صحة الإجارة بعاقد وأجر: كالبيع
Its commentaries
(صِحَّةُ الْإِجَارَةِ بِعَاقِدٍ) مُؤَجِّرٍ، وَمُسْتَأْجِرٍ كَالْبَيْعِ فَشَرْطُهُمَا التَّمْيِيزُ وَشَرْطُ اللُّزُومِ التَّكْلِيفُ فَالصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ إذَا آجَرَ نَفْسَهُ أَوْ سِلْعَتَهُ صَحَّ وَتَوَقَّفَ عَلَى رِضَا وَلِيِّهِ،
وَمِثْلُهُ الْعَبْدُ، وَأَمَّا السَّفِيهُ إنْ عَقَدَ عَلَى نَفْسِهِ فَلَا كَلَامَ لِوَلِيِّهِ إلَّا إذَا كَانَ فِي الْأَجْرِ مُحَابَاةٌ فَلِوَلِيِّهِ النَّظَرُ،
وَإِنْ عَقَدَ عَلَى سِلْعَةٍ فَلِوَلِيِّهِ النَّظَرُ مُطْلَقًا كَالْبَيْعِ فَالشَّرْطُ لُزُومٌ أَيْضًا فِي الْجُمْلَةِ (وَأَجْرٍ كَالْبَيْعِ) فَيَكُونُ طَاهِرًا مُنْتَفَعًا بِهِ مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ مَعْلُومًا.
، وَلَمَّا كَانَتْ قَاعِدَةُ الْإِمَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الثَّمَنَ فِي الْبَيْعِ الْأَصْلُ فِيهِ الْحُلُولُ،
وَأَنَّ الْأُجْرَةَ فِي الْإِجَارَةِ عَلَى التَّأْجِيلِ إلَّا فِي مَسَائِلَ فَيَجِبُ فِيهَا تَعْجِيلُ الْأُجْرَةِ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ
(قَوْلُهُ: صِحَّةُ الْإِجَارَةِ بِعَاقِدٍ، وَأَجْرٍ كَالْبَيْعِ) فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حَذْفُ الْوَاوِ مَعَ مَا عَطَفَتْ أَيْ صِحَّةُ الْإِجَارَةِ وَلُزُومُهَا بِعَاقِدٍ، وَأَجْرٍ كَالْبَيْعِ، وَإِنَّمَا قَدَّرْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الصِّحَّةِ اللُّزُومُ
(قَوْلُهُ: فَشَرْطُهُمَا) أَيْ فَشَرْطُ صِحَّةِ عَقْدِهِمَا وَقَوْلُهُ: وَشَرْطُ اللُّزُومِ أَيْ لُزُومُ عَقْدِهِمَا
(قَوْلُهُ: النَّظَرُ مُطْلَقًا) أَيْ كَانَ فِي الْأَجْرِ مُحَابَاةٌ أَوْ لَا
(قَوْلُهُ: فِي الْجُمْلَةِ) أَيْ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ وَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَبْدِ فَإِنَّهُ،
وَإِنْ كَانَ مُكَلَّفًا لَكِنْ لُزُومُ إجَارَتِهِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِسِلْعَتِهِ يَتَوَقَّفُ عَلَى رِضَا سَيِّدِهِ لِعَدَمِ رُشْدِهِ
وَكَذَلِكَ السَّفِيهُ بِالنِّسْبَةِ لِإِجَارَتِهِ لِسِلْعَتِهِ مُطْلَقًا
وَكَذَا لِنَفْسِهِ إنْ حَابَى فِي الْأُجْرَةِ، وَإِلَّا كَانَتْ إجَارَتُهُ لَازِمَةً، وَلَا يَتَوَقَّفُ لُزُومُهَا عَلَى رِضَا وَلِيِّهِ فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ الرُّشْدُ لَيْسَ شَرْطًا فِي اللُّزُومِ
[بَابُ صِحَّةِ الْإِجَارَةِ بِعَاقِدٍ وَأَجْرٍ كَالْبَيْعِ] ص (بَابُ صِحَّةِ الْإِجَارَةِ بِعَاقِدٍ وَأَجْرٍ كَالْبَيْعِ) ش: ذَكَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ أَرْكَانِهَا - الْعَاقِدَ، وَهُوَ شَامِلٌ لِلْمُؤَجِّرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ، وَذَكَرَ الْأَجْرَ وَسَيَذْكُرُ الْمَنْفَعَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ الصِّيغَةَ،
وَكَذَلِكَ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَالْقَرَافِيُّ وَابْنُ عَرَفَةَ، وَذَكَرَهَا صَاحِبُ اللُّبَابِ فَقَالَ: هِيَ لَفْظٌ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ يَدُلُّ عَلَى تَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ بِعِوَضٍ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ:) لَا يُرَدُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ مَسْأَلَةُ الْخَيَّاطِ الْمُخَالِطِ يَسْتَخِيطُهُ الثَّوْبَ،
فَإِذَا فَرَغَ أَرْضَاهُ قَالَ مَالِكٌ لَا بَأْسَ بِهَا؛ لِأَنَّهَا نَادِرَةٌ، وَبِهَذَا اُعْتُذِرَ عَنْ ابْنِ الْحَاجِبِ وَمَسْأَلَةُ الْخَيَّاطِ هَذِهِ هِيَ فِي رَسْمِ سِلْعَةٍ سَمَّاهَا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ وَنَصُّهَا: وَسُئِلَ عَنْ الْخَيَّاطِ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُ الْخُلْطَةُ، وَلَا يَكَادُ يُخَالِفُنِي أَسَتَخِيطُهُ الثَّوْبَ،
فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ، وَجَاءَ بِهِ أُرَاضِيهِ عَلَى شَيْءٍ أَدْفَعُهُ إلَيْهِ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّ النَّاسَ اسْتَجَازُوهُ وَمَضَوْا عَلَيْهِ، وَهُوَ نَحْوُ مَا يُعْطِي الْحَجَّامَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُشَارِطَ عَلَى عَمَلِهِ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَهُ، وَمَا يُعْطِي فِي الْحَمَّامِ، وَالْمَنْعُ مِنْ هَذَا وَشَبَهِهِ تَضْيِيقٌ عَلَى النَّاسِ وَحَرَجٌ فِي الدِّينِ وَغُلُوٌّ فِيهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} ، وَقَالَ:{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ مِنْ السُّنَّةِ مَا ثَبَتَ مِنْ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ، فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا مِنْ خَرَاجِهِ» وَكَرِهَ النَّخَعِيُّ أَنْ يُسْتَعْمَلَ الصَّانِعُ حَتَّى يُقَاطَعَ بِشَيْءٍ مُسَمًّى، وَكَرِهَ ذَلِكَ ابْنُ حَبِيبٍ أَيْضًا قَالَ، وَلَا يَبْلُغُ التَّحْرِيمَ وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ وَاسِعٌ انْتَهَى.
، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ [فَرْعٌ دَفَعَ ثَوْبًا لِخَيَّاطٍ فَقَالَ لَا أَخِيطُهُ إلَّا بِدِرْهَمَيْنِ وَقَالَ رَبُّهُ لَا أَخِيطُهُ إلَّا بِدِرْهَمٍ] (فَرْعٌ:)
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ ابْنِ يُونُسَ: إذَا
قُلْت: خِطْهُ بِدِرْهَمٍ، وَقَالَ بِدِرْهَمَيْنِ، فَخَاطَهُ، فَلَيْسَ لَهُ إلَّا دِرْهَمٌ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّكَ أَعْلَمْتَهُ بِمَا تَرْضَى بِهِ،
وَكَذَلِكَ قَوْلُ سَاكِنِ الدَّارِ انْتَهَى.
وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ مَالِكٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ: مَنْ دَفَعَ ثَوْبًا لِخَيَّاطٍ، فَقَالَ: لَا أَخِيطُهُ إلَّا بِدِرْهَمَيْنِ،
وَقَالَ رَبُّهُ: لَا أَخِيطُهُ إلَّا بِدِرْهَمٍ، وَجَعَلَهُ عِنْدَهُ،
فَخَاطَهُ لَيْسَ لَهُ إلَّا دِرْهَمٌ قَالَ: وَمَنْ سَكَنَ مَنْزِلًا، فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ: بِدِينَارَيْنِ فِي السَّنَةِ،
وَقَالَ السَّاكِنُ: لَا أُعْطِي إلَّا دِينَارًا وَإِلَّا خَرَجْت إنْ لَمْ تَرْضَ، فَسَكَنَ، وَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ حَتَّى تَمَّتْ السَّنَةُ قَالَ: لَا يَلْزَمُهُ إلَّا دِينَارٌ انْتَهَى.
وَمَسْأَلَةُ الْخَيَّاطِ: لَا تُشْبِهُ مَسْأَلَةَ كِرَاءِ الْمَنْزِلِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الثَّوْبِ لَمْ يَتَوَلَّ اسْتِيفَاءَ الْمَنْفَعَةِ بِنَفْسِهِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُفَرِّقُوا فِيهَا بَيْنَ تَقَدُّمِ قَوْلِ الْخَيَّاطِ، وَقَوْلِ صَاحِبِ الثَّوْبِ
بِخِلَافِ الْمَنْزِلَ، فَإِنَّ الْمُسْتَأْجِرَ تَوَلَّى اسْتِيفَاءَ الْمَنْفَعَةِ بِنَفْسِهِ مَعَ عِلْمِ رَبِّ الْمَنْزِلِ بِذَلِكَ، فَفَرَّقُوا فِي ذَلِكَ بَيْنَ تَقَدُّمُ قَوْلِ السَّاكِنِ وَتَأَخُّرِ قَوْلِهِ عَنْ قَوْلِ صَاحِبِ الْمَنْزِلِ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ، وَذَكَرَ فِيهِ أَيْضًا أَنَّ حُكْمَ مَا أَتْلَفَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ السِّلَعِ بِحَضْرَةِ رَبِّهِ حُكْمُ مَا ذُكِرَ مِنْ اسْتِيفَاءِ الْمُسْتَأْجِرِ لِلْمَنْفَعَةِ مَعَ عِلْمِ رَبِّ الْمَنْزِلِ بِذَلِكَ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ قَوْلَيْهِمَا الْآخَرُ، وَقَدْ تَكَلَّمَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِكَلَامٍ جَيِّدٍ، وَفَرَّقَ فِيهِ بَيْنَ مَسْأَلَةِ نَوَازِلِ سَحْنُونٍ وَمَسْأَلَةِ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِرَاءِ الدُّورِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الرِّوَايَاتِ، فَانْظُرْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ ثَانٍ) عُلِمَ مِنْ تَشْبِيهِ الْأُجْرَةِ بِالثَّمَنِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةَ الْجُمْلَةِ وَالتَّفْصِيلِ أَوْ التَّفْصِيلِ دُونَ الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ جَوَازُ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ،
وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ، وَقِيلَ: بِالْكَرَاهَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ وَنُقِلَ الْقَوْلُ بِالْمَنْعِ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ خَارِجِ الْمَذْهَبِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي مَسْلَمَةَ وَسَحْنُونٍ، فَعَلَى هَذَا لَا تَمْتَنِعُ حِرَاسَةُ الْأَنْدَرِ كُلَّ إرْدَبٍّ مَثَلًا بِقَدَحٍ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومُ التَّفْصِيلِ مَجْهُولُ الْجُمْلَةِ مَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِذَلِكَ مَا يُفْسِدُهُ مِنْ أَعْمَالٍ مَجْهُولَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ فِي أَوَائِلِ مَسَائِلِ الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ أَنَّ ابْنَ أَبِي زَيْدٍ سُئِلَ عَنْ حُرَّاسِ الزَّرْعِ وَالزَّيْتُونِ لَيْلًا وَنَهَارًا بِالضَّمَانِ، أَوْ بِغَيْرِهِ عَلَى أَنَّ كُلَّ قَفِيزٍ عَلَيْهِ مُدَّيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٌ، وَهَلْ يَلْزَمُهُمْ تَفْرِيغُ الشِّبَاكِ وَالْأَحْمَالِ أَمْ لَا؟
فَقَالَ: أَمَّا اسْتِئْجَارُهُمْ لِكُلِّ قَفِيزٍ مُدَّانِ، فَجَائِزٌ،
