وَكَذَلِكَ الظِّئْرُ وَيَسْتَحِبُّ أَنْ تُعْطَى عِنْدَ الْفِطَامِ عَبْدًا أَوْ وَلِيدَةً إِذَا كَانَ الْمُسْتَرْضِعُ مُوسِرًا
Its commentaries
مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن تُعْطَى عندَ الفِطامِ عَبْدًا أو وَلِيدَةً، إذا كان المُسْتَرْضِعُ مُوسِرًا) لِما روَى أبو داودَ بإسْنادِه، عن هِشام بنِ عُرْوَةَ، عن أبيه، عن حَجّاجِ بنِ حَجّاجٍ الأسْلَمِيِّ، عن أبيه،
قال: قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، ما يُذهِبُ عَنِّي مَذمَّةَ الرَّضاعِ؟ قال: «الغُرَّةُ؛ الْعَبْدُ أو الأمَةُ». قال الترْمِذِيُّ: حديثٌ حسن صَحيحٌ. المَذِمَّةُ بكَسْرِ الذّالِ، مِن الذِّمامِ، وبفَتْحِها مِن الذَّم. قال ابنُ عَقِيل: إنَّما خَصَّ الرَّقَبَةَ بالمُجازاةِ دُونَ غيرِها؛ لأنَّ فِعْلَها مِن الرَّضاعَةِ والحضانةِ سَبَبُ حَياةِ الوَلَدِ وبَقائِه وحِفْظِ رَقَبَتِه، فاسْتُحِبَّ جَعْلُ الجَزاءِ هِبَتَها [رَقَبَةً؛ [ليُناسِبَ ما] بينَ النِّعْمَةِ والشُّكْرِ، ولهذا جَعَل الله تعالى المُرْضِعَةَ
أمًّا، فقال سبْحانه: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي] أَرْضَعْنَكُمْ} .
وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ، إلَّا أنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ» .
وإن كانتِ المُرْضِعَةُ مَمْلُوكَةً اسْتُحِبَّ إعْتاقها؛ لأنَّه يُحَصِّلُ أخَصَّ الرِّقابِ بها لها، وتَحْصُلُ به المجازاةُ التي جَعَلها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مُجازاةً للوالِدِ مِن النَّسَبِ.
فصل: ويَجُوزُ للرَّجُلِ أن يُؤْجِرَ أمَتَه، ومُدَبَّرَتَه، وأُمَّ وَلَدِه، والمُعَلَّقَ عِتْقُها بصِفَةٍ، والمَأذُونَ لها في التِّجارَةِ للإرْضاعِ؛ لأنَّه عَقدٌ على مَنْفَعَتِها، أشْبَهَ إجارَتَها للخِدْمَةِ. وليس لواحِدَةٍ مِنْهُنَّ إجارَةُ نَفْسِها؛ [لأنَّ مَنْفَعَتَها] لسَيِّدِها.
فإن كان لها وَلَدٌ، لم يَجُزْ إجارَتُها للإرْضاعِ، إلَّا أن يكونَ فيها فَضْلٌ عن رِيِّه؛ لأنَّ الحَقَّ لوَلَدِها، ليس لسَيِّدِها إلَّا الفاضِلُ عنه.
فإن كانت مُزَوَّجَةً، لم تَجُزْ إجارَتُها؛ لذلك، إلَّا بإذْنِ الزَّوْجَ؛ لأنَّه يُفَوِّتُ حَقَّه، لاشْتِغالِها عنه بالرَّضاعِ والحَضانَةِ.
فإن أجَرَها للرَّضاعِ، ثم زَوَّجَها، صَحَّ النِّكاحُ، ولا تَنْفَسِخُ الإجارَةُ، وللزَّوْجِ الاسْتِمْتاعُ بها وَقْتَ فرَاغِها مِن الرَّضَاعِ والحَضانَةِ.
