وَالْمُوَالَاةُ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَهُوَ أَنْ لَا يُؤَخِّرَ غَسْلَ عُضْوٍ حَتَّى يَنْشَفَ الَّذِي قَبْلَهُ وَالنِّيَّةُ شَرْطٌ لِطَهَارَةِ الْحَدَثِ كُلِّهَا وَهِيَ أَنْ يَقْصِدَ رَفْعَ الْحَدَثِ أَوِ الطَّهَارَةَ لِمَا لَا يُبَاحُ إِلَّا بِهَا
Its commentaries
٨٦ - مسألة؛ قال: (والمُوالاةُ على إحْدَى الرِّوايَتَين) المُوالاةُ هي الشرطُ السادسُ، وفيها رِوايتان؛ إحْداهما، هي واجِبَةٌ. نَصَّ عليها أحمدُ في مَواضِعَ. وهو قَوْلُ الأوْزاعِيِّ، وقَتَادَةَ، وأحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ. قال القاضي: وفيها رِوايَةٌ أُخْرَى؛ أنَّها غيرُ واجِبَةٍ. وهو قولُ النَّخَعِيِّ، والحسنِ، والثَّوْريِّ، وأصحابِ الرَّأْي، والقولُ الثاني للشافعيِّ، واخْتارَه ابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّ المَأْمُورَ به غَسْلُ الأعْضاءِ، فكَيفَما غَسَل فقد أتَى بِالمَأَمُورِ به، وقد ثَبَت أنَّ ابنَ عُمَرَ تَوَضَّأَ بالسُّوقِ فغَسَلَ وَجْهَه ويَدَيه، ومَسَح رَأْسَه، ثم دُعِيَ لجِنازَةٍ، فمَسَح على خُفَّيه، ثم صَلَّى عليها .
ولأنَّها إحْدَى الطَّهارَتَين، فلم تَجِبْ فيها المُوالاةُ كالكُبْرَى.
وقال مالكٌ: إن تَعَمَّد التَّفْرِيقَ بَطَل، وإلَّا فلا. ووَجْهُ الأُولى ما رَوَى عُمَرُ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَأَى رجُلًا يُصَلِّي،
وفي ظَهْرِ قَدَمِه لُمْعَةٌ لم يُصِبْها الماءُ، فأمَرَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يُعِيدَ الوُضُوءَ والصلاةَ. رواه أبو داودَ .
ولو لم تَجِبِ المُوالاةُ لأجْزأَه غَسْلُ اللُّمْعَةِ حَسْبُ. ولأنَّها عِبادَةٌ يُفْسِدُها الحَدَثُ، فاشْتُرِطَتْ لها المُوالاةُ كالصلاةِ، والآيةُ دَلَّتْ على وُجُوبِ الغَسْلِ، وبَيَّن النَبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كَيفيَّتَه بفِعْلِه، فإنَّه لم يُنْقَلْ عنه أنَّه تَوَضَّأَ إلَّا مُتَوالِيًا، وغُسْلُ الجَنابَةِ بمَنْزِلَةِ الْغُضْو الواحدِ. وحَكَى بعضُ أصحابِنا فيه مَنْعًا. ذَكَره الشيخُ أبو الفَرَجِ. وفِعْلُ ابنِ عُمَرَ ليس فيه دَلِيلٌ على أنّه أخَلَّ بالمُوالاةِ المُشْتَرَطَةِ.
٨٧ - مسألة؛ قال: (وهو أَن لا يُؤَخِّرَ غَسْلَ عُضْوٍ حتى يَنْشَفَ الذي قبلَه) في الزَّمانِ المُعْتَدِلِ، ولا اعْتِبارَ بالزَّمَنِ الحارِّ الذي يُسْرِعُ فيه النِّشافُ، ولا بالزَّمَنِ البارِدِ الذي يُبْطِئُ فيه، ولا يُعْتَبَرُ ذلك فيما بينَ طَرَفَي الطهارةِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: التَّفْرِيقُ المُبْطِلُ في إحْدَى الرِّوايَتَين ما يَفْحُشُ في العادةِ؛ لأنَّه لم يُحَدَّ في الشَّرْعِ، فرُجِعَ فيه إلى العادةِ، كالإحْرازِ والتَّفَرُّقِ في البَيعِ.
فصل: فإن نَشِفَتْ أَعْضاؤه؛ لاشْتِغَالِه بفَرْضٍ في الطهارةِ أو سُنَّةٍ، لم يَبْطُلْ، كما لو طَوَّل أرْكانَ الصلاةِ.
وإن كان لوَسْوَسَةٍ تَلْحَقُه فكذلك، ويَحْتَمِل أنَّ يَبْطُلَ الوُضوءُ؛ لأنّه غيرُ مَفْرُوضٍ ولا مَسْنُونٍ،
وإن كان ذلك لعَبَثٍ أو شيءٍ زائِدٍ على المسنونِ وأشْباهِه، عُدَّ تَفْرِيقًا. ٨٨ - مسألة؛ قال: (والنِّيَّةُ شَرْطٌ لطهارةِ الحَدَثِ كلِّها) الغُسْلِ، والوُضوءِ، والتَّيَمُّمِ. والنِّيَّةُ هي القَصْدُ. يُقال: نَواك اللهُ بِخَيرٍ. أي قَصَدَك. ومَحَلُّها القَلْبُ؛ لأنَّ مَحَلَّ القَصْدِ القلبُ، فمتى اعْتَقَد بقلبِه أجْزَأ،
وإنْ لم يَلْفِظْ بلِسانِه. وإن لَفَظ بلِسانِه ولم يَقْصِدْ بقلبِه، لم يُجْزِئْه.