فَإِنْ شَرَطُوا تَفْرِيغَ الشِّبَاكِ وَنُزُولَ الْأَحْمَالِ، فَيَلْزَمُ، وَشَرْطُ الضَّمَانِ عَلَيْهِمْ لَا يَلْزَمُ، وَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ مِمَّنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ الْبُرْزُلِيُّ يَجْرِي عَلَى شَرْطِ ضَمَانِ مَا لَا يُضْمَنُ فِي الْإِجَارَاتِ وَالْعَوَارِيّ، وَفِيهِ خِلَافٌ
وَالْمَشْهُورُ مَا قَالَهُ، وَقَوْلُهُ: كُلُّ قَفِيزٍ بِمُدَّيْنِ جَائِزٌ مَعْنَاهُ إذَا عَرَفَ صِفَتَهُمَا كَمَا قَالَ: وَيُتَوَصَّلُ إلَى مَعْرِفَتِهِ بِفَرْكِ سُنْبُلِهِ، وَلَا يُرَاعَى كَثْرَةُ الْأَقْفِزَةِ مِنْ قِلَّتِهَا؛ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ كُلِّ قَفِيزٍ، فَهُوَ مَجْهُولُ الْجُمْلَةِ مَعْلُومُ التَّفْصِيلِ، وَهُوَ جَارٍ عَلَى الْمَذْهَبِ أَيْضًا مِنْ جَوَازِ بَيْعِ الْحِنْطَةِ فِي سُنْبُلِهَا،
وَفِي الذَّخِيرَة عَنْ الْأَبْهَرِيِّ مَا يَقْتَضِي الْمَنْعَ قَالَ الْأَبْهَرَيْ يَمْتَنِعُ حَمْلُ الزَّرْعِ عَلَى أَنَّ لَهُ فِي كُلِّ مِائَةِ إرْدَبٍّ تَخْرُجُ عَشَرَةَ أَرَادِبَ؛ إذْ لَا يَدْرِي كَمْ إرْدَبًّا يَخْرُجُ؟ وَتَجُوزُ بِالْقَتَّةِ؛ لِأَنَّهَا تُحْزَرُ، وَلَعَلَّ هَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ جَوَازِ ذَلِكَ الْبَيْعِ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ أَيْضًا عَنْ حِرَاسَتِهِمْ الْأَنْدَرَ كُلَّهَا بِأَقْفِزَةٍ مَعْلُومَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُصِيبُ أَلْفًا وَمِائَةَ قَفِيزٍ، أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ هَلْ هُوَ عَلَى قَدْرِ الرُّءُوسِ أَوْ الصَّابَّةِ؟ فَأَجَابَ: اسْتِئْجَارُهُمْ الْأَنْدَرَ بِأَقْفِزَةٍ مَعْلُومَةٍ إنْ كَانَ قَبْلَ حُصُولِهِ فِي الْأَنْدَرِ وَرُؤْيَتِهِ، فَلَا يَجُوزُ وَبَعْدَ رُؤْيَتِهِ وَحُصُولِهِ، فَجَائِزٌ، وَيَكُونُ مَفْضُوضًا عَلَى قَدْرِ الصَّابَّةِ، وَوَقَعَ لِسَحْنُونٍ أَنَّهُ عَلَى الرُّءُوسِ وَالْأَوَّلُ: أَحَبُّ إلَيَّ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: وَهَذِهِ إحْدَى الْمَسَائِلِ الَّتِي اُخْتُلِفَ فِيهَا، هَلْ هِيَ عَلَى قَدْرِ الْأَنْصِبَاءِ، أَوْ عَلَى الرُّءُوسِ؟ انْتَهَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ أَكَرِيَةِ الدُّورِ] (فَرْعٌ:) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي أَكَرِيَةِ الدُّورِ: وَلَوْ سَكَنَ أَجْنَبِيٌّ طَائِفَةً مِنْ دَارِكَ، وَقَدْ عَلِمْت بِهِ، فَلَمْ تُخْرِجْهُ لَزِمَهُ كِرَاءُ مَا سَكَنَ أَبُو الْحَسَنِ لِاحْتِمَالِ تَرْكِهِ لِلْإِرْفَاقِ وَكَوْنِهِ عَلَى جِهَةِ الْإِجَارَةِ، فَلَمَّا اُحْتُمِلَ الْوَجْهَانِ كَانَ الْأَصْلُ أَنَّ الْأَمْلَاكَ عَلَى مِلْكِ مَالِكِهَا، وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُدَّعَى عَلَيْهِ بِالنَّصِّ أَنَّهُ أَرْفَقَهُ، فَيُخْتَلَفُ فِي يَمِينِهِ عَلَى الْخِلَافِ فِي دَعْوَى الْمَعْرُوفِ،
وَأَمَّا إنْ لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ إلَّا بِسُكُوتِهِ، فَلَا يَمِينَ انْتَهَى.
[فَرْعٌ خَرَجَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ فِي دَيْنٍ لِاقْتِضَائِهِ دُونَ إذْنِ صَاحِبِهِ فَاقْتَضَاهُ أَوْ بَعْضَهُ وَطَلَبَ الْأُجْرَةَ مِنْ صَاحِبِهِ] (فَرْعٌ:) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي أَوَاخِرِ الْوَكَالَاتِ،
وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ: إذَا خَرَجَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ فِي دَيْنٍ لِاقْتِضَائِهِ دُونَ إذْنِ صَاحِبِهِ، فَاقْتَضَاهُ، أَوْ بَعْضَهُ وَطَلَبَ الْأُجْرَةَ مِنْ صَاحِبِهِ وَجَبَتْ لَهُ بَعْدَ حَلِفِهِ أَنَّهُ مَا خَرَجَ لِذَلِكَ مُتَطَوِّعًا (قُلْت:) إلَّا أَنْ تَشْهَدَ الْعَادَةُ أَنَّ مِثْلَهُ لَا يَأْخُذُ أُجْرَةً فِيمَا وُلِّيَ، أَصْلُهُ مَسْأَلَةُ كِتَابِ الْعَارِيَّةِ وَكِرَاءِ الدُّورِ إذَا سَكَنَ طَائِفَةٌ مِنْ دَارِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ انْتَهَى.
وَفِي رَسْمِ طَلَّقَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ الرُّهُونِ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ يَرْهَنُ الدَّارَ مِنْ رَجُلٍ يَضَعُهَا عَلَى يَدَيْهِ وَيَقْتَضِي غَلَّتَهَا، وَيَقُومُ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ يَطْلُبُ أَنْ يُعْطَى فِي ذَلِكَ أَجْرًا فِيمَا قَامَ بِهِ قَالَ: مِنْ النَّاسِ مَنْ يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ،
فَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي مِثْلُهُ يُشْبِهُ أَنْ يَعْمَلَ بِأَجْرٍ،
وَمِثْلُهُ يُؤَاجِرُ نَفْسَهُ فِي مِثْلِهِ،
فَإِنْ طَلَبَهُ، فَأَرَى ذَلِكَ لَهُ،
وَأَمَّا مَنْ مِثْلُهُ يَعْنِي، فَلَا أَرَى لَهُ ذَلِكَ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا نَحْوُ مَا فِي رَسْمٍ جَامِعٍ مِنْ كِتَابِ الْجُعْلِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى أَنَّهُ يَكُونُ لَهُ إجَارَةُ مِثْلِهِ إنْ كَانَ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ يَعْمَلُ بِالْإِجَارَةِ، وَإِنَّمَا لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ يَمِينِهِ مَا أَقَامَ فِي ذَلِكَ، وَعَنَى بِهِ احْتِسَابًا، وَإِنَّمَا، فَعَلَ ذَلِكَ لِيَرْجِعَ بِحَقِّهِ فِيهِ عَلَى مَعْنَى مَا قَالَهُ فِي أَوَّلِ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ انْتَهَى.
وَلَهُ أَيْضًا فِي سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ الْبَضَائِعِ وَالْوَكَالَاتِ قَرِيبٌ مِنْ هَذَا،
وَفِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْهُ، مَسْأَلَةٌ: طَالِبُ النَّفَقَةِ عَلَى الْبِضَاعَةِ كَالْقِرَاضِ،
وَفِي التَّوْضِيحِ وَابْنِ عَرَفَةَ فِي كِتَابِ الْقِرَاضِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى،
وَقَالَ فِي آخِرِ كِتَابِ الرُّهُونِ مِنْ الذَّخِيرَةِ إذَا تَهَدَّمَتْ دَارٌ، فَتَقُومُ عَلَيْهَا فَلَكَ الْأُجْرَةُ إنْ كَانَ مِثْلُكَ يَعْمَلُ ذَلِكَ بِأُجْرَةٍ بَعْدَ أَنْ تَحْلِفَ مَا تَبَرَّعْت انْتَهَى.
وَالْقَاعِدَةُ الْمَذْهَبِيَّةُ فِي إيصَالِ النَّفْعِ لِلْغَيْرِ ذَكَرَهَا ابْنُ الْحَاجِبِ فِي أَوَاخِرِ الْإِجَارَةِ،
وَكَذَا ابْنُ عَرَفَةَ، وَذَكَرَهَا الْقَرَافِيُّ فِي الرُّهُونِ،
وَفِي اللُّقَطَةِ، وَقَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ: إذَا عَجَزَ صَاحِبُ الدَّابَّةِ عَنْ عَلَفِهَا وَسَيَّبَهَا، فَأَعْلَفَهَا غَيْرَهُ، ثُمَّ وَجَدَهَا رَبُّهَا قَالَ مَالِكٌ: هُوَ أَحَقُّ بِهَا؛ لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ عَلَى تَرْكِهَا بِالْإِضْرَارِ لِذَلِكَ، وَيَدْفَعُ مَا أُنْفِقَ عَلَيْهَا،
وَقِيلَ: هِيَ لِعَالِفِهَا لِإِعْرَاضِ الْمَالِكِ عَنْهَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ التَّاسِعِ وَالثَّلَاثِينَ وَالْمِائَةِ،
وَفِي الذَّخِيرَةِ فِي الرُّكْنِ الثَّالِث مِنْ الْإِجَارَةِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي قِيَامِهِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ قَامَ لِنَفْسِهِ انْتَهَى.
وَعُلِمَ مِنْ تَشْبِيهِ الْعَاقِدِ هُنَا بِعَاقِدِ الْبَيْعِ أَنَّ الصَّبِيَّ الْمُمَيِّزَ إذَا أَجَّرَ نَفْسَهُ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ صَحَّ، وَوَقَفَ عَلَى رِضَاهُ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي الْمُدَوَّنَةِ
قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ: وَلَيْسَ لِذِي الْأَبِ وَالْوَصِيِّ أَنْ يُؤَاجِرَا أَنْفُسَهُمَا دُونَ إذْنِهِمَا،
فَإِنْ فَعَلَا نَظَرَا فِي ذَلِكَ، فَمَا رَأَيَاهُ مِنْ رَدٍّ أَوْ إمْضَاءٍ فَعَلَاهُ مَا لَمْ يَعْمَلَا،
فَإِنْ عَمِلَا كَانَ لَهُمَا الْأَكْثَرُ مِنْ الْمُسَمَّى وَأُجْرَةُ الْمِثْلِ،
فَإِنْ أَصَابَهُمَا مِنْ سَبَبِ الْعَمَلِ شَيْءٌ فَلَهُمَا قِيمَةُ مَا نَقَصَهُمَا أَوْ دِيَتُهُمَا إنْ هَلَكَا، وَلَهُمَا الْأُجْرَةُ إلَى يَوْمِ أَصَابَهُمَا ذَلِكَ، وَلَيْسَ لَهُمَا فِيمَا أَصَابَهُمَا مِنْ غَيْرِ سَبَبِ الْعَمَلِ شَيْءٌ انْتَهَى.
[فَرْعٌ آجَرَ الرَّجُلُ ابْنَهُ] (فَرْعٌ:)
قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ، وَإِنْ آجَرَ الرَّجُلُ ابْنَهُ مِنْ نَفْسِهِ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ،
وَمِثْلُهُ لَا يُؤَاجِرُ فُسِخَتْ الْإِجَارَةُ، وَأَنْفَقَ الْأَبُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ الْأَبُ غَنِيًّا، وَالِابْنُ عَدِيمًا لَا مَالَ لَهُ،
فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ أَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْهُ، وَلَهُ أَنْ يُؤَاجِرَهُ فِيمَا لَا مَعَرَّةَ عَلَى الِابْنِ فِيهِ،
وَإِنْ كَانَ الْأَبُ فَقِيرًا، أَوْ مُقِلًّا، أَوْ يُرِيدُ تَعْلِيمَ الِابْنِ فَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ، وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ أُجْرَتِهِ،
فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ حَبَسَهُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِمَّا فَضَلَ مِنْ عَمَلِ الصَّبِيِّ،
وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا خَوْفًا مِنْ أَنْ لَا يَتَمَكَّنَ الصَّبِيُّ مِنْ الْعَمَلِ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ، أَوْ يَمْرَضَ فَلَا يَجِدُ مَا يَأْكُلُ،
وَقَالَ ابْنُ لُبَابَةَ لَا بَأْسَ أَنْ يَكُونَ بِالْمَعْرُوفِ انْتَهَى.
