وَلَا يَجُوزُ التَّطَوُّعُ بِغَيْرِهَا فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الْخَمْسَةِ إِلَّا مَا لَهُ سَبَبٌ، كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ، وَصَلَاةِ الْكُسُوفِ، وَقَضَاءِ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ؛ فَإِنَّهَا عَلَى رِوَايَتَيْنِ
Its commentaries
مسألة: (ولا يَجُوزُ التَّطَوُّعُ بغيرِها في شيء مِن هذه (٢) الأوْقاتِ الخمسَةِ، إلَّا ما له سَبب؛ كتَحِيَّةِ المسجدِ، وسُجُود التلاوَةِ، وصلاةِ الكُسُوفِ، وقَضاءِ السُّنَن الرّاتِبَةِ، فإنها على روايَتَين) أرادَ بغيرِ ما ذكَر مِن الصَّلَواتِ، وهي صلاةُ الجِنازَةِ، ورَكْعَتا الطَوافِ، وإعادَةُ الجماعَةِ، وليس في المَذْهبِ خِلاف نَعلَمُه في أنَّه لا يَجُوز أن يَبْتَدِئَ في هذه الأوْقاتِ تَطَوُّعًا لا سَبَبَ له. وهذا قولُ الشافعي، وأصحابِ الرأي.
وقال ابن المُنْذر: رَخَّصت طائِفةً في الصلاة بعدَ العَصرِ، يروَى ذلك عن على، والزُّبَيرِ، وابنِه، وتمِيم الدارِي، والنعمانِ بنِ بَشِيرٍ، وأبي أيُّوبَ الأنْصاري، وعائشةَ، رَضِيَ الله عنه، وجَماعَةٍ مِن أهلِ العِلْمِ سِواهم. ورُوِيَ عن أحمدَ، أنه قال.: لا نَفْعَلُه ولا نعِيبُ فاعِلَه؛ لقَوْلِ عائشةَ: ما تَرَك رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَكعَتَين بعدَ العَصرِ عندِي قط. وقولِها: وهِمَ عُمَرُ، إنما نَهى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَتَحَرَّى طُلُوعَ الشمس أو غُرُوبَها.
رَواهما مسلم . وقولُ علي، - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لَا صَلَاة بعدَ الْعصرِ إلّا وَالشمس مُرتَفِعَة». ولَنا، الأحاديثُ المذْكُورَةُ، وهي صَحِيحَة صرِيحَة. وروَى أبو بَصرَةَ، قال: صَلى بِنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة العَصرِ بالمُخَمَّصِ ، فقال:«إنَّ هذهِ الصَّلاة عُرِضَتْ عَلى مَنْ كَانَ قَبْلَكم فَضَيَّعُوها، فمَنْ حَافَظَ عَلَيها كَانَ لَهُ أجْرُهُ مَرَّتَينِ، وَلا صَلاةَ بَعدَها حَتَّى يَطْلُعَ الشاهِدُ».
رَواه مسلم . وهذا خاصٌّ في مَحَل النزاعِ.
وأما حديثُ عائشةَ،، فقد روَى عها ذَكْوانُ مَوْلاها، أنها حَدَّثَتْه، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كان يُصَلي بعدَ العَصرِ وينْهى عنها. رواه أبو داودَ . وعن أمِّ سَلَمَةَ، قالت: سَمعت رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَنْهى عنهما، ثم رأيتُه يُصَليهما،
وقال: «يَا بنْتَ ابنِ أبِي أمَيَّةَ، إنَّهُ أتانِيَ نَاس مِنْ عَبْدِ الْقَيس بالإسْلَامِ مِنْ قَوْمِهِم، فشَغَلُوني عَنِ الركْعَتَينِ اللَّتَينِ بعدَ الظهْرِ، فهُمَا هاتَان». رواه مسلم . وهذا يَدُلُّ على أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إنّما فَعَلَه لسَبَبٍ، وهو قَضاءُ ما فات مِن السنةِ، وأنه نَهى عن الصلاةِ بعدَ العَصرِ، كما رَواه غيرُهما، وحديثُ عائشةَ يَدُل على اخْتِصاص النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -[بذلك، ونَهْيه غيرَه، وهو حُجّة على مَن خالف ذلك،
فإن النِّزاعَ في غيرِ النبي - صلى الله عليه وسلم -]، وقد ثبَت ذلك مِن غيرِ مُعارض له، وقَوْلُها: وَهِمَ عُمَرُ. قد أجبنا عنه.
