَيعِ العَرِيَّةِ بالرُّطَبِ أو التَّمْرِ، ولم يُرَخِّصْ في غيرِ ذلك . ولأَنَّه إذا جازَ بَيعُها بالتَّمْرِ مع اخْتِصاصِ أحَدِهما بالنَّقْصِ في ثاني الحالِ، فلأنْ يَجُوزَ مع عَدَم ذلك أَوْلَى. ولَنا، ما رَوَى مُسْلِم بإسْنادِه، عن زَيدِ بنِ ثابِتٍ، أنّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، رَخصَ في العَرَايَا أنْ تُؤخَذَ بمِثْل خَرْصِها تمْرًا.
وعن سَهْلِ بنِ أبي حَثْمَةَ، أنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بيعِ التَّمْرِ بالثَّمَرِ ، وقال:«ذلك الرِّبَا، تِلْك المُزَابَنَةُ». إلَّا أنَّه أرْخَصَ في العَرِيَّةِ، النَّخْلَةِ والنَّخْلَتَينِ يأْخُذُهما أهْلُ البَيتِ بخَرْصِهما تمْرًا، يَأْكُلُونها رُطَبًا . ولأنَّه مَبِيعٌ يَجِبُ فيه مِثْلُه تمْرًا، فلم يَجُزْ بَيعُه بمثْلِهِ رُطَبًا، كالتَّمْرِ الجافِّ. ولأنَّ مَنْ له رُطَبٌ، فهو مُسْتَغْن عن شراءِ الرُّطَبِ بأَكْلِ ما عنده، وبَيعُ العَرَايَا يُشْتَرَطُ فيه حاجَةُ المُشْتَرِي، على ما أسْلَفْنَاهُ.
وحَدِيثُ ابنِ عُمَرَ شَكٌّ في الرُّطَبِ والتَّمْرِ، فلا يَجُوزُ العَمَلُ به مع الشَّكِّ، لا سِيَّما وهذه الأحَادِيثُ تُثْبتُه، وتُزِيلُ الشَّكَّ.
الخامسُ، التَّقَابُضُ في المَجْلِسِ. وهو قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. ولا نَعْلَمُ فيه مُخَالِفًا؛ لأنَّه بَيعُ تَمْرٍ بتَمْرٍ، فاعْتُبِرَ فيه شُروطُه، إلَّا ما اسْتَثْناهُ الشَّرْعُ مما لم يمْكِنِ اعْتِبارُه في بَيعِ العَرَايَا. والقَبْضُ في كُل واحِدٍ منهما على حَسَبِه، ففي التَّمْرِ اكْتِيالُه،
وفي الثَّمَرِ التَّخْلِيَةُ. وليس من شُرُوطِه حُضُورُ التَّمْرِ عند النَّخِيلِ، بل لو تَبَايَعَا بعد مَعْرِفَةِ التَّمْرِ والثَّمَرَةِ، ثم مَضَيا جَمِيعًا إلى النَّخِيلِ فَسَلَّمَه إلى مُشْتَريه، ثم مَضَيَا إلى التَّمْرِ فَسَلَّمَه البائِعِ، أو تَسَلَّمَ التَّمْرَ أوَّلًا ثم مَضَيَا إلى النَّخْلِ فسَلَّمَه، جازَ؛ لأنَّ التَّفَرُّق لم يَحْصُل قبلَ القَبْضِ. إذا ثَبَتَ هذا،
فإنَّ بَيعَ العَرِيَّةِ يَقَعُ على وَجْهَينِ؛ أحَدُهما، أنْ يقولَ: بِعْتُكَ ثَمَرَةَ هذه النَّخْلَةِ بكذا. ويَصِفُه. الثانِي، أنْ يَكِيلَ من التَّمْرِ بقَدْرِ خَرْصِها، ثم يقولَ: بِعْتُك هذا بهذا. أو: بعْتُكَ ثمرَةَ النَّخْلَةِ بهذا التَّمْرِ. ونحوَ هذا.
فإنْ باعَهُ بمُعَيَّنٍ، فقَبْضُه بنَقْلِه وَأخْذِه،
وإنْ باعَهُ بمَوْصُوفٍ، فقَبْضُه بكَيله.
