وَهِيَ الْأَمْرُ بِالتَّصَرُّفِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْوَصِيَّةُ بِالْمَالِ هِيَ التَّبَرُّعُ بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ
Its commentaries
كتابُ الوَصايا (وهي الأمْرُ بالتَّصَرُّفِ بعدَ المَوْتِ) الوَصايا جَمْعُ وَصِيةٍ، مثل العَطايا جَمْعُ عَطيَّةٍ (والوَصِيَّةُ بالمالِ هي التبرُّعُ به بعدَ المَوْتِ) وقال أبو الخَطّابِ: هي التبرُّعُ بمالٍ يَقِفُ نُفُوذُه على خُرُوجِه مِنَ الثُّلُثِ. فعلى قَوْلِه، تكونُ العَطِيَّةُ في مَرَضِ المَوْتِ وَصِيَّةً.
والصَّحِيحُ أنَّها ليست وَصِيَّة؛ فإنَّها تُخالِفُها في الاسمِ والحُكْمِ في أشياءَ ذَكَرْناها في عَطِيَّةِ المَرِيضِ. والأصْلُ فيها الكِتابُ والسُّنَّةُ والإجْماعُ؛
أمّا الكِتَابُ، فقَوْلُه سبحَانه:{كُتِبَ عَلَيكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيرًا الْوَصِيَّةُ}. وقَوْلُه:{مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَينٍ}.
وأمّا السُّنَّةُ، فرَوَى سَعدُ بنُ أبي وَقّاصٍ، رَضِيَ الله عنه، قال: جاءَني رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يعُودُنِي عامَ حَجةِ الوَداع مِن وَجَعٍ اشْتَدَّ بي، فقُلْتُ: يا رسولَ الله، قد بَلَغ لي مِن الوَجَعَ ما ترَى، وأنا ذو مالٍ، ولا يَرثُنِي إلَّا ابنةٌ، أفأتصَدَّقُ بثُلثَيْ مالِي؟ قال:«لا».
قُلْتُ: فبِالشَّطْرِ يا رسولَ اللهِ؟ قال:«لا».
قلتُ: فبالثُّلُثِ؟ قال:«الثُّلُثُ، والثُّلُثُ كَثِيرٌ، إنَّكَ أن تَذَرَ وَرَثَتَكَ أغْنِياءَ خير مِنْ أنْ نَذَرَهُم عالة يَتَكَفَّفُونَ النّاسَ». مُتَّفقٌ عليه . وعن ابنِ عُمَرَ، أن رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال:«مَا حَقُّ امْرِئ مسلِم لَهُ ما يُوصِي فِيه يَبيتُ لَيلَتَينِ إلا وَوَصيَّته مَكْتُوبَة عِنْدَه». مُتفَقٌ عليه . وعن أبي أمامَةَ قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ:«إن الله قَدْ أعْطَى كُلَّ ذِي حَق حَقهُ، فلا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ».
رَواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ ،
وقال: حديث حَسَن صحيح. وعن عَلِيٍّ، رَضِيَ الله عنه، قال: إنَّكُم تَقْرَءونَ هذه الآيةَ: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَينٍ}.
وإنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قَضَى بالدينِ قبلَ الوَصِيَّةِ. رَواه التِّرْمِذِيُّ . وأجْمَعَ العلَماء في جَميعِ الأمْصارِ والأعْصارِ على جَوازِ الوَصِيَّةِ.
فصل: ولا تَجب إلَّا على مَن عليه دَين، أو عندَه وَدِيعَةٌ، أو عليه واجِبٌ يُوصَى بالخَروجِ منه؛ لأنَّ الله تعالى أوْجَبَ أداءَ الأماناتِ إلى أهلِها، وطَرِيقُه الوَصِيَّةُ، فتكونُ واجِبَةً عليه.
فأمّا الوَصِيَّةُ ببعضِ مالِه، فليست واجِبَةً عندَ الجُمْهورِ. يُرْوى ذلك عن الشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، ومالكٍ، وأصحابِ الرأي، والشافعيِّ، وغيرِهم. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعُوا على أن الوَصِيَّةَ غيرُ واجِبَةٍ إلَّا على مَن عليه حَقٌّ بغيرِ بَينةٍ، أو أمانَة بغيرِ إشْهادٍ، إلَّا طائِفَةً شَذَّتْ فأوْجَبَتْها. فرُوىَ عن الزُّهْرِيِّ أنَّه قال: جَعَل اللهُ الوَصِيةَ حَقًّا ممّا قَلَّ أو كَثُر.
