وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ ذَكَرٍ حُرٍّ مُسْتَوْطِنٍ بِبِنَاءٍ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْضِعِ الْجُمُعَةِ أَكْثَرُ مِنْ فَرْسَخٍ تَقْرِيبًا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ
Its commentaries
مسألة: (وهى واجِبَةٌ على كلِّ مُسْلِمٍ، مُكَلَّفٍ، ذَكَرٍ، حُرٍّ، مُسْتَوْطِنٍ ببِناءٍ، ليس بينَه وبينَ مَوْضِعِ الجُمُعَةِ أكْثَرُ مِن فَرْسَخٍ، إذا لم يَكُنْ لَه عُذْرٌ) يُشْتَرَطُ لوُجُوبِ الجُمُعَةِ ثمانِيَةُ شُرُوطٍ؛ الإِسْلَامُ، والعَقْلُ، والذُّكُورِيَّةُ. فهذه الثَّلَاثةُ لا خِلافَ في اشْتِراطِها لوُجُوبِ الجُمُعَةِ وانْعِقادِها؛ لأنَّ الإسْلامَ والعَقْلَ شَرْطان للتَّكْلِيفِ وصِحَّةِ العِبادَةِ المَحْضَةِ، والذُّكُورِيَّةَ شَرْط لوُجُوبِ الجُمُعَةِ وانْعِقادِها؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ، ولأنَّ الجُمُعَةَ يَجْتَمِعُ لها الرجالُ، والمرْأةُ ليستْ مِن أهْلِ الحُضُورِ في مَجامِعِ الرِّجالِ، ولكنَّ الجُمُعَةَ تَصِحُّ مِنها،
فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان النِّساءُ يُصَلِّين معه في الجَماعَةِ. الرَّابعُ.، البُلُوغُ، وهو شَرْطٌ لوُجُوبِ الجُمُعَةِ وانْعِقادِها، في الصَّحيحِ مِن المَذْهَبِ؛ للحَدِيثِ المَذْكُورِ. وهذا قولُ أكثرَ أهْلِ العِلْمِ، ولأنَّ البُلُوغَ مِن شَرائِطِ التَّكْلِيفِ؛ لقَوْلِه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاَثةٍ، عَنَ الصَّبِىِّ حَتَّى يَبْلُغَ». وذَكَر بعضُ أصحابِنا في الصَّبِىِّ المُمَيِّزِ رِوايَةً في وُجُوبِها عليه، بِناءً على تَكْلِيفِه. ولا مُعَوَّلَ عليه. والخامِسُ، الحُرِّيَّةُ السَّادِسُ، الاسْتِيطانُ بقَرْيَةٍ. وسَنَذْكُرُ ذلك في مَوْضِعِه، إن شاء اللَّهُ تعالى.
السَّابعُ، أن لا يكونَ بينَه وبينَ مَوْضِعِ الجُمُعَةِ أكثَرُ مِن فَرْسَخٍ. وهذا الشَّرْطُ في حَقِّ غيرِ أهْلِ المِصْرِ،
أمَّا أهْلُ المِصْرِ فيَلْزَمُهُم كلَّهم الجُمُعَةُ، بَعُدُوا أو قَرُبُوا. نصَّ عليه أحمدُ،
فقال: أمَّا أهْلُ المِصْرِ فلابُدَّ لهم مِن شُهُودِها، سَمِعُوا النِّداءَ أو لم يَسْمَعُوا؛ وذلك لأنَّ البَلَدَ الواحِدَ يُبْنَى لِلْجُمُعَةِ، فلا فَرْقَ فيه بينَ القَرِيبِ والبَعِيدِ، ولأنَّ المِصْرَ لا يَكادُ يكونُ أكْثَرَ مِن فَرْسَخ. فهو في مَظِنَّةِ القُرْب، فاعْتُبِرَ ذلك. وهو قولُ أصحابِ الرَّأىِ، ونحْوُه قولُ الشافعىِّ.
فأَمَّا غيرُ أهْلِ المِصْر، فمَن كان بينَه وبينَ الجامِعِ فَرْسَخٌ فما دُونَ، فعليه الجُمُعَةُ، وإلَّا فلا جُمُعَةَ عليه. ورُوِىَ نحْوُ هذا عن سَعِيدِ ابنِ المُسَيَّب. وهو قولُ مالِكٍ، واللَّيْثِ. وروَى عبدُ اللَّهِ بنُ عَمْرو، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:«الجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ». رَواه أبو داودَ . والأشْبَهُ أنَّه مِن كلامِ ابنِ عَمْرو؛ ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال للأعْمَى الذى قال: ليس لى قائِدٌ يَقُودُنِى: «أتَسْمَعُ النِّدَاءَ؟».
قال: نعم. قال:«فَأَجِبْ». ولأنَّه داخِلٌ في قولِه تعالى:{فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}. ورُوِىَ عن ابنِ عمرَ، وأبى هُرَيْرَةَ، وأنَس، والحسنِ، ونافِعٍ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، والأوْزاعِىِّ، أنَّهم قالوا: الجُمُعَةُ على مَن أواهُ اللَّيْلُ إلى أهْلِه؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:«الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ أوَاهُ اللَّيْلُ إلَى أهلِهِ».