وقال مالكٌ: ليس لزَوْجِها وَطْؤُها إلا برِضَى المُسْتأجِرِ؛ لأنَّه يَنْقُصُ اللبَنَ وقد يَقْطَعُه. ولَنا، أنَّ وَطْءَ الزَّوْجِ مُسْتَحَقٌّ فلا يَسْقُطُ لأمْرٍ مَشْكُوكٍ فيه. وليس للسَّيِّدِ إجارَةُ مُكاتَبَتِه؛ لأنَّ مَنافِعَها لها، ولذلك لا يَمْلِكُ تَزْويجَها ولا وَطْأها ولا إجارَتَها لغيرِ الرَّضَاعِ، ولها أن تُؤْجِرَ نَفْسَها، لأنَّه مِن الاكتِسابِ.
٢١٥٠ -
(وَكَذَلِكَ الظِّئْرُ) إِجْمَاعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} ، وَاسْتَرْضَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِوَلَدِهِ إِبْرَاهِيمَ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَيْهِ ; لِأَنَّ الطِّفْلَ فِي الْعَادَةِ لَا يَعِيشُ إِلَّا بِالرَّضَاعِ،
فَإِنْ جَعَلَ الْأُجْرَةَ طَعَامَهَا وَكُسْوَتَهَا جَازَ عَلَى الْمَذْهَبِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} ،
وَعَنْهُ الْمَنْعُ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ فَيَكُونُ مَجْهُولًا، فَعَلَى الصِّحَّةِ لَوِ اسْتَأْجَرَ لِلرَّضَاعِ دُونَ الْحَضَانَةِ أَوْ بِالْعَكْسِ اتُّبِعَ،
فَإِنْ أَطْلَقَ للرَّضَاعَ دَخَلَتِ الْحَضَانَةُ فِي وَجْهٍ لِلْعُرْفِ،
وَالثَّانِي: لَا ; لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا إِذِ الْحَضَانَةُ عِبَارَةٌ عَنْ تَرْبِيَةِ الطِّفْلِ وَحِفْظِهِ، وَجَعْلِهِ فِي سَرِيرِهِ، وَدُهْنِهِ، وَكُحْلِهِ، وَغَسْلِ خِرَقِهِ، وَنَحْوِهِ،
وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ الْعِلْمُ بِمُدَّةِ الرَّضَاعِ، وَمَعْرِفَةُ الطِّفْلِ بِالْمُشَاهَدَةِ، قَالَ الْقَاضِي: أَوْ بِالصِّفَةِ، وَمَوْضِعِ الرَّضَاعِ، وَمَعْرِفَةُ الْعِوَضِ، وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ فِي الرِّضَاعِ خِدْمَةُ الطِّفْلِ، وَحَمْلُهُ، وَوَضْعُ الثَّدْيِ فِي فِيهِ، وَاللَّبَنُ تَبَعٌ كَالصَّبْغِ،
وَقِيلَ: اللَّبَنُ.
قَالَ الْقَاضِي: هُوَ أَشْبَهُ ; لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ، وَلِهَذَا يُسْتَحَقُّ الْأَجْرُ بِالرِّضَاعِ دُونَ الْخِدْمَةِ، وَهَذَا خَاصٌّ بِالْآدَمِيِّينَ لِلضَّرُورَةِ إِلَى حِفْظِهِ وَبَقَائِهِ.