فصل: فأما ما له سَبَب، فالمَنْصُوصُ عن أحمدَ، - رضي الله عنه -، في الوتْرِ أنَّه يُفْعَلُ بعدَ طُلوعِ الفَجْرِ قبلَ الصلاةِ. رُوِيَ ذلك عن ابنِ مسعود، وابنِ عُمَرَ، وابنِ عباس، وحُذَيفَةَ، وأبِي الدرداءِ، وعُبادَةَ بنِ الصامِتِ، وعائشِة، وغيرِهم، رَضِيَ الله عنهم. وبه قال مالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِي، والشافعي. ورُوِيَ عن علي، رَضِيَ الله عنه، إنّه خَرج بعدَ طلُوعِ الفَجْرِ، فقال: لنِعمَ هذه ساعَةُ الوتْرِ . وقد رُوِيَ عن أبي موسى، أنَّه سُئِل عن رجل لم يُوتِر حتى أذنَ المُؤذنُ، فقال: لا وتر.
له. وأنكَر ذلك عَطاء، والنَّخَعِي، وسعيدُ بنُ جُبير. وهو قول أبي موسى؛ لعمومِ النهْي. ولَنا، ما روَى أبو بَصرَة الغِفاري، قال: سَمعتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «إنَّ الله زَادَكم صلَاة فَصَلُّوها مَا بَينَ الْعِشَاءِ إلَى صلَاةِ الصبحَ، الوتر الوتر ». رَواه الأثْرَمُ، واحتَجَّ به أحمدُ . وأحادِيثُ النهْي ليست صَرِيحَة في النهْي قبلَ صلاةِ الفَجْرِ؛ كما حَكَيناه مُتَقَدَّمًا. وقد روَى أبو هُريرةَ ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَن نَامَ عن الْوتر فَلْيُصَلِّهِ إذا أصبح».
رَواه ابنُ ماجه . إذا ثَبَت هذا، فإنه لا يَنْبَغِي أن يَتَعَمَّدَ تركَ الوتْرِ حتى يُصبِحَ؛ لهذا الخَبَرِ، ولأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:«فَإذَا خشيَ أحَدُكُم الصبحَ فَلْيُصَل رَكْعَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى». مُتفَق عليه .
وقال مالك: مَن فاتَتْه صلاةُ اللَّيلِ، فله أن يُصَلِّيَ بعدَ الصبحِ قبلَ أن يُصَلِّيَ الصبحَ. وحَكاه ابنُ أبي موسى في «الإرشادِ» مَذْهبًا لأحمدَ، قِياسًا على الوتْرِ، ولأن هذا الوَقتَ، لم يَثْبُتِ النَّهْيُ فيه صَرِيحًا، فكان حُكمُه خَفِيفًا.
فصل: فأما سُجُودُ التلاوَةِ، وصلاةُ الكُسوفِ، وتَحِيُّةُ المسجدِ، فالمَشْهُورُ في المَذْهبِ أنه لا يَجُوزُ فِعلُها في شيءٍ مِن أوْقاتِ النَّهْي،
وكذلك قَضاء السننِ الراتِبَةِ في الأوْقاتِ الثلاثةِ المَذْكورَةِ في حديثِ عُقْبَةَ بنِ عامِر. ذَكَرَه الخِرَقي في سُجُودِ التلاوَةِ، وصلاةِ الكسُوفِ.
وقال القاضِي: في ذلك رِوايَتان؛ أصَحُهما، أنه لا يَجُوزُ. وهو قولُ أصحاب الرَّأي. والثانِيةُ، يجُوزُ. وهو قول الشافعيِّ؛ لقَوْلِ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا دَخَل أحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَركَعَ رَكْعَتَينِ». مُتَفَق عليه .
