فَإِنِ ادَّعَى الْقَاتِلُ بِالسُّمِّ أَنَّنِي لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُ سُمٌّ قَاتِلٌ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَيَقْبَلُ فِي الْآخَرِ وَيَكُونُ شِبْهَ عَمْدٍ الثَّامِنُ: أَنْ يَقْتُلَهُ بِسِحْرٍ يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا التَّاسِعُ: أَنْ يَشْهَدَا عَلَى رَجُلٍ بِقَتْلِ عَمْدٍ، أَوْ رِدَّةٍ أَوْ زِنًا
Its commentaries
مسألة: (فإنِ ادَّعَى القاتِلُ بِالسُّمِّ: إنَّنِى لم أعْلَمْ أنَّه سُمٌّ قاتِلٌ. لم يُقْبَلْ قولُه في أحَدِ الوَجْهَيْن) لأَنَّ السُّمَّ مِن جِنْسِ ما يَقْتُلُ غالِبًا، فأشْبَهَ ما لو جَرَحَه وقال: لم أعْلَمْ أنَّه يموتُ منه. والثانى، لا قَوَدَ عليه؛ لأنَّه يجوزُ أن يَخْفى عليه أنَّه قاتِلٌ، وهذا شُبْهَةٌ يَسْقُطُ بها القَوَدُ، فيكونُ شِبْهَ عمدٍ.
فصل: فإن سَقَى إنْسانًا سُمًّا، أو خَلَطَه بطَعَامِه، فأكَلَ وهو لا يَعْلَمُ به، وكان ممّا لا يَقْتُلُ مثلُه غالِبًا، فهو شِبْهُ عمدٍ.
فإنِ اخْتُلِفَ فيه، هل يَقْتُلُ غالِبًا أو لا؟ [وثَمَّ] بَيِّنَةٌ تَشْهَدُ، عُمِل بها.
وإن قالت : تَقْتُلُ النِّضْوَ الضَّعِيفَ دُونَ القَوِىِّ. أو غيرَ ذلك، عُمِل على حَسَبِ ذلك.
فإن لم يكُنْ مع أحَدِهما بَيِّنَةٌ، فالقولُ قولُ السَّاقِى؛ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ وُجُوبِ القِصاصِ، فلا يَثْبُتُ بالشَّكِّ، ولأنَّه أعْلَمُ بصِفَةِ ما يَسْقِى.
فإن ثَبَت أنَّه قاتِلٌ فقال: لم أعْلَمْ به. ففيه الوَجْهان المَذْكُوران. (الثامنُ، أن يَقْتُلَه بسِحْرٍ يَقْتُلُ غالِبًا) فيَلْزَمُه القَوَدُ؛ لأنَّه قَتَلَه بما يَقْتُلُ غالِبًا، فأشْبَهَ قَتْلَه بالسِّكِّينِ.
وإن كان ممَّا لا يَقْتُلُ غالِبًا، أو كان ممّا يَقْتُلُ ولا يَقْتُلُ، ففيه الدِّيَةُ دُونَ القِصاصِ؛ لأنَّه عمدُ الخَطَأ، فأشْبَهَ ضَرْبَ العَصَا. (التاسعُ، أن يَشْهَدا على رجلٍ بقَتْلٍ عَمْدٍ، أو زِنًى، أو رِدَّةٍ، فيُقْتَلَ بذلك، ثم يَرْجِعا ويقولا: عَمَدْنا قَتْلَه. أو يقولَ الحاكمُ: عَلِمْتُ كَذِبَهما، وعَمَدْتُ قَتْلَه. أو يقولَ ذلك الوَلِىُّ، فهذا كلُّه عما مَحْضٌ مُوجِبٌ للقِصاصِ إذا كَمَلَتْ شُرُوطُه) وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا قِصاصَ عليهما؛ لأنَّه بسَبَبٍ غيرِ مُلْجِئٍ، فلا يُوجِبُ القِصاصَ، كحَفْرِ البئْرِ. ولَنا، ما روَى القاسمُ بنُ عبدِ الرحمنِ، أنَّ رَجُلَيْن شَهِدا عندَ على، كَرَّمَ اللَّه وَجْهَه، على رجلٍ أنَّه سَرَق، فقَطَعَه، ثُمَّ رَجَعا عن شَهادَتِهِما، فقال علىٌّ: لو أعْلَمُ أنَّكما تَعَمَّدْتُما، لقَطَعْتُ أيْدِيَكما. وغَرَّمَهما دِيَةَ يَدِهْ . ولأنَّهما تَوَصَّلا إلى قَتْلِه بسَبَبٍ يَقْتُلُ غالِبًا، فوَجَبَ عليهما القِصاصُ، كالمُكْرَهِ .