وقِيلَ لأبي مِجْلَزٍ: على كلِّ مَيِّتٍ وَصِيَّة؟ قال: إن تَرَك خَيرًا.
وقال أبو بكر عبدُ العزيزِ: هي واجِبَةٌ للأقْرَبِين الذين لا يَرِثُون. وبه قال داودُ. وحُكِيَ ذلك عن مَسْرُوقٍ، وطاوُس، وإياس، وقتادَةَ، وابنِ جَرِيرٍ. واحْتَجُّوا بالآيَةِ، وبخَبَرِ ابنِ عُمَرَ، فقالُوا: نُسِخَتِ الوَصِيَّةُ للوالِدَين والأقرَبِين الوارِثِين، وبَقِيَتْ في مَن لا يَرِثُ مِن الأقرَبِين. ولَنا، أنَّ أكْثَرَ أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لم يُوصُوا، ولم يُنْقَلْ لذلك نَكِيرٌ،
ولو كانت واجِبَةً لم يخِلوا بذلك، ولَنُقِلَ عنهم نَقْلًا ظاهِرًا, ولأنَّها عَطيَّةٌ لا تَجِبُ في الحَياةِ فلم تَجِبْ بعدَ المَوْتِ، كعَطيةِ الأجانِبِ.
فأمّا الآية، فقال ابن عباس: نَسَخَها قَوْله سبحانه: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ}، الآية.
وقال ابن عُمَرَ: نَسَخَتْها آية المِيرَاثِ . وبه قال عِكْرِمَة، ومجاهِدٌ، ومالكٌ، والشافعيُّ. وذَهَب جَماعَةٌ ممَّن يَرَى نَسْخَ القرآنِ بالسنَّةِ، إلى أنّها نسِخَتْ بقولِ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الله قَدْ أعْطَى كُلَّ ذِي حَقّ حَقَّه، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارثٍ». وحديث ابنِ عُمَرَ مَحْمولٌ على مَن عليه واجبٌ أو عندَه وَدِيعَةٌ.
٢٦٥٠ -
كِتَابُ الْوَصَايَا][تَعْرِيفُ الوصايا] وَهِيَ جَمْعُ وَصِيَّةٍ كَالْعَطَايَا جَمْعِ عَطِيَّةٍ، وَالْعَرَايَا جَمْعِ عَرِيَّةٍ، فَالْوَصِيَّةُ فَعِيلَةٌ، وَالْيَاءُ السَّاكِنَةُ بَعْدَ الصَّادِ زَائِدَةٌ لِلْمَدِّ، وَالْيَاءُ الْمُتَحَرِّكَةُ بَعْدَهَا لَامُ الْكَلِمَةِ، وَأُدْغِمَتْ، وَالتَّاءُ لِلتَّأْنِيثِ، وَأَصْلُهُ وَصَائِي بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَ الْمَدِّ، تَلِيهَا يَاءٌ مُتَحَرِّكَةٌ هِيَ لَامُ الْكَلِمَةِ، فُتِحَتْ هَذِهِ الْهَمْزَةُ الْعَارِضَةُ فِي الْجَمْعِ، وَقُلِبَتِ الْيَاءُ أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا، فَصَارَ وَصَاءَا، فَكَرِهُوا اجْتِمَاعَ أَلِفَيْنِ بَيْنَهُمَا هَمْزَةٌ، فَقَلَبُوهَا يَاءً، فَصَارَ وَصَايَا،
وَلَوْ قِيلَ: إِنَّ وَزْنَهُ فَعَالَى،
وَإِنَّ جَمْعَ الْمُعْتَلِّ خِلَافُ جَمْعِ الصَّحِيحِ، لَكَانَ حَسَنًا، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ وَصَيْتُ الشَّيْءَ: إِذَا وَصَلْتُهُ، فَالْمُوصِي وَصَلَ مَا كَانَ لَهُ فِي حَيَاتِهِ بِمَا بَعْدَ مَوْتِهِ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهَا، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى:{كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} ، وقَوْله تَعَالَى:{مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ} ؛ وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي بِهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ، إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا «إِنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ زِيَادَةً فِي حَسَنَاتِكُمْ، لِيَجْعَلَهَا لَكُمْ زِيَادَةً فِي أَعْمَالِكُمْ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. (وَهِيَ الْأَمْرُ بِالتَّصَرُّفِ بَعْدَ الْمَوْتِ) فَهِيَ لُغَةً عِبَارَةٌ عَنِ الْأَمْرِ؛