وقال أصحابُ الرَّأىِ: لا جُمُعَةَ على مَن كان خارِجَ المصْرِ؛ لأنَّ عُثْمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، صَلَّى العِيدَ في يَوْمِ جُمُعَةٍ، ثم قال لأهْلِ العَوالِى : مَن أرادَ منكم أن يَنْصَرِفَ فلْيَنْصَرِفْ،
ومَن أرادَ أن يُقِيمَ حتى يُصَلِّىَ الجُمُعَةَ فَلْيُقِمْ . ولأنَّهم خارِجُ المِصْرِ، فأشْبَهُوا أهْلَ الحِلَلِ. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى:{إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}. وهذا يَتَناوَلُ غيرَ أهلِ المِصْرِ إذا سَمِعُوا النّداءَ، وحَدِيثُ عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو، ولأنَّهم مِن أهْلِ الجُمُعَةِ يَسْمَعُون النِّداءَ، فأشْبَهُوا أهْلَ المِصْرِ. وترْخِيصُ عثمانَ لأهْل العَوالِى إنَّما كان لأنَّه إذا اجْتَمَعَ عِيدان اجْتُزِئَ بالعِيدِ، وسَقَطَتِ الجُمُعَةُ عن مَن حَضَر العِيدَ غيرَ الإِمامِ.
وقِياسُ أهْلِ القُرَى على أهْلِ الحِلَلِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الحِلَلَ لا تُعَدُّ للاسْتِيطانِ، ولا هم ساكِنُون بقَرْيَةٍ، ولا في مَوْضِعٍ جُعِلَ للاسْتِيطانِ. وقد ذَكَر القاضى أنَّ الجُمُعَةَ تَجِبُ عليِهم إذا كانوا بمَوْضِعٍ يَسْمَعُون النِّداءَ، كأهْلِ القَرْيَةِ.
وأمَّا ما احْتَج به الآخرُون مِن حَدِيثِ أبى هُرَيْرَةَ فهو غيرُ صَحِيح، يَرْوِيه عبدُ اللَّهِ بنُ سعِيدٍ المقْبُرِىُّ، وهو ضَعِيفٌ. قال أحمدُ بنُ الحسنِ : ذَكَرْتُ هذا الحدِيث لأحمدَ بنِ حَنْبَل، فغَضِبَ وقال: اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ، اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ. وإنَّما فَعَل هذا؛ لأنَّه لم يَرَ الحَدِيثَ شيئًا بحالِ إسْنادِه، قالَه التِّرْمِذِىُّ .
وأمَّا اعْتِبارُ حَقِيقَةِ النِّداءِ فغيرُ مُمْكِنٍ؛ لأنَّه قد يكونُ في النّاسِ الأصَمُّ وثَقِيلُ السَّمْعِ، وقد يكونُ النِّداءُ بينَ يَدَىِ المِنْبَرِ فلا يَسْمَعُه إلَّا أهْلُ المَسْجِدِ، وقد يكونُ المُؤَذِّنُ خَفِىَّ الصَّوْتِ، أو في يَوْمِ رِيحٍ، أو يكونُ المُسْتَمِعُ نائِمًا أو مَشْغُولًا بما يَمْنَعُ السَّماعَ، ويَسْمَعُ مَن هو أبعَدُ مِنه، فيُفْضِى إلى وُجُوبِها على البَعِيدِ دُونَ القَرِيبِ، وما هذا سَبِيلُه يَنْبَغِى أن يُقَدَّرَ بمقدارٍ لا يَخْتَلِفُ، والمَوْضِعُ الذى يُسْمَعُ مِنه النِّداءُ في الغالِبِ، إذا كانتِ الأصْواتُ هادِئَةً، والموانِعُ مُنْتَفِيَةً، والرِّيحُ ساكِنَةً، والمُؤَذِّنُ صَيِّتًا على مَوْضِعٍ عالٍ، والمُسْتمِعُ غيرَ ساهٍ، فرْسَخ، أو ما قارَبَهُ، فحُدَّ به.
واللَّهُ أعلمُ.
فصل: وأهلُ القَرْيَةِ لا يَخْلُونَ مِن حالَيْن،
إمَّا أن يكونَ بينَهم وبينَ المِصْرِ أكْثرُ مِن فرْسَخٍ [أوْ لا،
فإن كان بينَهم أكثرُ مِن فَرْسَخٍ] لم يَجِبْ عليهم السَّعْىُ إلى الجُمُعَةِ، وحالُهم مُعْتَبَرٌ بأنْفُسِهم،
فإن كانوا أرْبَعِين واجْتَمَعَتْ فيهم الشَّرائِطُ، فعليهم إقامَةُ الجُمُعَةِ، ولهم السَّعْىُ إلى المِصْرِ، والأفْضَلُ إقامَتُها في قَرْيتهم، لأنَّه متى سَعَى بَعْضُهم اخْتَلَّ على الباقِين إقامَةُ الجُمُعَةِ،
وإذا أقامُوا حَضَرُوها جَمِيعُهم، ولأنَّ في إقامَتِها في مَوْضِعِهم تَكْثِيرَ جَماعاتِ المُسْلِمين.
وإن كانوا مِمَّن لا تَجِبُ عليهم الجُمُعَةُ بأنْفُسِهِم، فهم مُخَيَّرُون بينَ السَّعْىِ إلى المِصْرِ، وبينَ الإِقامَةِ ويُصَلُّون ظُهْرًا، والسَّعْىُ أفْضَلُ؛ ليَحْصُلَ لهم فَضْلُ السَّاعِى إلى الجُمُعَةِ، ويَخْرُجُوا مِن الخِلافِ. الحالُ الثانِى، أن يكونَ بينَهم وبينَ المِصْرِ فَرْسَخٌ فما دونَ،
فإن كانوا أقَلَّ مِن أرْبَعِين، فعليهم السَّعْىُ إلى الجُمُعَةِ؛ لِما بَيَّنا.
وإن كانوا مِمَّن تَجِب عليهم الجُمُعَةُ بأنْفُسِهم، وكان مَوْضِعُ الجُمُعَةِ القَرِيبُ قَرْيَةً أُخْرَى، لم يَلْزَمْهم السَّعْىُ إليها، وصلَّوْا في مَكانِهم؛ إذ ليست إحْدَى القَرْيَتَيْن أوْلَى مِن الأخْرَى، ولهم السَّعْىُ إليها، وإقامَتُها في مَكانِهم أفْضَلُ، كما ذَكَرْنا.