وقال في الكسُوفِ: «فإذَا رأيتُموها فصَلوا» وهذا خاصٌّ في هذه الصلاةِ، فيُقَدمُ على النَّهْي العام، ولأنها صلوات ذَواتُ أسبابٍ أشْبَهتْ ما ثَبَت جَوازُه. ولَنا، أن كل واحِدٍ خاصٌّ مِن وَجْهٍ، [وعام من وَجْهٍ] إلَّا أن النهْيَ للتحرِيمِ، والأمرَ للندبِ، وتَركُ المُحَرُّمِ أوْلَى مِن فِعلِ المَنْدُوبِ.
فصل: فأما قَضاءُ السُّننِ الرّاتِبَةِ في الوَقتَين الآخَرَين، فالصَّحِيحُ أن رَكْعَتَي الفَجْرِ تُقْضَى بعدَها؛ [إلا أن] أحمدَ قال: أنا أخْتارُ أن يَقْضِيَهما مع الضحَى. كان صلّاهما بعدَ الفَجْرِ أجْزَأه؛ لِما روَى قَيسُ بنُ قَهْدٍ، قال: رَآنِي رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وأنا أصَلّي رَكْعَتَي الفَجر بعدَ صلاةِ الفَجْرِ، فقال:«مَا هاتَانِ الركْعَتَانِ يَا قَيسُ؟»
قُلْتُ: يا رسولَ الله، لم أكُنْ صَلَيتُ رَكْعَتَي الفَجْرِ، فهما هاتانِ. رَواه الامامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمِذِي . وسُكُوتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - يَدُل على الجَوازِ. وفيه رِوايَةٌ أخْرَى، لا يَجُوزُ ذلك. وهو قولُ أصحابِ الرأي، لعُمُومِ أحاديثِ النَّهْي،
ولِما روَى أبو هُرَيرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ لَمْ يُصَل رَكْعَتَي الْفَجْرِ فَلْيُصَلِّهمَا بَعْدَ مَا تَطْلُعُ الشمسُ». رَواه الترمِذِيُّ . وحديثُ قَيسٍ مُرسَل، قاله أحمدُ، والترمِذِي.
وإذا كان الأمرُ هكذا كان تأخِيرُهما إلى وَقتِ الضُّحَى أحسَنَ؛ ليَخْرُجَ مِن الخِلافِ، ولا يُخالِفُ عُمومَ الحدِيتِ،
وإن فَعَلَهما جاز؛ لأنَّ هذا الخبَرَ لا يَقْصُرُ عن الدَّلالةِ على الجَوازِ.
والصحِيحُ أن السننَ الراتِبَةَ تُقْضَى بعدَ العَصرِ؛ لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَعَلَه، فإنه قَضَى الركْعَتَين اللَّتَين بعدَ الظهْر بعدَ العَصرِ في حَدِيثِ أم سَلمَةَ الذي ذَكَرناه ، والاقتِداءُ بما فَعَلَه النبي - صلى الله عليه وسلم - مُتَعيِّن. ولأن النهْيَ بعدَ العَصرِ خَفِيف، لِما روىَ في خِلافِه مِن الرُّخْصَةِ. وقولُ عائشةَ: إنه كان يَنْهى عنها. معنَاه والله أعلمُ، أنه نَهى عنها لغيرِ بهذا السببِ، أو أنه كان بَفْعَلُها على الدَّوامِ.
وهذا مذهب الشافعي. وفيه رِوايَة أخْرَى، لا يَجُوزُ. وهو قولُ أصحابِ الرأي؛ لعُمُومِ النهْي. والأخْذُ بالحدِيثِ الخاص أوْلَى. فصل: ولا فَرقَ بينَ مَكَّةَ وغيرِها في المَنْع مِن التطَوُّعِ في أوْقاتِ النَّهْي.
وقال الشافعي: لا يُمنَعُ؛ لِما ذَكَرنا مِن حديثِ جُبَيرِ بنِ مُطعم ،
ولِما روَى أبو ذَر، قال: سَمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «لَا يُصَليَن أحَدٌ بَعدَ الصبحِ إلى طُلُوعِ الشمس، وَلَا بَعْدَ الْعصرِ إلَى أنْ تَغْرُبَ الشمسُ، إلّا بمَكَّةَ». قال ذلك ثلاثًا. رَواه الدّارَقطني . ولَنا، عُمومُ النهْي، ولأنه مَعنى يَمنَعُ الصلاةَ، فاستَوَتْ فيه مَكَة وغيرُها، كالحَيضِ، وحديثُ جُبَير أرادَ به رَكْعَتَي الطَّوافِ وحديثُ أبي ذَر يرويه عبدُ الله بنُ المُؤملِ، وهو ضَعِيفْ. قاله يَحيَى بنُ مَعِين.