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ} ، {ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ} وَمِنْهُ قَوْلُ الْخَطِيبِ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، أَيْ: آمُرُكُمْ، فَقَوْلُهُ: هِيَ الْأَمْرُ بِالتَّصَرُّفِ إِلَى آخِرِهِ بَيَانٌ لِأَحَدِ نَوْعَيِ الْوَصِيَّةِ، وَهِيَ أَنْ يُوصِيَ إِلَى إِنْسَانٍ أَنْ يَتَكَلَّمَ عَلَى أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ، أَوْ يُفَرِّقَ ثُلُثَ مَالِهِ، وَالْقَيْدُ الْأَخِيرُ أَخْرَجَ الْوَكَالَةَ، وَقَدْ أَوْصَى أَبُو بَكْرٍ بِالْخِلَافَةِ لِعُمَرَ، وَوَصَّى بِهَا إِلَى أَهْلِ الشُّورَى، وَلَمْ يُنْكَرْ، وَقَدْ رَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، قَالَ: أَوْصَى إِلَى الزُّبَيْرِ سَبْعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَكَانَ يَحْفَظُ عَلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ، وَيُنْفِقُ عَلَى أَيْتَامِهِمْ مِنْ مَالِهِ (وَالْوَصِيَّةُ بِالْمَالِ هِيَ التَّبَرُّعُ بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ) هَذَا بَيَانُ النَّوْعِ الثَّانِي مِنْهَا، وَالْقَيْدُ الْأَخِيرُ أَخْرَجَ الْهِبَةَ،
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: هِيَ التَّبَرُّعُ بِمَالٍ يَقِفُ نُفُوذُهُ عَلَى خُرُوجِهِ مِنَ الثُّلُثِ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْعَطِيَّةُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ وَصِيَّةً،
وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَيْسَتْ وَصِيَّةً لِمُخَالَفَتِهَا لَهَا فِي الِاسْمِ وَالْحُكْمِ،
قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَفِي حَدِّهِ اخْتِلَالٌ مِنْ أَوْجُهٍ. وَقَدْ يُعْتَرَضُ أَيْضًا بِأَنَّهَا: قَدْ تَكُونُ بِحَقٍّ كَجِلْدِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهِ، وَلَيْسَ بِمَالٍ. قَوْلُهُ بِالْمَالِ، أَيْ بِجُزْءٍ مِنْهُ، وَقَدْ تَكُونُ بِكُلِّهِ، وَيُجِيزُهُ الْوَارِثُ.
وَلَهَا أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ: الْمُوصِي، وَالْمُوصَى لَهُ، وَالْمُوصَى بِهِ، وَالصِّيغَةُ، وَهِيَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ،
فَلَوْ قَالَ: هَذَا لِفُلَانٍ، فَهُوَ إِقْرَارٌ، وَلَيْسَ بِوَصِيَّةٍ إِلَّا أَنْ يَتَوَافَقَا عَلَى إِرَادَةِ الْوَصِيَّةِ، فَيَصِحُّ.
وَلَوْ قَالَ: هَذَا مِنْ مَالِي لِفُلَانٍ، فَهُوَ وَصِيَّةٌ يُعْتَبَرُ الْقَبُولُ مِمَّنْ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ مَعَ التَّعْيِينِ،
فَلَوْ أَوْصَى لِمَسْجِدٍ، أَوْ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، كَالْفُقَرَاءِ، لَمْ يَحْتَجْ إِلَى قَبُولٍ.
[مَنْ تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ]
كتابُ الْوَصَايَا وَهِيَ الأمْرُ بِالتَّصَرُّفِ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَالْوَصِيَّةُ بِالْمَالِ هِيَ التبرعُ بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ.