[فَرْعٌ عَقْدُ الْحَاضِنَةِ عَلَى مَحْضُونِهَا] (فَرْعٌ:) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ الْمُتَيْطِيُّ وَابْنُ فَتُّوحٍ: وَيَجُوزُ عَقْدُ الْحَاضِنَةِ عَلَى مَحْضُونِهَا
أُمًّا كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا، وَلَا يَنْفَسِخُ إلَّا أَنْ يُزَادَ الصَّبِيُّ فِي أُجْرَتِهِ فَتَقْبَلَ الزِّيَادَةُ وَيَفْسَخَ عَقْدُ الْأُمِّ، وَيَنْظُرَ لَهُ أَحْسَنَ الْمَوَاضِعِ،
وَلَوْ كَانَ بِأَقَلَّ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ، وَلَا تُقْبَلُ الزِّيَادَةُ فِي عَقْدِ الْوَصِيِّ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ أَنَّ فِيهِ غَبْنًا عَلَى الْيَتِيمِ انْتَهَى.
[فَرْعٌ اسْتِئْجَارُ الْأَعْزَبِ الْمَرْأَةَ لِتَخْدُمَهُ فِي بَيْتِهِ] (فَرْعٌ:)
قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ: وَلَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الْأَعْزَبِ الْمَرْأَةَ لِتَخْدُمَهُ فِي بَيْتِهِ مَأْمُونًا كَانَ، أَوْ غَيْرَهُ،
فَإِنْ كَانَ لَهُ أَهْلٌ جَازَ إنْ كَانَ مَأْمُونًا، وَكَانَتْ الْمَرْأَةُ مُتَجَالَّةً لَا إرْبَ لِلرِّجَالِ فِيهَا، أَوْ كَانَتْ شَابَّةً وَمُسْتَأْجِرُهَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي اللَّخْمِيِّ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ،
وَفِي الْجُعْلِ مِنْهَا فِي تَرْجَمَةِ إجَارَةِ نَزْوِ الْفَحْلِ: وَأَكْرَهُ لِلْأَعْزَبِ أَنْ يُؤَاجِرَ حُرَّةً لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مَحْرَمٌ أَوْ أَمَةً لِخِدْمَةٍ يَخْلُو مَعَهَا أَوْ يُعَادِلَهَا فِي مَحْمَلٍ انْتَهَى.
أَبُو الْحَسَنِ الْكَبِيرُ اُنْظُرْ هَلْ الْكَرَاهَةُ عَلَى بَابِهَا، أَوْ عَلَى الْمَنْعِ؟ ؛ لِأَنَّ فِيهِ خَلْوَةً وَعَلَى هَذَا حَمَلَهُ اللَّخْمِيُّ،
وَقَالَ: لَمْ يَجُزْ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْمُتَيْطِيُّ وَابْنُ فَتُّوحٍ،
وَفِي رَسْمِ لَمْ يُدْرَكْ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ النِّكَاحِ: وَسُئِلَ عَنْ الْمَرْأَةِ الْعَزَبَةِ الْكَبِيرَةِ تُلْجَأُ إلَى الرَّجُلِ فَيَقُومُ لَهَا بِحَوَائِجِهَا وَيُنَاوِلُهَا الْحَاجَةَ هَلْ تَرَى لَهُ ذَلِكَ حَسَنًا؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَلْيُدْخِلْ مَعَهُ غَيْرَهُ أَحَبُّ إلَيَّ،
وَلَوْ تَرَكَهَا النَّاسُ لَضَاعَتْ ابْنُ رُشْدٍ، وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ: إنَّهُ جَائِزٌ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقُومَ لِلْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ فِي حَوَائِجِهَا وَيُنَاوِلَهَا الْحَاجَةَ إذَا غَضَّ بَصَرَهُ عَمَّا لَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهِ مِمَّا لَا يَظْهَرُ مِنْ زِينَتِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} ، وَذَلِكَ الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ عَلَى مَا قَالَهُ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فَجَائِزٌ لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْظُرَ إلَى ذَلِكَ مِنْ الْمَرْأَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ،
فَإِنْ اُضْطُرَّ إلَى الدُّخُولِ عَلَيْهَا أَدْخَلَ غَيْرَهُ مَعَهُ لِيُبْعِدَ سُوءَ الظَّنِّ عَنْ نَفْسِهِ، فَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقِيَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعَهُ زَوْجَتُهُ صَفِيَّةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فَقَالَ لَهُمَا: إنَّهَا صَفِيَّةُ، فَقَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا فَتَهْلِكَا» انْتَهَى.
ص (وَعُجِّلَ إنْ عُيِّنَ، أَوْ بِشَرْطٍ، أَوْ عَادَةٍ، أَوْ فِي مَضْمُونَةٍ لَمْ يُشْرَعْ إلَّا كِرَاءُ حَجٍّ فَالْيَسِيرُ وَإِلَّا فَمُيَاوَمَةً) ش: اعْلَمْ أَنَّ التَّعْيِينَ تَارَةً يَكُونُ فِي الْأُجْرَةِ وَتَارَةً يَكُونُ فِي الْمَنْفَعَةِ الْمُسْتَأْجَرَةِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُقْضَى بِتَعْجِيلِ الْأُجْرَةِ إذَا شُرِطَ التَّعْجِيلُ سَوَاءٌ كَانَتْ الْأُجْرَةُ شَيْئًا بِعَيْنِهِ، أَوْ شَيْئًا مَضْمُونًا فِي الذِّمَّةِ،
وَكَذَلِكَ يُقْضَى بِالتَّعْجِيلِ إذَا كَانَتْ الْعَادَةُ التَّعْجِيلَ سَوَاءٌ كَانَتْ الْأُجْرَةُ شَيْئًا مُعَيَّنًا أَوْ شَيْئًا مَضْمُونًا، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْأُجْرَةُ الْمُعَيَّنَةُ، وَالْمَضْمُونَةُ،
وَكَذَلِكَ يُقْضَى بِالتَّعْجِيلِ إذَا كَانَتْ الْمَنْفَعَةُ الْمُسْتَأْجَرَةُ مَضْمُونَةً فِي ذِمَّةِ الْأَجِيرِ وَتَأَخَّرَ شُرُوعُهُ فِي الْعَمَلِ يَوْمَيْنِ،
وَأَمَّا لَوْ أَخَّرَهُ إلَى يَوْمٍ وَاحِدٍ فَيَجُوزُ التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ إنْ عُيِّنَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ إذَا كَانَ مُعَيَّنًا،
فَإِنْ شُرِطَ تَعْجِيلُهُ، أَوْ كَانَ الْعُرْفُ تَعْجِيلَهُ صَحَّتْ الْإِجَارَةُ وَقُضِيَ بِتَعْجِيلِهِ لِلشَّرْطِ وَالْعُرْفِ، وَهُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ: أَوْ بِشَرْطٍ أَوْ عَادَةٍ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطٌ، وَلَا عُرْفٌ فَالْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ كَمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ الْمُؤَلِّفُ فَتَأَمَّلْهُ، وَلَا يُرَدُّ هَذَا عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفْسُدُ عِنْدَهُ إلَّا إذَا كَانَ الْعُرْفُ التَّأْخِيرَ فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ: يُعَجَّلُ إنْ كَانَ مُعَيَّنًا عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ عُرْفٌ، وَلَا اُشْتُرِطَ التَّعْجِيلُ، وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ كَمَا قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ
قَالَ فِي أَوَائِلِ كِرَاءِ الرَّوَاحِلِ مِنْهَا: وَمَنْ اكْتَرَى دَابَّةً لِرُكُوبٍ أَوْ حَمْلٍ، أَوْ دَارًا، أَوْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا بِشَيْءٍ بِعَيْنِهِ مِنْ عَيْنٍ، أَوْ عَرَضٍ، أَوْ حَيَوَانٍ، أَوْ طَعَامٍ فَتَشَاحَّا فِي النَّقْدِ، وَلَمْ يَشْتَرِطَا شَيْئًا،
فَإِنْ كَانَتْ سُنَّةُ الْكِرَاءِ فِي الْبَلَدِ بِالنَّقْدِ جَازَ وَقُضِيَ بِقَبْضِهَا،
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ سُنَّتُهُمْ بِالنَّقْدِ لَمْ يَجُزْ الْكِرَاءُ،
وَإِنْ عُجِّلَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ إلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ النَّقْدُ فِي الْعَقْدِ كَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ ثَوْبٍ، أَوْ حَيَوَانٍ بِعَيْنِهِ عَلَى أَنْ لَا يُقْبَضَ إلَّا إلَى شَهْرٍ، وَيُفْسَخُ ابْنُ الْقَاسِمِ،
وَإِنْ اكْتَرَى مَا ذَكَرْنَاهُ بِدَنَانِيرَ مُعَيَّنَةٍ، ثُمَّ تَشَاحَّا فِي النَّقْدِ،
فَإِنْ كَانَ الْكِرَاءُ بِالْبَلَدِ بِالنَّقْدِ قُضِيَ بِهِ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ الْكِرَاءُ إلَّا أَنْ يُعَجِّلَهَا انْتَهَى.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ عِيَاضٌ: قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يُعَجِّلَهَا أَيْ: يَشْتَرِطَ ذَلِكَ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ يُبَيِّنُ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ وَاخْتَصَرَهُ ابْنُ يُونُسَ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ تَعْجِيلَهُ فِي الْعَقْدِ، وَقَوْلُهُ: أَوَّلًا إلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ النَّقْدُ فِي الْعَقْدِ، الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَكِنْ إنْ اُشْتُرِطَ النَّقْدُ فِي الْعَقْدِ جَازَ انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إثْرَ الْكَلَامِ السَّابِقِ كَقَوْلِ مَالِكٍ فِيمَنْ ابْتَاعَ سِلْعَةً بِدَنَانِيرَ لَهُ بِبَلَدٍ آخَرَ عِنْدَ قَاضٍ، أَوْ غَيْرِهِ،
فَإِنْ شَرَطَ ضَمَانَهَا إنْ تَلِفَتْ جَازَ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ فَأَرَى إنْ كَانَ الْكِرَاءُ لَا يُنْقَدُ فِي مِثْلِهِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ إنْ تَلِفَتْ فَعَلَيْهِ مِثْلُهَا،
وَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ هَذَا فِي طَعَامٍ، وَلَا عَرَضٍ فِي بَيْعٍ، وَلَا كِرَاءٍ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يُبْتَاعُ لِعَيْنِهِ فَلَا يَدْرِي أَيَّ الصَّفْقَتَيْنِ ابْتَاعَ، وَلَا يُرَادُ مِنْ الْمَالِ عَيْنُهُ،
وَقَالَ غَيْرُهُ فِي الدَّنَانِيرِ: هُوَ جَائِزٌ،
وَإِنْ تَلِفَتْ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ انْتَهَى.
أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ: فَأَرَى الْكِرَاءَ إنْ كَانَ لَا يُنْقَدُ فِي مِثْلِهِ، مَعْنَاهُ لَيْسَ مِنْ سُنَّتِهِمْ النَّقْدُ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ أَنَّهُ قَالَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: إنْ كَانَ لَا يُنْقَدُ فِي مِثْلِهِ كَبَيْعِ الْخِيَارِ، قَالَ: وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ انْتَهَى.