مَسْأَلَةٌ: لِلْمُرْضِعَةِ أَنْ تَأْكُلَ وَتَشْرَبَ مَا يُدِرُّ لَبَنَهَا، وَيَصْلُحُ بِهِ، وَلِلْمُكْتَرِي مُطَالَبَتُهَا بِذَلِكَ،
فَلَوْ سَقَتْهُ لَبَنَ غَنَمٍ، أَوْ دَفَعَتْهُ إِلَى غَيْرِهَا فَلَا أُجْرَةَ لَهَا ; لِأَنَّهَا لَمْ تَفِ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ. (وَيَسْتَحِبُّ أَنْ تُعْطَى) إِذَا كَانَتْ حُرَّةً (عِنْدَ الْفِطَامِ عَبْدًا أَوْ وَلِيدَةً إِذَا كَانَ الْمُسْتَرْضِعُ مُوسِرًا) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ حَجَّاجٍ الْأَسْلَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «قَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يُذْهِبُ عَنِّي مَذَمَّةَ الرَّضَاعِ؟ قَالَ:" الْغُرَّةُ الْعَبْدُ أَوِ الْأَمَةُ» الْمَذَمَّةُ بِكَسْرِ الذَّالِ مِنَ الذِّمَامِ، وَبِفَتْحِهَا مِنَ الذَّمِّ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ سَبَبُ حَيَاةِ الْوَلَدِ وَبَقَائِهِ، فَاسْتُحِبَّ لِلْمُوسِرِ جَعْلُ الْجَزَاءِ رَقَبَةً لِتَنَاسُبِ مَا بَيْنَ النِّعْمَةِ وَالشُّكْرِ، وَأَوْجَبَهُ أَبُو بَكْرٍ لِمَا ذَكَرْنَاهُ،
فَإِنْ كَانَتِ الْمُرْضِعَةُ أَمَةً سُنَّ إِعْتَاقُهَا ; لِأَنَّهُ تَحْصُلُ بِهِ الْمُجَازَاةُ (وَإِنْ دَفَعَ ثَوْبَهُ إِلَى قَصَّارٍ أَوْ خَيَّاطٍ لِيَعْمَلَاهُ) أَيْ بِالْقَصْرِ أَوِ الْخِيَاطَةِ (وَلَهُمَا عَادَةٌ بِأُجْرَةٍ صَحَّ وَلَهُمَا ذَلِكَ) أَيْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ (وَإِنْ لَمْ يَعْقِدَا عَقْدَ إِجَارَةٍ) لِأَنَّ الْعُرْفَ الْجَارِيَ بِذَلِكَ يَقُومُ مَقَامَ الْقَوْلِ، فَصَارَ كَنَقْدِ الْبَلَدِ،
وَقِيلَ: يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ مَنْ عُرِفَ بِأَخْذِهَا، وَهَذَا إِذَا كَانَا مُنْتَصِبَيْنِ لِذَلِكَ، وَإِلَّا لَمْ يَسْتَحِقَّا أَجْرًا إِلَّا بِعَقْدٍ، أَوْ بِشَرْطِ الْعِوَضِ، أَوْ تَعْرِيضٍ ; لِأَنَّهُ لَمْ يجر عُرْفٌ يَقُومُ مَقَامَ الْعَقْدِ فَهُوَ كَمَا لَوْ عَمِلَ بِغَيْرِ إِذْنِ مَالِكِهِ،
وَكَذَا لَوْ دَفَعَ مَتَاعَهُ لِيَبِيعَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، أَوِ اسْتَعْمَلَ حَمَّالًا، أَوْ شَاهِدًا، أَوْ نَحْوَهُ، فَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ،
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَادَةٌ بِأَخْذِ الْأُجْرَةِ
(وَكَذَلِكَ دُخُولُ الْحَمَّامِ وَالرُّكُوبُ فِي سَفِينَةِ الْمَلَّاحِ) أَيْ يَسْتَحِقَّانِ أُجْرَةَ الْمِثْلِ بِدُونِ الْعَقْدِ ; لِأَنَّ شَاهِدَ الْحَالِ يَقْتَضِيهِ فَصَارَ كَالتَّعْرِيضِ،
وَكَذَا لَوْ حَلَقَ رَأَسَهُ، أَوْ غَسَلَهُ، أَوْ شَرِبَ مِنْهُ مَاءً، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَمَا يُعْطَاهُ الْحَمَّامِيُّ فَهُوَ أُجْرَةُ الْمَكَانِ، وَالسَّطْلِ، وَالْمِئْزَرِ وَيَدْخُلُ الْمَاءُ تَبَعًا، وَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَانُ الثِّيَابِ إِلَّا أَنْ يَسْتَحْفِظَهُ إِيَّاهَا بِالْقَوْلِ صَرِيحًا، ذَكَرَهُ فِي " التَّلْخِيصِ ".