ولو سَبَق لِسانُه إلى غيرِ ما اعْتَقَده، لم يَمْنَعْ صِحَّةَ ما قَصَدَه بقَلْبِه. ولا خِلافَ في المذهبِ في اشْتِراطِ النِّيَّةِكما لِما ذَكَرْنا. ورُوِيَ ذلك عن عليٍّ - رضي الله عنه -. وهو قولُ مالكٍ، ورَبِيعَةَ، واللَّيثِ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وأبي عُبَيدٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال الثَّوْرِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ في التَّيَمُّمِ دُونَ طهارةِ الماءِ؛ لأنَّ الله تَعالى قال:{إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ}. الآيةُ، ولم يَذْكُرِ النِّيَّةَ،
ولو كانَتْ شَرْطًا لَذَكَرَها. ولأنَّ مُقْتَضَى الأمْرِ حُصُولُ الإجْزاءِ بفِعْلِ المَأمُورِ به فتَقْتَضِي الآيةُ حُصُولَ الإِجْزاءِ بما تَضَمَّنَتْه. ولأنَّها طهارةٌ بالماءِ، فلم تَفْتَقِرْ إلى النِّيَّةِ كغَسْلِ النَّجاسَةِ. ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ، وإِنَّمَا لكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى». مُتَّفَق عليه . فنَفَى أن يكونَ له عَمَلٌ شَرْعِيٌّ بدونِ النَّيِّةِ. ولأنَّها طهارةٌ مِن الحَدَثِ، فلم تَصِحَّ بغيرِ نِيَّةٍ كالتَّيَمُّمِ،
فأمّا الآيةُ فهي حُجَّةٌ لَنَا؛
فإن قولَه:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ}. أي: للصلاةِ، كما يُقالُ: إذا لَقِيت الأمِيرَ فتَرَجَّلْ. أي له. وقولُهم: لو كانتِ النِّيَّةُ شَرْطًا لَذكَرَها. قُلنا: إنَّما ذَكَر الأرْكانَ، ولم يَذْكُرِ الشَّرائِطَ كآيةِ التَّيَمُّمِ. وقولُهم: مُقْتَضَى الأمْرِ حُصُولُ الإِجْزاء به. قُلْنا: بلْ مُقْتَضاه وُجوبُ الفِعْلِ، ولا يَمْنَعُ أنَّ يُشْتَرَطَ له شرطٌ آخَرُ كآية التَّيَمُّمِ. وقَوْلُهم: إنَّها طهارةٌ. قُلنا: إلَّا أنَّها عِبادَةٌ، والعبادةُ لا تكونُ إلَّا مَنْويَّةً، كالصلاةِ؛ لأنَّها قُرْبَةٌ إلى الله تِعالى، وطاعةٌ، وامْتِثالُ أمْرٍ، ولا يَحْصُلُ ذلك بغيرِ نيَّةٍ.
٨٩ - مسألة؛ قال: (وهي أنْ يَقْصِدَ رَفْعَ الْحَدَثِ أو الطهارةَ لِما لا يُباحُ إلَّا بها) متى قَصَد بطهارتِه رَفْعَ الحَدَثِ، وهو إزالةُ المانِعِ مِمّا يَفْتَقِرُ إلى الطَّهارةِ، أو قَصَد بطَهارتِه الصلاةَ، والطَّوافَ، ومَسَّ المصحفِ، أو قصَد الجُنُبُ بالغُسْلِ اللُّبْثَ في المسجدِ، صَحَّتْ طهارتُه عندَ القائلِين باشْتِراطِ النِّيَّةِ، لا نَعْلَمُ بينَهم فيه اخْتِلافًا.
فإنْ نَوَى التَّبَرُّدَ وما لا تُشْرَعُ الطهارةُ له؛ كالأكْلِ والبَيعِ، ولم يَنْو الطهارةَ الشَّرْعِيَّةَ لم يَرْتَفِعْ حَدَثُه؛ لأنَّه لم يَنْو الطَّهارةَ، ولا ما يَتَضَمَّنُ نِيَتَّهَا، فأشْبَهَ مَن لم يَقْصِدْ شيئًا.
وإن نَوَى الطهارةَ مع ذلك، صَحَّتِ الطهارةُ؛ لأنّه نَوَى الطهارةَ، وضَمَّ إليها ما لا يُنافِيه، فلم يُؤَثِّرْ، كما لو نَوَى بالصلاةِ الطّاعَةَ والخَلاصَ مِن خَصْمِه.
