وَلَا يَحِلُّ نِكَاحُ خُنْثَى مُشْكِلٍ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: إِذَا قَالَ: أَنَا رَجُلٌ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ نِكَاحِ النِّسَاءِ
Its commentaries
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ: (ولا يَحِلُّ نِكاحُ خُنْثَى مُشْكِلٍ حتى يَتَبَيَّنَ أمرُه. نَصَّ عليه) في رِوايةِ المَيمُونِيِّ. وذَكَرَه أبو إسحاقَ مذهبًا للشافعيِّ؛ وذلك لأنَّه لم يَتَحَقَّقْ وُجُودُ ما يُبِيحُ له النِّكاحَ، فلم يُبَحْ له، كما لو اشْتَبَهَتْ عليه أُخْتُه بنِسْوَةٍ، ولأنَّه قد اشْتَبَهَ المُباحُ بالمحظورِ في حَقِّه، فحَرُمَ؛ لِما ذَكَرْنا (وقال الخِرَقِي: إذَا قال: أنا رجلٌ. لم يُمْنَعْ مِن نِكاحِ النِّساءِ، ولم يَكُنْ له أن يَنْكِحَ بغيرِ ذلك بعدُ، وإن قال: أنا امرأةٌ. لم يَنْكِحْ إلَّا رجلًا) وذلك لأنَّه لا يَخْلُو مِن أن يكُونَ رَجلًا أو امرأةً، قال اللهُ تعالى:{وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَينِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى}.
وقال تعالى:{وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً}. فليس ثَمَّ خَلْقٌ ثالثٌ.
فإذا كان مُشْكِلًا لم يَظْهَرْ فيه علاماتُ الرجالِ ولا النِّساءِ، فقد اخْتَلَف فيه أصحابُنا، واختارَ الخِرَقِيُّ، أنَّه يُرْجَعُ إلى قولِه،
فإن ذَكَر أنَّه رجلٌ، وأنَّه يَمِيلُ طَبْعُه إلى نِكاحِ النِّساءِ، فله نِكاحُهُنَّ،
وإن ذَكَر أنَّه امرأةٌ، يَمِيلُ طبْعُه إلى الرجالِ، زُوِّجَ رجلًا؛ لأنَّه مَعْنًى لا يُتَوَصَّلُ إليه إلَّا مِن جِهَتِه، وليس فيه إيجابُ حَقٍّ على غيرِهِ، فقُبِلَ قولُه فيه، كما يُقْبَلُ قولُ المرأةِ في حَيضِها وعِدّتِها، وقد يَعْرِفُ نفْسَه بِمَيلِ طبعِه إلى أحدِ الصِّنْفَين، وشَهْوَتِه له،
فإنَّ اللهَ تعالى أجْرَى العادَةَ في الحيواناتِ بِمَيل الذَّكَرِ إلى الأنْثَى، ومَيلها إليه، وهذا المَيلُ أمرٌ في النَّفْسِ والشَّهْوَةِ، لا يَطَّلِعُ عليه غيرُه، وقد تَعَذَّرَتْ علينا مَعْرِفَةُ عَلاماتِه الظاهرةِ، فيُرْجَعُ فيه إلى الأمورِ الباطِنَةِ فيما يَخْتَصُّ هو بحُكْمِه.
وأمّا الميراثُ والدِّيَةُ، فإن أقَرَّ على نَفْسِه بما يُقَلِّلُ مِيراثَه أو دِيَتَه، قُبِلَ منه،
وإنِ ادَّعَى ما يَزِيدُ ذلك، لم يُقْبَلْ، لأنَّه مُتَّهَم فيه فلا يُقْبَلُ قولُه على غيرِه. وما كان مِن عِباداتِه وسُتْرَتِه وغيرِ ذلك، فيَنْبَغِي أن يُقْبَلَ قولُه فيه، لأنَّه حُكْمٌ بَينَه وبينَ اللهِ تعالى. قال القاضي: ويُقْبَلُ قولُه في الإِمامَةِ، وولايةِ النِّكاحِ، وما لا يُثْبِتُ حقًّا [على غيرِه.
وإذا زُوِّجَ امرأةً أو رجلًا، ثم عاد فقال خلافَ قولِه الأَوَّلِ، لم يُقْبَلْ قولُه في التَّزْويجِ] بغيرِ الجِنْسِ الذي زُوِّجَه أوَّلًا، لأنَّه مُكَذِّبٌ لنَفْسِه، ومدَّعٍ ما يُوجِبُ الجَمْعَ بينَ تَزْويجِ الرجالِ والنساءِ.