ويُسْتَحَبُّ أنْ تُعْطَى عندَ الفِطامِ عَبْدًا أو وَلِيدَةً، إذا كانَ المُسْتَرْضِعُ مُوسِرًا. هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثير منهم. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه. قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: ولعَلَّ هذا في المُتَبَرِّعَةِ بالرَّضاعِ. انتهى.
وقال أبو بَكْر: يجِبُ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فوائد؛ منها، قال في «الرِّعايةِ»، و «النَّظْمِ»، وغيرِهما: لو كانتِ المُرْضِعَةُ أمَة، اسْتُحِبَّ إعْتاقُها. ومنها، لو اسْتُؤجِرَتْ للرضاعِ والحَضانَةِ معًا، فلا إشْكال في ذلك،
وإنِ اسْتُؤجِرتْ للرضاعِ، وأطْلَقَ، فهل تَلْزَمُها الحَضانَةُ؛ فيه وَجْهان. ذكَرَهما القاضي ومَن بعدَه. وأطْلَقهما في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «الفُروعِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصغِيرِ»، و «الفائقِ»؛ أحدُهما، يَلْزَمُها الحَضانَةُ أيضًا. قدَّمه في «الرِّعايةِ الكُبْرى» أيضًا، في الفَصْلِ الأرْبَعِين مِن هذا البابِ. والوَجْهُ الثَّاني، لا يَلْزَمُها سِوَى الرضَاعِ. قدَّمه ابنُ رَزِينٍ . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في «شَرْحِه». وقيل: الحَضانَةُ تَتْبَعُ الرَّضاعَ؛ للعُرْفِ.
قلتُ: وهو الصَّوابُ. وقيل عَكْسُه. ذكَرَه في «الفُروعِ». يعْنِي، أن الرَّضاعَ يَتْبَعُ الحَضانَةَ؛ للعُرْفِ في ذلك. ولم أفْهَمْ مَعْناه على الحَقيقَةِ. فعلى الوَجْهِ الثاني، ليس على المُرْضِعَةِ إلا وَضْعُ حَلَمَةِ الثدْيِ في فَمِ الطِّفْلِ وحَمْلُه، ووَضْعُه في حِجْرِها، وباقِي الأعْمالِ في تَعَهُّدِه على الحاضِنَةِ، ودُخولُ اللَّبَنِ تَبَعًا، كنَقْعِ البِئْرِ، على ما يأتِي. قال ابنُ القَيِّمِ في «الهَدْي»، عن هذا القَوْلِ: الله يعْلَمُ، والعُقَلاءُ قاطِبَةً، أنَّ الأمْرَ ليس كذلك،
وأنَّ وَضْعَ الطِّفلِ في حِجْرِها ليس مَقْصُودًا أصْلًا، ولا ورَد عليه عَقْدُ الإجارَةِ، لا عُرْفًا، ولا حَقِيقَةً، ولا شَرْعًا،
ولو أرْضَعَتِ الطِّفْلَ وهو في حِجْرِ غيرِها، أو في مَهْدِه، لاسْتَحَقَّتِ الأُجْرَةَ،
ولو كان المَقْصودُ إلْقامَ الثَّدْي المُجَرَّدِ، لاسْتُؤجِرَ له كلُّ امْرأةٍ لها ثَدْيٌّ،
ولو لم يَكُنْ لها لَبَنٌ، فهذا هو القِياسُ الفاسِدُ حقًّا، والفِقْهُ البارِدُ. انتهى.