(وَالْمُوَالَاةُ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) ذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ أَنَّهَا الْمَشْهُورَةُ، وَصَحَّحَهَا فِي " الرِّعَايَةِ "، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "، وَرَجَّحَهَا فِي " الشَّرْحِ " لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ شَرْطٌ،
وَالثَّانِي جَوَابٌ، وَإِذَا وُجِدَ الشَّرْطُ، وَهُوَ الْقِيَامُ، وَجَبَ أَنْ لَا يَتَأَخَّرَ عَنْهُ جَوَابُهُ، وَهُوَ غَسْلُ الْأَعْضَاءِ، يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ:«أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي، وَفِي ظَهْرِ قَدَمِهِ لُمْعَةٌ قَدْرُ الدِّرْهَمِ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَزَادَ: وَالصَّلَاةَ، وَهَذَا صَحِيحٌ، وَفِيهِ بَقِيَّةٌ، وَهُوَ ثِقَةٌ رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ، وَالثَّانِيَةُ، وَنَقَلَهَا حَنْبَلٌ عَنْهُ أَنَّهَا لَا تَجِبُ، وَهِيَ قَوْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْغَسْلِ، وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْمُوَالَاةَ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ غَسَلَ رِجْلَيْهِ بَعْدَمَا جَفَّ وَضُوءُهُ، وَنَصَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ذَلِكَ، وَزَعَمَ أَنَّهُ الْأَشْبَهُ بِأُصُولِ الشَّرِيعَةِ، وَلَهُ نَظَائِرُ مِنْهَا: التَّتَابُعُ فِي صَوْمِ شَهْرَيِ الْكَفَّارَةِ، وَجَوَابُهُ النَّصُّ، وَالْإِجْمَاعُ، ثُمَّ لَوْ تَرَكَهُ لِعُذْرٍ لَمْ يَنْقَطِعْ،
وَكَذَا الْمُوَالَاةُ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ،
وَفِي الطَّوَافِ، وَالسَّعْيِ لَا يَبْطُلُ بِفِعْلِ الْمَكْتُوبَةِ (وَهُوَ أَنْ لَا يُؤَخِّرَ غَسْلَ عُضْوٍ حَتَّى يَنْشَفَ الَّذِي قَبْلَهُ) فِي زَمَنٍ مُعْتَدِلٍ، أَوْ بِمِقْدَارِهِ مِنَ الشِّتَاءِ، وَالصَّيْفِ، وَالْهَوَاءِ، وَهَلْ الِاعْتِبَارُ بِمَا يَلِي الْعُضْوَ الْمَغْسُولَ، أَوْ أَوَّلِهَا، أَوْ جَمِيعَهَا؟ فِيهِ أَقْوَالٌ، وَالتَّفْرِيقُ الْمُبْطِلُ مَا يُعَدُّ فِي الْعُرْفِ تَفْرِيقًا، قَالَ الْخَلَّالُ: هُوَ الْأَشْبَهُ بِقَوْلِهِ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ،
فَلَوْ جَفَّ الْأَوَّلُ لِاشْتِغَالِهِ فِي الثَّانِي بِسُنَّةٍ كَتَخْلِيلٍ، وَإِسْبَاغٍ لَمْ يَضُرَّ،
وَكَذَا إِنْ كَانَ لِوَسْوَسَةٍ، وَإِزَالَةِ وَسَخٍ فِي الْأَصَحِّ،
وَإِنْ كَانَ لِلِاشْتِغَالِ بِتَحْصِيلِ الْمَاءِ فَرِوَايَتَانِ، وَيَضُرُّ إِسْرَافٌ، وَإِزَالَةُ الْوَسَخِ لِغَيْرِ الطَّهَارَةِ، وَزِيَادَةٌ عَلَى الثَّلَاثِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الطَّهَارَةِ شَرْعًا، وَلَا تَسْقُطُ هِيَ، وَتَرْتِيبٌ سَهْوًا، كَبَقِيَّةِ الْفُرُوضِ. (وَالنِّيَّةُ) لُغَةً: الْقَصْدُ يُقَالُ: نَوَاكَ اللَّهُ بِخَيْرٍ أَيْ: قَصَدَكَ بِهِ، وَمَحَلُّهَا الْقَلْبُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَقْصِدَ بِقَلْبِهِ،
وَأَنْ يُخْلِصَهَا لِلَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّهُ عَمَلُ الْقَلْبِ، وَالنَّصُّ دَلَّ عَلَى الثَّوَابِ فِي كُلِّ وُضُوءٍ، وَلَا ثَوَابَ فِي غَيْرِ مَنْوِيٍّ بِالْإِجْمَاعِ (شَرْطٌ) وَهُوَ لُغَةً: الْعَلَامَةُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى {فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا} ، وَاصْطِلَاحًا: مَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ،