فصل: ولا فَرقَ في وَقتِ الزّوالِ بينَ يومِ الجُمُعَةِ وغيرِه، ولا بينَ الشِّتاءِ والصيفِ. كان عُمَرُ بنُ الخطْابِ يَنْهى عنه،
وقال ابنُ مسعود: كُنا نُنْهى عن ذلك. يَعنِي يومَ الجُمُعَةِ. ورَخَّصَ فيه الحَسَنُ، وطاوس والأوْزاعي، والشافعي، وإسحاقُ في يوم الجُمُعَةِ، لِما روَى أبو سعيد، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاةِ نِصفَ النهارِ إلى يومَ الجُمعَةِ. رَواه أبو داودَ . ولأن النّاسَ يَنتظِرُون الجُمُعَةَ في هذا الوَقْتِ، وليس عليهم قطْعُ النَّوافِلِ. وأباحَه عَطاء في الشتاءِ دُونَ الصيفِ؛ لأن ذلك الوَقْتَ حينَ تُسْجَرُ جَهنَّمُ. ولَنا، عُموم أحادِيثِ، النهْي، وهي عامَّةٌ في يومِ الجُمُعَةِ وغيرِه،
وفي الصيفِ والشتاءِ، ولأنه وَقْتُ نَهْي، فاستوى فيه يومُ الجُمعَةِ وغيرُه، كسائِرِ الأوْقاتِ، وحَدِيثهم في إسناده لَيث ، وهو ضَعِيفٌ، وهو مُرسَل أيضًا. وقَوْلُهم: إنهم يَنْتَظِرُون الجُمُعَة. قُلْنا: إذا عَلِم وَقْتَ النهْي فليس له أن يُصَلي،
وإن شَكَّ فله أن يصَليَ حتى يَعلَمَ، لأن الأصلَ الإباحَةُ، فلا تَزُولُ بالشكِّ. ونَحوُ هذا قال مالِكٌ. والله أعلمُ.
(وَلَا يَجُوزُ التَّطَوُّعُ بِغَيْرِهَا) أَيْ: يَحْرُمُ ابْتِدَاءُ التَّطَوُّعِ الْمُطْلَقِ (فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الْخَمْسَةِ) لِمَا تَقَدَّمَ، وَعَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْعَصْرِ، وَيَنْهَى عَنْهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، «قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَى عَنْهُمَا - عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ - ثُمَّ رَأَيْتُهُ يُصَلِّيهِمَا، وَقَالَ: يَا بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ، إِنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، فَهُمَا هَاتَانِ» .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَفِيهِ شَيْءٌ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: لَا نَفْعَلُهُ، وَلَا نَعِيبُ عَلَى مَنْ يَفْعَلُهُ،
وَعَنْهُ: الرُّخْصَةُ بَعْدَ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: رَخَّصَتْ فِيهِ طَائِفَةٌ بَعْدَ الْعَصْرِ مُطْلَقًا؛ مِنْهُمْ عَلِيٌّ، وَالزُّبَيْرُ، وَابْنُهُ، وَتَمِيمٌ الدَّارِيُّ، وَالنُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، وَأَيُّوبُ، وَعَائِشَةُ،
وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَوْ خَالَفَ وَأَحْرَمَ بِهِ لَمْ يَنْعَقِدْ، وَذَكَرَهُ فِي " التَّلْخِيصِ "، وَغَيْرُهُ الصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ،
وَعَنْهُ: بَلَى، وَفِي جَاهِلٍ: رِوَايَتَانِ.
قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ أَنَّ إِتْمَامَ النَّفْلِ فِي وَقْتِ النَّهْيِ لَا بَأْسَ بِهِ، وَلَا يَقْطَعُهُ بَلْ يُخَفِّفُهُ (إِلَّا مَا لَهُ سَبَبٌ، كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ، وَصَلَاةِ الْكُسُوفِ، وَقَضَاءِ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ؛ فَإِنَّهَا عَلَى رِوَايَتَيْنِ) : إِحْدَاهُمَا: يَجُوزُ الْكُلُّ فِيهَا، اخْتَارَهَا صَاحِبُ (" الْفُصُولِ ")
ولا يجوز التَّطَوُّع بغيرِها في شيءٍ مِنَ الأوقات الخَمسَةِ إلا ما له سَبَب. التطوُّعُ بغيرِ ما تقدّم ذكْره في الأوْقاتِ الخمسَةِ نوْعان؛ نوع له سبب. ونوْع لا سبَبَ له.
فأمَّا الذي لا سبب له، وهو التَّطَوُّعُ المطْلَقُ، فجزَم المُصنف هنا، أنَّه لا يجوز فعله في شيءٍ منها. وهو المذهب بلا رَيب، وعليه جماهير الأصحابِ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقطَع به كثيرٌ منهم. وقيل: يجوزُ. فعلى المذهب، لو شرَع في التطوُّعِ المُطلقِ، فدخَل وقْتُ النَّهْي وهو فيها، حَرُم. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قدَّمه في «الفروعِ».
وقيل: لا يَحرم. وهو ظاهر كلامِ الخرقِي، فإنه قال: ولا يَبْتديء في هذه الأوْقاتِ صلاةً يتَطَوَّعُ بها.
وكذا قال في «المُنور»، و «المُنْتَخَبِ». وقطَع به الزركشِي، لكنْ قال: يُخفِّفها. واقْتَصَر عليه ابنُ تَميم. وهو الصوابُ. وعلى المذهبِ، لو ابتدَأ التطَوعَ المُطْلقَ فيها، لم ينْعَقِد. على الصَّحيح مِن المذهبِ. جزَم به في «الوَجيز»، والمَجدُ في «شرحه»، و «الرعاية الصغرى»، و «الحاويَين»، و «الزركشِي»، و «القَواعِدِ الفقهية» في التاسِعَةِ، و «مجْمع البَحرَين». قال ابن تَميم، وصاحِبُ «الفائق»: لم تنْعقِد، على الأصح.
قال في «التلْخيص»: لم تنعقد على الصحيح منَ المذهب. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقدمه في «الفروع»، و «الرِّعايَة الكبْرى».
وعنه، تنعقد. فعلى القوْلِ بعدمِ الانعقاد، لا تنعقد مِن الجاهِلِ. على الصحيحِ مِنَ المذهبِ. وهو ظاهرُ كلامِ ابنِ تَميم. وقدمه في «الفائق»، و «مَجْمَع البَحرين».
وعنه، تنعَقِدُ منه. قدمه في «الرعاية الكبْرى»، و «الحاوي الكَبِيرِ»، و «حَواشي ابن مُفْلح»، وأطْلقهما في «الفُروع»، و «الرعايةِ الصغْرى»، و «الحاوي الصغير»، و «الزركشي». النوع الثاني، ما له سببٌ؛ كتحية المسْجِدِ، وسُجود التلاوةِ، وصلاةِ الكسوفِ، وقَضاءِ السنن الرواتب، فأطْلق المصنفُ فيها الروايتين. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . .
وأطْلْقَهما في «الخُلاصَةِ»، و «التلخيص»، و «البُلْغةِ»، و «الفروع»، و «النظْمِ»، و «إدراكِ الغايةِ»، و «الزركشي»، و «ابن تميم»، و «الهادِي»، و «الكافِي»؛ إحداهما، لا يجوزُ. وهي المذهبُ، وعليها أكْثَرُ الأصحاب. قاله ابنُ الزَّاغوني وغيره.
قال في «الواضِحِ» في تحِية المسجد، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والسنَنِ الراتِبَة: إنَّه اخْتيار عامةِ المشايخ. قال الشريف أبو جعفَر: هو قول أكْثرِهم.