كتابُ الوَصايا وهي الأمْرُ بالتصَرُّفِ بعدَ المَوْتِ. والوَصِيَّةُ بالمالِ هي التبرعُ به بعدَ المَوْتِ. هذا الحد هو الصَّحيحُ. جزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وصحَّحه في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الشرْحِ» وغيرِه. وقدَّمه في «المُسْتَوْعِبِ» وغيرِه.
وقال أبو الخَطابِ: هي التبرُّعُ بما يقِفُ نفوذُه على خُروجِه مِنَ الثُّلُثِ. فعلى قوْلِه، تكونُ العَطيَّةُ في مرَضِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المَوْتِ وَصِيَّةً، والصحيحُ خِلافُه.
قال في «المُسْتَوْعِبِ»: وفي حدِّه اخْتِلالٌ مِن وُجوهٍ؛ أحدُها، أنّه يدْخلُ فيه تَبرعُه بهِباتِه وعَطاياه المُنْجَزَةِ في مرَضِ مَوْتِه. وَتَصِحُّ مِنَ الْبَالِغِ الرشِيدِ، عَدْلًا كَانَ أوْ فَاسِقًا، رَجُلًا أو امْرَأةً، مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا.
وذلك لا يُسَمَّى وَصِيَّةً. ويخْرُجُ منه وَصِيَّة بما زادَ على الثُّلُثِ؛ فإنَّها وَصِيَّة صحيحةٌ مَوْقوفَة على إجازَةِ الوَرَثَةِ. ويخْرُجُ منه أيضًا وَصِيَّة بفِعْلِ العِباداتِ، وقَضاءِ الواجِباتِ، والنظَرِ في أمْرِ الأصاغِرِ مِن أوْلادِه، وتَزْويِجَ بَناتِه، ونحو ذلك.
تنبيه: قولُه: وتَصِحُّ مِنَ البالِغِ الرشِيدِ، عَدْلًا كان أو فاسِقًا، رَجُلا أو امْرَأةً، مُسْلِمًا أو كافِرًا. هذا صحيح بلا نِزاعٍ في الجُمْلَةِ. وقد شَمِلَ العَبْدَ. وهو . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صحيح. ذكَرَه الأصحابُ؛ منهم المُصَنفُ وغيرُه؛
فإنْ كان فيما عَدا المال، فصَحِيحٌ،
وإنْ كان في المالِ؛ فإنْ ماتَ قبلَ العِتْقِ، فلا وَصِيَّةَ، على المذهبِ؛ لانْتِفاءِ مِلْكِه،
وإنْ قيلَ: يمْلِكُ بالتَّمْليكِ. صحَّتْ. ذكَرَه بعضُ الأصحابِ. والمُكاتَبُ والمُدَبَّرُ وأمُّ الوَلَدِ، كالقِنِّ. وشَمِلَ كلامُه أيضًا المَحْجُورَ عليه لفَلَس، [فتصِحُّ حتى لو كانتِ الوَصِيَّةُ] بعَين مِن مالِه؛ لأنَّه قد يتَحَوَّلُ ما بَقِيَ مِنَ الدَّينِ, فلا يتَعَينُ المالُ الأوَّلُ إذنْ للغُرَماءِ.
وإنْ ماتَ قبلَ ذلك، لَغَتِ الوَصِيَّةُ.
قال في «الكافِي» وغيرِه: هذا إذا لم يُعايِنِ المَوْتَ.
فأما إذا عاينَ المَوْت، لم تصِحَّ وَصِيته؛ لأن الوَصِيَّةَ قوْلٌ، ولا قَوْلَ له، والحالةُ هذه. وتقدَّم في آخِرِ البابِ الذي قبلَه، قبلَ قوْلِه: والحامِلُ عندَ المَخاضِ. ما يتعَلَّقُ بذلك، فليُراجَعْ.
كتاب الوصايا] الوصايا: جمع وصية. مثل: العطايا جمع عطية.
والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: {كُتِب عليكم إذا حضر أحدكم الموتُ إنْ ترك خيراً الوصيةُ}، وقوله تعالى:{من بعد وصية يوصي بها أودين}.