وَهَذَا الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ كِرَاءِ الدَّابَّةِ بِقَوْلِهِ وَبِدَنَانِيرَ عُيِّنَتْ إلَّا بِشَرْطِ الْخَلَفِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: أَوْ فِي مَضْمُونَةٍ لَمْ يُشْرَعْ فِيهَا يُرِيدُ لَمْ يُشْرَعْ فِيهَا إلَّا بَعْدَ طُولٍ،
وَأَمَّا إنْ قَرُبَ الشُّرُوعُ، فَيَجُوزُ تَأْخِيرُ الْكِرَاءِ،
وَيَجُوزُ اشْتِرَاطُ ذَلِكَ قَالَ الْمُتَيْطِيُّ: فَإِنْ كَانَ الْمَضْمُونُ فِي الْكِرَاءِ إنَّمَا هُوَ عَلَى أَنْ يَأْتِيَهُ بِهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، أَوْ فِي الْغَدِ فَلَا بَأْسَ بِاشْتِرَاطِ تَأْخِيرِ الْكِرَاءِ إلَى أَجَلٍ وَقَوْلُهُ: إلَّا كِرَاءُ حَجٍّ فَالْيَسِيرُ لَوْ أَدْخَلَ الْكَافَ لَكَانَ أَشْمَلَ قَالَ الْمُتَيْطِيُّ رَوَى أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ ذَلِكَ فِي الْكِرَاءِ الْمَضْمُونِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْحَجَّ، وَنَصُّهُ: تَعْجِيلُ النَّقْدِ فِي الْكِرَاءِ الْمَضْمُونِ إلَى أَجَلٍ هُوَ. الْأَصْلُ،
وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ بِشَرْطٍ وَاخْتُلِفَ فِي تَعْجِيلِ بَعْضِهِ وَتَأْخِيرِ بَاقِيهِ دُونَ شَرْطٍ فَقَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ أَكْرَى إلَى الْحَجِّ فِي غَيْرِ إبَّانِ الْحَجِّ لِيَخْرُجَ فِي إبَّانِهِ لَا بَأْسَ أَنْ يُقَدِّمَ مِنْهُ الدِّينَارَ وَالدِّينَارَيْنِ،
وَلَا يَجُوزُ فِي غَيْرِهِ وَرَوَى أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ ذَلِكَ فِي الْكِرَاءِ الْمَضْمُونِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْحَجَّ،
وَقَالَ: كَمْ مِنْ كَرِيٍّ ذَهَبَ بِالْكِرَاءِ، وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ كَرَاهَةَ تَأْخِيرِ النَّقْدِ إلَّا أَنْ يَنْقُدَ أَكْثَرَهُ، أَوْ ثُلُثَيْهِ،
وَقَالَ مِثْلَهُ أَشْهَبُ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ قَدْ اقْتَطَعَ الْأَكْرِيَاءُ أَمْوَالَ النَّاسِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَنْقُدَهُ الدِّينَارَ وَالدِّينَارَيْنِ يُرِيدُ فِي غَيْرِ الْحَجِّ انْتَهَى.
وَفِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ مِثْلُ الْحَجِّ فِي غَيْرِ إبَّانِهِ، وَالْيَسِيرُ الدِّينَارُ وَالدِّينَارَانِ عَلَى مَا رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: وَإِلَّا فَمُيَاوَمَةً أَيْ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْإِجَارَةُ مَضْمُونَةً بَلْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً، أَوْ كَانَتْ مَضْمُونَةً إلَّا أَنَّهُ شَرَعَ فِيهَا، وَلَمْ يَكُنْ شَرْطٌ، وَلَا عُرْفٌ وَالْأَجْرُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ فَإِنَّمَا تُسْتَحَقُّ الْأُجْرَةُ مُيَاوَمَةً، وَهَذَا عِنْدَ الْمُشَاحَّةِ، وَإِلَّا فَيَجُوزُ التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي أَوَّلِ مَسْأَلَةٍ مِنْ كِتَابِ الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ مِنْ الْبَيَانِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ:) يُعْتَرَضُ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِمَا اُعْتُرِضَ بِهِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ،
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطٌ، وَلَا عَادَةٌ أُخِذَ مُيَاوَمَةً قَالَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ يَتَنَاوَلُ الصَّنَائِعَ، بَلْ الْإِجَارَةُ فِي الْعُرْفِ مَقْصُورَةٌ عَلَيْهَا
وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الصَّانِعَ لَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إلَّا بَعْدَ تَمَامِ الْعَمَلِ انْتَهَى.
وَمِثْلُهُ يُقَالُ عَلَيْهِ، وَمَا قَالَ: إنَّهُ الْمَذْهَبُ هُوَ فِي كِتَابِ الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَبْلَ تَرْجَمَةِ الدَّعْوَى فِي الْإِجَارَةِ،
وَنَصُّهَا: وَإِذَا أَرَادَ الصُّنَّاعُ وَالْأُجَرَاءُ تَعْجِيلَ الْأَجْرِ قَبْلَ الْفَرَاغِ وَامْتَنَعَ رَبُّ الْعَمَلِ حُمِلُوا عَلَى الْمُتَعَارَفِ بَيْنَ النَّاسِ،
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ سُنَّةٌ لَمْ يَقْضِ لَهُمْ بِهِ إلَّا بَعْدَ فَرَاغِ أَعْمَالِهِمْ،
وَأَمَّا فِي الْأَكْرِيَةِ فِي دَارٍ أَوْ رَاحِلَةٍ، أَوْ فِي إجَارَةِ بَيْعِ سِلْعَةٍ وَنَحْوِهِ فَبِقَدْرِ مَا مَضَى، وَلَيْسَ لِلْخَيَّاطِ إذَا خَاطَ نِصْفَ الْقَمِيصِ أَخْذُ نِصْفِ الْأُجْرَةِ حَتَّى يُتِمَّ؛ إذْ لَمْ يَأْخُذْهُ عَلَى ذَلِكَ انْتَهَى.
(الثَّانِي:) مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْإِجَارَةُ غَيْرَ مَضْمُونَةٍ بَلْ مُعَيَّنَةً يَجُوزُ التَّقْدِيمُ، وَالتَّأْخِيرُ مَحِلُّهُ مَا إذَا شَرَعَ فِي الْعَمَلِ، أَوْ تَأَخَّرَ الشُّرُوعُ نَحْوَ الْعَشَرَةِ الْأَيَّامِ،
وَإِنْ طَالَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُ الْأُجْرَةِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ مِنْ الْبَيَانِ: الْإِجَارَةُ عَلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ مِثْلُ نَسْجِ الْغَزْلِ وَخِيَاطَةِ الثَّوْبِ عَلَى قِسْمَيْنِ: مَضْمُونَةٌ فِي ذِمَّةِ الْأَجِيرِ فَلَا تَجُوزُ إلَّا بِتَعْجِيلِ الْأَجْرِ أَوْ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ، أَوْ تَعْجِيلِهِمَا، وَمُعَيَّنَةٌ فِي عَيْنِهِ فَتَجُوزُ بِتَعْجِيلِ الْأَجْرِ وَتَأْخِيرِهِ عَلَى أَنَّهُ يَشْرَعُ فِي الْعَمَلِ،
فَإِنْ شَرَعَ إلَى أَجَلٍ لَمْ يَجُزْ النَّقْدُ إلَّا عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ انْتَهَى.
وَتَأْخِيرُ الشُّرُوعِ إلَى يَوْمَيْنِ لَا يَضُرُّ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَبُو الْحَسَنِ وَإِلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ وَانْظُرْ كَلَامَهُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ: وَكِرَاءُ دَابَّةٍ إلَى شَهْرٍ، وَنَقَلَ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ فَعَلَى هَذَا إذَا كَانَ الْعَمَلُ مُعَيَّنًا عَلَى أَنْ لَا يَشْرَعَ فِي الْعَمَلِ إلَّا إلَى أَجَلٍ، وَكَانَ الْأَجْرُ شَيْئًا مُعَيَّنًا تَفْسُدُ هَذِهِ الصُّورَةُ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْأَجْرِ مُعَيَّنًا يَقْتَضِي تَقْدِيمَهُ، وَكَوْنُ الْعَمَلِ فِي عَيْنِ الْأَجِيرِ إلَى أَجَلٍ يَقْتَضِي تَأْخِيرَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ:) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنْ صَرَّحَ بِكَوْنِ الْعَمَلِ مَضْمُونًا كَقَوْلِهِ: اسْتَأْجَرْتُكَ عَلَى كَذَا فِي ذِمَّتِكَ إنْ شِئْتَ عَمِلْتَهُ بِيَدِكَ، أَوْ بِغَيْرِكَ أَوْ مُعَيَّنًا كَاسْتَأْجَرْتُكَ عَلَى عَمَلِ كَذَا بِنَفْسِكَ فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا حُكْمُهُ،
وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ، وَظَاهِرُ اللَّفْظِ أَنَّهُ مَضْمُونٌ كَقَوْلِهِ أَعْطَيْتُكَ كَذَا عَلَى خِيَاطَةِ هَذَا الثَّوْبِ حُمِلَ عَلَى الْمَضْمُونِ اتِّفَاقًا إلَّا أَنْ يَعْرِفَ أَنَّهُ يَعْمَلُهُ بِيَدِهِ، أَوْ كَانَ عَمَلُهُ مَقْصُودًا لِرِفْقِهِ وَإِحْكَامِهِ،
وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ التَّعْيِينَ كَاسْتَأْجَرْتُكَ عَلَى خِيَاطَةِ هَذَا الثَّوْبِ، أَوْ عَلَى أَنْ تَخِيطَهُ، وَلَا يَقُولُ: أَنْتَ فَفِي حَمْلِهِ عَلَى الْمَضْمُونِ، أَوْ الْمُعَيَّنِ قَوْلَانِ الْمَشْهُورُ: أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْمَضْمُونِ أَيْضًا إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ يَعْمَلُهُ بِيَدِهِ، أَوْ يَكُونَ قَصْدَ عَمَلَهُ لِرِفْقِهِ وَإِحْكَامِهِ انْتَهَى.
(الرَّابِعُ:) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ فَتُّوحٍ: إنْ قَامَ مَنْ آجَرَ عَبْدَهُ يَطْلُبُ أَجْرَهُ بَعْدَ تَمَامِ عَمَلِهِ فَأُجْرَتُهُ تَجْرِي مَجْرَى الْحُقُوقِ فِي الْفُسْحَةِ وَضَرْبِ الْأَجَلِ،
وَإِذَا آجَرَ الْعَبْدُ نَفْسَهُ، أَوْ الْحُرُّ وَطَلَبَ ذَلِكَ بَعْدَ الْخِدْمَةِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَا كَالْحُقُوقِ عِنْدَ وُجُوبِهَا،
وَيَجِبُ تَعْجِيلُ أَجْرِهِمَا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَعْطُوا الْأَجِيرَ حَقَّهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ» إلَّا أَنْ يُؤَخِّرَ الْأَجِيرُ مَنْ اسْتَأْجَرَهُ بِأُجْرَةِ سَنَةٍ، ثُمَّ يَطْلُبَ فَيُحْمَلَ مَحْمَلَ الْحُقُوقِ انْتَهَى.
(الْخَامِسُ:) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ ابْنِ يُونُسَ: كَرِهَ مَالِكٌ نَقْدَ الْكِرَاءِ فِي السُّفُنِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ إلَّا بِالْبَلَاغِ، وَجَوَّزَهُ ابْنُ نَافِعٍ،
وَقَالَ: لَهُ مِنْ الْكِرَاءِ بِحِسَابِ مَا قَطَعَ،
فَإِنْ عَطِبَ قَبْلَ الْبَلَاغِ وَادَّعَيْتَ النَّقْدَ صُدِّقَ عَلَيْكَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، وَلَا يَشْهَدُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ لِلتُّهْمَةِ،
وَقِيلَ: يَجُوزُ كَمَا فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ انْتَهَى.
(صِحَّةُ الْإِجَارَةِ بِعَاقِدٍ وَأَجْرٍ كَالْبَيْعِ)
ابْنُ شَاسٍ: أَرْكَانُ الْإِجَارَةِ ثَلَاثَةٌ:
الْأَوَّلُ: الْعَاقِدَانِ وَلَا يَخْفَى. ابْنُ الْحَاجِبِ: هُمَا كالمتبايعان. ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ. الرُّكْنُ الثَّانِي: الْأَجْرُ وَهُوَ كَالثَّمَنِ يُطْلَبُ كَوْنُهُ مَعْرُوفًا قَدْرًا وَصِفَةً.
قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ وَطَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ إلَى جَوَازِ الْمَجْهُولَاتِ فِي الْإِجَارَةِ مِنْ الْبَدَلِ، وَأَجَازُوا أَنْ يُعْطِيَ حِمَارَهُ لِمَنْ يُسْقِي عَلَيْهِ أَوْ يَعْمَلُ بِنِصْفِ مَا يُرْزَقُ بِسَعْيِهِ عَلَى ظَهْرِهِ، وَيُعْطِيَ الْحَمَّامَ لِمَنْ يَنْظُرُ فِيهِ بِجُزْءٍ مِنْهُ مِمَّا يُحَصِّلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ قِيَاسًا عَلَى الْقِرَاضِ وَالْمُسَاقَاةِ. قَالُوا: وَأَبَاحَ اللَّهُ إجَارَةَ الْمُرْضِعِ وَمَا يَأْخُذُهُ الصَّبِيُّ مِنْ لَبَنِهَا مَعَ اخْتِلَافِ أَحْوَالِ الصِّبْيَانِ فِي الرَّضَاعِ وَاخْتِلَافِ أَلْبَانِ النِّسَاءِ وَوَرَدَ الْقُرْآنُ بِجَوَازِهِ اهـ.
مِنْ الِاسْتِنْكَارِ. اُنْظُرْ هَلْ يَنْتَظِمُ فِي هَذَا السِّلْكِ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى بِالنِّسْبَةِ إلَى أَرْبَابِ الْبَهَائِمِ يَحْسُنُ إلَيْهِمْ أَنْ يَبِيتُوا بِالْبَهَائِمِ فِي فَدَّانِ إنْسَانٍ.