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ (لِطَهَارَةِ الْحَدَثِ كُلِّهَا) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} ، وَالْإِخْلَاصُ مَحْضُ النِّيَّةِ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَأَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» وَقَوْلِهِ «لَا عَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ» وَلِأَنَّ الْوُضُوءَ عِبَادَةٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الطَّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَأَخْبَرَ أَنَّ الْخَطَايَا تَخْرُجُ بِالْوُضُوءِ، وَكُلُّ عِبَادَةٍ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ نِيَّةٍ، فَالْعِبَادَةُ مَا أُمِرَ بِهِ شَرْعًا مِنْ غَيْرِ اضْطِرَادٍ عُرْفِيٍّ، وَلَا اقْتِضَاءٍ عَقْلِيٍّ، قِيلَ لِأَبِي الْبَقَاءِ: الْإِسْلَامُ وَالنِّيَّةُ عِبَادَتَانِ، وَلَا يَفْتَقِرَانِ إِلَى النِّيَّةِ، فَقَالَ: الْإِسْلَامُ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ لِصُدُورِهِ مِنَ الْكَافِرِ، وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، سَلَّمْنَا، لَكِنْ صَحَّ لِلضَّرُورَةِ، لِأَنَّهُ لَا يَصْدُرُ إِلَّا مِنْ كَافِرٍ،
وَأَمَّا النِّيَّةُ، فَلِقَطْعِ التَّسَلْسُلِ، وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ حُكْمِيَّةٌ، فَافْتَقَرَتْ إِلَى النِّيَّةِ كَالْكَفَّارَةِ،
بِخِلَافِ طَهَارَةِ الْخَبَثِ، فَإِنَّهَا نَقْلُ عَيْنٍ، أَشْبَهَ رَدَّ الْوَدِيعَةِ، وَلِأَنَّ طَهَارَةَ الْحَدَثِ بَابُهَا الْفِعْلُ أَشْبَهَتِ الصَّلَاةَ، وَطَهَارَةَ النَّجَاسَةِ بَابُهَا التَّرْكُ أَشْبَهَتْ تَرْكَ الزِّنَا، وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ طَوَائِفَ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْعِبَادَةِ النِّيَّةُ بِدَلِيلِ السِّتَارَةِ، وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، وَهُمَا شَرْطَانِ لِلْعِبَادَةِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمَا يُوجَدَانِ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ كَوُجُودِهِمَا قَبْلَهَا، فَنِيَّةُ الصَّلَاةِ مُتَضَمِّنَةٌ لَهُمَا
بِخِلَافِ طَهَارَةِ الْحَدَثِ، وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَتَطَهَّرُ، وَهُوَ مُتَطَهِّرٌ لَمْ يَحْنَثْ بِالِاسْتِدَامَةِ،
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَسْتَتِرُ، وَلَا يَسْتَقْبِلُ حَنِثَ بِاسْتِدَامَتِهِمَا،
وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي طَهَارَةِ النَّجِسِ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ، وَفِيهِ وَجْهٌ: يُشْتَرَطُ إِنْ كَانَتْ عَلَى الْبَدَنِ،
وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهَا شَرْطٌ مُطْلَقًا (وَهِيَ أَنْ يَقْصِدَ رَفْعَ الْحَدَثِ) ، وَهُوَ الْمَانِعُ مِمَّا تُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ، وَالْمُرَادُ رَفْعُ حُكْمِهِ، وَإِلَّا فَالْحَدَثُ إِذَا وَقَعَ لَا يَرْتَفِعُ (أَوِ الطَّهَارَةَ لِمَا لَا يُبَاحُ إِلَّا بِهَا) أَيْ: يَقْصِدُ اسْتِبَاحَةَ عِبَادَةٍ لَا تُسْتَبَاحُ إِلَّا بِالطَّهَارَةِ كَالصَّلَاةِ، وَالطَّوَافِ، وَمَسِّ الْمُصْحَفِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ رَفْعَ الْحَدَثِ ضَرُورَةَ أَنَّ صِحَّةَ ذَلِكَ لَا تَجْتَمِعُ مَعَهُ،
فَإِنْ نَوَى التَّبَرُّدَ، وَمَا لَا تُشْرَعُ لَهُ الطَّهَارَةُ، كَأَكْلٍ وَبَيْعٍ، وَنَوَى مَعَ ذَلِكَ الطَّهَارَةَ صَحَّتْ، وَإِلَّا فَلَا،
وَإِنْ غَسَلَ أَعْضَاءَهُ لِيُزِيلَ عَنْهَا النَّجَاسَةَ، أَوْ لِيُعَلِّمَ غَيْرَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ،
وَإِنْ نَوَى صَلَاةً مُعَيَّنَةً لَا غَيْرَهَا ارْتَفَعَ مُطْلَقًا،
وَإِنْ نَوَى طَهَارَةً مُطْلَقَةً، أَوْ وُضُوءًا مُطْلَقًا فَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ،
وَإِنْ نَوَى الْجُنُبُ بِغَسْلِهِ الْقِرَاءَةَ ارْتَفَعَ الْأَكْبَرُ،
وَفِي الْأَصْغَرِ وَجْهَانِ، وَإِنْ نَوَى بِغَسْلِهِ اللُّبْثَ فِي الْمَسْجِدِ، ارْتَفَعَ الْأَصْغَرُ وَفِي الْأَكْبَرِ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ،
وَقِيلَ: وَغَيْرِهَا وَجْهَانِ، وَإِنْ نَوَى مِنْ حَدَثِهِ مُسْتَمِرًّا اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ صَحَّ، وَارْتَفَعَ حَدَثُهُ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَعْيِينِ النِّيَّةِ لِلْفَرْضِ،
فَلَوْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ لَمْ يَرْتَفِعْ فِي الْأَقْيَسِ،
وَيُسَنُّ نُطْقُهُ بِهَا سِرًّا، وَلَا يَضُرُّ سَبْقُ لِسَانِهِ
بِخِلَافِ قَصْدِهِ.
