وَإِنْ طَلَبَ الْعَامِلُ الْبَيْعَ فَأَبَى رَبُّ الْمَالِ أُجْبِرَ إِنْ كَانَ فِيهِ رِبْحٌ وَإِلَّا فَلَا
Its commentaries
مسألة: (وإن طَلَب العامِلُ البَيعَ، فأبَى رَبُّ المالِ، أجْبِرَ إن كان فيه رِبْح، وإلَّا فلا) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ المُضارَبَةَ مِن العُقُودِ الجائِزَةِ، تَنْفَسِخُ بفَسْخِ أحَدِهما، أيهما كان، وبموتِه، والحَجْرِ عليه لسَفَهٍ، كالوَكالةِ. ويَسْتَوي في ذلك ما قبلَ التَّصَرُّفِ وبعدَه.
فإنِ انْفَسَخَتْ والمالُ ناضٌّ لا رِبْحَ فيه، أخَذَه رَبُّه،
فإن كان فيه رِبْح، قَسَماه على ما شَرَطا.
فإنِ انْفَسَخَتْ والمالُ عَرْض، فاتفَقا على بَيعِه أو قَسْمِه، جاز؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، فجاز ما اتَّفَقا عليه.
وإن طَلَب العامِلُ البَيعَ، فأبَى رَبُّ المالِ، وقد ظَهَر في المال رِبْحٌ، أجْبِرَ رَبُّ المالِ على البَيعِ. وهذا قولُ الثّوْرِيِّ، وإسْحاقَ؛ لأنَّ حَقَّ العامِلِ في الرِّبْحِ، ولا يَظْهَرُ إلَّا بالبَيعِ.
وإن لم يَظْهَرْ رِبْح، لم يُجْبَرْ؛ لأنَّه لا حَقَّ له فيه، وقد رَضِيَه مالِكُه كذلك، فلم يُجْبَرْ على بَيعِه. وهذا ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ.
وقال بعضُهم: فيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يُجْبَرُ؛ لأنَّه رُبَّما زاد فيه راغِب فزاد على ثَمَنِ الْمِثِلِ، فيكونُ للعامِلِ [في البَيعِ] حَظ. ولَنا، أنَّ المُضارِبَ إنَّما اسْتَحَقَّ الرِّبْحَ إلى حينِ الفَسْخِ، وذلك لا يُعْلَمُ إلا بالتقْويمِ، ألا تَرَى أنَّ المُسْتَعِيرَ إذا غَرَس أو بَنَى، أو المُشْتَرِيَ،
فإنَّ للمُعِيرِ والشفِيعِ أن يَدْفَعا قِيمَةَ ذلك؛ [لأنه مُسْتَحِقٌّ للأرْضِ]، فههُنا أوْلَى. وما ذكَرُوه مِن احْتِمالِ الزِّيادة بزِيادة راغِب على القِيمَةِ، فإنَّما حَدَث ذلك بعدَ فَسْخِ العَقْدِ، فلا يَستَحِقُّها العامِلُ.
٢٠٩٦ -
(وَإِنْ طَلَبَ الْعَامِلُ الْبَيْعَ فَأَبَى رَبُّ الْمَالِ أُجْبِرَ) أَيْ عَلَى الْبَيْعِ (إِنْ كَانَ فِيهِ رِبْحٌ) نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ حَقَّ الْعَامِلِ فِي الرِّبْحِ لَا يَظْهَرُ إِلَّا بِالْبَيْعِ، فَأُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ مِنْ أَدَائِهِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ (وَإِلَّا فَلَا) أَيْ إِذَا لَمْ يَظْهَرْ رِبْحٌ لَمْ يُجْبَرِ الْمُمْتَنِعُ عَلَى الْبَيْعِ ; لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْعَامِلِ فِيهِ، وَقَدْ رَضِيَهُ مَالِكُهُ كَذَلِكَ فَلَم يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ،
وَقِيلَ: يُجْبَرُ مُطْلَقًا ; لِأَنَّهُ رُبَّمَا زَادَ فِيهِ رَاغِبٌ، فَزَادَ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ، فَيَكُونُ لِلْعَامِلِ فِيهِ حَظٌّ، وَرُدَّ بِأَنَّهَا حَصَلَتْ بَعْدَ الْفَسْخِ فَلَمْ يَسْتَحِقَّهَا الْعَامِلُ، فَعَلَى تَقْدِيرِ الْخَسَارَةِ يَتَّجِهُ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ، ذَكَرَهُ الْأَزَجِيُّ.