١٦٨٨ -
(وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُحَاقَلَةِ) لِقَوْلِ أَنَسٍ «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْمُحَاقَلَةِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، وَالْفَسَادَ (وَهِيَ بَيْعُ الْحَبِّ فِي سُنْبُلِهِ بِجِنْسِهِ) ؛ لِأَنَّ الْحَبَّ إِذَا بِيعَ بِجِنْسِهِ لَا يُعْلَمُ مِقْدَارُهُ بِالْكَيْلِ، وَالْجَهْلُ بِالتَّسَاوِي كَالْعِلْمِ بِالتَّفَاضُلِ، وَقَيَّدَ فِي " الْفُرُوعِ " وَغَيْرِهِ الْحَبَّ بِالْمُشْتَدِّ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِهِ آخَرُونَ، وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ: الْمُحَاقَلَةُ: الْمُفَاعَلَةُ مِنَ الْحَقْلِ، وَهُوَ الزَّرْعُ إِذَا تَشَعَّبَ قَبْلَ أَنْ يَغْلُظَ سُوقُهُ (وَفِي بَيْعِهِ) بِمَكِيلٍ (بِغَيْرِ جِنْسِهِ وَجْهَانِ) كَذَا فِي " الْفُرُوعِ " أَحَدُهُمَا: وَهُوَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " لَا يَجُوزُ لِعُمُومِ الْخَبَرِ، وَلِأَنَّ بَيْعَ زَرْعِ الْحِنْطَةِ بِهَا إِنَّمَا سُمِّيَ مُحَاقَلَةً لِكَوْنِهِ فِي الْحَقْلِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي غَيْرِهِ مِمَّا ذُكِرَ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْأَزْهَرِيِّ: الْحَقْلُ الْقَرَاحُ الْمَزْرُوعُ.
وَالثَّانِي: يَجُوزُ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لِخَوْفِ التَّفَاضُلِ الْمُحَرَّمِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي الْجِنْسَيْنِ (وَلَا) يَجُوزُ بَيْعُ (الْمُزَابَنَةِ) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْمُزَابَنَةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهِيَ مُفَاعَلَةٌ مِنَ الزَّبْنِ، وَهُوَ الدَّفْعُ كَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مَنْهُمَا يَزْبِنُ صَاحِبَهُ عَنْ حَقِّهِ بِمَا يَزْدَادُ مِنْهُ (وَهِيَ بَيْعُ الرُّطَبِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ) ، وَقَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ،
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا أَنَّهُ «نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ» ، وَالْمُزَابَنَةُ بَيْعُ ثَمَرِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا.
وَقَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ هِيَ وَالزَّبْنُ بَيْعُ مَعْلُومٍ بِمَجْهُولٍ مِنْ جِنْسِهِ، أَوْ بَيْعُ مَجْهُولٍ بِمَجْهُولٍ مِنْ جِنْسِهِ، إِذِ الزَّبْنُ فِي اللُّغَةِ الدَّفْعُ الشَّدِيدُ، وَمِنْهُ وُصِفَتِ الْحَرْبُ بِالزَّبُونِ لِشِدَّةِ الدَّفْعِ فِيهَا، وَمِنْهُ سُمِّيَ الشُّرَطِيُّ زَبِينًا؛ لِأَنَّهُ يَدْفَعُ النَّاسَ بِشِدَّةٍ، وَعُنْفٍ.
[جَوَازُ بَيْعِ الْعَرَايَا] (إِلَّا فِي الْعَرَايَا) ، فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا» ،
وَكَذَا رَوَاهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَسَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ، وَالْقِيَاسُ لَا يَعْمَلُ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ، وَالرُّخْصَةُ اسْتِبَاحَةُ الْمَحْظُورِ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ الْحَاضِرِ، وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهَا لُغَةً. فَقِيلَ: هِيَ نَوْعٌ مِنَ الْعَطِيَّةِ خُصَّتْ بِاسْمٍ لَا بَيْعٍ.
وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ الْعَرِيَّةُ النَّخْلَةُ يُعْرِيهَا رَجُلًا مُحْتَاجًا فَيَجْعَلُ ثَمَرَهَا لَهُ عَامًا. فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هِيَ اسْمٌ لِكُلِّ مَا أُفْرِدَ عَنْ جُمْلَةٍ سَوَاءٌ كَانَ لِلْهِبَةِ، أَوْ لِلْبَيْعِ، أَوْ لِلْأَكْلِ.