وكذلك الحاكمُ إذا حَكَم على رجل بالقَتْلِ عالِمًا بذلك مُتَعَمِّدًا، فقَتَلَه، و اعْتَرَفَ بذلك، وجَبَ القِصاصُ، والكلامُ فيه كالكلامِ في الشّاهِدَيْن،
ولو أنَّ الوَلِىَّ الذى باشَرَ قَتْلَه أقَرَّ بعِلْمِه بكَذِبِ الشُّهُودِ وتَعَمُّدِ قَتْلِه، فعليه القِصاصُ. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
فإن أقَرِّ الشّاهِدان والحاكمُ والوَلِىُّ جميعًا بذلك، فعلى الوَلِىِّ القِصاصُ؛ لأنَّه باشَرَ القَتْلَ عمدًا عُدْوانًا . ويَنْبَغِى أن لا يَجِبَ على غيرِه شئٌ؛ لأنَّهم مُتَسَبِّبُون، والمُباشَرَةُ تُبْطِلُ حكمَ المُتَسَبِّبِ، كالدّافِعِ مع الحافِرِ. ويُفارِقُ هذا ما إذا لم يُقِرَّ؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ حُكْمُ مُباشَرَةِ القَتْلِ في حَقِّه ظُلْمًا، فكان وُجُودُه كعَدَمِه. ويكونُ القِصاصُ على الشَّاهِدَيْن والحاكِمِ؛ لأَنَّ الجميعَ مُتَسَبِّبُون.
وإن صار الأمْرُ إلى الدِّيَةِ، فهى عليهم أثْلاثًا. ويَحْتَمِلُ أن يتَعَلَّقَ الحكمُ بالحاكم وحدَه؛ لأَنَّ سَبَبَه أخَصُّ مِن سَبَبِهم،
فإنَّ حُكْمَه واسِطَةٌ بينَ شَهادَتِهم وقَتْلِه، فأشْبَه المُباشِرَ مع المُتَسَبِّبِ.
فإن كان الوَلِىُّ المُقِرُّ بالتَّعَمُّدِ لم يُباشِرِ القَتْلَ، وإنَّما وَكَّلَ فيه، فأقَرَّ الوَكِيلُ بالعِلْمِ وتَعَمُّدِ القَتْلِ ظُلْمًا، فهو القاتِلُ وحدَه؛ لأنَّه مُباشِرٌ للقَتْلِ عَمدًا ظُلْمًا مِن غيرِ إكرْاهٍ، فتَعَلَّقَ الحكمُ به، كما لو قَتَل في غيرِ هذه الصُّورَةِ،
وإن لم يَعْتَرِفْ بذلك، فالحكمُ مُتَعَلِّقٌ بالوَلِىِّ، كما لو باشَرَه.