فَرْعٌ: لِلْعَامِلِ شِرَاءُ الْبَعْضِ مِنَ الْمَالِكِ إِنْ لَمْ يَظْهَرْ رِبْحٌ،
وَقِيلَ: مُطْلَقًا، وَكَذَا مِنْ نَفْسِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَصِحَّ مُطْلَقًا.
وإنْ طلَب العامِلُ البَيعَ، فأبَى رَبُّ المالِ، أجْبِرَ، إنْ كان فيه رِبْحٌ -بلا خِلافٍ أعَلمُه- وإلَّا فلا. يعْنِي،
وإنْ لم يَكُنْ فيه رِبْح، لم يُجْبَرْ. وهذا المذهبُ، نصَّ عليه، وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وقيل: يُجْبَرُ. قال في «الفُروعِ»: فعلى تقْديرِ الخَسارَةِ يتَّجِهُ منْعُه مِن ذلك. ذكَرَه الأزَجِي.
قلتُ: وهو الصَّوابُ. وإنِ انْفَسَخَ الْقِرَاضُ، وَالْمالُ عَرْض، فَرَضِيَ رَبُّ الْمَالِ أنْ يَأخُذَ بِمَالِهِ عَرْضًا، أوْ طَلَبَ الْبَيعَ، فَلَهُ ذَلِكَ.
وإذا انْفسَخَ القِراضُ، والمالُ عَرْض، فرَضِيَ رَبُّ المالِ أنْ يَأخُذَ بمالِه عَرْضًا، أو طلَب البَيعَ، فله ذلك. إذا انْفَسَخَ القِراضُ مُطْلَقًا، والمالُ عَرْض، فللْمالكِ أنْ يأخُذَ بمالِه عَرْضًا؛ بأنْ يُقَوَّمَ عليه. نصَّ عليه.
وإذا ارْتفَعَ السِّعْرُ بعدَ ذلك، لم يَكُنْ للمُضارِبِ أنْ يُطالِبَ بقِسْطِه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وقيل: له ذلك.
قال ابنُ عَقِيل: وإنْ قصَد رَبُّ المالِ الحِيلَةَ ليَخْتَصَّ بالرِّبْحِ؛ بأنْ كان العامِلُ اشْتَرَى خَزًّا في الصَّيفِ ليَرْبَحَ في الشِّتاءِ، أو يرجوَ دخولَ مَوْسِم أو قفلٍ،
فإنَّ حقَّه يبقَى مِنَ الرِّبْحِ.
قلتُ: هذا هو الصَّوابُ، ولا أظُنُّ الأصحابَ يُخالِفون ذلك. قال الأزَجِي: أصلُ المذهبِ، أنَّ الحِيَلَ لا أثَرَ لها. انتهى.
وإذا لم يَرْضَ رَبُّ المالِ أنْ يأخذ عَرْضًا، وطلَب البَيعَ، أو طلَبَه ابْتِداءً، فله ذلك،
ويَلْزَمُ المُضارِبَ بَيعُه مُطْلَقًا. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قدَّمه في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الفُروعِ» وغيرِه. وصحَّحَه في «التلْخيصِ». وجزَم به في «النَّظْمِ»، و «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ».
وقيل: لا يُجْبَرُ إذا لم يَكُنْ في المالِ رِبْح، أو كان فيه رِبْح، وأسْقَطَ العامِلُ حقَّه منه. وأطْلَقهما في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ». فعلى المذهبِ، قال المُصَنفُ، والشَّارِحُ: إنما يَلْزَمُه البَيعُ في مِقْدارِ رأسِ المالِ. وجزَم به في «الوَجيزِ».
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، يَلْزَمُه في الجميعِ.
قلتُ: وهو الصوابُ. وهو ظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا، وأكثرِ الأصحابِ. وقدمه في «الفُروعِ»، وكما تقدم. وعلى الوَجْهِ الثَّاني، في اسْتِقْرارِه بالفَسْخِ وَجْهان. وأطْلَقهما في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصغِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ».