قال في «الفروعِ»، و «تَجريدِ العِنايَةِ»: وهو الأشْهر. قال الشارح: هو المشْهور في المذهب. قال ابن هبَيرَةَ: هو المشْهورُ عندَ أحمدَ في الكسوفِ. قال ابن منجَّى في «شرحه»: هذا الصحيح. ونصَرَه أبو الخَطابِ وغيرُه. وجزَم به في «الوَجيزِ». وقدمه في «الرعايتين»، و «الحاويين»، و «فروعِ» القاضي أبِي الحسَينِ. اخْتارَه الخِرقي، والقاضي، والمجْدُ، وغيرهم. والرواية الثَّانية، يجوز فِعلُها فيها. اخْتارَها أبو الخطابِ، في . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الهدايةِ»، وابنُ عَقِيل، وابنُ الجَوْزِي في «المذهب»، و «مَسْبوك الذهب»، والسامَريُّ في «المُسْتَوْعِبِ»، وصاحب «الفائقِ»، و «مَجْمَع البَحرَين»، والشيخُ تقِي الدين.
قال في «مَجْمع البَحرَين»: وهو ظاهِر قوْلِ الشيخِ في «الكافِي». وقدمه في «المُحَررِ».
وعنه، روايَة ثالثة؛ يجوزُ قَضاء وردِه ووتْره قبلَ صلاةِ الفَجْرِ. قال المُصنف في (المُغني)، والشارح: وهو المنْصوصُ عن أحمدَ في قضاءِ وتْره. واخْتارَه ابن أبِي موسى، وصحّحه في «الحاوي الكِبير». قال الزّركشي: وهو حسَن. وجزم في «المنتخب» بجَوازِ قَضاء . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . .
السنن في الأوْقاتِ الخمسةِ. واخْتار المُصنفُ في «العُمدَة»، [جواز قضاءِ السنن الراتبَة في الوقْتَين الطويلين، وهما بعدَ الفَجْرِ والعصرِ. واخْتارَ المصنفُ أيضًا في «المغنِي»، والشارِحُ] ، جوازَ قَضاء سنةِ الفَجْر بعدَ صلاة الفَجْرِ، وجوازَ قضاءِ السُنن الرَّاتبةِ بعدَ العَصرِ. واخْتارَه في «التصحيحِ الكَبير».
وقال: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صححَه القاضي. واخْتار ابنُ عَبْدُوس في «تَذْكِرَتِه» جوازَ ما له سَببٌ في الوَقْتَين الطويلَين.
وعنه، رِواية رابعة؛ يجوز قضاءُ وتره، والسننِ الراتبَةِ مطْلقًا، إنْ خافَ إهْماله. فعلَى القوْل بالمَنْع في الكسوفِ، فإنّه يذْكُرُ ويدعو حتى يَنْجَلِيَ. ويأتي ذلك في بابِه.
تنبيه: محل الخِلافِ، في غيرِ تحية المسجِدِ حال خُطْبَةِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجمعة، فإنه يجوز فعلُها مِن غيرِ كراهةٍ. على الصحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه الجمهورُ. وجزَم به في «الفُروعِ».
وقال: ليس عنها جواب صحيح. وأجابَ القاضِي وغيره، بأن المَنْعَ هناك لم يخْتص الصلاةَ، ولهذا يمنع بن القراءة والكَلامِ، هو أخَف. والنهْيُ هنا اخْتَص الصَّلاة، هو آكَد.
قال في «الفروعِ»: وهذا على العِلتَين أظهرُ. ثم قال القاضي: مع أن القياس المَنْعُ، ترَكْناه لخبَر سلَيكٍ.
فائدة: مما له سببٌ؛ الصلاة بعدَ الوُضوء. والحَقَ الشيخ تقِي الدين صلاة الاستِخارَةِ بما يفوت.
وقال في «الهِدايَة»، و «المُذْهب»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «المُسْتَوْعِبِ»، و «التلْخيص»، و «البُلْغةِ»، و «مَجْمَع البحرين» هنا، وغيرِهم: وسُجودُ الشكرِ، وصلاةُ الاسْتِسْقاءِ. فعَدوهما فيما له سببٌ. وصححوا جوازَ الفِعلِ كما تقدّم عهم.
قلتُ: ذِكْر الاسْتِسْقاءِ فيما له سبَبٌ، ضعيف بعيدٌ.