وَمِنْ هَذَا مَا سُئِلْتُ عَنْهُ فِي قُرَى السَّاحِلِ لَا بُدَّ لِصَاحِبِ الْبَهَائِمِ الَّذِي يُشَتِّي بِالسَّاحِلِ بَهَائِمَهُ أَنْ يَدْفَعَ إلَى بَعْضِ دُورِ تِلْكَ الْقُرَى فَيُنْفِقَ صَاحِبُ الدَّارِ عَلَيْهِ وَيُعْطِيَهُ بَهَائِمَ نَفْسِهِ وَكِلَاهُمَا يَنْتَفِعُ بِصَاحِبِهِ، وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ كُلُّهُ قَرِيبٌ. وَقَدْ أَلْفَيْتُ الْقَوْمَ وَقَدْ شَدَّدُوا عَلَيْهِمْ فِي هَذَا وَهُمْ لَا بُدَّ فَاعِلُوهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ:" وَيَخْلِطُهُمَا إلَّا كَقَمْحٍ بِمِثْلِهِ " مَا فِي مِثْلِ هَذَا التَّشْدِيدِ مِنْ الْحَرَجِ فِي الدِّينِ. وَقَدْ أَجَازَ مَالِكٌ أَنْ يُؤَاجِرَ الْخَيَّاطَ عَلَى خِيَاطَةِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ هُوَ وَأَهْلُهُ مِنْ الثِّيَابِ فِي السَّنَةِ، وَالْفَرَّانَ عَلَى خَبْزِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْخُبْزِ سَنَةً أَوْ أَشْهُرًا إذَا عَرَفَ عِيَالَ الرَّجُلِ وَمَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَدْ أَجَازَ ابْنُ حَبِيبٍ مِثْلَ هَذَا فِي الْحَمَّامِ إلَّا أَنَّ ابْنَ يُونُسَ رَجَّحَ قَوْلَ مَالِكٍ فِي الْخُبْزِ وَالْخِيَاطَةِ بِأَنَّ أَكْلَ النَّاسِ مَعْرُوفٌ وَالْخِيَاطَةُ قَرِيبٌ مِنْهُ
قَالَ: بِخِلَافِ الْحَمَّامِ فَإِنَّهُ قَدْ يَدْخُلُ فِي الشَّهْرِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَقَدْ يَدْخُلُ كُلَّ يَوْمٍ.
قَالَ: فَالْمَنْعُ فِي الْحَمَّامِ هُوَ الصَّوَابُ. وَانْظُرْ أَيْضًا قَدْ قَالَ سَحْنُونَ: لَوْ حُمِلَتْ أَكْثَرُ الْإِجَارَاتِ عَلَى الْقِيَاسِ لَبَطَلَتْ، وَسُئِلَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ عَنْ الْغَنَمِ الْمُؤَلَّفَةِ لِلتَّزْلِيلِ تَنْفَتِقُ الشَّبَكَةُ فَتَرْعَى الْغَنَمُ مَا حَوْلَهَا قَالَ: الضَّمَانُ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ لَا عَلَى أَصْحَابِ الْغَنَمِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ اسْتَأْجَرَهَا وَبَيَّتَهَا فِي أَرْضِهِ فَمَا جَنَتْ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ. وَانْظُرْ الْأَوْلَى فِي هَذَا الْبَابِ الدُّخُولُ عَلَى وَجْهِ الْمُكَارَمَةِ وَمَا تَقَدَّمَ فِي الشُّفْعَةِ لِمَ أَجَازَ مَالِكٌ الْهِبَةَ لِغَيْرِ ثَوَابٍ مُسَمًّى؟
قَالَ: لِأَنَّهُ عَلَى وَجْهِ التَّفْوِيضِ فِي النِّكَاحِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِاسْتِعْمَالِ الْخَيَّاطِ الْمُخَالِطِ الَّذِي لَا يَكَادُ يُخَالِفُ مُسْتَعْمِلَهُ دُونَ تَسْمِيَةِ أَجْرٍ إذَا فَرَغَ رَاضَاهُ بِشَيْءٍ يُعْطِيهِ. ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّ النَّاسَ اسْتَجَازُوا هَذَا كَمَا يُعْطِي الْحَجَّامَ وَفِي الْحَمَّامِ وَفِي الْمَنْعِ مِنْهُ حَرَجٌ وَغُلُوٌّ فِي الدِّينِ اهـ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ. وَقَدْ تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ بَابَ الْإِجَارَةِ وَأَخَذَ عَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ فَرَسًا عَلَى النِّصْفِ، وَأَجَازَ ذَلِكَ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ اهـ.
وَنَقَلَ أَيْضًا فِي صَحِيحِهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنْ يُقَالَ بِعْ هَذَا الثَّوْبَ فَمَا زَادَ عَلَى كَذَا
وَكَذَا فَهُوَ لَكَ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: إذَا قَالَ بِعْهُ بِكَذَا فَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ فَلَكَ أَوْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ اهـ. وَكَانَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِيمَا هُوَ جَارٍ عَلَى هَذَا لَا يُفْتِي بِفِعْلِهِ ابْتِدَاءً وَلَا يُشَنِّعُ عَلَى مُرْتَكِبِهِ، قُصَارَى أَمْرِ مُرْتَكِبِهِ أَنَّهُ تَارِكٌ لِلْوَرَعِ وَمَا الْخِلَافُ فِيهِ شَهِيرٌ لَا حِسْبَةَ فِيهِ وَلَا سِيَّمَا إنْ دَعَتْ لِذَلِكَ حَاجَةٌ،
وَمِنْ أُصُولِ مَالِكٍ أَنْ يُرَاعَى الْحَاجِيَّاتُ كَمَا يُرَاعَى الضَّرُورِيَّاتُ. فَأَجَازَ الرَّدَّ عَلَى الدِّرْهَمِ مَعَ كَوْنِهِ يَجْعَلُ مُدَّ عَجْوَةٍ مِنْ بَابِ الرِّبَا، وَأَجَازَ تَأْخِيرَ النَّقْدِ فِي الْكِرَاءِ الْمَضْمُونِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَمْرَ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ أَخَفُّ؛ لِأَنَّ بِالتَّحَلُّلِ تَبْرَأُ ذِمَّتُهُمْ
بِخِلَافِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ وَبَابُ الرِّبَا،
وَيُبَاحُ الْغَرَرُ الْيَسِيرُ بِخِلَافِ بَابِ الرِّبَا.
وَمِنْ نَوَازِلِ الشَّعْبِيِّ: وَسُئِلَ أَصْبَغُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ رَجُلٍ يَسْتَأْجِرُ الْأَجِيرَ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ لَهُ فِي كَرْمٍ عَلَى النِّصْفِ مِمَّا يُخْرِجُ الْكَرْمُ أَوْ جُزْءٍ. قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
قِيلَ: وَكَذَلِكَ مَا يُضْطَرُّ إلَيْهِ مِثْلُ الرَّجُلِ يَسْتَأْجِرُ الْأَجِيرَ يَحْرُسُ لَهُ الزَّرْعَ وَلَهُ بَعْضُهُ؟ قَالَ: يَنْظُرُ إلَى أَمْرِ النَّاسِ إذَا اُضْطُرُّوا إلَيْهِ فِيمَا لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ وَلَا يَجِدُونَ الْعَمَلَ لَهُ إلَّا بِهِ فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ إذَا عَمَّ مَا يُبَيِّنُ ذَلِكَ مِمَّا يَرْجِعُ فِيهِ إلَى أَعْمَالِ النَّاسِ وَلَا يَجِدُونَ مِنْهُ بُدًّا مِثْلُ كِرَاءِ السُّفُنِ فِي حَمْلِ الطَّعَامِ. وَسُئِلَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: هَلْ تَجُوزُ الْمُشَارَكَةُ فِي الْمَعْلُوفَةِ أَنْ يَكُونَ الْوَرِقُ عَلَى وَاحِدٍ وَعَلَى الْآخَرِ الْخِدْمَةُ وَتَكُونُ الزَّرِيعَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى نِسْبَةِ الْحَظِّ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ؟
فَأَجَابَ: قَدْ أَجَازَ مَا ذُكِرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ،
فَمَنْ عَمِلَ بِذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ لِلضَّرُورَةِ وَتَعَذَّرَ الْوَجْهُ الْآخَرُ فَيُرْجَى أَنْ يَجُوزَ إنْ شَاءَ اللَّهُ. وَرَأَيْتُ لَهُ فُتْيَا أُخْرَى قَالَ فِيهَا: وَيَجْرِي ذَلِكَ عَلَى مُقْتَضَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي إجَارَةِ الْآخَرِ الْكُلِّيِّ الْحَاجِيِّ. وَسُئِلَ عَنْ إعْطَاءِ الْجِبَاحِ لِمَنْ يَخْدُمُهَا بِجُزْءٍ مِنْ غَلَّتِهَا قَالَ: هِيَ إجَارَةٌ مَجْهُولَةٌ
وَكَذَلِكَ فِي الْأَفْرَانِ والأرحي. وَإِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَسْتَبِيحُ الْقِيَاسَ عَلَى الْمُسَاقَاةِ وَالْقِرَاضِ. وَحُكِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ سِيرِينَ وَجَمَاعَةٍ وَعَلَيْهِ يُخَرَّجُ الْيَوْمَ عَمَلُ النَّاسِ فِي أُجْرَةِ الدَّلَّالِ لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ لِقِلَّةِ الْأَمَانَةِ وَكَثْرَةِ الْخِيَانَةِ كَمَا اعْتَذَرَ مَالِكٌ بِمِثْلِ هَذَا فِي إبَاحَةِ تَأْخِيرِ الْأُجْرَةِ فِي الْكِرَاءِ الْمَضْمُونِ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ الْأَكْرِيَاءَ رُبَّمَا لَا يُوَفُّونَ، فَعِنْدَ مَالِكٍ هَذَا ضَرُورَةُ إبَاحَةِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ فَالنَّاسُ مُضْطَرُّونَ لِهَذَا وَاَللَّهُ الْمُخَلِّصُ.
Says nothing on this mas’ala.
Says nothing on this mas’ala.
(صِحَّةُ) بِكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ الْحَاءِ، أَيْ مُوَافَقَةُ (الْإِجَارَةِ) الشَّرْعَ بِكَسْرِ الْهَمْزِ وَحُكِيَ ضَمُّهُ مِنْ الْأَجْرِ، أَيْ الْجَزَاءِ،
وَفِي فِعْلِهَا الْمَدُّ وَالْقَصْرُ، وَأَنْكَرَ الْأَصْمَعِيُّ الْمَدَّ. عِيَاضٌ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَنَقَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ،
وَلَمَّا كَانَ أَصْلُ هَذِهِ الْمَادَّةِ الثَّوَابَ عَلَى الْعَمَلِ، وَهُوَ مَنْفَعَةٌ خَصَّتْ الْإِجَارَةَ فِي إصْلَاحِ الشَّرْعِ بِالْعَقْدِ عَلَى الْمَنْفَعَةِ عَلَى قَاعِدَةِ الْعُرْفِ مِنْ تَخْصِيصِ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ جِنْسٍ بِاسْمٍ لِيَحْصُلَ التَّعَارُفُ عِنْدَ التَّخَاطُبِ، وَقَدْ عُلِمَ وَضْعُ الْفِعَالَةِ بِالْكَسْرِ لِلصَّانِعِ نَحْوِ الصِّبَاغَةِ وَالْحِيَاكَةِ وَالْخِيَاطَةِ وَالتِّجَارَةِ وَالْفَعَالَةُ بِالْفَتْحِ لِأَخْلَاقِ النُّفُوسِ، كَالسَّمَاحَةِ وَالشَّجَاعَةِ وَالْفَصَاحَةِ وَالْفُعَالَةُ بِالضَّمِّ لِمَا يُطْرَحُ مِنْ الْمُحَقَّرَاتِ نَحْوُ الْكُنَاسَةِ وَالْقُمَامَةُ وَالنُّخَالَةُ، أَفَادَهُ فِي الذَّخِيرَةِ.