٣١٧٢ -
(وَلَا يَحِلُّ) أَيْ: لَا يَصِحُّ (نِكَاحُ خُنْثَى مُشْكِلٍ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ) نَقَلَهُ الْمَيْمُونِيُّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " ; لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ جِهَةَ مَا يُبِيحُ لَهُ النِّكَاحَ، فَلَمْ يَبُحْ لَهُ كَمَا لَوِ اشْتَبَهَتْ أُخْتُهُ بِأَجْنَبِيَّةٍ (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: إِذَا قَالَ: أَنَا رَجُلٌ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ نِكَاحِ النِّسَاءِ) اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الرِّوَايَتَيْنِ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى الْعَادَةَ فِي الْحَيَوَانَاتِ بِمَيْلِ الذَّكَرِ، وَبِالْعَكْسِ، وَهَذَا الْمَيْلُ فِي النَّفْسِ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَرُجِعَ فِيهِ إِلَيْهِ ;
لِتَعَذُّرِ مَعْرِفَتِهِ مِنْ غَيْرِهِ، كَمَا رُجِعَ إِلَى الْمَرْأَةِ فِي حَيْضِهَا وَعِدَّتِهَا، وَهَذَا فِي الْأُمُورِ الْبَاطِنَةِ فِيمَا يَخْتَصُّ بِحُكْمِهِ.
Adds nothing on this mas’ala.
فَصْلٌ: وَلَا يَحِلُّ نِكَاحُ خُنْثَى مُشْكِلٍ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أمْرُهُ. نَصَّ عَلَيهِ.
وَقَال الْخِرَقِيّ: إِذَا قَال: أنَا رَجُلٌ. لَمْ يُمْنَعْ مِنْ نِكَاحِ النِّسَاء، وَلَمْ يَكُنْ لَهْ أَنْ يَنْكِحَ بِغَيرِ ذَلِكَ بَعْدُ،
وَإنْ قَال: أنَا امْرأةٌ. لَمْ يَنْكِحْ إلّا رَجُلًا. ولا يَحِلُّ نِكاحُ خُنْثَى مُشْكِلٍ حتى يَتَبَيَّنَ أمْرُه. نَصَّ عليه في رِوايَةِ المَيمُونِيِّ. وهو المذهبُ. اخْتارَه أبو بَكْرٍ، وابنُ عَقِيلٍ. وجزَم به في «الوَجيزِ». وقدَّمه في «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ».
وقيل: يحِلُّ نِكاحُه. ذكَرَه في «الرِّعايَةِ».
وقال الخِرَقِي: إذا قال: أنا رَجُلٌ. لم يُمْنَعْ مِن نِكاحِ النِّساءِ، ولم . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يكُنْ له أنْ ينْكِحَ بغيرِ ذلك بعدُ،
وإنْ قال: أنا امْرَأةٌ. لم تنْكِحْ إلَّا رَجُلًا. واخْتارَه القاضي في «الرِّوايتَين». فعلى هذا، لو قال: أنا رَجُلٌ. وقبِلْنا قوْلَه في ذلك في النِّكاح، فهل يثْبُتُ في حقِّه سائرُ أحْكامِ الرِّجالِ تَبعًا للنِّكاحِ، ويزُولُ بذلك إشْكالُه، أم يُقْبَلُ قوْلُه في حقُوقِ الله تَعالى، وفيما عليه مِن حقُوقِ الآدَمِيِّين، دُونَ ما له منها، لئَلا يَلْزَمَ قَبُولُ قوْلِه في اسْتِحْقاقِه بمِيراثِ ذَكَرٍ ودِيته؟ فيه وَجْهان. ذكَرَه في «القاعِدَةِ الثَّالثَةِ والثَّلاثينَ بعدَ المِائةِ».
فَلَوْ تَزَوَّجَ امْرأةً ثُمَّ قَال: أنَا امْرَأَةٌ. انْفَسَخَ نِكَاحُهُ،
فإنْ تزوَّجَ امْرَأةً ثم قال: أنا امْرَأةٌ. انْفَسَخَ نِكاحُه. هذا تفْريعٌ على قولِ الخِرَقِيِّ،
والصَّحيحُ أنَّه يُقْبَلُ قوْلُه في ذلك. واخْتارَه المُصَنِّفُ، والمَجْدُ، وغيرُهما. وقدَّمه الزَّرْكَشِيُّ.