قال في «الفُروعِ»: ولا يجوزُ صلاةُ الاسْتِسْقاءِ وَقْتَ نَهي. قال . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صاحِب «المُغْنِي»، و «المحَرَّرِ»، و «مَجْمَع البَحرَين» هناك، وغيرهم: بلا خلافٍ. قال ابن رَزِين في «شرحه»؛ إجْماعًا. وأطْلَقَ جماعة الروايتين. ويأتي أيضًا في باب الاسْتِسْقاءِ بأتم مِن هذا. ولا تصلّى رَكعَتا الإحرام. على الصحيحِ.
وقال في «الفروعِ»: ويتَوجه فيه
بخِلافِ صلاة الاسْتسْقاءِ. ويأتي في بابِ الإحرامَ.
قال: (ولا يجوز التطوع بغيرها في شيء من الأوقات الخمسة إلا ما له سبب كتحية المسجد، وسجود التلاوة، وصلاة الكسوف، وقضاء السنن الراتبة فإنها على روايتين) .
أما كون التطوع بغير الصلوات المتقدم ذكرها مما لا سبب له كالنافلة المطلقة لا يجوز في شيء من الأوقات المذكورة؛ فلما تقدم من حديث أبي سعيد وحديث عقبة.
وأما التطوع الذي له سبب فعلى أضرب:
أحدها: صلاة الجنازة وركعتا الطواف وإعادة الجماعة. وقد تقدم ذكر ذلك جميعه.
وثانيها: تحية المسجد وسجود التلاوة وصلاة الكسوف وقضاء السنن الراتبة وفيها روايتان:
إحداهما: لا يجوز في الكل لعموم النهي المتقدم.
والثانية: يجوز: أما تحية المسجد؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم:«إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» متفق عليه.
وأما سجود التلاوة؛ فلأن التلاوة مستحبة في جميع الأوقات والسجود لها مأمور به ومستحب.
وأما الكسوف؛ فلقوله عليه السلام:«إذا رأيتموها فصلوا».
وأما قضاء السنن الراتبة؛ فلما روت أم سلمة قالت:«دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بعد العصر. فصلى ركعتين. فقلت: يا رسول الله! صليتَ صلاة لم أكن أراك تصليها. فقال: إني كنت أصلي ركعتين بعد الظهر. وإنما قدم وفد بني تميم فشغلوني عنها فهما هاتان الركعتان» رواه مسلم.
ولما روى قيس بن عمرو قال:«رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يصلي بعد الصبح ركعتين. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصلاة الصبح مرتين؟ فقال له الرجل: إني لم أكن صليت الركعتين قبلهما فصليتهما الآن. فسكت النبي صلى الله عليه وسلم» رواه أبو داود.
وقال أبو الخطاب: الجواز فيما له سبب أصح لما ذكر من الحديث.
ولأنها صلاة لها سبب فجاز فعلها كركعتي الطواف.
وقال القاضي: الصحيح من الروايتين أن ذلك لا يفعل لعموم النهي.
ولأن النهي عن ذلك نهي تحريم يحصل بفعله الإثم. وما ذكر من أدلة ومن الأمر المراد به ندب واستحباب، وترك المندوب أولى من فعل المحظور لما فيه من الاحتياط.
والصحيح ما ذهب إليه القاضي لأن حديث تحية المسجد وصلاة الكسوف عام بالنسبة إلى الوقت، وحديث النهي خاصة بالنسبة إليه فوجب تقديمه،
وكذا الأمر بسجود التلاوة لما ذكر.
ونص المصنف رحمه الله في المغني في صلاة الكسوف: أن النافلة لا تصلى في أوقات النهي سواء كان لها سبب أو لم يكن. ووجهه ما تقدم.
وأما حديث أم سلمة فإن تتمته أنها قالت لما قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:«هما ركعتان كنت أصليهما بعد الظهر: أنقضيها إذا فاتتنا؟ فقال: لا» رواه مسلم.
وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ذلك خاصاً به فلا دلالة إذاً على جواز ما ذكر.
وحديث قيس إن دل على الجواز لأنه عليه السلام سكت فما ذكرناه منطوق وهو راجح على دلالة السكوت.
ولأن أبا هريرة روى عن النبي صلى الله عليه وسلم:«من لم يصل ركعتي الفجر فليصلهما بعد ما تطلع الشمس» رواه الترمذي.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.