تَنْبِيهٌ: يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ وُضُوءٍ عَقْلٌ، وَتَمْيِيزٌ، وَإِسْلَامٌ، وَدُخُولُ وَقْتٍ عَلَى مَنْ حَدَثُهُ دَائِمٌ لِفَرْضِهِ، وَإِزَالَةُ مَا يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ، وَطُهْرٌ مِنْ حَيْضٍ، وَنِفَاسٍ، وَفَرَاغُهُ مِنْ خُرُوجِ خَارِجٍ، وَطَهُورِيَّةُ مَاءٍ، وَإِبَاحَتُهُ
والمُوالاةُ على إحْدَى الرِّوايتَين. وأطْلَقَهما في «الهدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِب»، و «الكافِي»، و «التَّلْخِيص»، و «البُلْغَةِ»، و «ابنِ تميمٍ»؛ إحْدَاهما، هي فرْضٌ. وهو المذهبُ. نصَّ عليه في روايةِ الجماعَةِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعليه الأصحابُ. قاله الزَّرْكَشِيُّ وغيرُه. وهو ظاهرُ كلامِ الخِرَقِيِّ؛
لقوْلِه في مسْحِ الخُفَّين: فإنْ خَلَعَ قبلَ ذلك، أعادَ الوضوءَ. وهو مِن مُفْرَدَاتِ المذهب. والثانيةُ، ليستْ بفَرْضٍ، بل هي سُنَّةٌ.
وقيل: إنَّها ظاهرُ كلامِ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه لم يذْكُرْها في فُروضِ الوضوءِ. قال المُصنِّفُ، في «المُغْنِي»: ولم يذْكُرِ الخِرَقي المُولاةَ.
تنبيه: الرِّوايتان في كلامِ المُصَنِّفِ يعُودانِ إلى المُوالاةِ فقط؛ لما تقدَّم عنه في «المُغْنِي» أنَّه لم يَرَ عنه فيه اخْتِلافًا.
وقال ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»: الخِلافُ راجِعٌ إلى التَّرْتيبُ والمُوالاةِ. ويَحْتَمِلُه كلامُ المُصَنِّفِ.
قلتُ: صرَّحَ به في «الهادِي»،
فقال: وفي المَضْمضَةِ والاسْتِنْشاقِ والتَّرْتيبِ والمُوالاةِ رِوايتان.
وقال في «الكافِي»: وحُكِيَ عنه أنَّ التَّرْتيبَ ليس بواجبٍ.
فائدة: لا يسْقُطُ التَّرْتيبُ والمُوالاةُ بالنِّسْيانِ، على الصَّحيحِ مِن المذهب. وعليه جمهورُ الأصحابِ. وجزَم به ناظِمُ «المُفرداتِ» وغيرُه، وهو منها. وقدَّمه ابنُ عُبَيدان وغيرُه.
وقيل: يَسْقُطانِ. وقيل: يسْقُطُ التَّرْتيبُ وحدَه. قال ابنُ تميمٍ: قال بعضُ أصحابِنا: تَسْقُطُ المُوالاةُ بالعُذْرِ، والجَهْلُ كذلك في الحُكْمِ. قاله في «القَواعدِ الأصُولِيَّةِ». قال الشيِخُ تَقِيُّ الدِّين: تَسْقُطُ المُوالاةُ بالعُذْرِ.
وقال: هو أشْبَهُ بأصُولِ الشَّريعةِ وقَواعدِ أحمدَ. وقوَّى ذلك وطَرَّدَه في التَّرْتيبِ،
وقال: لو قيل بسُقوطِه للعُذْرِ،؛ لو غسَل وَجْهَه فقط لمَرَضٍ ونحوه، وَهِيَ أَنْ لَا يُؤَخِّرَ غَسْلَ عُضْوٍ حَتَّى يَنْشَفَ الَّذِى قَبْلَهُ، ثم زال قبلَ انْتِقاضِ وُضوئِه بغَسْلِه لَتوَجَّه. انتهى. وهو أَنْ لَا يؤَخِّرَ غَسْلَ عُضْوٍ حتى ينشَفَ الذي قبلَه. مُرادُه في الزَّمانِ المُعْتَدلِ. وقَدَّرَه في غيرِه. وهذا المذهبُ، وعليه جمهورُ الأصحابِ. قال الزَّرْكَشِيُّ: هذا المشْهورُ عندَ الأصحاب. ونصَرَه في «مَجْمعِ البَحْرَين»، وغيره. قال ابنُ رَزِينٍ، وابنُ عُبَيدان: هذا الأصَحُّ. وجزَم به في «التَّلْخِيصِ»، و «البُلْغَةِ»، وابنُ مُنَجَّى في «شَرحِه»، و «الفائقِ»، و «المَذْهَبِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأحْمَدِ»، وغيرهم.
وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرَحِ»، و «الفُرُوعِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرى»، و «الحاوي الكبير»، و «ابنِ عُبَيدان»، و «مَجْمَعِ البَحْرَين»، وغيرهم.