وَفِي اللُّبَابِ حَقِيقَتُهَا تَمْلِيكُ مَنْفَعَةٍ مَعْلُومَةٍ بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ، وَعَرَّفَهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةِ عَلَى مَنْفَعَةِ مَا يُمْكِنُ نَقْلُهُ غَيْرَ سَفِينَةٍ وَبَهِيمَةٍ بِعِوَضٍ غَيْرِ نَاشِئٍ عَنْهَا بَعْضُهُ يَتَبَعَّضُ بِتَبْعِيضِهَا فَيَخْرُجُ كِرَاءُ الدُّورِ وَالسُّفُنِ وَالرَّوَاحِلِ وَالْقِرَاضِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْمُغَارَسَةُ وَالْجَعْلُ قَالَ وَقُلْت بَعْضُهُ يَتَبَعَّضُ خَوْفَ نَقْضِ عَكْسِهِ بِمِثْلِ قَوْله تَعَالَى {أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} ، فَإِنَّهَا إجَارَةٌ إجْمَاعًا لِقَوْلِهَا {يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ} ، وَعِوَضُهَا لَا يَتَبَعَّضُ، وَقَوْلُ الْقَاضِي هِيَ مُعَاوَضَةٌ عَلَى مَنَافِعِ الْأَعْيَانِ لَا يَخْفَى بُطْلَانُ طَرْدِهِ، وَنَحْوُهُ قَوْل عِيَاضٍ بَيْعُ مَنَافِعَ مَعْلُومَةٍ بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ مَعَ خُرُوجِ فَاسِدِهَا عَنْهُ، وَالْحَدُّ يَتَنَاوَلُ الصَّحِيحَ وَالْفَاسِدَ.
بِعَاقِدٍ، وَأَجْرٍ: كَالْبَيْعِ [منح الجليل] وَقَوْلُهَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ طَرِيقًا فِي دَارِ رَجُلٍ أَوْ مَسِيلَ صَبِّ مِرْحَاضٍ مَجَازًا لِأَنَّهُ أَخَفُّ مِنْ الِاشْتِرَاكِ، وَاعْتَرَضَهُ " غ " بِأَنَّ لَفْظَ الْبَعْضِ مُبْهَمٌ لَا يُنَاسِبُ التَّعْرِيفَ، وَبِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ دُخُولُ الْجُعْلِ فِي التَّعْرِيفِ فَيَبْطُلُ طَرْدُهُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ حُذِفَ لَفْظُ بَعْضٍ لَمْ تَخْرُجْ الْإِجَارَةُ بِالْبِضْعِ لِأَنَّ تَبْعِيضَ الْمَنْفَعَةِ فِيهَا يُوجِبُ الرُّجُوعَ فِي صَدَاقِ الْمِثْلِ، وَهُوَ يَتَبَعَّضُ بِتَبْعِيضِهَا فَتَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ يَتَبَعَّضُ إلَخْ، أَيْ حَقِيقَةً، أَوْ حُكْمًا،
وَلَوْ قَالَ يَتَبَعَّضُ بِتَبْعِيضِهَا أَوْ بِضْعًا وَحَذَفَ لَفْظَ بَعْضٍ الْمُسَلَّمُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ. الْغَرْنَاطِيُّ الْإِجَارَةُ تُطْلَقُ اصْطِلَاحًا عَلَى الْعَقْدِ عَلَى الْعَاقِدِ وَالْمَنْقُولِ إلَّا السَّفِينَةَ وَالْبَهِيمَةَ وَالْكِرَاءَ عَلَى الْعَقْدِ عَلَى مَنَافِعِ مَا لَا يُنْقَلُ وَالسَّفِينَةُ وَالْبَهِيمَةُ، هَذَا هُوَ الْأَصْلُ، وَقَدْ يُطْلَقُ أَحَدُهُمَا عَلَى مَعْنَى الْآخَرِ، فَفِيهَا إنْ اسْتَأْجَرَتْ مِنْهُ دَارًا بِثَوْبٍ إلَخْ.
وَفِي اللُّبَابِ خُصَّ تَمْلِيكُ مَنْفَعَةِ الْآدَمِيِّ بِاسْمِ الْإِجَارَةِ وَتَمْلِيكُ مَنْفَعَةِ الْمَمْلُوكَاتِ بِاسْمِ الْكِرَاءِ وَحُكْمُهَا الْجَوَازُ ابْتِدَاءً وَاللُّزُومُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ مَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ مَا يُفْسِدُهَا. ابْنُ عَرَفَةَ مُحَمَّدٌ هِيَ جَائِزَةٌ إجْمَاعًا. الصِّقِلِّيُّ خِلَافُ الْأَصَمِّ فِيهَا لَغْوٌ لِأَنَّهُ مُبْتَدِعٌ، وَفِيهَا مَعَ غَيْرِهَا عَقْدُهَا لَازِمٌ كَالْبَيْعِ. اهـ. وَقَدْ يَعْرِضُ لَهَا الْوُجُوبُ إذَا لَمْ يَجِدْ إلَّا مَنْ يَسْتَأْجِرُهُ وَوَجَبَتْ إعَانَتُهُ وَحِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهَا التَّعَاوُنُ وَدَفْعُ الْحَاجَاتِ، وَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا} ، وَخَبَرُ صِحَّةِ الْإِجَارَةِ (ب) جِنْسِ (عَاقِدٍ) فَشَمَلَ الْمُؤَجِّرَ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَالْمُسْتَأْجِرَ كَذَلِكَ (وَأَجْرُ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، أَيْ عِوَضٌ مُتَمَوَّلٌ (ك) عَاقِدٍ وَعِوَضِ (الْبَيْعِ) فِي كَوْنِ الْأَوَّلِ مُمَيَّزًا،
وَالثَّانِي ظَاهِرًا مُنْتَفِعًا بِهِ مَقْدُورًا عَلَيْهِ مَعْلُومًا غَيْرَ مَنْهِيٍّ عَنْهُ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ فِيهِ. ابْنُ شَاسٍ أَرْكَانُ الْإِجَارَةِ ثَلَاثَةٌ، الْأَوَّلُ الْعَاقِدَانِ وَلَا يَخْفَى أَمْرُهُمَا. الرُّكْنُ الثَّانِي الْأُجْرَةُ. ابْنُ الْحَاجِبِ الْعَاقِدَانِ كَالْمُتَبَايِعِينَ.
ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَالْأَجْرُ كَالثَّمَنِ يُطْلَبُ كَوْنُهُ مَعْرُوفًا قَدْرًا وَصِفَةً، وَأُورِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ مَا يَصْلُحُ ثَمَنًا يَصْلُحُ أَجْرًا، وَهَذَا مَنْقُوضٌ بِمَا يَخْرُجُ مِنْ الْأَرْضِ وَالطَّعَامِ، فَإِنَّهُمَا يَصْلُحَانِ ثَمَنًا وَلَا يَصْلُحَانِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل] أَجْرًا لَهَا، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ كُلُّ مَا يَصْلُحُ لِلثَّمَنِيَّةِ مِنْ حَيْثُ هُوَ يَصْلُحُ أَجْرًا كَذَلِكَ، وَهُنَا عَدَمُ الصَّلَاحِيَّةِ لِمَانِعٍ عَارِضٍ، وَهُوَ النَّهْيُ كَالْبَيْعِ وَقْتَ الْجُمُعَةِ، وَقَدْ يُقَالُ لَا إيرَادَ، إذْ مِمَّا أَفَادَهُ التَّشْبِيهُ عَدَمَ النَّهْيِ، وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَبِالطَّعَامِ فَانْتَفَى الشَّرْطُ الَّذِي هُوَ عَدَمُ النَّهْيِ، وَأَنَّهُ يَقْتَضِي فَسَادَ إجَارَةِ الْخَيَّاطِ وَالْحَجَّامِ وَكِرَاءِ الْحَمَّامِ إذَا لَمْ تُعَيَّنْ الْأُجْرَةُ ابْتِدَاءً، وَهُوَ خِلَافُ مَا فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَالِكًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مِنْ صِحَّتِهِمَا إذَا كَانَ مُخَالِطًا وَأَرْضَاهُ بَعْدَ عَمَلِهِ كَمَا جَرَى بِهِ الْعَمَلُ.
وَأُجِيبَ بِنُدُورِ هَذَا، وَالْكَلَامُ بِالنَّظَرِ لِلْغَالِبِ. وَنَصُّ السَّمَاعِ سُئِلَ الْإِمَام مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ الْخَيَّاطِ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُ الْخُلْطَةُ وَلَا يَكَادُ يُخَالِفُنِي أَسْتَخِيطُهُ الثَّوْبَ،
فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ وَجَاءَ بِهِ أَرْضَيْته بِشَيْءٍ أَدْفَعُهُ إلَيْهِ، فَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا بَأْسَ بِذَلِكَ. ابْنُ رُشْدٍ هَذَا كَمَا قَالَ لِأَنَّ النَّاسَ اسْتَجَازُوهُ وَمَضَوْا عَلَيْهِ، وَهُوَ نَحْوُ مَا يُعْطَى الْحَجَّامُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُشَارِطَهُ عَلَى أُجْرَةِ عَمَلِهِ قَبْلَهُ وَمَا يُعْطَى فِي الْحَمَّامِ وَالْمَنْعِ مِنْ هَذَا، وَشِبْهُهُ تَضْيِيقٌ عَلَى النَّاسِ، وَحَرَجٌ فِي الدِّينِ وَغُلُوٌّ فِيهِ، وَاَللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ
قَالَ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} وَقَالَ {لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} ، وَدَلِيلُهُ مِنْ السُّنَّةِ مَا ثَبَتَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَجَمَهُ أَبُو طِيبَةَ فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ خَرَاجَهُ» ، وَأَجَازَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنْ يُؤَاجَرَ الْخَيَّاطُ عَلَى خِيَاطَةِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ هُوَ وَأَهْلُهُ مِنْ الثِّيَابِ فِي السُّنَّةِ وَالْقُرْآنِ عَلَى خَبْزِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْخُبْزِ سَنَةً أَوْ شَهْرًا إذَا عَرَفَ عِيَالَ الرَّجُلِ وَمَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ.
ابْنُ يُونُسَ وَهَذَا مَعْرُوفٌ لِأَنَّ الْأَكْلَ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَمِقْدَارُ أَكْلِ النَّاسِ مَعْرُوفٌ، وَالثِّيَابُ قَرِيبٌ مِنْهُ، وَكَرِهَ اللَّخْمِيُّ اسْتِعْمَالَ الصَّانِعِ حَتَّى يُقَاطِعَ بِشَيْءٍ مُسَمًّى، وَكَرِهَهُ ابْنُ حَبِيبٍ أَيْضًا، قَالَ وَلَا يَبْلُغُ التَّحْرِيمَ وَالْأَمْرُ فِيهِ وَاسِعٌ. (فُرُوعٌ) الْأَوَّلُ: فِي الذَّخِيرَةِ ابْنُ يُونُسَ إذَا قُلْت خَطَّهُ بِدِرْهَمٍ،
وَقَالَ بِدِرْهَمَيْنِ فَخَاطَهُ فَلَيْسَ لَهُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل] إلَّا دِرْهَمٌ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ لِأَنَّك أَعْلَمْته بِمَا تَرْضَى بِهِ،
وَكَذَلِكَ قَوْلُ سَاكِنِ الدَّارِ. وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ مَنْ دَفَعَ ثَوْبًا لِخَيَّاطِ فَقَالَ لَا أَخِيطُهُ إلَّا بِدِرْهَمَيْنِ،
وَقَالَ رَبُّهُ لَا أَخِيطُهُ إلَّا بِدِرْهَمٍ، وَجَعَلَهُ عِنْدَهُ فَخَاطَهُ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا دِرْهَمٌ،
وَمَنْ سَكَنَ مَنْزِلًا فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ بِدِينَارَيْنِ فِي السَّنَةِ،
وَقَالَ السَّاكِنُ لَا أُعْطِي إلَّا دِينَارًا وَإِلَّا فَاخْرُجْ إنْ لَمْ تَرْضَ فَسَكَتَ وَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ حَتَّى تَمَّتْ السَّنَةُ قَالَ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا دِينَارٌ. ابْنُ رُشْدٍ مَسْأَلَةُ الْخَيَّاطِ لَا تُشْبِهُ كِرَاءَ الْمَنْزِلِ لِأَنَّ رَبَّ الثَّوْبِ لَمْ يَتَوَلَّ اسْتِيفَاءَ الْمَنْفَعَةِ بِنَفْسِهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ تَقَدُّمِ قَوْلِهِ وَقَوْلِ مُصَاحِبِ الثَّوْبِ وَالسَّاكِنُ اسْتَوْفَى الْمَنْفَعَةَ بِنَفْسِهِ مَعَ عِلْمِ رَبِّ الْمَنْزِلِ بِهِ فَفَرَّقُوا بَيْنَ تَقَدُّمِ قَوْلِهِ عَلَى قَوْلِ رَبِّهِ وَتَأَخُّرِهِ عَنْهُ.