(فَإِنِ ادَّعَى الْقَاتِلُ بِالسُّمِّ أَنَّنِي لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُ سُمٌّ قَاتِلٌ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " ; لِأَنَّ السُّمَّ يَقْتُلُ غَالِبًا أَشْبَهَ مَا لَوْ جَرَحَهُ،
وَقَالَ: لَا أَعْلَمُ أَنَّهُ يَمُوتُ بِهِ (وَيَقْبَلُ فِي الْآخَرِ)
وَقِيلَ: وَيَجْهَلُهُ مِثْلُهُ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ أَنَّهُ قَاتِلٌ، وَهَذَا شُبْهَةٌ تُسْقِطُ الْقَوَدَ (وَيَكُونُ شِبْهَ عَمْدٍ) لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ قَصَدَ فِعْلَ الشَّيْءِ الدَّاعِي إِلَى الْقَتْلِ بِشِبْهِ الْعَمْدِ كَمَا لَوْ كَانَ لَا يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا [الثَّامِنُ أَنْ يَقْتُلَهُ بِسِحْرٍ يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا] (الثَّامِنُ: أَنْ يَقْتُلَهُ بِسِحْرٍ يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا) إِذَا كَانَ السَّاحِرُ يَعْلَمُ ذَلِكَ، أَشْبَهَ الْمُحَدَّدَ،
وَكَذَا إِذَا بَقِيَ مُدَّةً يَمُوتُ فِي مِثْلِهَا غَالِبًا،
وَمُقْتَضَاهُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ مِمَّا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا أَنَّهُ خَطَأُ الْعَمْدِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوِ ادَّعَى الْجَهْلَ بِكَوْنِهِ يَقْتُلُ،
وَمِثْلُهُ يَجْهَلُهُ، أَوْ كَانَ غَيْرَ قَاتِلٍ، أَوِ ادَّعَى قَاتِلُ الْمَرِيضِ الْجَهْلَ بِمَرَضِهِ فِي وَجْهٍ، فَشِبْهُ عَمْدٍ [التَّاسِعُ أَنْ يَشْهَدَا عَلَى رَجُلٍ بِقَتْلِ عَمْدٍ أَوْ رِدَّةٍ أَوْ زِنًا فَيُقْتَلُ بِذَلِكَ] (التَّاسِعُ: أَنْ يَشْهَدَا عَلَى رَجُلٍ بِقَتْلِ عَمْدٍ، أَوْ رِدَّةٍ أَوْ زِنًا)
كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَعِبَارَةُ " الْوَجِيزِ " وَ " الْفُرُوعِ ": وَلَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِمَا يُوجِبُ قَتْلَهُ، وَهِيَ أَحْسَنُ
فإنِ ادَّعَى القاتِلُ بالسُّمِّ: إنَّنى لم أَعْلَمْ أنَّه سُمٌّ قَاتِلٌ. لم يُقْبَلْ فى أَحَدِ لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُ سُمٌّ قَاتِلٌ. لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُه، فِى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَيُقْبَلُ فِى الآخَرِ، وَتَكُونُ شِبْهَ عَمْدٍ.
الوَجْهَيْنِ. وهو المذهبُ. جزَم به فى «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه فى «الخُلاصَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. وصحَّحه فى «التَّصْحيحِ» وغيرِه.
ويُقْبَلُ فى الآخَرِ، وتكونُ شِبْهَ عَمْدٍ. وأطلَقَهما فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الهادِى»، و «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، وغيرِهم.
وقيل: يُقْبَلُ إذا كانَ مِثْلُه يجْهَلُه، الثَّامِنُ، أَنْ يَقْتُلَهُ بِسِحْرٍ يَقْتُلُ غَالِبًا.
وإلَّا فلا. الثَّامِنُ، أَنْ يَقْتُلَه بسِحْرٍ يَقْتُلُ غالِبًا. إذا قَتَلَه بسِحْرٍ يقْتُلُ غالِبًا،
فإنْ كان يعْلَمُ أنَّه يقْتُلُ، فهو عَمْدٌ مَحْضٌ،
وإنْ قال: لم أعْلَمْه قاتِلًا. لم يُقْبَلْ قوْلُه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقيل: يُقْبَلُ، ويكونُ شِبْهَ عَمْدٍ.