وقال القاضي: لا يُقْبَلُ قوْلُه: أنا امْرَأةٌ. بعدَ قوْلِه: أنا رَجُلٌ. وعلَّلَه بأنَّه يُريدُ أنْ يُسْقِطَ عنه مَهْرَ المَرْأةِ. وهذا ظاهِرُ كلام أبِي الخَطَّابِ، وابنِ عَقِيلٍ. قاله الزَّرْكَشِيُّ.
وفي نِكاحِه لما يُسْتَقْبَلُ الوَجْهان الآتِيَان وَلَوْ زُوِّجَ بِرَجُلٍ ثُمَّ قَال: أَنَا رَجُلٌ. لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ.
بعدُ.
فوائد؛ الأولَى، على قوْلِ الخِرَقِيِّ: لو لم يكُنْ متَزَوِّجًا، ورجَع عن قوْلِه الأوَّلِ، بأنْ قال: أنا رَجُلٌ. ثم قال: أنا امْرَأة. أو عكْسُه. فظاهِرُ كلام الخِرَقِي والأصحابِ، أنَّ له نِكاحَ ما عادَ إليه. قاله في «المُحَرَّرِ». وهو الصَّحيَحُ.
قال في «الفُروع»: فلو عادَ عن قوْلِه الأولِ، فله نِكاحُ ما عادَ إليه، في الأصحِّ.
وقال في «المُحَرَّرِ»: يُمْنَعُ مِن نِكاحِ الصِّنْفَين عندِي. قال الزَّرْكَشِيُّ: وهو ظاهِرُ كلامِ أبِي محمدٍ في «الكافِي».
الثَّانيةُ، قال ابنُ عَقِيل في «الفُنونِ»: لا يجوزُ الوَطْءُ في الفَرْجَ الزَّائدِ.
قلتُ: إذا زوَّجْناه على أنَّه أُنْثَى، لم يُسْتَبْعَدْ جوازُ وَطْئِه فيه، كما يجوزُ مُباشَرَتُه في سائرِ بدَنِه، غيرَ دُبُرِه.
الثَّالثةُ، قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: لا يحْرُمُ في الجَنَّةِ زِيادَةُ العَدَدِ، ولا الجَمْعُ بينَ المَحارِمِ، وغيرُه، واللهُ أعلمُ.
فصل [في نكاح الخنثى] قال المصنف رحمه الله تعالى: (ولا يحل نكاح خنثى مشكل حتى يتبين أمره. نص عليه. وقال الخرقي: إذا قال: أنا رجل لم يمنع من نكاح النساء، ولم يكن له أن ينكح بغير ذلك بعد، وإن قال: أنا امرأة لم ينكح إلا رجلاً. فلو تزوج امرأة ثم قال: أنا امرأة انفسخ نكاحه، ولو زُوِّج برجل ثم قال: أنا رجل لم يقبل قوله في فسخ النكاح) .
أما كون الخنثى المشكل لا يحل نكاحه حتى يتبين أمره على منصوص الإمام أحمد؛ فلأنه مشكوك في حله للرجال والنساء. فلم يحل نكاحه حتى يتبين أمره؛ كما لو اشتبهت أخته بأجنبية.
وأما كونه لا يمنع من نكاح النساء إذا قال: أنا رجل على قول الخرقي؛ فلأن كونه رجلاً معنى يعرف من جهته وليس فيه إيجاب حق على غيره. فوجب أن يقبل منه؛ كما يقبل قول المرأة في انقضاء عدتها،
وإذا قبل قوله في ذلك لم يمنع من نكاح النساء كغيره.
وأما كونه لا يكون له أن ينكح بغير ذلك بعد؛ فلأنه أقر بتحريمه.
ولأنه إذا ادعى غير الأول يكون مكذباً لنفسه مدعياً دعوى تناقض قوله الأول. فلم يلتفت إليه؛ كالإنكار بعد الإقرار.
وأما كونه لا ينكح إلا رجلاً إذا قال: أنا امرأة؛ فلأنه يقبل قوله في كونه امرأة لما تقدم. والمرأة ليس لها أن تنكح رجلاً فكذا الخنثى المذكور.
وأما كونه ينفسخ نكاحه إذا قال: أنا امرأة بعد أن تزوج امرأة؛ فلأن النكاح له وقد أقر ببطلانه.
وأما كونه لا يقبل قوله في فسخ النكاح إذا قال: أنا رجل بعد أن زُوِّج برجل؛ فلأن النكاح حق عليه. فلم يقبل قوله في إسقاط حق الغير. [
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.