فإن سَعَى بَعضُهم فنَقَصَ عَدَدُ الباقِين، لَزِمَهم السَّعْىُ؛ لئَلَّا يُؤدِّىَ إلى تَرْكِ الجُمُعَةِ الواجِبَةِ،
وإن كان مَوْضِعُ الجُمُعَةِ القَرِيبُ مِصْرًا، فهم مُخَيَّرُون أيضًا بينَ السَّعْىِ إليه، وإقامَتِها في مَكانِهِم، كالتى قَبْلَها. ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ. وعن أحمدَ، أنَّ السَّعْىَ يَلْزَمُهم، إلَّا أن يكون لهم عُذْرٌ فيُصَلُّون جُمُعَة. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ أهْلَ القَرْيَةِ لا تَنْعَقِدُ بهم جُمُعَةُ أهْلِ المِصْرِ، فكان لهم إقامَةُ الجُمُعَةِ في مَكانِهم، كالتى قبلَها، ولأنَّ أهْلَ القُرَى يُقِيمُون الجُمَعَ في بِلادِ الإِسْلامِ في مثلِ ذلك مِن غيرِ نَكيرٍ، فكان إجْماعًا. الشَّرْطُ الثَّامِنُ، انْتِفاءُ الأعْذارِ، وقد ذَكَرْنَاها في آخِرِ صلاةِ الجَماعَةِ بما يُغْنِى عن إعادَتِها .
والمَطَرُ الذى يَبُلُّ الثِّيابَ، والوَحْلُ الذى يَشُقُّ المَشْىُ فيه مِن جُمْلَةِ الأعْذارِ. وحُكِىَ عن مالكٍ، أنَّه كان لا يَجْعَلُ المَطَرَ عُذْرًا في التَّخَلُّفِ عنها. ولَنا، أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ أمَرَ مُؤَذِّنَه في يَوْمِ جُمُعَةٍ في يَوْمِ مَطَرٍ، فقال: إذا
قُلْتَ: أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رسولُ اللَّهِ. فلا تَقُلْ حَىَّ على الصَّلاةِ. قُلْ صَلُّوا في بُيُوتِكم. قال: فكأنَّ النَّاْسَ اسْتَنْكَرُوا ذلك. فقال: أتَعْجَبُون مِن ذا؟ فَعَل هذا مَن هو خَيْرٌ مِنِّى، إنَّ الجُمُعَةَ عَزْمَةٌ، وإنِّى كَرِهْتُ أن أُخْرِجَكم إليها فتَمْشُون في الطِّينِ والدَّحْضِ. أخْرَجَه مُسْلِمٌ . ولأنَّه عُذْرٌ في تَرْكِ الجَماعَةِ ، فكان عُذْرًا في تَرْكِ الجُمُعَةِ، كالمَرَضِ.
فصل: والعَمَى ليس بعُذْرٍ في تَرْكِ الجُمُعَةِ.
وقال أبو حنيفةَ: لا تَجِبُ على الأعْمَى. ولَنا، عُمُومُ الآيَةِ والأخْبارِ. وقد قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- للأعْمَى الذى اسْتَأْذَنه في تَرْكِ الخُرُوجِ إلى الصَّلاةِ:«أَتَسْمَعُ النِّدَاءَ؟» قال: نعم. قال:«أَجِبْ». واللَّه أعْلمُ. ٦٢٨ -
بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ] [حُكْمُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ] بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَهِيَ بِتَثْلِيثِ الْمِيمِ، حَكَاهُ ابْنُ سِيدَهْ، وَالْأَصْلُ الضَّمُّ، وَاشْتِقَاقُهَا مِنِ اجْتِمَاعِ النَّاسِ لِلصَّلَاةِ،
وَقِيلَ: لِجَمْعِهَا الْجَمَاعَاتِ، وَقِيلَ: لِجَمْعِ طِينِ آدَمَ فِيهَا،
وَقِيلَ: لِأَنَّ آدَمَ جُمِعَ فِيهَا خَلْقُهُ، رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ،
وَقِيلَ: لِأَنَّهُ جُمِعَ مَعَ حَوَّاءَ فِي الْأَرْضِ فِيهَا، وَفِيهِ خَبَرٌ مَرْفُوعٌ،
وَقِيلَ: لِمَا جُمِعَ فِيهَا مِنَ الْخَيْرِ. قِيلَ: أَوَّلُ مَنْ سَمَّاهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَعْبُ بْنُ لُؤَيٍّ، وَاسْمُهُ الْقَدِيمُ يَوْمُ الْعُرُوبَةِ؛ وَهُوَ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ. (وَهِيَ وَاجِبَةٌ) بِالْإِجْمَاعِ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} وَالسَّعْيُ الْوَاجِبُ لَا يَجِبُ إِلَّا إِلَى وَاجِبٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ: الذَّهَابُ إِلَيْهَا لَا الْإِسْرَاعُ، وَبِالسُّنَّةِ: فَمِنْهَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ أُحَرِّقُ عَلَى رِجَالٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجُمُعَةِ بُيُوتَهُمْ» ،
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عُمَرَ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ» رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ؛ وَهِيَ صَلَاةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِهَا، لِعَدَمِ انْعِقَادِهَا بِنِيَّةِ الظُّهْرِ مِمَّنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ، وَلِجَوَازِهَا قَبْلَ الزَّوَالِ لَا أَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ.