وقيل: يُقْبَلُ إذا كان مِثْلُه يجْهَلُه، وإلَّا فلا، كما تقدَّم فى السُّمِّ سواءً.
فائدتان؛ إحْداهما، إذا وجَب قتْلُه بالسِّحْرِ، وقُتِلَ، كانَ قَتْلُه به حدًّا، وتجِبُ دِيَةُ المَقْتولِ فى تَرِكَتِه. على الصَّحيحِ.
وقال المَجْدُ فى «شَرْحِه»: وعندِى فى هذا نظَرٌ. ويأتِى بعضُ ذلك فى آخِرِ بابِ المُرْتَدِّ.
الثَّانيةُ، قال ابنُ نَصْرِ اللَّهِ فى «حَواشِى الفُروعِ»: لم يذْكُرْ أصحابُنا المِعْيانَ، القاتِلَ بعَيْنِه، ويَنْبَغِى أَنْ يُلْحَقَ بالسَّاحِرِ الذى يقْتُلُ بسِحْرِه غالِبًا؛
فإذا كانتْ عَيْنُه يسْتطيعُ القَتْلَ بها ويفْعَلُه باخْتِيارِه، وجَب به القِصاصُ،
وإنْ وقَع ذلك منه بغيرِ قَصْدِ الجِنايَةِ، فيَتَوَجَّهُ أنَّه خطَأٌ يجِبُ عليه ما يجِبُ فى قَتْلِ الخَطَأِ.
وكذا التَّاسِعُ، أَنْ يَشْهَدَا عَلَى رَجُل بِقَتْل عَمْدٍ، أَوْ زِنًى، أَوْ رِدَّةٍ فَيُقْتَلَ بِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعَا وَيَقُولَا: عَمَدْنَا قَتْلَهُ. أَوْ يَقُولَ الْحَاكِمُ: عَلِمْتُ كَذِبَهُمَا، وَعَمَدْتُ قَتْلَهُ. أَوْ يَقُولَ ذَلِكَ الْوَلِى. فَهَذَا كُلُّهُ عَمْدٌ مَحْضٌ مُوجبٌ لِلْقِصَاصِ إِذَا كَمَلَتْ شُرُوطُهُ.
ما أَتْلَفَه المِعْيانُ بعَيْنِه، يتَوَجَّهُ فيه القَوْلُ بضَمانِه، إلَّا أَنْ يقَعَ بغيرِ قَصْدِه، فيتَوَجَّهُ عدَمُ الضَّمانِ. انتهى.
قلتُ: وهذا الذى قالَه حَسَنٌ، لكِنَّ ظاهِرَ كلامِه فى «الرِّعايَةِ الكُبْرى»، و «التَّرْغيبِ» عدَمُ الضَّمانِ.
وكذلك قال القاضى، على ما يأتِى فى آخِرِ بابِ التَّعْزيرِ. التَّاسِعُ، أَنْ يَشْهَدَا على رَجُلٍ بقَتْل عَمْدٍ، أو رِدَّةٍ، أو زِنًى، فيُقْتَلَ بذلك، ثم يَرْجِعَا ويَقُولَا: عَمدْنا قَتْلَه. هكذا قال أكثرُ الأصحابِ بهذه العِبارَةِ.
وقال فى «الكافِى»: وقالَا: عَلِمْنا أنَّه يُقْتَلُ.
وقال فى «المُغْنِى»: ولم يَجُزْ جَهْلُهما به.
وقال فى «التَّرْغيبِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرى»: وكذَّبَتْهما قرِينَةٌ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فالأصحابُ مُتفِقُون على أنَّ هذا عَمْدٌ مَحْضٌ.
وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللَّهُ: ذكَر الأصحابُ مِن صُوَرِ القَتْلِ العَمْدِ المُوجِبِ للقَوَدِ، مَن شَهِدَتْ عليه بَيِّنَةٌ بالرِّدَّةِ، فقُتِلَ بذلك، ثم رجَعُوا وقالوا: عَمَدْنا قتْلَه. قال: وفى هذا نظَرٌ؛ لأنَّ المُرْتَدَّ إنَّما يُقْتَلُ إذا لم يَتُبْ، فيُمْكِنُ المَشْهودَ عليه التَّوْبَةُ، كما يُمْكِنُه التَّخَلُّصُ مِنَ النَّارِ إذا أُلْقِىَ فيها. انتهى.
قلتُ: يُتَصَوَّرُ عدَمُ قَبُولِ توْبَةِ المُرْتَدِّ فى مَسائِلَ -على رِوايةٍ قَوِيَّةٍ- كمَن سبَّ اللَّهَ أو رَسُولَه، والزِّنْديقِ،
ومَن تكَرَّرَتْ رِدَّتُه، والسَّاحِرِ، وغيرِ ذلك على ما يأْتِى فى بابِه،
فلو شُهِدَ عليه بذلك، فإنَّه يُقْتَلُ بكلِّ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حالٍ، ولا تُقْبَلُ توْبَتُه. على إحْدَى الرِّوايتَيْن. فكَلامُ الأصحابِ مَحَلُّه حيثُ امْتَنَعَتِ التَّوْبَةُ، ويكْفِى هذا فى إطْلاقِهم ولو [فى مسْألَةٍ] واحدةٍ، لكِنْ ظهَر لى على كلامِ كثيرٍ مِنَ الأصحابِ إشْكَالٌ فى قوْلِهم: لو شَهِدَا على رَجُلٍ بزنًى، فقُتِلَ بذلك.
فإنَّ الشَّاهِدَيْن لا يُقْتَلُ الزَّانى بشَهادَتِهما. فهذا فيه نظرٌ ظاهِرٌ؛
ولهذا قال فى «الفُروعِ»: ومَن شَهِدَتْ عليه بَيِّنَةٌ بما يُوجِبُ قَتْلَه. فتخَلَّصَ مِن الإِشْكالِ. قوله: أو يَقُولَ الحاكِمُ: عَلِمْتُ كَذِبَهما، وعَمَدْتُ قَتْلَه. فهذا عَمْدٌ مَحْضٌ،
ويجبُ القِصاصُ على الحاكمِ. وهذا المذهبُ. وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وجزَم به فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الوَجيزِ»، و «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايَةِ»، و «الحاوِى»، وغيرِهم. وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه. ونصَرَ ابنُ عَقِيلٍ فى «مُناظَراتِه» أنَّ الحاكِمَ -والحالَةُ هذه- لا قِصاصَ عليه.
وقيل: فى قَتْلِ الحاكمِ وَجْهان. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فوائد؛ الأُولى، يُقْتَلُ المُزَكِّى، كالشَّاهِدِ. قالَه أبو الخَطَّابِ وغيرُه. وعندَ القاضى، لا يُقْتَلُ وإنْ قُتِلَ الشَّاهِدُ.
الثَّانيةُ، لا تُقْبَلُ البَيِّنَةُ مع مُباشَرَةِ الوَلِىِّ القَتْلَ وإقْرارِه أنَّه فعَل ذلك عَمْدًا عُدْوانًا. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وجزَم به فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، وغيرِهما. وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه. وفى «التَّرْغيبِ» وَجْهٌ، البَيِّنَةُ والوَلِىُّ هنا كمُمْسِكٍ مع مُباشِرٍ، فالبَيِّنَةُ هنا كالمُمْسِكِ، والوَلِىُّ هنا كالمُباشِرِ هناك. على ما يأْتِى فى كلام المُصَنِّفِ قريبًا فى هذا البابِ، والخِلافُ فيه.
وقال فى «التَّبْصِرَةِ»: إَنْ عَلِمَ الوَلِى والحاكِمُ أنَّه لم يَقْتُلْ، أُقِيدَ الكُلُّ.