وإنِ اسْتُؤجِرَتْ للحَضانَةِ، وأطْلَقَ، لم يَلْزَمْها الرَّضاعُ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قال في «التَّلْخيصِ»: لم يَلْزَمْها، وَجْهًا واحدًا. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقيل: يَلْزَمُها. وقدَّمه في «الرِّعايةِ الكُبْرى»، في الفَصْلِ الأرْبَعِين. وأطْلَقهما في «الفُروعِ»، و «الرِّعايةِ الكُبْرى»، في مَوْضِعٍ. ومنها، المَعْقُودُ عليه في الرَّضاعِ، خِدْمَةُ الصبِي، وحَمْلُه، ووَضْعُ الثدْيِ في فمِه. على الصحيحِ مِنَ المذهبِ.
وأمَّا اللبَنُ، فَيدْخُلُ تبَعًا. قال في «الرِّعايةِ»: العَقْدُ وقَع على المُرْضِعَةِ، واللَّبَنُ تَبَعٌ، يُسْتَحَقُّ إبْلاغُه بالرَّضاعِ. وقدَّمه في «الشَّرْحِ».
قال في «الفُصولِ»: الصَّحيحُ، أنَّ العَقْدَ وقَع على المَنْفَعَةِ، ويكونُ اللَّبَنُ تَبَعًا. قال القاضي في «الخِصالِ»: لَبَنُ المُرْضِعَةِ يَدْخُلُ في عَقْدِ الإجارَةِ،
وإنْ كان يَهْلِكُ بالانْتِفاعِ؛ لأنه يدْخُلُ على طَريقِ التبَّعَ.
قلتُ: وكذا قال المُصَنِّفُ وغيرُه في هذا الباب، حيثُ قالُوا: يُشْترَطُ أنْ تكونَ الإجارَةُ على نَفْع، فلا تصِح إجارَةُ حَيوانٍ ليَأخُذَ لَبَنَه إلا في الظِّئْرِ، ونَقْعُ البِئْرِ يدْخُلُ تَبعًا. وقاله في «الفُروعِ» وغيرُه مِنَ الأصحابِ.
وقيل: العَقْدُ وقَع على اللبَنِ. قال القاضي: وهو الأشْبَهُ. قال ابنُ رَزِين، في «شَرْحِه»: وهو الأصحُّ؛ لقَوْلِه تعالى:{فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}. انتهى.
قال في «الهَدْي»: والمَقْصودُ إنَّما هو اللَّبَنُ. وتقدَّم كلامُه لمَن قال: العَقْدُ وقَع على وَضْعِها الطِّفْلَ في حِجْرِها، وإلْقامِه ثَدْيَها، واللَّبَنُ يدْخُلُ تَبَعًا. قال الناظِمُ: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي الأجْوَدِ المَقْصودُ بالعَقْدِ دَرُّها ... والإرْضاعُ، لا حَضْنٌ ومَبْدأُ مَقْصِدِ وأطْلَقَ الوَجْهَين في «المُغْنِي»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ». ومنها، لو وقَعَتِ الإجارَةُ على الحَضانَةِ والرَّضاعِ، وانْقَطَعَ اللَّبَنُ، بطَل العَقْدُ في الرضاعِ،
وفي بُطْلانِ الحَضانةِ وَجْهان. وأطْلَقهما في «الرِّعايةِ الكُبْرى».
قلتُ: الأوْلَى البُطْلانُ؛ لأنَّها في الغالِبِ تَبَعٌ.
وإذا لم تَلْزَمْها الحَضانَةُ، وانْقطَعَ لَبَنُها، ثبَت الفَسْخُ.
وإنْ قُلْنا: تَلْزَمُها الحَضانَةُ. لم يَثْبُتِ الفَسْخُ. على الصَّحيحِ.
قال في «الرِّعايةِ»: لم يَثْبُتِ الفَسْخُ في الأصَحِّ؛ فيَسْقُطُ مِنَ الأجْرَةِ بقِسْطِه.
وقيل: يَثْبُتُ الفَسْخُ. وأطْلَقهما في «التَّلْخيصِ»، و «الفائقِ». ومنها، يجِبُ على المُرْضِعَةِ أنْ تأكلَ وتَشْرَبَ ما يُدَرُّ به لَبَنُها، ويَصْلُحُ به، وللمُكْتَرِي مُطالبَتُها بذلك.