قَالَ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ وَغَيْرُهُ: وَلَا تُجْمَعُ فِي مَحَلٍّ يُبِيحُ الْجَمْعَ،
وَعَنْهُ: ظُهْرٌ مَقْصُورَةٌ، وَفِي " الِانْتِصَارِ "، " وَالْوَاضِحِ " هِيَ الْأَصْلُ، وَالظُّهْرُ بَدَلٌ، زَادَ بَعْضُهُمْ: رُخْصَةٌ فِي حَقِّ مَنْ فَاتَتْهُ؛ وَهِيَ أَفْضَلُ مِنَ الظُّهْرِ (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ) لِأَنَّ الْإِسْلَامَ وَالْعَقْلَ شَرْطَانِ لِلتَّكْلِيفِ وَصِحَّةِ الْعِبَادَةِ، فَلَا تَجِبُ عَلَى مَجْنُونٍ إِجْمَاعًا، وَلَا عَلَى صَبِيٍّ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، لِمَا رَوَى طَارِقُ بْنُ شِهَابٍ مَرْفُوعًا:«الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إِلَّا أَرْبَعَةً: عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، أَوِ امْرَأَةٌ، أَوْ صَبِيٌّ، أَوْ مَرِيضٌ. رَوَاهُ» أَبُو دَاوُدَ،
وَقَالَ: طَارِقٌ قَدْ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، وَلِأَنَّ الْبُلُوغَ مِنْ شَرَائِطِ التَّكْلِيفِ بِالْفُرُوعِ،
وَعَنْهُ: يَجِبُ عَلَى مُمَيِّزٍ، ذَكَرَهَا فِي " الْمُذْهَبِ "، وَ " الشَّرْحِ "، وَزَادَ: بِنَاءً عَلَى تَكْلِيفِهِ، وَذَكَرَ السَّامِرِيُّ: إِنْ لَزِمَتِ الْمَكْتُوبَةُ صَبِيًّا لَزِمَتْهُ،
وَقِيلَ: لَا، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَقَالَ: هُوَ كَالْإِجْمَاعِ لِلْخَبَرِ (ذَكَرٍ) ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعًا؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْحُضُورِ فِي مَجَامِعِ الرِّجَالِ،
وَفِي " نِهَايَةِ " الْأَزَجِّيِّ رِوَايَةٌ أَنَّهَا تَلْزَمُهَا (حُرٍّ) هُوَ الْمَشْهُورُ؛ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، وَلِأَنَّ الْعَبْدَ مَمْلُوكُ الْمَنْفَعَةِ مَحْبُوسٌ عَلَى سَيِّدِهِ، أَشْبَهَ الْمَحْبُوسَ بِالدَّيْنِ،
وَعَنْهُ: يَلْزَمُهُ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَقِيَاسًا عَلَى الظُّهْرِ، فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَأْذِنَ سَيِّدَهُ،
وَيَحْرُمُ مَنْعُهُ وَمُخَالَفَتُهُ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ: لَا يَذْهَبُ إِلَيْهَا مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ،
وَعَنْهُ: يَلْزَمُهُمْ بِإِذْنِ سَيِّدٍ، وَمُقْتَضَاهُ: لَا تَجِبُ عَلَى الْمُعْتَقِ بَعْضُهُ،
وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ فِي نَوْبَتِهِ؛ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَالْمُدَبَّرُ وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ، كَالْقِنِّ، لِبَقَاءِ الرِّقِّ، وَتَعَلُّقِ حَقِّ السَّيِّدِ (مُسْتَوْطِنٍ بِبِنَاءٍ) مُعْتَادٍ،
وَلَوْ كَانَ فَرَاسِخَ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ. مِنْ حَجَرٍ أَوْ قَصَبٍ وَنَحْوِهِ، مُتَّصِلًا أَوْ مُتَفَرِّقًا، يَشْمَلُهُ اسْمٌ وَاحِدٌ، لَا يَرْتَحِلُ عَنْهُ شِتَاءً وَلَا صَيْفًا (لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْضِعِ الْجُمُعَةِ) إِذَا كَانَ خَارِجًا عَنِ الْمِصْرِ (أَكْثَرُ مِنْ فَرْسَخٍ) نَصَّ عَلَيْهِ (تَقْرِيبًا) عَنْ مَكَانِ الْجُمُعَةِ،
وَعَنْهُ: عَنْ أَطْرَافِ الْبَلَدِ، وَعَنْهُ: الِاعْتِبَارُ بِسَمَاعِ النِّدَاءِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ،
وَقَالَ: إِنَّمَا أَسْنَدَهُ قَبِيصَةُ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هُوَ مِنَ الثِّقَاتِ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": الْأَشْبَهُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَلَفْظُهُ:«إِنَّمَا الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ» ، وَالْعِبْرَةُ بِسَمَاعِهِ مِنَ الْمَنَارَةِ لَا بَيْنَ يَدَيِ الْإِمَامِ، نَصَّ عَلَيْهِ، زَادَ بَعْضُهُمْ: غَالِبًا مِنْ مَكَانِهَا، أَوْ مِنْ أَطْرَافِ الْبَلَدِ،
وَعَنْهُ: يَجِبُ عَلَى مَنْ يَقْدِرُ عَلَى الذَّهَابِ إِلَيْهَا، وَالْعَوْدِ إِلَى أَهْلِهِ فِي يَوْمِهِ، رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ، وَالْحَسَنِ، وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ، لِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَلِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجُمُعَةِ، يَسْمَعُونَ النِّدَاءَ كَالْمِصْرِ، وَاعْتِبَارُ سَمَاعِ النِّدَاءِ غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ فِيهِمُ الْأَصَمُّ، وَقَدْ يَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ الْإِمَامِ، فَيَخْتَصُّ بِسَمَاعِهِ أَهْلُ الْمَسْجِدِ، فَاعْتُبِرَ بِمَظِنَّتِهِ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي يَسْمَعُ فِيهِ النِّدَاءَ غَالِبًا إِذَا كَانَ الْمُؤَذِّنُ صَيِّتًا، وَالرِّيَاحُ سَاكِنَةً، وَالْأَصْوَاتُ هَادِئَةً، وَالْعَوَارِضُ مُنْتَفِيَةً، هُوَ فَرْسَخٌ،
فَلَوْ سَمِعَتْهُ قَرْيَةٌ مِنْ فَوْقِ فَرْسَخٍ لِعُلُوِّ مَكَانِهَا، أَوْ لَمْ يَسْمَعْهُ مَنْ دُونَهُ لِجَبَلٍ حَائِلٍ أَوِ انْخِفَاضِهَا، فَعَلَى الْخِلَافِ، وَحَيْثُ لَزِمَهُمْ، لَمْ تَنْعَقِدْ بِهِمْ لِئَلَّا يَصِيرَ التَّابِعُ أَصْلًا،
وَأَمَّا إِذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ السَّعْيُ إِلَيْهَا، قَرُبَ أَوْ بَعُدَ، سَمِعَ النِّدَاءَ أَوْ لَمْ يَسْمَعْهُ؛ لِأَنَّ الْبَلَدَ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ (إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ) مِنْ مَرَضٍ، وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ.