وقيل: هو أنْ لا يُؤخِّرَ غَسْلَ عُضْوٍ حتى يَنْشَفَ الكُلُّ. وأطْلَقَهما في «المُذْهَبِ»
وقيل: هو أنْ لا يُؤَخِّرَ غَسْلَ عُضْوٍ حتى يَنْشَفَ أيُّ عُضْوٍ كان. حكاهُ ابنُ عَقِيلٍ.
وعنه، يُعْتَبَرُ طُولُ المُكْثِ عُرْفًا. قال الخَلَّالُ: هو الأشْبَهُ بقوْلِه، والعملُ عليه.
قال في «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «المُنْتَخَبِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»: ويُوالِي عُرْفًا. قال ابنُ رَزِينٍ: وهذا أقْيَسُ.
قلتُ: يَحْتَمِلُ أنَّ هذه الرِّوايةَ مُرادُ مَنْ حَدَّها بحَدٍّ، ويكُونون مُفسِّرِين للعُرْفِ بذلك، ثم رأيتُ الزَّرْكَشِيَّ قال مَعْناه.
قال في «الرِّعايَةِ الصُّغْرى»، و «الحاوي الصَّغير»: في زمَنٍ مُعْتَدِلٍ، أو طال عُرْفًا.
قال في القاعِدَةِ الثَّالثةِ بعدَ المِائَةِ: وهل الاعْتِبارُ بالعُرْفِ، أو بجَفافِ الأعْضاءِ؟ على رِوايتَين.
فوائد؛ منها، لا يَضُرُّ اشْتِغالُه في العُضْو الآخَرِ بسُنَّةٍ؛ كتَخْليلٍ، أو إسْباغٍ، أو إزالةِ شَكٍّ، ويَضُرُّ إسْرافٌ، وإزالةُ وَسَخٍ ونحوُه. جزَم به في «الفُروعِ»، و «الحاوي الكبيرِ»، وأَطْلَقا. ولعَلَّهما أرادَا ما جزَم به الزَّرْكَشِيُّ، إذا كان إزالةُ الوَسَخِ لغيرِ الطَّهارَة. وجزَم في «الكافِي»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصّغير». وهو ظاهرُ ما جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، وابنُ عُبَيدان، أنَّه لا يَضُرُّ إزالةُ الوَسَخِ، وأطْلَقُوا. ولَعَلَّهم أرادُوا إذا أزَالها لأجْلِ الطَّهارَةِ.
ولا وَالنِّيَّةُ شَرْطٌ لِطَهَارَةِ الْحَدَثِ كُلِّهَا؛ تَضُرُّ الإِطَالةُ لوَسْوَسَةٍ. صَحَّحَه في «الرِّعايَةِ الكُبْرى». وقدَّمه ابنُ عُبَيدان، والمُصَنِّفُ في «المُغْنِي»، والشَّارِحُ، وابنُ رَزِينٍ في «شَرْحِه».
وقيل: تَضُرُّ. جزَم به في «الحاوي الكبيرِ»، و «مَجْمع البَحْرَين»: وقدَّمه في «الرِّعايَةِ الصُّغْرى»، و «الحاوي الصَّغيرِ». وأطْلَقَهما في «الفُروعِ»، و «ابنِ تَميمٍ»، و «الزَّرْكَشِي». وتَضُرُّ إزالةُ النَّجاسَة إذا طالتْ. قدَّمه في «الرعايَّةِ الكُبْرَى».
وقيل: لا تضُرُّ. وأطْلَقَهما في «الفُرَوعِ» و «ابنِ تمِيمٍ»، و «الزرْكَشِيِّ». وتضُرُّ الإطَالةُ في تَحْصيلِ الماءِ. قدَّمه الزرْكَشِيُّ، و «الرِّعايَةِ». وهو ظاهِرُ كلامِ ابنِ رَزِينٍ في «شَرْحِه».
وعنه، لا تضُرُّ. وأطْلَقَهما في «الفُروعِ»، و «ابنِ تَميمٍ». ومنها، لا يُشْتَرَطُ للغُسْلِ مُوالاةٌ. على الصَّحيحِ مِن المذهب، وعليه الأصحابُ. وحكَى بعضُ الأصحابِ الاشْتِراطَ كالوُضوءِ، ويأْتِي ذلك في الغُسْلِ. ومنها، إذا قُلْنا: المُوالاةُ سُنَّةٌ. وفاتَتْ، أو فَرَّقَ الغُسْلَ، فلابُدَّ لإِتْمامِ الوُضوءِ والغُسْلِ من نِيَّةٍ مُسْتَأْنَفَةٍ. قاله ابنُ عَقِيلٍ، والمَجْدُ، وصاحِبُ «الفُروعِ»، وغيرُهم، بِناءً على أنَّ شَرْطَ النِّيَّةِ الحُكمِيَّةِ قُرْبُ الفِعْلِ منها، كحالةِ الابْتِداءِ.
قال في «الفُروعِ»: فدَلَّ على الخِلافِ. كما يأْتِي في نِيَّةِ الحجِّ في في دُخولَ مَكَّةَ، ونِيَّةِ الصَّلاةِ. ويأْتِي ذلك في الغُسْلِ. والنِّيَّةُ شَرْطٌ لطهارةِ الحَدَثِ كُلَّها. وهذا المذهبُ المَجْزومُ به عندَ جماهيرِ الأصحابِ.