الثَّالثةُ، يخْتَصُّ المُباشِرَ العالِمَ بالقَوَدِ، ثم الوَلِىَّ، ثم البَيِّنَةَ. والحاكِمَ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وقدَّمه فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وقيل: يخْتَصُّ القَوَدُ بالحاكمِ إذا اشْتَرَكَ هو والبَيِّنَةُ؛ لأَنَّ سَبَبَه أخَصُّ مِن سبَبِهم؛
فإن حُكْمَه واسِطَةٌ بينَ شَهادَتِهم وقتْلِه، فأشْبَهَ المُباشِرَ مع المُتَسَبِّبِ.
الرَّابعةُ، لو لَزمَتِ الدِّيَةُ البَيِّنَةَ والحاكِمَ، فقيل: تَلْزَمُهم ثلاثًا؛ على الحاكمِ الثُّلُثُ، وعلى كلِّ شاهدٍ ثُلُث. جزَم به فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ».
وقيل: نِصْفَيْن. [قالَ: وهو الصَّوابُ. وجزَم به فى «الرِّعايَةِ» فى بابِ الرُّجوعِ عنِ الشَّهادَةِ] . وأطْلَقهما فى «الفُروعِ». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الخامسةُ، لو قال بعضُهم: عَمَدْنا قَتْلَه.
وقال بعضُهم: أخْطَأْنا. فلا قَوَدَ على المُتَعَمِّدِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ . قال فى «الفُروعِ»: فلا قَوَدَ على المُتَعَمِّدِ على الأصحِّ. وصحَّحه المُصَنِّفُ فى هذا الكتابِ، فى آخِرِ هذا البابِ.
وعنه، عليه القَوَدُ. فعلى المذهبِ، على المُتَعَمِّدِ بحِصَّتِه مِنَ الدِّيَةِ المُغَلَّظَةِ، وعلى المُخْطِئِ بحِصَّتِه مِنَ المُخَفَّفَةِ. وتأْتِى هذه المسْأَلةُ ونَظائِرُها فى آخرِ هذا البابِ بأتَمَّ مِن هذا.
السَّادسةُ، لو قال كلُّ واحدٍ منهما: تعَمَّدْتُ وأخْطَأَ شَرِيكِى. فوَجْهان فى القَوَدِ. وأَطْلَقهما فى «الفُروعِ».
قلتً: الصَّوابُ الذى لا شَكَّ فيه وُجوبُ القَوَدِ عليهما؛ لاعْتِرافِهما بالعَمْدِيَّةِ. [وقدَّم فى «الرِّعايةِ الصُّغْرى»، و «الحاوِى»، عدَمَ القَوَدِ. وصحَّحه فى «الكُبْرى»،
وقال: الدِّيَةُ عليهما حالَّةٌ] .
ولو قال واحدٌ: عَمَدْنا. وقال الآخَرُ: أَخْطَأْنا. لَزِمَ المُقِرَّ بالعَمْدِ القَوَدُ، ولَزِمَ الآخَرَ نِصْفُ الدِّيَةِ.
السَّابِعَةُ، لو رجَع الولِىُّ والبَيِّنَةُ، ضَمِنَه الولِىُّ وحدَه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قدَّمه فى «الفُروعِ».
وقال القاضى وأصحابُه: يضْمَنُه الولىُّ والبَيِّنَةُ معًا، كمُشْتَرِكٍ. وأطْلَقهما فى «الرِّعايتَيْن». واخْتارَ الشِّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، أنَّ الولِىَّ يَلْزَمُه القَوَدُ إنْ تعَمَّدَ، وإلَّا الدِّيَةُ،
وأنَّ الآمِرَ لا يرثُ.