[مَنْ لَا تُجِبُ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ]
بابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ بابُ صلاةِ الجُمُعَةِ فائدتان؛ إحْداهما، سُمِّيَتْ جُمُعَةً، لجَمْعِها الخَلْقَ الكثيرَ. قدَّمه المَجْدُ، وابنُ رَزِينٍ، وغيرُهما.
وقال ابنُ عَقِيلٍ، فى «الفُصولِ»: إنما سُمِّيَتْ جُمُعَةً؛ لجمْعِها الجَماعاتِ. قدَّمه فى «المُسْتَوْعِبِ»، و «مَجْمِع البَحْرَيْن»، و «الحاوِيَيْن».
وهو قريبٌ مِنَ الأوَّلِ: وقيلَ: لجَمْع طِينِ آدَمَ فيها. قال فى «مَجْمَعِ البَحْرَيْن»: وهو أوْلَى.
وقيل: لأن آدَمَ جُمِعَ فيها خَلْقُه. رَواه أَحمدُ، وغيرُه، مرْفُوعًا . قال الزَّرْكَشِىُّ: واشْتِقاقُها قيلَ: مِن اجْتِماعِ النَّاسِ للصَّلاةِ. قالَه ابنُ دُرَيْدٍ.
وقيلْ: بل لاجْتِماعِ الخَليقَةِ فيه وكَمالِها. ويُرْوَى عنه، عليه أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، أنَّها سُمِّيَتْ بذلك؛ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لاجْتِماعِ آدَمَ فيه مع حوَّاءَ فى الأرْضِ ، الثَّانيةُ، الجُمُعَةُ أفضَلُ مِنَ الظُّهْرِ، بلا نِزاعٍ، وهى صلاةٌ مُسْتقِلَّةٌ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ؛ لعدَمِ انْعِقادِها بِنيَّةِ الظُّهْرِ، ممَّن لا تجِبُ عليه، ولجَوَازِها قبلَ الزَّوالِ لا أكثرَ مِن ركْعتَيْن. قال أبو . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . .
يَعْلَى الصَّغِيرُ، وغيرُه: فلا يجمعُ فى محَلٍّ يُبِيحُ الجمْعَ، وليس لمَن قُلِّدَها أنْ يؤُمَّ فى الصَّلواتِ الخَمْسِ. ذكَرَه فى «الأَحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ». وقدَّمه فى «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهما. وجزَم به فى «مَجْمَعِ البَحْرَيْن».
وعنه، هى ظُهْرٌ مقْصورةٌ. وأطْلَقَهما فى «التَّلْخيصِ»، و «الرِّعايَةِ». قال فى وَهِىَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُل مُسْلِمٍ، ذَكَرٍ، مُكَلَّفٍ، حُرٍّ، مُسْتَوْطِنٍ ببنَاءٍ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْضِعِ الْجُمُعَةِ أَكْثَرُ مِنْ فَرْسَخٍ، إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ.
«الانْتِصارِ»، و «الوَاضِحِ» وغيرِهما: الجُمُعَةُ هى الأصْلُ، والظُّهْرَ بدَلٌ. زادَ بعضُ الأصحاب، رُخْصَةٌ فى حَقِّ مَن فاتَتْه. وذكَر أبو إسْحاقَ وَجْهَيْن؛ هل هى فرْضُ الوَقْتِ، أَو الظُّهْرُ فرْضُ الوقْتِ، لقُدْرَيه على الظُّهْرِ بنَفْسِه بلا شَرْطٍ؟ ولهذا يقْضِى مَن فاتَتْه ظُهْرًا. وقطَع القاضى فى «الخِلافِ»، وغيرِه، بأنَّها فرْضُ الوقْتِ عندَ أحمدَ؛ لأنَّها المُخاطَبُ بها، والظُّهْرُ بدَلٌ. وذكَر كلامَ أبى إسْحَاقَ، ويبَدَأُ بالجُمُعَةِ خوْفَ فوْتِها، ويتْرُكُ فَجرًا فائِتَةً. نصَّ عليه.
وقال فى القَصْرِ: قد قيلَ: إنَّ الجُمُعَةَ تُقْضَى ظُهْرًا. ويدُلُّ عليه، أنَّها قبلَ فَواتِها، لا يجوزُ الظُّهْرُ،
وإذا فاتَتِ الجُمُعَةُ، لَزِمَتِ الظُّهْرُ. قال: فدَلَّ أنَّها قَضاءٌ للجُمُعَةِ.