وقيل: النِّيَّةُ فَرْضٌ. قال ابنُ تَميم، و «الفائِقِ».
وقال الخِرَقي: والنِّيِّةُ مِن فُروضِها. وأوَّلُوا كلامَه.
وقيل: رُكْنٌ. ذَكَرَهما في «الرِّعايَةِ الكُبرَى».
قلتُ: لا يَظْهَرُ التَّنافِي بينَ القَوْلِ بفَرْضِيَّتِها ورُكْنِيَّتِها، فلعَلَّه حكَى عِبارَاتِ الأصحاب. وذكَر ابنُ الزَّاغُونِيِّ وَجْهًا في المذهبِ، أنّ النِّيَّةَ لا تُشْتَرط في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
طهارةِ الحَدَث. قال في «القَواعدِ الأصُولِيَّةِ»: وهو شاذٌّ.
وقال في «الفُروعِ»: ذكَر بعضُ أصحابِنا عن أصحابِنا والمالِكِيَّةِ والشَّافِعِيَّةِ، أنَّه ليس مِن شرْطِ العبادَةِ النِّيَّةُ.
وقال أبو يَعْلَى الصَّغِيرُ: ويتَوجَّهُ على المذهب صِحَّةُ الوُضوءِ والغُسْلِ مِن غيرِ نِيَّةٍ. قال: وقد بنَى القاضي هذه المسْألةَ على أنَّ التَّجْدِيدَ، هل يَرْفعُ الحَدَثَ أم لا؟ ويأْتِي في آخِرِ أحْكامِ النَّيِّةِ، هل يَحْتاجُ غُسْلُ الذِّمِّيَّةِ إلى النَّيِّةِ أم لا؟.
فائدة: لا يُسْتحَبُّ التَّلَفُّظُ بالنَّيِّةِ، على أحَدِ الوَجْهَين. وهو المنْصوصُ عن أحمدَ. قاله الشيخُ تَقِيُّ الدِّين،
وقال: هو الصَّوابُ. الوَجْهُ الثَّاني، يُسْتحَبُّ التَّلَفُّظُ بها سِرًّا. وهو المذهبُ. قدَّمه. في «الفُروعِ». وجزَمَ به ابنُ عُبَيدان، و «التَّلْخِيصِ»، و «ابنِ تَمِيمٍ»، وابنُ رَزِينٍ. قال الزَّرْكَشِيُّ: هو الأوْلَى عندَ كثيرٍ مِن المُتَأَخِّرين.
تنبيه: مفْهومُ قولِه: والنِّيَّةُ شَرْطٌ لطهارَةِ الحَدَثِ. أنَّها لا تُشْتَرطُ لطَهارَةِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الخبَث. وهو صَحيحٌ، وهو المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ. وقطَع به كثيرٌ منهم.
وقيل: شرْطٌ كطهارَةِ الحَدَثِ. وحكَى ابنُ مُنَجَّى في «النِّهايَةِ»، أنَّ الأصحابَ قالُوه في كتُبِ الخِلاف.
وقيل: إِنْ كانتِ النَّجاسَةُ على البَدَنِ فهي شَرْطٌ، وإلَّا فلا.
وقال أبو الخَطَّابِ، في «الانْتِصارِ»: في طهارةِ البَدَن بصَوْبِ وَهِيَ أَنْ يَقْصِدَ رَفْعَ الْحَدَثِ، أَو الطَّهَارَةَ لِمَا لا يُبَاحُ إلا بِهَا.
غَمامٍ، أو فِعْلِ مَجْنُونٍ أو طِفْلٍ، احْتِمالان. وهو أنْ يَقصِدَ رَفْعَ الحَدَثِ أو الطَّهارةَ لما لا لايُباحُ إلَّا بها. هذا المذهبُ. قاله الأصحابُ.
وقال في «المُسْتَوْعِب»، و «شَرْحِ ابنِ عُبَيدان»، وغيرِهما: النِّيَّةُ هي قَصْدُ المَنْويِّ.
وقيل: العَزْمُ على المَنْويِّ. وقيل: إنْ نَوَى مع الحَدَثِ النَّجاسةَ لم يُجْزِئْه. اخْتارَه الشَّريفُ أبو جَعْفَرِ.
قال في «الفُروعِ»: ويَحْتَمِلُ إنْ نَوَى مع الحَدَثِ التَّنَظُّفَ أو التَّبَرُّدَ، لم يُجْزِئْه.
فائدة: يَنْوى مَنْ حَدَثُه دائمٌ الاسْتِباحَةَ، على الصَّحيحِ من المذهب. قال ابنُ تَمِيم: وَيَرْتَفِعُ حدَثُه. ولعَلَّه سَهْوٌ.
وقيل: أو يَنْوِي رَفْعَ الحَدَث. [قال المَجْدُ: هي كالصَّحيحِ في النِّيَّةِ.
قال في «الرِّعايَةِ». وقيل: نِيَّتُها كنِيَّةِ الصَّحيحِ، ويَنْوي رَفْعَه. انتهى.
وقيل: أو يَنْوي رفْعَ الحَدَثِ] .