الثَّامِنَةُ، لو حفَر فى بَيْتِه بِئرًا وستَرَه ليَقَعَ فيه أحدٌ، فوَقَعَ فماتَ،
فإنْ كانَ دخَل بإذْنِه، قُتِلَ به، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وقل: لا يُقْتَلُ فَصْلٌ: وَشِبْهُ الْعَمْدِ أَنْ يَقْصِدَ الْجِنَايَةَ بِمَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا فَيَقْتُلَ؛
إِمَّا لِقَصْدِ الْعُدْوَانِ عَلَيْهِ، أَوْ لِقَصْدِ التَّأْديِبِ لَهُ، فَيُسْرِفَ فِيهِ، نَحْوَ أَنْ يَضْرِبَهُ بِسَوْطٍ، أَوْ عَصًا، أو حَجَر صَغَيرٍ، أَوْ يَلْكُزَهُ، أَوْ يُلْقِيَهُ فِى مَاءٍ قَلِيلٍ، أَوْ يَقْتُلَهُ بِسِحْر لَا يَقْتُلُ غَالِبًا، وَسَائِرِ مَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا، أَوْ يَصِيحَ بِصَبِىٍّ أو مَعْتُوهٍ وَهُمَا عَلَى سَطْحٍ فَيَسْقُطَا، أَوْ يَغْتَفِلَ عَاقِلًا فَيَصِيحَ بِهِ فَيَسْقُطَ، وَنَحْوُ ذَلِكَ.
به، كما لو دخَل بلا إذْنِه، أو كانتْ مكْشُوفَةً، بحيثُ يَراها الدَّاخِلُ. ويأْتِى فى أوَّلِ كتابِ الدِّيَاتِ، إذا حفَر فى فِنائِه بِئْرًا، فتَلِفَ به إنْسانٌ.
التَّاسِعَةُ، لو جعَل فى حَلْقِ زَيْدٍ خُراطَةً، وشدَّها فى شئٍ عالٍ، وتَرَكَ تحتَه حجَرًا، فأزالَه آخَرُ عَمْدًا، فماتَ، قُتِلَ مُزِيلُه دُونَ رابِطِه،
فإنْ جهِلَ الخُراطَةَ، فلا قَوَدَ على قاتِلِه، وفى مالِه الدِّيَةُ. على الصَّحيحِ. قدَّمه فى «الرِّعَايَةِ الكُبْرى»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ».
وقيل: الدِّيَةُ على عاقِلَتِه. قدَّمه فى «الرِّعايةِ الصُّغْرى».
وقيل: بل على الأَوَّلِ نِصْفُها.
وقيل: بل على عاقِلَتِه.
قال: (فإن ادعى القاتل بالسم أني لم أعلم أنه سم قاتل لم يقبل في أحد الوجهين، ويقبل في الآخر ويكون شبه عمد) .
أما كون من ادعى ما ذكر لا يقبل قوله في أحد الوجهين؛ فلأنه ادعى ما يسقط الواجب عليه. فلم يقبل قوله؛ كغيره من الإسقاطات.
ولأن السم يقتل غالباً. فلم يقبل قوله في أنه لم يعلم أنه سُمٌّ قاتل؛ كما لو جرحه وقال: لم أعلم أنه يموت به.
وأما كونه يقبل قوله في الوجه الآخر؛ فلأنه يجوز أن يخفى عليه أن السم قاتل. فيكون ذلك شبهة. فيسقط به القصاص.
وأما كونه على هذا يكون شبه عمد؛ فلأنه من حيث إنه قصد فعل الشيء الداعي إلى القتل يشبه العمد فيكون شبه عمد لشبهه به.
قال: (الثامن: أن يقتله بسحر يقتل غالباً) .
أما كون الثامن مما ذكر ما ذكر؛ فلأنه يلي السابع.
وأما كون القتل بالسحر المذكور عمداً؛ فلأنه قتل بشيء يقتل مثله غالباً. أشبه ما لو ضربه بسكين.
وأما كون السحر يقتل غالباً؛ فلأنه متى كان لا يقتل غالباً لا يصح قياسه على السكين لقيام الفرق بينهما من حيث إن السكين تقتل غالباً، وذلك مفقود فيه.