الثَّانِي: سُئِلَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ عَنْ حَارِسِ الزَّرْعِ وَالزَّيْتُونِ لَيْلًا وَنَهَارًا بِالضَّمَانِ أَوْ بِغَيْرِهِ عَلَى أَنَّ كُلَّ قَفِيزٍ عَلَيْهِ مُدَّانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ، فَهَلْ يَصِحُّ؟ وَهَلْ يَلْزَمُهُمْ تَفْرِيغُ الشِّبَاكِ وَالْأَحْمَالِ؟ فَأَجَابَ
أَمَّا اسْتِئْجَارُهُمْ لِكُلِّ قَفِيزٍ مُدَّانِ فَجَائِزٌ وَسَوَاءٌ قَلَّتْ الْأَقْفِزَةُ أَوْ كَثُرَتْ لِاغْتِفَارِ جَهْلِ الْجُمْلَةِ إذَا عُلِمَ التَّفْصِيلُ عَلَى الْمَذْهَبِ،
فَإِنْ شَرَطُوا تَفْرِيغَ الشِّبَاكِ وَتَنْزِيلَ الْأَحْمَالِ فَيَلْزَمُ، وَإِلَّا فَلَا، وَشَرْطُ الضَّمَانِ عَلَيْهِمْ لَا يَلْزَمُ وَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ مِمَّنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
الثَّالِثُ: سُئِلَ أَيْضًا عَنْ حِرَاسَتِهِمْ الْأَنْدَرَ كُلَّهُ بِأَقْفِزَةٍ مَعْلُومَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ أَلْفٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ مِائَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ أَكْثَرُ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ أَقَلُّ، هَلْ هُوَ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ أَوْ عَلَى قَدْرِ مَا لِكُلٍّ؟ فَأَجَابَ إنْ كَانَ اسْتِئْجَارُهُمْ قَبْلَ حُصُولِهِ فِي الْأَنْدَرِ وَرُؤْيَتِهِ فَلَا يَجُوزُ،
وَإِنْ كَانَ بَعْدَ حُصُولِهِ وَرُؤْيَتِهِ فَيَجُوزُ وَنُقِضَ عَلَى قَدْرِ مَا لِكُلٍّ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ عَلَى الرُّءُوسِ وَالْأَوَّلُ أَحَبُّ إلَيَّ.
الرَّابِعُ: فِيهَا لَوْ سَكَنَ أَجْنَبِيٌّ طَائِفَةً مِنْ دَارِك وَقَدْ عَلِمْت بِهِ وَلَمْ تُخْرِجْهُ فَيَلْزَمُهُ كِرَاءُ مَا سَكَنَ. أَبُو الْحَسَنِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهَا الْمُعَاوَضَةُ لَا الْإِرْفَاقُ، وَلَا يَمِينَ عَلَيْك إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْك أَنَّك أَرْفَقْته فَتَجْرِي عَلَى الْخِلَافِ فِي دَعْوَى الْمَعْرُوفِ.
الْخَامِسُ: فِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ إذَا خَرَجَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ فِي دَيْنٍ لِاقْتِضَائِهِ دُونَ إذْنِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل] صَاحِبِهِ فَاقْتَضَاهُ كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ وَطَلَبَ الْأُجْرَةَ مِنْ صَاحِبِهِ وَجَبَتْ لَهُ بَعْدَ حَلِفِهِ مَا خَرَجَ لِذَلِكَ مُتَطَوِّعًا إلَّا أَنْ تَشْهَدَ الْعَادَةُ أَنَّ مِثْلَهُ لَا يَأْخُذُ أُجْرَةً عَلَى ذَلِكَ.
السَّادِسُ: سُئِلَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّنْ رُهِنَتْ عِنْدَهُ دَارٌ وَاقْتَضَى غَلَّتَهَا ثُمَّ طَلَبَ أُجْرَةَ اقْتِضَائِهِ إيَّاهَا فَقَالَ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ فَالرَّجُلُ الَّذِي يُشْبِهُ أَنْ يَعْمَلَ بِأُجْرَةٍ
وَمِثْلُهُ يُؤَجِّرُ نَفْسَهُ فِي مِثْلِهِ فَأَرَى ذَلِكَ لَهُ،
وَأَمَّا مَنْ مِثْلُهُ بِعَيْنٍ فَلَا أَرَى ذَلِكَ لَهُ. ابْنُ رُشْدٍ بَعْدَ يَمِينِهِ مَا قَامَ بِهِ احْتِسَابًا، وَإِنَّا فَعَلَ ذَلِكَ لِيَقُومَ بِأُجْرَتِهِ.
السَّابِعُ: فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ إذَا عَجَزَ رَبُّ الدَّابَّةِ عَنْ عَلَفِهَا وَتَرَكَهَا فِي الصَّحْرَاءِ فَعَلَفهَا غَيْرُهُ ثُمَّ وَجَدَهَا قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - رَبُّهَا أَحَقُّ بِهَا لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ عَلَى تَرْكِهَا بِالْإِضْرَارِ بِهِ، وَيَدْفَعُ مَا أُنْفِقَ عَلَيْهَا،
وَقِيلَ هِيَ لِعَالِفِهَا لِإِعْرَاضِ رَبِّهَا عَنْهَا وَلَا شَيْءَ لَهُ فِي قِيَامِهِ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ قَامَ عَلَيْهَا لِنَفْسِهِ.
الثَّامِنُ: عُلِمَ مِنْ تَشْبِيهِ عَاقِدِهَا بِعَاقِدِ الْبَيْعِ أَنَّ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ إذَا أَجَرَ نَفْسَهُ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ صَحَّ وَتَوَقَّفَ لُزُومُهُ عَلَى إجَازَةِ وَلِيِّهِ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ لَيْسَ لِذِي الْأَبِ أَوْ الْوَصِيِّ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ بِدُونِ إذْنِ وَلِيِّهِ،
فَإِنْ فَعَلَ نَظَرَ فِيهِ وَلِيُّهُ فَيُمْضِيهِ أَوْ يَرُدُّهُ مَا لَمْ يَعْمَلْ،
فَإِنْ كَانَ عَمِلَ فَلَهُ الْأَكْثَرُ مِنْ الْمُسَمَّى وَأُجْرَةُ مِثْلِهِ،
فَإِنْ أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ عَمَلِهِ فَلَهُ أَرْشُ النَّقْصِ،
وَإِنْ هَلَكَ فَلَهُ الدِّيَةُ وَلَهُ الْأُجْرَةُ إلَى يَوْمِ الْإِصَابَةِ، وَلَيْسَ لَهُ فِيمَا أَصَابَهُ مِنْ غَيْرِ الْعَمَلِ شَيْءٌ.
التَّاسِعُ: إنْ أَجَرَ الرَّجُلُ ابْنَهُ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ
وَمِثْلُهُ لَا يُؤَجَّرُ فُسِخَتْ الْإِجَارَةُ وَيُنْفِقُ الْأَبُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ غَنِيًّا وَلَا مَالَ لِلْوَلَدِ،
فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ أَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْهُ، وَلَهُ أَنْ يُؤَاجِرَهُ فِيمَا لَا مَعَرَّةَ فِيهِ عَلَى الِابْنِ إنْ كَانَ الْأَبُ فَقِيرًا أَوْ مُقِلًّا أَوْ أَرَادَ تَعْلِيمَهُ فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ لَهُ ذَلِكَ، وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ أُجْرَتِهِ،
فَإِنْ فَضَلَ مِنْهَا شَيْءٌ حَبَسَهُ لَهُ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مَا فَضَلَ مِنْ عَمَلِ الصَّبِيِّ وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا خَوْفًا مِنْ أَنْ لَا يَتَمَكَّنَ الصَّبِيُّ مِنْ الْعَمَلِ فِي وَعُجِّلَ، إنْ عُيِّنَ أَوْ بِشَرْطٍ، أَوْ عَادَةٍ، [منح الجليل] الْمُسْتَقْبَلِ أَوْ لِمَرَضٍ فَلَا يَجِدُ مَا يَأْكُلُ.
وَقَالَ ابْنُ لُبَابَةَ لَا بَأْسَ أَنْ يَأْكُلَ بِالْمَعْرُوفِ.
الْعَاشِرُ: الْمُتَيْطِيُّ وَابْنُ فَتُّوحٍ يَجُوزُ عَقْدُ الْحَاضِنَةِ عَلَى مَحْضُونِهَا
إمَّا كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا، وَلَا يُفْسَخُ إلَّا أَنْ يُزَادَ فِي أُجْرَةِ الصَّبِيِّ فَتُقْبَلُ الزِّيَادَةُ وَيُفْسَخُ عَقْدُ الْأُمِّ وَيُنْظَرُ لَهُ أَحْسَنُ الْمَوَاضِعِ وَلَوْ بِأَقَلَّ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ، وَلَا تُقْبَلُ الزِّيَادَةُ فِي عَقْدِ الْوَصِيِّ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ أَنَّهُ غَبْنٌ عَلَى الْيَتِيمُ.
الْحَادِيَ عَشَرَ: لَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الْعَزَبِ امْرَأَةً لِخِدْمَتِهِ فِي بَيْتِهِ وَلَوْ كَانَ مَأْمُونًا،
فَإِنْ كَانَ لَهُ أَهْلٌ جَازَ إنْ كَانَ مَأْمُونًا وَكَانَتْ الْمَرْأَةُ مُتَجَالَّةً لَا إرْبَ لِلرِّجَالِ فِيهَا، أَوْ كَانَتْ شَابَّةً وَمُسْتَأْجِرُهَا شَيْخٌ كَبِيرٌ.
الثَّانِيَ عَشَرَ: سُئِلَ الْإِمَام مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ الْمَرْأَةِ الْعَزَبَةِ الْكَبِيرَةِ تَلْجَأُ إلَى الرَّجُلِ فَيَقُومُ لَهَا بِحَوَائِجِهَا وَيُنَاوِلُهَا الْحَاجَةَ هَلْ تَرَى لَهُ ذَلِكَ حَسَنًا، قَالَ لَا بَأْسَ بِهِ، وَلْيَدْخُلْ مَعَهُ غَيْرُهُ أَحَبُّ إلَيَّ،
وَلَوْ تَرَكَهَا النَّاسُ لَضَاعَتْ. ابْنُ رُشْدٍ هَذَا عَلَى مَا قَالَ إذَا غَضَّ بَصَرَهُ عَمَّا لَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهِ مِمَّا يَظْهَرُ مِنْ زِينَتِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} وَذَلِكَ الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ عَلَى مَا قَالَهُ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فَجَائِزٌ لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْظُرَ إلَى ذَلِكَ مِنْ الْمَرْأَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ،
فَإِنْ اُضْطُرَّ إلَى الدُّخُولِ عَلَيْهَا أَدْخَلَ غَيْرَهُ مَعَهُ لِيُبْعِدَ سُوءَ الظَّنِّ عَنْ نَفْسِهِ. فَقَدْ وَرَدَ «أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّا عَلَيْهِ لَيْلًا وَمَعَهُ صَفِيَّةُ زَوْجَتُهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - فَسَلَّمَا عَلَيْهِ وَانْطَلَقَا فَقَالَ لَهُمَا عَلَى رِسْلِكُمَا إنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ فَقَالَا سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيت أَنْ يُلْقِيَ فِي قُلُوبِكُمَا فَتَهْلِكَا» .
والمستأجر وقد أشار لهما بقوله: صحة الإجارة بعاقد، وهو المؤجر والمستأجر؛ والعوض وإليه أشار بقوله: وأجرة وسكت عن الصيغة لوضوحها، وقوله: كالبيع؛ يعني به أن العاقدين للإجارة كالعاقدين للبيع والأجر الذي تباع به المنفعة كالمبيع المتقدم ذكره في قوله: وشرط للمعقود عليه طهارة لخ، ومعنى كلام المص أن شرط صحة الإجارة أن تصدر من مميزين؛ لأن المتعاقدين في البيع يشترط فيهما التمييز،
ويشترط في الأجر أي العوض المأخوذ في مقابلة المنفعة ما يشترط في المعقود عليه في البيع، ويأتي للمص ما يفيد أنه يشترط في لزومها أن يكون العاقدان مكلفين رشيدين، فقوله: بعاقد، يشمل المستأجِر والمستأجَر، وقوله: وأجرت هو المعقود عليه. وقوله: كالبيع، إشارة إلى أن المتعاقدين هنا كالمتعاقدين في البيع المشار إليهما بقوله: "وشرط عاقده تمييز إلا بسكر فتردد" ، والصيغة هنا كالصيغة في البيع وهي ما دل على الرضا وإن بمعاطاة، وقوله: كالبيع، أشار به أيضا إلى أنه يشترط في الأجر المعقود عليه طهارة وانتفاع وقدرة عليه، إلى غير ذلكَ من الشروط المتقدمة في البيع،
وأشار به أيضا إلى أن الصبي المميز إذا آجر نفسه بغير إذن وليه صح ووقف على رضى وليه، وهو نص المدونة، والعبد كالصبي،
وأما السفيه فإن عقد على نفسه فلا كلام لوليه إلا إن كان في الأجر محاباة؛
وإن عقد على سلعة فهو صحيح متوقف على إجازة وليه، واستفيد من كلام المص هنا من يصح منه عقد الإجارة
وأما من يلزمه عقد الإجارة، فهو مستفاد من قوله في آخر الباب وبرشد صغير عقد عليه. قاله الشبراخيتي.