وأما السنة؛ فما روى سعد بن أبي وقاص قال: «جاءني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عامَ حجةِ الوداعِ يعودني من وجعٍ اشتدّ بي. فقلتُ: يا رسولَ الله! قد بلغَ بي من الوجعِ ما ترى. وأنا ذو مالٍ ولا يرثني إلا ابنةٌ. أفَأَتصدّقُ بثلُثَي مالي؟ قال: لا. قلتُ: فبالشطرِ؟ قال: لا. قلت: فبالثلثِ؟ قال: الثلثُ والثلثُ كثير. إنكَ أن تذرَ ورثتكَ أغنياء، خيرٌ من أن تَذَرَهُمْ عالةً يتكَفّفُونَ الناس» .
وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما حَقُ امرئٍ مسلمٍ، لهُ شيء يُوصي فيهِ، يَبيتُ ليلتينِ إلا ووصيتهُ مكتوبةٌ عندَه» متفق عليهما.
قال المصنف رحمه الله: (وهي: الأمر بالتصرف بعد الموت. والوصية بالمال هي: التبرع به بعد الموت. وتصح من البالغ الرشيد، عدلاً كان أو فاسقاً، رجلاً أو امرأة، مسلماً أو كافراً. ومن السفيه في أصح الوجهين. ومن الصبي العاقل إذا جاوز العشر. ولا تصح ممن له دون السبع. وفيما بينهما روايتان) .
أما قول المصنف رحمه الله: وهي الأمر بالتصرف بعد الموت؛ فهو بيان لمعنى أحد ضربي الوصية، وذلك أن الوصية على ضربين أحدهما: أن يوصي إلى رجل على ولده، أو في تفريق ثلثه، أو ما أشبه ذلك. فهذه هي الأمر بالتصرف بعد الموت.
وفي قوله: بعد الموت احترازاً من الوكالة؛ فإنها أمرٌ بالتصرف لكن في الحياة.
وأما قوله: والوصية بالمال هي التبرع به بعد الموت؛ فبيان لمعنى الضرب الآخر وذلك أن الضرب الثاني: أن يوصي مثلاً لزيد بشيء. فهذه هي التبرع بالمال بعد الموت.
وفي قوله: بعد الموت احترازاً عن الهبة؛ فإنها تبرعٌ بالمال لكن في الحياة.
وأما قوله: وتصح من البالغ ... إلى آخره فعائدٌ إلى الوصية بالمال؛ لأن الوصية على الولد لا تصح من فاسقٍ ولا سفيهٍ، ولا يتصور من صبيٍّ لم يجاوز العشر.
أما كون الوصية بالمال من البالغ الرشيد تصح فلا شبهة فيها؛ لأن ذلك يصح تصرفه في ماله حياته. فكذا مماته.
وأما كونها تصح من الفاسق كالعدل؛ فلاشتراكهما في صحة تصرفهما في الحياة.
وأما كونها تصح من المرأة كالرجل،
ومن الكافر كالمسلم؛ فلما ذكر في الفاسق والعدل.
وأما كون السفيه تصح وصيته في أصح الوجهين؛ فلأنه إنما حجر عليه لحفظ ماله، وليس في وصيته إضاعة لماله؛ لأنه إن عاش كان له،
وإن مات كان له ثوابه، وهو حينئذٍ لا يحتاج إلا إلى الثواب.
وأما كونها لا تصح في وجهٍ؛ فلأنه تصرف. فلم يصح من السفيه؛ كبيعه.
وأما كونها تصح من الصبي العاقل إذا جاوز العشر؛ فـ «لأن صَبياًّ من غسان له عشرُ سنين أوصَى لأخوالٍ له. فرفعَ ذلك إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فأجازَ وصيتَه» رواه سعيد.
ولأنه يميز بين ما ينفعه وما يضره، ولهذا ضُرِبَ في الصلاة .
ولأنه لا ضرر عليه في ذلك؛ لما ذكر في السفيه.
وأما كونها لا تصح ممن له دون سبع سنين؛ فلأنه لا تمييز له.
وأما كونها تصح ممن له سبع ولم يجاوز العشر في روايةٍ؛ فلأنه يميز في الجملة، ولذلك أُمِرَ بالصلاة.
وأما كونها لا تصح في روايةٍ؛ فلأنه ضعيف الرأي، ضعيف الأخذ لنفسه. فكان إلحاقه بمن له دون سبع سنين أولى.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.