وَقِيلَ: سُمِّيَتْ بِهِ؛ لِأَنَّهَا مَعْرِيَّةٌ مِنَ الْبَيْعِ الْمُحَرَّمِ أَيْ: مُخْرَجَةٌ مِنْهُ (وَهِيَ بَيْعُ الرُّطَبِ فِي رُؤوسِ النَّخْلِ)
فَلَوْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ لَمْ يَجُزِ لِلنَّهْيِ عَنْهُ، وَالرُّخْصَةُ وَرَدَتْ فِي بَيْعِهِ عَلَى أُصُولِهِ لِحُكْمِ الْأَخْذِ شَيْئًا فَشَيْئًا لِحَاجَةِ التَّفَكُّهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ:«قُلْتُ لِزَيْدٍ مَا عَرَايَاكُمْ هَذِهِ؛ فَسَمَّى رِجَالًا مُحْتَاجِينَ مِنَ الْأَنْصَارِ شَكَوْا إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الرُّطَبَ يَأْتِي، وَلَا نَقْدَ بِأَيْدِيهِمْ يَبْتَاعُونَ بِهِ رُطَبًا، وَعِنْدَهُمْ فُضُولٌ مِنَ التَّمْرِ فَرَخَّصَ لَهُمْ أَنْ يَبْتَاعُوا الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنَ التَّمْرِ الَّذِي فِي أَيْدِيهِمْ يَأْكُلُونَهُ رُطَبًا» .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (خَرْصًا) لَا أَقَلَّ، وَلَا أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ أَقَامَ الْخَرْصَ مَقَامَ الْكَيْلِ، فَلَا يُعْدَلُ عَنْهُ، كَمَا لَا يُعْدَلُ عَنِ الْكَيْلِ فِيمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْكَيْلُ (بِمِثْلِهِ مِنَ التَّمْرِ) ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا بِخَرْصِهَا رُطَبًا،
وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ التَّمْرِ مِثْلَ مَا حَصَلَ بِهِ الْخَرْصُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ زَيْدٍ «أَنَّهُ أَذِنَ لِأَهْلِ الْعَرَايَا أَنْ يَبِيعُوهَا بِمِثْلِ خَرْصِهَا» (كَيْلًا) أَيْ: يَكُونُ التَّمْرُ الْمُشْتَرَى بِهِ كَيْلًا لَا جُزَافًا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: إِنَّهُ رُخِّصَ فِي الْعَرَايَا أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا كَيْلًا، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ اعْتِبَارُ الْكَيْلِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ سَقَطَ فِي أَحَدِهِمَا، وَأُقِيمَ الْخَرْصُ مَقَامَهُ لِلْحَاجَةِ فَيَبْقَى الْآخَرُ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ
ولا يَجُوزُ بَيعُ المُحاقَلَةِ؛ وهو بَيعُ الحَبِّ في سُنْبُلِه بجِنْسِه. فأَطْلَقَ المُصنِّفُ قوْلَه: الحَبُّ في سُنْبُلِه. وأطْلَقَه أيضًا جماعَةٌ؛ منهم صاحِبُ «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «التَّلْخيصِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاويَين»، و «الشَّرْحِ»، و «إدْراكِ الغايَةِ»، وغيرِهم.
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّ بَيعَ المُحاقَلَةِ، بَيعُ الحَحب المُشْتَدِّ في سُنْبُلِه. فلابُدَّ أنْ يكون مُشْتَدًّا. جزَم به في «المُحَرَّرِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرَى». وقدَّمه في «الفُروعِ»،
وقال: ولم يُقَيِّدْه جماعَةٌ. وفي بَيعِه بغيرِ جنْسِه وَجْهان. وأطْلَقهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاويَين»، و «الفائقِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»؛ أحدُهما، يصِحُّ. وهو الصَّحيحُ. صحَّحه في «التَّصْحيحِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «النَّظْمِ». وهو ظاهِرُ ما صحَّحه في «البُلْغَةِ». وجزَم به في «المُنَوِّرِ». وجزَم به في «المُغْنِي»، في بابِ الربا، عندَ مسْأَلةِ، والبُرُّ والشَّعِيرُ جِنْسان. الوَجْهُ الثَّاني، لا يصِحُّ. . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيه: قوْلُه: وفي بَيعِه بغيرِ جِنْسِه.
قال في «الفُروعِ»: وفي بَيعِه بمَكِيل غيرِ جِنْسِه.