وقال عبد الباقي: قال أحمد: عبر بالصحة دون اللزوم لأن اللزوم هنا ليس كاللزوم في البيع؛ إذ السفيه له أن يؤاجر نفسه ولا كلام لوليه إلا إن كان في الأجر محاباة كما هو مقتضى كلام ابن رشد،
بخلاف البيع إذ لوليه النظر فيه مطلقا كما تقدم، وعلم من التشبيه أيضا كما في الحطاب أن الصبي المميز إذا آجر نفسه بغير إذن وليه صح ووقف على رضاه، ونحوه في المدونة،
ومثله العبد، قال في المتيطية: فإن عملا فلهما الأكثر من المسمى وأجرة المثل،
فإن أصابهما شيء من سبب العمل فلهما قيمة ما نقصهما أو ديتهما إن هلكا، ولهما الأجرة إلى يوم أصابهما ذلك، وليس لهما فيما أصابهما من غير سبب العمل شيء. اهـ. وقوله: فلهما قيمة ما نقصهما، إنما تعتبر القيمة في الحر فيما فيه حكومة،
وأما ما فيه الدية فالواجب فيه الدية،
وأما لو أوجر بإذن السيد أو الولي لجاز ولزم. الباجي: وتدفع لهما أجرتهما ما لم يكن شيئا له بال. اهـ. واستفيد من المص أنه لو علم المعقود عليه تفصيلا وجهل جملة لجاز عقد الإجارة، كأستاجرك على حراسة الأندر كل إردب مثلا بقدح؛ لأنه معلوم التفصيل وإن جهلت الجملة كما في البيع. تنبيهات: الأول: بحث في قول المص: بعاقد وأجر كالبيع، بما لابن القاسم في العتبية في الخياط الذي لا يكاد يخالف مستخيطه وهو مخالط لمؤجره يخيطه الثوب فإذا فرغ أرضاه فإنه جائز مع كون الأجر غير معلوم، وأجاب في التوضيح بندورها على أن ابن حبيب خالف فيها.
قاله بناني. الثاني: قال الحطاب: وسئل يعني ابن القاسم في العتبية عن الخياط الذي بيني وبينه الخلطة ولا يكاد يخالفني أستخيطه الثوب فإذا فرغ منه وجاء به أراضيه على شيء أدفعه إليه؟ قال: لا بأس بذلك. قال ابن رشد: وهذا كما قال لأن الناس استجازوه ومضوا عليه، وهو نحو ما يعطى الحجم من غير أن يشارط على عمله قبل أن يعمله، وما يعطى في الحمام، والمنع من هذا وشبهه تضييق على الناس وحرج في الدين وغلو فيه.
قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} ،
وقال تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} ويدل على جوازه من السنة ما ثبت (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حجمه أبو طيبة فأمر له بصاع من تمر وأمر أهله أن يخففوا من خراجه (١) ). وكره النخعي أن يستعمل حتى يقاطع بشيء مسمى؛ وكره ذلك ابن حبيب أيضا، قال: ولا يبلغ التحريم والأمر في ذلك واسع. اهـ. ونقله ابن عرفة.
الثالث: قال الإمام الحطاب: قال في الذخيرة عن ابن يونس: إذا
قلت: خطه بدرهم، وقال: بدرهمين، فخاطه فليس له إلا درهم. قاله ابن القاسم.
وكذلك قول ساكن الدار. اه. معنى هذا الكلام أنه تأخر قول الساكن،
وإذا تقدم قول الساكن فقال: اسكنها بدرهم، ثم قال رب الدار: بدرهمين،
فإن القول قول رب الدار لا قول الساكن. قاله مقيده عفا الله عنه. بدليل قوله وفي النوادر قال مالك من رواية ابن المواز: من دفع ثوبا لخياط فقال: لا أخيطه إلا بدرهمين؛
وقال ربه: لا تخيطه إلا بدرهم، وجعله عنده فخاطه فليس له إلا درهم،
وقال: ومن سكن منزلا فقال له ربه: بدينارين في السنة،
وقال الساكن: لا أعطي إلا دينارا وإلا خرجت إن لم ترض: فسكن ولم يجبه بشيء حتى تمت السنة، قال: لا يلزمه إلا دينار. انتهى. ومسألة الخياط لا تشبه كراء المنزل، لأن رب الثوب لم يتول استيفاء المنفعة بنفسه، فلذلك لم يفرقوا فيها بين تقدم قول الخياط وقول صاحب الثوب،
بخلاف المنزل فإن المستأجر تولى استيفاء المنفعة بنفسه مع علم رب المنزل بذلك، ففرقوا فيما بين تقدم قول الساكن وتأخر قوله عن قول صاحب المنزل. قاله ابن رشد في نوازل سحنون من جامع البيوع؛ وذكر فيه أيضا أن حكم ما ابتاعه المشتري من السلع بحضرة ربه حكم ما ذكر من استيفاء المستأجر للمنفعة مع علم رب المنزل أنه يلزم من قوليهما الآخر. انتهى. الرابع: قال الإمام الحطاب: علم من تشبيه الأجرة بالثمن أنه يشترط فيها أن تكون معلومة الجملة والتفصيل أو التفصيل دون الجملة؛
لأن المذهب جواز هذا في البيع،
وقيل: لا يجوز، وقيل: بالكراهة. ونقل القول بالنع خارج المذهب في التوضيح، ونقله ابن عرفة عن أبي مسلمة وسحنون، فعلى هذا لا تمنع حراسة الأندر كل إردب مثلا بقدح؛ لأنه معلوم التفصيل مجهول الجملة ما لم يقترن بذلك ما يفسده من أعمال مجهولة. الخامس: لو سكن أجنبي طائفة من دارك وقد علمت به فلم تخرجه لزمه كراء ما سكن. أبو الحسن: لاحتمال تركه الإرفاق وكونه علي جهة الإجارة، فلما احتمل الوجهان كان الأصل أن الأملاك على ملك مالكها، ولا يمين عليه إلا أن يدعي عليه بالنص أنه أرفقه فيختلف في يمينه على الخلاف في دعوى المعروف.
اهـ. وفي نوازل ابن الحاج: إذا خرج أحد الشريكين في دين لاقتضائه دون إذن صاحبه فاقتضاه أو بعضه وطلب الأجرة من صاحبه وجبت له بعد حلفه أنه ما خرج لذلك متطوعا.
قلت: إلا أن تشهد العادة أن مثله لا يأخذ أجرة فيما ولي، أصله مسألة كتاب العارية وكراء الدور إذا سكن طائفة من داره بغير إذنه اهـ. نقله الحطاب. السادس: قال الحطاب: وسئل مالك عن رجل يرهن الدار من رجل يضعها على يديه ويقتضي غلتها ويقوم في ذلك ثم يطلب أن يعطى في ذلك أجرا فيما قام به؛ قال: من الناس من يكون له ذلك ومنهم من لا يكون له ذلك،
فأما الرجل الذي مثله يشبه أن يعمل بأجر
ومثله من يؤاجر نفسه في مثله فإن طلبه فأرى ذلك له،
وأما من ليس كذلك فلا أرى له ذلك. ابن رشد: هذا نحو ما في رسم جاع من كتاب الجعل من سماع عيسى أنه يكون له إجارة مثله إن كان يشبه أن يكون مثله يعمل بالإجارة؛ وإنما له ذلك بعد يمينه ما قام في ذلك وعنى فيه احتسابا، وإنما فعل ذلك ليرجع بحقه فيه. اهـ.
وفي الذخيرة: وإذا تهدمت دار فتقوم عليها فلك الأجرة إن كان مثلك يعمل ذلك بأجرة بعد أن تحلف ما تبرعت.
السابع: قال في المتيطية: وإذا آجر الرجل ابنه من نفسه أو من غيره
ومثله لا يؤاجر فسخت الإجارة وأنفق الأب عليه إن كان غنيا والابن عديما لا مال له،
فإن كان له مال أنفق عليه منه، وله أن يؤاجره فيما لا معغ فيه على الابن إن كان الأب فقيرا أو مقلا أو يريد تعليم الابن فيجوز ذلك حينئذ: وينفق من أجرته،
فإن فضل شيء حبسه عليه، وليس له أن يأكل مما فضل من عمل الصبي وإن كان فقيرا خوفا من أن لا يتمكن الصبي من العمل فيما يستقبل أو يمرض فلا يجد ما يأكل؛
وقال ابن لبابة: لا بأس أن يأكل بالمعروف. اهـ. نقله الحطاب.
الثامن: قال ابن عرفة: قال المتيطي وابن فتوح: ويجوز عقد الحاضنة
أما كانت أو غيرها ولا ينفسخ إلا أن يزاد الصبي في أجرته فيقبل الزيادة، ويفسخ عقد الأم وينظر له أحسن المواضع ولو كان بأقل من موضع آخر، ولا تقبل الزيادة في عقد الوصي إلا أن يثبت أن فيه غبنا على اليتيم. اهـ.
التاسع: قال في المتيطية: ولا يجوز استئجار العزب المرأة لتخدمه في بيته مأمونا كان أو غيره،
فإن كان له أهل جاز إن كان مأمونا،
وإن كانت المرأة متجالة لا أرب للرجال فيها أو كانت شابة ومستأجرها شيخ كبير فإن ذلك جائز، ونحوه في اللخمي، ونقله ابن عرفة،
وفي الجعل منها: وكره للأعزب أن يؤاجر حرة ليس بينه وبينها محرم أو أمة لخدمته يخلو معها ويعادلها في الأحمال. اهـ. أبو الحسن الكبير: انظر هل الكراهة على بابها أو على المنع؟ لأن فيه خلوة، وعلى هذا حملها اللخمي وقال: لم يجز،
وكذلك نقله المتيطي وابن فتحون،
وفي رسم لم يدرك من سماع عيسى من النكاح: وسئل عن المرأة العزبة الكبيرة تلجأ إلى الرجل فيقوم لها بحوائجها ويناولها الحاجة هل ترى لها ذلك حسنا؟ قال: لا بأس به وليدخل معه غيره أحب إلي،
ولو تركها الناس لضاعت. ابن رنتد: وهذا على ما قال أنه جائز للرجل أن يقوم للمرأة الأجنبية في حوائجها ويناولها الحاجة إذا غض بصره عما لا يحل له النظر إليه مما لا يظهر من زينتها لقوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} . وذلك الوجه والكفان على ما قاله أهل التأويل، فجائز للرجل أن ينظر إلى ذلك من المرأة عند الحاجة والضرورة،
فإن اضطر إلى الدخول عليها أدخل غيره معه ليُبعد سوء الظن عن نفسه؛ فقد روي (أن رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لقيا النبي صلى الله عليه وسلم ومعه صفية زوجته فقال لهما: (إنها صفية، فقالا: سبحان الله يا رسول الله، فقال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما فتهلكا (١) ). اهـ. قاله الحطاب. العاشر: قال المواق: الركن الثالث الأجر وهو كالثمن يطلب كونه معروفا قدرا وصفة، قال أبو عمر: وذهب أهل الظاهر وطائفة من السلف إلى جواز المجهولات في الإجارات من البدل؛
وأجازوا أن يعطي حماره لمن يسقي عليه أو يعمل بنصف ما يرزق بسعيه على ظهره، ويعطي الحمام لمن ينظر فيه بجزء منه مما يحصل منه كل يوم قياسا على القراض والمساقاة، قالوا: وأباح الله إجارة المرضع وما يأخذه الصبي من لبنها مع اختلاف أحوال الصبيان في الرضاع واختلاف ألبان النساء وورد القرآن بجوازه. اه.
وقال عبد الباقي: ولما كانت قاعدة ابن القاسم أن الثمن في البيع على الحلول، والأجرة في الإجارة على التأجيل، ذكر ما خرج عن قاعدته في الأجرة وأنه يجب تعجيلها في مسائل: وعجل إن عين يعني أنه يجب تعجيل الأجر إذا كان معينا، كأستاجرك على كذا بهذا الثوب فإنه يجب تعجيله خوف بيع معين يتأخَّر قبضه، وقد علمت أن الأصل في الأجر التأخير لكون المنفعة لا تحصل حين العقد، وقوله: إن عين، ليس مستغنى عنه بقوله: أو بشرط أو عادة، يشي أنلأ إذا اشترط تعجيل الأجرة أو جرت العادة بالتعجيل فإنه يجب تعجيلها حيث كانت الأجرة غير معينة.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.