وقيل: هما. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال في «الرِّعايتَينِ»، و «الحاويَين»: وجَمْعُهما أوْلَى. [فعلى المذهب، لا يَحْتاجُ إلى تَعْيِينِ نِيَّةِ الفرْضِ. قطَعَ به ابنُ مُنَجَّي، وابنُ حَمْدَان. قال المَجْدُ في «شَرْحِه»: هذا ظاهرُ قوْلِ الأصحابِ. انتهى. ويرْتَفِعُ حَدَثُه أيضًا، على الصَّحيحِ مِن المذهب. قدَّمه ابنُ تميمٍ، وابنُ حَمْدَان. وهو ظاهرُ ما قطَعَ به في «شَرْحِه»؛ فإنَّه قال: هذه الطَّهارَةُ ترْفَعُ الحَدَثَ. أوْجَبها.
وقال أبو جَعْفَرٍ: طَهارَةُ المُسْتَحاضَةِ لا تَرْفَعُ الحَدَثَ. والنَّفْسُ تَميلُ إليه. وهو ظاهرُ كلامِه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»] .
فائدة: لم يذْكُرِ المُصَنِّفُ، رَحِمَه اللهُ تعالىَ، هنا مِن شُروطِ الوُضوءِ إلَّا النِّيَّةَ، وللوُضوءِ شُروطٌ أُخْرَى؛ منها، ما ذكَرَه المُصَنِّفُ في آخرِ بابِ الاسْتِنْجاءِ، وهو إزالةُ ما على الفَرْجَين مِن أذًى بالماءِ أو بالأَحْجارِ، على الصَّحيحِ مِن المذهبِ، كما تقدَّم. ومنها، إزالةُ ما على غيرِ السَّبِيلَين مِن نَجاسَةٍ، على قوْلٍ تقَدَّم هناك. ومنها، دخُولُ الوَقْتِ على مَنْ حدَثُه دائِمٌ؛ كالمُسْتَحاضَةِ،
ومَنْ به سَلَسُ البَوْلِ، والغائطُ، ونحوهم، على ما يأْتِي في آخِرِ بابِ الحَيضِ. ومنها، التَّمْيِيزُ، فلا وُضوءَ لمنْ لا تَمْيِيزَ له؛ كمَنْ له دُونَ سَبْعٍ.
وقيل: سِتٍّ. أو مَن لا يَفْهَمُ الخِطابَ ولا يَرُدُّ الجوابَ. على ما يأْتِي في كتابِ الصَّلاةِ. ومنها، إزالةُ ما يَمْنَعُ وُصُولَ الماءِ إلي العُضْو. ومنها، العَقْلُ، فلا وضوءَ لمَنْ لا عَقْلَ له، كالمَجْنُونِ ونحوه. ومنها، الطَّهارةُ مِن الحَيضِ والنِّفاسِ. جزَم به ابنُ عُبَيدان.
قال في «الرِّعايَةِ»: ولا يَصِحُّ فإِنْ نَوَى مَا تُسَنُّ لَهُ الطَّهَارَةُ أَو التَّجْدِيدَ، فَهَلْ يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
وُضُوءُ الحائض. على ما يأْتِي أوَّلَ الحَيضِ مُسْتَوْفَى.
قلتُ: ومنها الطَّهارَةُ مِن البَوْلِ والغائطِ، أعْنِي انْقِطاعَهما، والفراغَ مِن خُروجِهما. ومنها، طَهُورِيَّةُ الماءِ، خِلافًا لأبي الخطَّابِ، في «الانتِصارِ»، في تَجْويزِه الطَّهارَةَ بالماءِ المُسْتَعْمَلِ في نَفْلِ الوُضوءِ، كما تقدَّم عنه ذلك في كتابِ الطَّهارَةِ. ومنها، إباحَةُ الماءِ، على الصَّحيحِ مِن المذهب، على ما تقدَّم في كتابِ الطَّهارَةِ. وهو مِن المُفْرَداتِ. ومنها، الإسْلامُ. قاله ابنُ عُبَيدان وغيرُه. فهذِه اثْنا عشَرَ شَرْطًا للوُضوءِ، في بعضِها خِلافٌ.
قال: (والنية شرط لطهارة الحدث كلها، وهي: أن يقصد رفع الحدث أو الطهارة لما لا يباح إلا بها) .
أما كون النية شرطًا لطهارة الحدث كلها فلقوله عليه السلام:«إنما الأعمال بالنيات وإنما لامرئ ما نوى» متفق عليه.
فإن قيل: ما وجه الحجة من ذلك؟ قيل: وجهها أنه نفى العمل وهو موجود فيكون ظاهرًا في نفي المشروعية لأنه أقرب إلى نفي الحقيقة. ويمكن أن يقال النفي داخل على الحقيقة الشرعية لأنه داخل على عمل شرعي وبدون النية لا وجود للعمل الشرعي.
وقول المصنف رحمه الله: وهي أن يقصد رفع الحدث أو الطهارة لما لا يباح إلا بها بيان لمعنى النية.
فإن قيل: ما محلها؟
قيل: القلب.
فإن قيل: إذا قصد رفع الحدث لا شبهة فيه فَلِمَ يكون كذلك إذا قصد الطهارة لما لا يباح إلا بالطهارة كالصلاة والطواف وشبههما؟
قيل: لأن ذلك يستلزم رفع الحدث ضرورة أن صحة ذلك لا يجتمع معه.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.