ولو سَقَتْه لبَنًا، أو أطْعَمَتْه، فلا أجْرَةَ لها،
وإنْ أرْضَعَتْه خادِمَتُها، فكذلك. قطَع به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ». ومنها، لا تُشْترَطُ رُؤيَةُ المُرْتَضِعِ، بل تَكْفِي صِفَتُه. جزَم به في «الرِّعايتَين»، و «الفائقِ».
قلتُ: وهو الصَّوابُ. وقيل: تُشْترَطُ رُؤيَتُه. قدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْح ابنِ رَزِينٍ». وجزَم به في «المُذْهَبِ». وهو المذهبُ على ما اصْطَلَحْناه. وأطْلَقهما في «الفُروعِ». ومنها، يُشْترَطُ مَعْرِفَةُ مُدَّةِ الرَّضاعِ، ومَكانِه؛ هل هو عندَ المُرْضِعَةِ، أو عندَ أبَوَيه؟ قطَع به المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وصاحِبُ «الفُروعِ»، و «النَّظْمِ»، وغيرُهم. ويأتِي، هل تَبْطُلُ الإجارَةُ بمَوْتِ المُرْضِعَةِ؟
عندَ قوْلِه: وإنْ دَفَعَ ثَوْبَهُ إِلَى قَصَّارٍ أوْ خَيَّاطٍ لِيَعْمَلَاهُ، وَلَهُمَا عَادَةٌ بِأُجْرَةٍ، صَحَّ، وَلَهُمَا ذَلِكَ،
وَإنْ لَمْ يَعْقِدَا عَقْدَ إِجَارَةٍ.
وَكَذَلِكَ دُخُولُ الْحَمَّامِ، والرُّكُوبُ فِي سَفِينَةِ الْمَلَّاحِ.
وتَنْفَسِخُ الإجارَةُ بتَلَفِ العَينِ المَعْقُودِ عليها. ومنها، رخَّصَ الإمامُ أحمدُ، رَضِيَ الله عنه، في مُسْلِمَةٍ تُرْضِعُ طِفْلًا لنَصارَى بأُجْرَةٍ، لا لمَجُوسِيّ. وقدَّمه في «الفُروعِ». وسَوَّى أبو بَكْر وغيرُه بينَهما؛ لاسْتِواءِ البَيعِ والإجارَةِ.
فائدة: لا يصِحُّ أنْ تُسْتَأجَرَ الدَّابَّةُ بعَلَفِها. على الصَّحيحِ مِنَ المذهب. اخْتارَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهما. وقدَّمه في «الفُروعِ».
وعنه، يصِحُّ. اخْتارَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وجزَم به القاضي في «التَّعْليقِ». وقدَّمه في «الفائقِ»،
وقال: نصَّ عليه، في رِوايَةِ الكَحَّال.
وقال في «القاعِدَةِ الثَّانيةِ والسَّبْعِين»: في اسْتِئْجارِ غيرِ الظِّئْرِ مِنَ الأُجَراءِ بالطعامِ والكُسْوَةِ رِوايَتان؛ أصَحُّهما الجَوازُ، كالظِّئْرِ. انتهى.
وإنْ دفَع ثوْبَه إلى قَصَّارٍ أو خَيَّاطٍ ليَعْمَلاه، ولهما عَادَةٌ بأُجْرَةٍ، صَحَّ، ولهما ذلك،
وإنْ لم يَعْقِدا عَقْدَ إجارَةٍ،
وكذلك دُخُولُ الحَمَّامِ، والرُّكُوبُ في سَفِينَةِ المَلَّاحِ.