قال: (التاسع: أن يشهدا على رجل بقتل عمداً أو ردة أو زنا فيقتل بذلك ثم يرجعا ويقولا: عمدنا قتله أو يقول الحاكم: علمت كذبهما وعمدت قتله، أو يقول الولي ذلك: فهذا كله وشبهه عمد محض موجب للقصاص إذا كملت شروطه) .
أما كون التاسع مما ذكر ما ذكر؛ فلأنه يلي الثامن.
وأما كون شهادة الشاهدين بما ذكر ورجوعهما وقولهما: عمدنا قتله عمداً؛ فلما روي «أن رجلين شهدَا عند علي رضي الله عنه على رجلٍ أنه سرق فقطَعَه. ثم رجعا عن شهادتهما. فقال علي: لو أعلمُ أنكما تعمّدتما لقطعتُ أيديكما».
ولأنهما توصلا إلى قتله بسبب يقتل غالبًا. فكان عمداً؛ كالذي تقدم.
وأما كون الحاكم أو الولي إذا قال: علمت كذب الشاهدين وعمدت قتله عمداً؛ فلأن الحاكم والولي في معنى الشاهدين. فكان القتل الحاصل بسببهما عمداً؛ كالقتل الحاصل بسبب الشاهدين.
وأما قول المصنف رحمه الله: فهذا كله وشبهه عمد محض موجب للقصاص؛ فإشارة إلى الأقسام التسعة المتقدم ذكرها. [وفيه
تنبيه على أشياء:
أحدها: أن العمد على ضربين: محض. وهو: ما لا شبهة فيه البتة وهو الأقسام التسعة المتقدم ذكرها] ، وغير محض كعمد الخطأ. وسيأتي ذكر ذلك إن شاء الله.
وثانيها: أن العمد ليس مختصاً بما تقدم ذكره بل كل ما أشبهه كان ملحقاً به لشبهه به.
وثالثها: أن العمد المحض موجب للقصاص لا غير.
أما كونه موجباً للقصاص فلا خلاف فيه بين أهل العلم وقد دلت الآيات والأخبار على ذلك:
أما الآيات؛ فقوله تعالى:{ومن قُتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سُلطاناً}، وقوله تعالى:{كُتب عليكم القصاص في القتلى}، وقوله تعالى:{وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس}.
وأما الأخبار؛ فقوله عليه السلام:«من قُتل له قتيلٌ فهو بخيرِ النظرين: إما أن يُقتل وإما أن يُفدى» متفق عليه.
وقوله عليه السلام: «من أصيبَ بدمٍ أو خَبَلٍ فهوَ بالخيار بين إحدى ثلاث. فإن أرادَ الرابعةَ فخذوا على يديه: أن يقتُل، أو يعفُو، أو يأخذ الدية» . رواه أبو داود.
وقوله عليه السلام:«فمنْ قُتِلَ له قتيلٌ بعد مَقالَتي هذه فأهلُهُ بين خِيَرَتَيْنِ: أن يَأخذُوا العَقْلَ، أو يَقتُلُوا».
وقوله عليه السلام:«العمدُ قودٌ إلا أن يعفوَ وليُّ المقتُول».
وقوله عليه السلام:«منْ قَتَلَ عامداً فهو قَوَد». رواه أبو داود وابن ماجة ولفظه:«منْ قُتِلَ عمداً فهوَ قَوَد».
وأما كون غير العمد لا يوجب للقصاص؛
فلأن غير ذلك: إما شبه عمد،
وإما خطأ، وإما ما أجري مجرى الخطأ. والكل لا قصاص فيه. وسيأتي دليل ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وأما قول المصنف رحمه الله: إذا كملت شروطه فصحيح؛ لأنه لا شبهة أن للقصاص شروطاً؛ مثل كون المقتول حراً مسلماً ونحو ذلك. ولا يمكن استيفاء الشيء قبل شرطه .
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.