ثم قال: ويصِح بغيرِ مَكِيل. فخَصَّ الخِلافَ بالمَكيلِ. وهو الصَّحيحُ. وجزَم به في «التَّلْخيصِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الفائقِ»، و «الرِّعايتَين». وقدَّمه في «الفُروعِ». ومثَّلَ في «الحاوي الصَّغِيرِ» بالشَّعِيرِ ونحوه، ومثَّلَ في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الحاوي الكَبِيرِ»، وغيرِها بالشَّعيرِ. وخصَّ المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وصاحِبُ «التَّلْخيصِ»، وغيرُهم الخِلافَ بالحَبِّ. وهو ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا. فالأوَّلُ أعَم مِنَ الثَّانِي؛ لأنَّ كلَّ حَب مَكِيل، وليس كلُّ مَكِيل بحَب. وتظْهَرُ
فائدةُ الخِلافِ في الأُشْنانِ ونحوه، فإنَّه داخِلٌ في القَوْلِ الأوَّلِ، لا الثَّانِي؛ لأنَّه ليس بحَبٍّ. وَلَا الْمُزَابَنَة؛ وَهِيَ بَيعُ الرُّطَبِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ، إلا فِي الْعَرَايَا؛ وَهِي بَيعُ الرُّطَب فِي رُءُوسِ النَّخْلِ خَرْصًا بِمِثْلِهِ مِنَ التَّمْرِ كَيلًا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ لِمَنْ بِهِ حَاجَةٌ إِلَى أَكْلِ الرُّطَبِ، وَلَا ثَمَنَ مَعَهُ. ولا بَيعُ المُزَابَنَةِ؛ وهي بَيعُ الرُّطَبِ في رُءوسِ النَّخْل بالتَّمْرِ، إلَّا في العَرايا؛ وهو بَيعُ الرُّطَبِ في رُءوسِ النَّخْلِ خَرْصًا بمثْلِه مِنَ التَّمْرِ كيلًا فيما دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ لمَن به حاجَةٌ إلى أَكْلِ الرُّطَبِ، ولا ثَمَنَ معه.
العَرايا التي يجوزُ بَيعُها، هي بَيعُ الرُّطَبِ في رُءوسِ النَّخْلِ، سواء كان مَوْهوبًا، أو غيرَ مَوْهوبٍ. على الصَّحيح مِنَ المذهبِ. واخْتارَه القاضي، وجُمْهورُ الأصحابِ. وهو ظاهِرُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عُمومِ كلامِ المُصَنِّفِ، والمَجْدِ، وصاحِبِ «الوَجيزِ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاويَين»، و «الفائقِ». وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ -وتبِعَه جماعة مِنَ الأصحابِ، منهم صاحِبُ «التَّلْخيصِ» - تَخْصِيصُ العَرايا بالهِبَةِ. وهو ظاهِرُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كلامِ الإِمامِ أحمدَ. قال في رِوايَةِ سِنْدِيِّ، وابنِ القاسِمِ: العَرِيَّةُ؛ أنْ يهَبَ الرَّجُلُ للجارِ، أو ابنِ العَمِّ، النَّخْلةَ والنَّخْلتَين، ما لا تجِبُ فيه الزَّكاةُ، فلِلمَوْهُوبِ له أنْ يَبِيعَها بخَرْصِها تَمْرًا للرِّفْقِ.
قال: (ولا يجوز بيع المحاقلة. وهو: بيع الحب في سنبله بجنسه، وفي بيعه بغير جنسه وجهان، ولا المزابنة. وهو: بيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر، إلا في العرايا. وهي: بيع الرطب في رؤوس النخل خرصاً بمثله من التمر كيلاً فيما دون خمسة أوسق لمن به حاجة إلى أكل الرطب ولا ثمن معه ويعطيه من التمر مثل ما يؤول إليه ما في النخل عند الجفاف. وعنه: يعطيه مثل رطبه، ولا يجوز في سائر الثمار في أحد الوجهين) .
أما كون بيع المحاقلة لا يجوز فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعِ المحاقَلَة». والنهي يقتضي التحريم والفساد.
ولأن الحب إذا بيع بجنسه لا يعلم مقداره بالكيل، والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهو بيع الحب في سنبله بجنسه فتفسير لبيع المحاقلة.
قال أبو عبيد: المحاقلة بيع الزرع في سنبله بالبر.
وأما كون بيع الحب في سنبله بغير جنسه لا يجوز في وجهٍ؛ فلأن بيع زرع الحنطة بحنطة إنما سمي محاقلة لأنه في الحقل وهذا المعنى موجود في غيره مما ذكرنا فيجب أن يدخل فيه.
قال الأزهري: والحقل القراح المزروع.
وأما كونه يجوز في وجهٍ؛ فلأن تفسير أبي عبيد الحديث يدل على ذلك لأنه قال: المحاقلة بيع الزرع في سنبله بالبر.
ولأن النهي لخوف التفاضل المحرم وهو منتف في الجنسين.