قال في «الفُروعِ»: وكذا لو استَعْمَلَ حَمَّالًا، أو . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
شاهِدًا ونحوَه. قال في «القواعِدِ»: وكالمُكارِي، والحَجَّامِ، والدَّلَّالِ، ونحوهم. اشْترَطَ المُصَنِّفُ لذلك أنْ يكونَ له عادَةٌ بأخْذِ الأُجْرَةِ. وهو أحدُ الأقْوالِ، كتعْريضِه بها. اخْتارَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ. وقطَع به في «المُحَرَّرِ». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال في «الوَجيزِ»: وإنْ دخَل حمامًا، أو سَفِينَة، أو أعْطَى ثَوْبَه قَصَّارًا أو خَيَّاطا بلا عَقْدٍ، صحَّ بأُجْرَةِ العادَةِ. انتهى.
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّ له الأجْرَةَ مُطْلَقًا، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وهو ظاهِرُ ما قطَع به في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرِهم. وصرَّح به النَّاظِمُ. وقدَّمه في «الرِّعايتَين»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ».
وقيل: لا أجْرَةَ له مُطْلَقًا. وحيثُ قُلْنا: له الأجْرَةُ. فتَكُونُ أُجْرَةَ المِثْلِ؛ لأنه لم يَعْقِدْ معه عَقْدَ إجارَةٍ.
فائدة: قال في «التلْخيصِ»: ليس على الحَمَّامِيِّ ضَمانُ الثيابِ، إلَّا أنْ يَسْتَحْفِظَه إياها صَرِيحًا بالقَوْلِ.
وقال أيضًا: وما يُعْطاه الحَمَّامِي، فهو أُجْرَةُ المَكانِ، والسَّطْلِ، والمِئْزَرِ، لا ثَمَنُ الماءِ، فإنَّه يَدْخُلُ تَبَعًا. انتهى.
وقال في «الفُروعِ»، في بابِ القَطْعِ في السَّرِقَةِ: وإنْ فَرَّطَ في حِفْظِ ثِيابٍ في حمَّام، وأعْدالٍ ، وغَزْلٍ في سُوقٍ أو خانٍ، وما كان مُشْتَرَكًا في الدُّخُولِ إليه بحافِظٍ، فنامَ أو اشْتَغلَ، ضَمِن.
وقال في «التَّرْغيبِ»: يَضْمَنُ إنِ استَحْفَظَه ربُّه صَرِيحًا. كما
قال في «التَّلْخيص». وَتَجُوزُ إجَارَةُ دَارٍ بِسُكْنَى دَارٍ، وَخِدْمَةِ عَبْدٍ، وَتَزْويجِ امْرَأةٍ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وَتَجُوزُ إِجَارَةُ الْحَلْي بِأُجْرَةٍ مِنْ جِنْسِهِ. وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ.
قال: (وإن دفع ثوبه إلى قصار أو خياط ليعملاه ولهما عادة بأجرة صح ولهما ذلك وإن لم يعقدا عقد إجارة. وكذلك دخول الحمام والركوب في سفينة الملاح) .
أما كونه يصح أن يدفع الثوب إلى من ذكر كما ذكر إذا كان للمدفوع إليه عادة بأخذ الأجرة وكونه له الأجرة المعروفة؛ فلأن العرف يجري مجرى الشرط. دليله ما لو باع شيئاً وأطلق الثمن وللبلد نقد واحد معروف.
ولأن شاهد الحال يقتضي أخذ الأجرة. أشبه ما لو عرّض له فقال: خذه وأنا أعلم أنك إنما تعمل بالأجرة.
وأما كون دخول الحمام والركوب في سفينة الملاح كذلك؛ فلاشتراك الجميع في العرف الجاري مجرى الشرط.
ومفهوم كلام المصنف رحمه الله أن أحد هؤلاء متى لم تكن له عادة بأخذ الأجرة لا يستحق شيئاً إلا أن يَشْرِط له.
وصرح المصنف بذلك في الخياط والقصار فقال في المغني بعد ذكر المسألة: فإن لم يكونا منتصبين لذلك لم يستحقا الأجرة إلا بالعقد أو شرط العوض أو تعريض به لأنه لم يجر بذلك عرف يقوم مقام العقد.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.