قلتُ: الأوْلَى الاسْتِقْرارُ.
فائدتان؛ إحْداهما، لو فسَخ المالِكُ المُضارَبَةَ، والمالُ عَرْض، انْفَسَخَتْ، وللمُضارِبِ بَيعُه بعدَ الفَسْخِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ؛ لتَعَلقِ حقه برِبْحِه. ذكَرَه القاضي في «خِلافِه». وهو ظاهرُ كلامِ الإمامِ في رِوايَةِ ابنِ مَنْصُور. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقدمَه في «القاعِدَةِ السِّتِّين». وذكَر القاضي في «المُجَرَّدِ»، وابنُ عَقِيل، في بابِ الشرِكَةِ، أنَّ المُضارِبَ لا يَنْعَزِلُ ما دامَ عَرْضا، بل يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ حتى ينضَّ رأسُ المالِ، وليس للمالِكِ عَزْلُه،
وأن هذا ظاهِرُ كلامِ أحمدَ في رِوايَةِ حَنْبَل. وذكَر في المُضارَبَةِ، أن المُضارِبَ يَنْعَزِلُ بالنِّسْبَةِ إلى الشِّراءِ، دُونَ البَيعِ. وحمَل صاحِبُ «المُغْنِي» مُطْلَقَ كلامِهما في الشرِكَةِ على هذا التَّقْيِيدِ. ولكِنْ صرَّحَ ابنُ عَقِيل، في مَوْضِع آخَرَ، أن العامِلَ لا يَمْلِكُ الفَسْخَ حتى ينضَّ رأسُ المالِ، مُراعاة لحَقِّ مالِكِه.
وقال في بابِ الجَعالةِ: المُضارَبَةُ كالجَعالةِ، لا يَمْلِكُ ربُّ المَالِ فَسْخَها بعدَ تَلبسِ العامِلِ بالعَمَلِ. وأطْلَقَ ذلك.
وقال في «مُفْرَداتِه»: إنَّما يَمْلِكُ المُضاربُ الفَسْخَ بعدَ أنْ ينض رأسُ المالِ، ويَعْلَمَ ربُّ المالِ أنه أرادَ الفَسْخَ. قال: وهو الأليَقُ بمَذْهَبِنا، وأنه لا يحِل لأحَدِ المُتَعاقِدَين في الشَّرِكَةِ والمُضارَباتِ الفَسْخُ مع كتمِ شَرِيكِه.
قال في «القَواعِدِ»: وهو حسَن، جارٍ على قواعِدِ المذهبِ في اعْتِبارِ المَقاصِدِ، وسَد الذَّرائعِ. الثانية، لو كان رأسُ المالِ دَراهِمَ، فصارَ دَنانِيرَ، أو عكْسَه، فهو كالعَرْضِ. قاله الأصحابُ.
وقال الأزَجِي: أنْ قُلْنا: هما شيء واحِد، وهو قِيمَةُ الأشْياءِ، لم يَلْزَمْ، ولا فَرْقَ؛ لِقيامِ كلِّ واحد منهما مَقامَ الآخَرِ. قال: فعلى هذا يَدُورُ الكَلامُ.
وقال أيضًا: ولو كان صِحاحًا وَإنْ كَانَ دَينًا، لَزِمَ الْعَامِلَ تَقَاضِيهِ.
فنَضَّ قُراضَةً، أو مُكَسَّرَةً، لَزِمَ العامِلَ رَدُّه إلى الصِّحاحِ، فيَبيعُها بصِحاح، أو بعَرْض، ثم يَشْتَرِيها .
قال: (وإن طلب العامل البيع فأبى رب المال أجبر إن كان فيه ربح، وإلا فلا) .
أما كون رب المال يجبر على البيع إذا طلبه العامل وكان في المال ربح؛ فلأن مع الربح له فيه حق فأجبر الممتنع من أدائه؛ كسائر الحقوق.
وأما كونه لا يجبر إذا لم يكن فيه ربح؛ فلأنه لا حق له فيه. أشبه ما لو لم يضاربه.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.