وأما كون بيع المزابنة إذا لم يكن عرايا [لا يجوز]؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المزابنة»، والنهي يقتضي التحريم والفساد. ترك العمل به في العرايا لما يأتي فيبقى فيما عداه على مقتضاه.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهو بيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر؛ فتفسير لبيع المزابنة المحرم.
وفي الحديث أن ابن عمر قال:«نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المُزابَنَةِ. والمزابنةُ بيعُ ثمرِ النخلِ بالتمرِ كيلاً» رواه مسلم.
وأما كون بيع العرايا يجوز فلما روى أبو هريرة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخّص في العرية في خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق» متفق عليه.
وأما ما يشترط لجواز بيع العرايا فأمور:
أحدها: أن يكون الرطب على رؤوس النخل
فلو كان على وجه الأرض لم يجز لأن الرخصة وردت في بيعه على رؤوس النخل ليؤخذ شيئاً فشيئاً.
وثانيها: أن يكون البيع بخرصها من التمر لا أقل ولا أكثر «لأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص لهم أن يبتاعوا العرية بخرصها من التمر» متفق عليه.
وفي معنى الخرص روايتان:
إحداهما: ينظر كم يجيء منها تمر فيبيعها بمثله لأنه يخرص في الزكاة كذلك.
والثانية: يبيعها بمثل ما فيها من الرطب لأن الأصل اعتبار المماثلة في الحال بالكيل فإذا خولف الدليل في أحدهما وأمكن أن لا يخالف في الآخر وجب.
وثالثها: كون التمر معلوماً بالكيل لأن في بعض الألفاظ: «رخص في العرايا أن تباع بخرصها كيلاً» متفق عليه.
ولأن الأصل الكيل من الطرفين سقط في أحدهما للتعذر فيجب في الآخر بقضية الأصل.
ولأن مع ترك الكيل من الطرفين يكثر الغرر فإذا وجد أحدهما كان الغرر أقل.
ورابعها: كون المبيع دون خمسة أوسق لما يأتي.
وعن الإمام أحمد يجوز في الخمسة؛ لأن الرخصة ثبتت في العرية ثم نهي عما زاد على الخمسة، وشك الراوي في الخمسة في قوله:«رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في العرية في خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق» فردت إلى أصل الرخصة.
والأول المذهب لأن الأصل تحريم الرطب بالتمر خولف فيما دون الخمسة بالخبر والخمسة مشكوك فيها فترد إلى الأصل.
وخامسها: أن يكون بالمشتري حاجة إلى أكل الرطب «لأن زيد بن ثابت حين سأله محمود بن لبيد: ما عراياكم هذه؟ سمى رجالاً محتاجين من الأنصار شَكَوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الرطب يأتي ولا نقد بأيديهم يبتاعون به رطباً يأكلونه وعندهم فضول من التمر فرخص لهم أن يتبايعوا العرايا بخرصها من التمر يأكلونه رطباً» متفق عليه.
ومتى خولف الأصل بشرط لم تجز مخالفته بدون ذلك الشرط.
ولأن ما أبيح للحاجة لم يبح مع عدمها كالزكاة للمساكين والرخص في السفر.
وسادسها: أن لا يكون معه ثمن غير التمر لقوله في الحديث: «ولا نقد بأيديهم».
وسابعها: أن يقبض البائع الثمن والمشتري الرطب قبل تفرقهما لأنه بيع تمر بتمر فاعتبرت فيه أحكامه. وقبض التمر بالكيل، والرطب بالتخلية؛ لأن الكيل ممكن في التمر دون الرطب.
وأما كون مثل ما ذكر لا يجوز في سائر الثمار لا يجوز في وجهٍ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المُزَابنةِ، الثمرِ بالتمرِ، إلا أصحاب العرايا فإنه قد أذن لهم. وعن بيع العنب بالزبيب و [عن] كل ثمر بخرصه» رواه الترمذي.
وقال: هذا حديث حسن.
وأما كونه يجوز في وجهٍ وهو للقاضي؛ فلأن حاجة الناس إلى رطب هذه الثمار كحاجتهم إلى الرطب فجاز قياساً على النخل.
والأول أصح؛ لما ذكر.
وعن زيد بن ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنه أرخص في بيع العرايا بالرطب أو بالتمر ولم يرخص في غير ذلك».
ولأن الرخصة وردت في تمر النخيل وغيره لا يساويه في كثرة الاقتيات به وسهولة خرصه فيختص الحكم به.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.