تنبيهان؛ أحدُهما، مفْهومُ قوله: وهى واجِبَة على كُلِّ مسْلمٍ مُكلَّفٍ. أنَّها لا تجبُ على غيرِ المُكلَّفِ، فلا تجِبُ على المجْنونِ، بلا نِزاعٍ، ولا على الصَّبِىِّ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لكنْ إنْ لَزِمَتْه المكتوبةُ، لَزِمَتْه الجُمُعَةُ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وهو ظاهرُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كلامِ كثيرٍ مِنَ الأصحابِ. وقدَّمه فى «الفُروعِ».
وقيل: لا تجِبُ عليه، وإنْ وجبَتْ عليه المَكتوبةُ. اخْتارَه المَجْدُ،
وقال: هو كالإجْماعِ. وصحَّحه ابنُ تَميم، وصاحِبُ «مَجْمَعِ البَحْرَيْن» , و «القَواعِدِ الأُصُولِيَّةِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والزَّرْكَشِىُّ. وتقدَّم هذا فى كتابِ الصَّلاةِ. الثَّانى، مفْهومُ قولِه: مُسْتوطنٍ ببناءٍ. أنَّها لا تجِبُ على غيرِ مُسْتَوْطِنٍ، ولا على مُستَوْطِنٍ بغيرِ بِناءٍ، كَبيوتِ الشَّعَرِ، والحِرَاكى، والخِيامِ ونحوِها. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ. وقدَّمَ الأزَجِىُّ، صحَّتَها ووُجوبَها على المُسْتَوطِنِين بعَمودٍ أو خِيامٍ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . .
واخْتارَه الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ. قال فى «الفُروعِ»: وهو مُتَّجَهٌ. وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ. واشْترَطَ الشَّيْخُ تقىُّ الدِّينِ فى مَوْضع آخَرَ من كلامِه، أنْ يكونوا يزْرَعون، كما يزْرَعُ أهلُ القَرْية. ويأتى ذلك فى كلامِ المُصَنِّفِ صريحًا. ليس بينَه وبينَ مَوضع الجُمُعَةِ، أكثرَ مِن فَرْسَخٍ. هذا المذهبُ. نصَّ عليه. وجزَم به فى «الوَجيزِ»، و «الخِرَقِىِّ»، وابنُ رَزِين فى «شَرْحِه»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ». وقدَّمه فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «الرِّعايَةِ الصغرى».
وعنه، المُعْتَبَرُ إمْكانُ سَمَاعِ النِّداءِ. قدَّمه فى «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذهَبِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرى»، و «ابنِ تميمٍ». وزادَ فقال: المُعْتبَرُ إمْكانُ سَماعِ النِّداءِ غالِبًا. انتهى.
وعنه، بل المُعْتَبَرُ سَماعُ النِّداءِ لإمْكانِه. وهو ظاهرُ ما جزَم به ابنُ رَزِين، وصاحبُ «تَجْريدِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العِنايةِ».
وقال فى «الهِدايَةِ»: إذا كان مُسْتوطِنًا يسْمَعُ النِّداءَ، أو بينَه وبينَ موضِع ما تُقامُ فيه الجُمُعَةُ، فرْسَخٌ. وتابَعَه على ذلك فى «الخُلاصَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الإِفاداتِ»، و «الحاوِيَيْن»، و «المُنَوِّرِ»، و «إِدْراكِ الغايةِ»، وغيرِهم.
وعنه، إنْ فعَلوها، ثم رجَعوا لبُيوتِهم، لَزِمَتْهم، وإلا فلا. وأطْلَقَ الأُولَى والثَّالثةَ فى «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغَةِ». وأطْلقَ الأُولَى والثَّانيةَ والرَّابِعةَ فى «المُسْتَوْعِبِ».
تنبيهان؛ أحدُهما، أطْلقَ أكثرُ الأصحابِ ذِكْرَ الفَرْسَخِ.
وقال بعضُهم: فرْسَخٌ تقْريبًا. وهو الصوابُ. الثَّانى، أكثرُ الأصحابِ يحْكى الرِّوايتَيْن الأولَيَيْن. كما تقدَّم.
وقال فى «الفائقِ»: والمُعْتبرُ إمكانُ السَّماعِ، فيُحَدُّ بفَرْسَخٍ.
وعنه، بحَقيقَتِه. وقال ابنُ تَميم،
بعدَ أنْ قدَّم الرِّوايةَ الثانيةَ: وعنه، تحْديدُه بالفَرسَخِ فما دُونَ؛
فمِنَ الأصحابِ مَن حكَى ذلك رِوايةً ثانيةً، ومنهم مَن قال: هما سواءٌ؛ الصَّوْتُ قد يُسْمَعُ عن فَرْسَخٍ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة: فعلى رِواية أنَّ المُعْتبرَ إمْكانُ سَماعِ النِّداءِ، فمحَلُّه، إذا كان المُؤذِّنُ صَيِّتا، والأصْواتُ هادِئةً، والرياحُ ساكنَةً، والمَوانِعُ مُنْتَفِيَةً.
تنبيهان؛ أحدُهما، قولُه: ليس بينَه وبينَ موْضِع الجُمُعَةِ أكثرُ مِن فرْسَخٍ. إذا حدَّدْنا بالفرْسَخِ، أو باعْتِبارِ إمْكانِ السَّماعِ، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ؛ أنَّ ابتداءَه مِن موْضِع الجُمُعَةِ. قدَّمه فى «الفُروعِ»، و «الحَواشِى».
وعنه، ابْتداؤه مِن أطْرافِ البَلَدِ. صحَّحه المَجْدُ فى «شَرْحِه»، وصاحِبُ «مَجْمَعِ البَحْرَيْن»، و «النَّظْمِ». وجزَم به فى «التَّلْخيص»، و «البُلْغةِ»، و «الوَجيزِ». وقدَّمه فى «الرِّعايَةِ الكُبْرى»، و «الزَّرْكَشِىِّ». وأطْلقَهما ابنُ تَميمٍ، و «الفائقِ». ويكونُ إذا قُلْنا: مِن مَكانِ الجُمُعَةِ مِنَ المَنارَةِ ونحوِها. نصَّ عليه.
وقال أبو الخَطَّاب: المُعْتَبَرُ مِن أيِّهما وُجِدَ، مِن مَكانِ الجُمُعَةِ، أو مِن أطْرافِ البَلَدِ. الثَّانى، محَلُّ الخِلافِ فى التَّقْديرِ بالفَرْسَخِ، أو إمْكانِ سَماعِ النِّداءِ، أو سَماعِه، أو ذَهابِهم ورُجوعِهم فى يوْمِهم، إنَّما هو فى المُقيمِ بقَرْيةٍ، لا يبْلُغُ عدَدُهم ما يُشْتَرَطُ فى الجُمُعَةِ، أو فى مَن كان مُقيمًا فى الخِيامِ ونحوِها، أو فى مَن كان مُسافِرًا دُونَ مَسافَةِ قَصْرٍ، فمحَلُّ الخِلافِ فى هؤلاء وشِبْهِهِم.
أمَّا مَن هو فى البَلَدِ التى تُقامُ فيها الجُمُعَةُ، فإنَّها . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَلزَمُه، ولو كان بينَه وبين موْضِع الجُمُعَةِ فَراسِخُ، سواءٌ سمِعَ النِّداءَ أو لم يسْمَعْه، وسواءٌ كان بُنْيانُه متَّصِلًا أو مُتَفَرِّقًا، إذا شَمِلَه اسْمٌ واحدٌ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فوائد؛ الأُولَى، حيثُ قُلْنا: تلْزَمُ مَن تقدَّم ذِكْرُه، وسعَى إليها، أو كان فى موْضِعِ الجُمُعَةِ مِن غيرِ أهْلِها، وإنَّما هو فيها لتَعَلُّم العِلْمِ، أو شُغْلِ غيرِه، غيرُ مُسْتَوْطِنٍ، أو كان مُسافِرًا سَفَرًا لا قَصْرَ معه، فإنَّما يلْزَمُهم بغيرِهم، لا بأنْفُسِهم. على ما يأْتِى فى بعضها مِنَ الخِلافِ، ولا تنْعَقِدُ بهم؛ لِئَلَّا يصيرَ التَّابعُ أصْلًا. وفى صِحَّةِ إمامَتِهم وجْهان، ووجْهُهُما كوْنُها واجِبَةً عليهم، وكوْنُها لا تنْعَقِدُ بهم. وأطْلَقَهما فى «الفُروعِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعِايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «الفائقِ»، و «الحَواشِى».
وأطْلَقَهما فى «مَجْمَعِ البَحْرَيْن»، فى المُقيمِ غيرِ المُسْتَوْطِنِ؛ أحدُهما، لا تصِحُّ إمامَتُهم. وهو الصَّحيحُ. وهو ظاهرُ كلامِ القاضى. وصحَّحه فى «النَّظْمِ». وجزَم به فى «الإِفاداتِ». والثانيةُ، تصِحُّ إمامَتُهم. وهو ظاهرُ كلامِ الإِمامِ أحمدَ، وأبى بَكْرٍ؛ لأنَّهما علَّلا منْعَ إمامَةِ المُسافرِ فيها، بأنها لا تجِبُ عليه. قالَه فى «مَجْمَعِ البَحْرَيْن». الثَّانيةُ، لو سمِعَ النِّداءَ أهلُ قرْيةِ صغيرة مِن فوقِ فرْسَخٍ، لعُلُوِّ مَكانِها، أو لم يسْمَعْه مَن دُونَه لجَبَلٍ حائلٍ أوِ انْخِفاضِها، فعلى الخِلافِ المُتَقَدِّمِ.
قالَه فى «الفُروعِ». وقدَّم ابنُ تَميم فى المسْألةِ الأُولَى الوُجوبُ. وقدَّم فى «الرِّعَايَةِ الكُبْرى» فى المَسْألتَيْن الأخِيرَتَيْن عدَمَ الوُجوبِ.
فإنْ قُلْنا: الاعْتِبارُ به فى المُنْخَفِضةِ، أو مَن كان بينَهم حائِلٌ. لَزِمَهم قصْدُ الجُمُعَةِ.
وإنْ قُلْنا: الاعْتِبارُ بالسَّماعِ فيها. فقالَ القاضى: تُجْعَلُ كأنَّها على مُسْتوًى مِنَ الأرْضِ، ولا مانِعَ،
فإنْ أمْكنَ سَماعُ النِّداءِ، وجبَتْ عليه، وإلَّا فلا.
وقيل: لا تجِبُ عليه بحالٍ. الثَّالثةُ، لو وُجِدَ قرْيَتان مُتقارِبتان، ليس فى كلِّ واحدةٍ العدَدُ المُعْتبرُ، لم يُتَمَّمِ العَدَدُ منهما؛ لعدَمِ اسْتِيطانِ المُتَمِّمِ.
ولا يجوزُ تجْميعُ أهْلِ بلَدٍ كامِلٍ فى ناقصٍ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. واخْتارَ المَجْدُ، الجوازَ إذا كان بينَهما كما بينَ البُنْيانِ ومُصلَّى العيدِ؛ لعدَمِ خُروجِهم عن حُكْم بعضِهم. وجزَم به فى «مَجْمَعِ وَلَا تَجِبُ عَلَى مُسَافِرٍ، وَلا عَبْدٍ، وَلَا امْرأةٍ، وَلَا خُنْثَى، البَحْرَيْن»، تَبَعًا للمَجْدِ. الرَّابعةُ، لو وُجِدَ العدَدُ فى كلِّ واحدةٍ مِنَ البَلْدَتَيْن، فالأَوْلَى تجْميعُ كلِّ قوْمٍ فى بَلَدِهم.
وقيل: يلْزَمُ القرْيةَ قصدُ مِصْرٍ بينَهما فرسَخٌ فأقَلُّ،
ولو كان فيهما العدَدُ المُعْتَبرُ. وحُكِىَ رِوايةً.
باب صلاة الجمعة] قال المصنف رحمه الله: (وهي واجبة على كل مسلمٍ مكلفٍ ذكرٍ حرٍ مستوطنٍ ببناء ليس بينه وبين موضع الجمعة (١) أكثر من فرسخ تقريباً. إذا لم يكن له عذر).
أما كون صلاة الجمعة واجبة في الجملة؛
فبالكتاب والسنة والإجماع:
أما الكتاب فقوله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع} أمر بالسعي والأمر للوجوب ولا يجب السعي إلا إلى واجب. ونهى عن البيع ولو لم تكن الجمعة واجبة لم ينه عن البيع.
والمراد بالسعي هنا المضي والذهاب لا الإسراع.
وقد روي عن عمر رضي الله عنه «أنه كان يقرأ: فامضوا إلى ذكر الله».
وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم:«لَيَنتهين أقوام عن وَدْعِهِم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين» متفق عليه.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «واعلموا أن الله قد افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في يومي هذا في شهري هذا من عامي هذا. فمن تركها في حياتي أو بعده وله إمام عادل أو جائر استخفافاً بها أو جحوداً فلا جمع الله له شمله ولا بارك له في عمره. ألا ولا صلاة له ولا زكاة له ولا صوم له ولا حج له ولا بر له حتى يتوب. فإن تاب تاب الله عليه» رواه ابن ماجة.
وأما الإجماع فأجمع المسلمون على وجوب الجمعة.
وأما كونها تجب على كلّ مسلم مكلف ذكر حُرّ مستوطن ببناء ليس بينه وبين موضع الجمعة أكثر من فرسخ إذا لم يكن له عذر؛ فلأن ما تقدم عام خرج منه غير من ذكر لما يأتي فيجب أن يبقى فيما عداه على مقتضاه.
وظاهر ما ذُكر أن الجمعة لا تجب على كافر ولا غير مكلف ولا غير ذكر ولا عبد ولا غير مستوطن ببناء ولا من بينه وبين موضع الجمعة أكثر من فرسخ ولا من له عذر وهو صحيح.
أما كونها لا تجب على كافر ولا غير مكلف؛ فلقوله عليه السلام:«الجمعة حق واجب على كل مسلم إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض» رواه أبو داود.
ولأن الكافر وغير المكلف لا تجب عليهما الصلوات الخمس؛ فلأن لا تجب عليهما الجمعة بطريق الأولى.
وأما كونها لا تجب على غير ذَكَرٍ؛ فلأن المرأة مذكورة في الحديث المتقدم.
ولأنها يشرع لها الستر والتحفز وذلك لا يناسب وجوب الجمعة عليها.
والخنثى ملحق بها لأنه في معناها.
وأما كونها لا تجب على عبد؛ فلأنه مذكور في الحديث المتقدم.
ولأنه مشتغل بخدمة سيده.
وأما كونها [لا تجب] على غير مستوطن؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان بعرفة يوم الجمعة ولم يصل جمعة». ولأن في رواية أبي داود في بعض ألفاظه:«إلا خمسة: عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض أو مسافر».
ولأن المسافر ليس من أهل الكمال فلم تجب عليه كالصبي.
وأما كون الاستيطان ببناء -والمراد به الإقامة بموضع مبني بما جرت به العادة من خشب أو قصب ونحو ذلك لا يظعن عنه شتاء ولا صيفاً-؛ فلأن العرب كانت حول المدينة في الخيام وبيوت الشعر ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بإقامة صلاة الجمعة.
وإنما كان البناء بما جرت به العادة لأنه أمر ورد الشرع باشتراطه من غير تعيين له فاعتبرت العادة فيه كالحِرز والقبض.
ولأن الجمعة تقام في مواضع مختلفة الأبنية
فلو اشترط بناء بعينه لوجب الحكم ببطلان بعضها وليس كذلك لأن الأصل في الأفعال الشرعية التي فعلها المسلمون في بلادهم الإسلامية من غير نكير من بعضهم: الصحة.
وإنما كان الموضع لا يظعن فيه صيفاً ولا شتاء لأن بذلك كمال الاستيطان فوجب أن يشترط كأصله.
وأما كونها لا تجب على من بينه وبين موضع الجمعة أكثر من فرسخ؛ فلأنه لما لم يمكن اعتبار السماع بنفسه اعتبر بمظنته. والموضع الذي يُسمع النداء منه في الغالب إذا كان المؤذن صيتاً في موضع عالٍ والرياح ساكنة والأصواتُ هادئة والعوارضُ منتفية فرسخ فاعتبر به.
وعن أحمد: أنه معتبر بنفس النداء تمسكاً بظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: «الجمعة على من سمع النداء» رواه أبو داود.
والفرسخ أو السماع معتبر في حق من هو خارج البلد،
أما من هو في البلد فيجب عليه السعي قَرُب أو بَعُد سمع أو لم يسمع؛ لأن البلد كالشيء الواحد.
وأما كونها لا تجب على من له عذر؛ فلأن العذر يعذر به في ترك الجمعة لما تقدم في موضعه .
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.