فإن فات ففيه إن لم يعد
Its commentaries
(فَإِنْ) (فَاتَ) الذِّكْرُ الْقَبْلِيُّ بِأَنْ نَسِيَ حَتَّى دَخَلَ (فَفِيهِ) أَيْ فَإِنَّهُ يَذْكُرُهُ نَدْبًا فِي الْمَحَلِّ نَفْسِهِ (إنْ لَمْ يُعَدَّ) لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ بِأَنْ كَانَ فِي الْفَضَاءِ مَا لَمْ يَجْلِسْ لِقَضَائِهَا
وَقِيلَ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْحَدَثِ وَإِلَّا فَلَا ذِكْرَ وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ أُعِدَّ كَالْمِرْحَاضِ لَمْ يُنْدَبْ فِيهِ وَهُوَ صَادِقٌ بِالْجَوَازِ وَلَيْسَ بِمُرَادٍ بَلْ الْمُرَادُ الْمَنْحُ أَيْ الْكَرَاهَةُ تَعْظِيمًا لِذِكْرِ اللَّهِ وَهَذَا إذَا دَخَلَ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ
وَكَذَا بِرِجْلٍ وَاحِدَةٍ وَإِنْ لَمْ يَعْتَمِدْ عَلَيْهَا فِيمَا ظَهَرَ لَهُمْ
(قَوْلُهُ: حَتَّى دَخَلَ) أَيْ لِمَحَلِّ قَضَاءِ الْحَاجَةِ
(قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَجْلِسْ لِقَضَائِهَا)
أَيْ وَيَنْكَشِفُ وَهَذَا رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: فَإِنْ فَاتَ فَفِيهِ إنْ لَمْ يُعَدَّ
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَلَا ذِكْرَ) أَيْ وَإِلَّا بِأَنْ جَلَسَ مُنْكَشِفًا عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَوْ خَرَجَ مِنْهُ الْحَدَثُ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي فَلَا ذِكْرَ
(قَوْلُهُ: لَمْ يُنْدَبْ فِيهِ) أَيْ لَمْ يُنْدَبْ ذِكْرُهُ فِيهِ إذَا نَسِيَ الذِّكْرَ حَتَّى دَخَلَ لِمَحَلِّ قَضَاءِ الْحَاجَةِ
ص (فَإِنْ فَاتَ فَفِيهِ إنْ لَمْ يَعُدْ) ش: إنَّمَا قَدَّمَ الشَّيْخُ قَوْلَهُ: بَعْدَهُ، عَلَى قَوْلِهِ: قَبْلَهُ لِيُرَتَّبَ عَلَيْهِ هَذَا الْفَرْعَ وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ يَقُولُ: الذِّكْرُ الْمُتَقَدِّمُ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَى مَحِلِّ الْحَدَثِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَوْضِعُ مُعَدًّا لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ أَمْ لَا فَإِنْ فَاتَهُ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَى الْمَحِلِّ قَالَهُ بَعْدَ وُصُولِهِ إلَى الْمَحِلِّ إنْ لَمْ يَكُنْ مُعَدًّا لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَهَذَا نَحْوُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الذَّخِيرَةِ وَمَا سَيَأْتِي عَنْ الْجَوَاهِرِ.
(تَنْبِيهٌ) قَيَّدَ ابْنُ هَارُونَ ذَلِكَ بِمَا قَبْلَ جُلُوسِهِ لِلْحَدَثِ
قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالذِّكْرُ قَبْلَ مَوْضِعِهِ وَفِيهِ إنْ كَانَ غَيْرَ مُعَدٍّ قَوْلُهُ وَفِيهِ إنْ كَانَ غَيْرَ مُعَدٍّ يَعْنِي قَبْلَ جُلُوسِهِ لِلْحَدَثِ
وَأَمَّا فِي حَالِ الْجُلُوسِ فَلَا؛ لِأَنَّ الصَّمْتَ حِينَئِذٍ مَشْرُوعٌ فِي حَقِّهِ وَلِذَلِكَ لَا يَرُدُّ عَلَى مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمَوْضِعُ مُعَدًّا لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ فَلَا يَقُولُ الذِّكْرَ فِيهِ وَيَفُوتُ بِالدُّخُولِ وَانْظُرْ هَلْ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ أَوْ مَمْنُوعٌ،
وَكَذَا قَوْلُهُ فِيمَا يَأْتِي وَبِكَنِيفٍ نَحَّى ذِكْرَ اللَّهِ هَلْ هُوَ عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ أَوْ الْكَرَاهَةِ،
فَإِنَّ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ وَاحِدٌ وَالنُّقُولُ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفَةٌ وَظَاهِرُ كَلَامِ التَّوْضِيحِ الْمَنْعُ فَإِنَّهُ
قَالَ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَفِي جَوَازِهِ فِي الْمُعَدِّ قَوْلَانِ كَالِاسْتِنْجَاءِ بِخَاتَمٍ فِيهِ ذِكْرٌ شَبَّهَ الْخَلَاءَ بِمَسْأَلَةِ الْخَاتَمِ وَالْمَعْرُوفُ فِي الْخَاتَمِ الْمَنْعُ وَالرِّوَايَةُ بِالْجَوَازِ مُنْكَرَةٌ، ثُمَّ الْمَنْعُ فِي الْخَاتَمِ قَوِيٌّ مِنْ الذِّكْرِ لِمُمَاسَّةِ النَّجَاسَةِ لَهُ وَنَحْوُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فَإِنَّهُ قَالَ: الْمَنْعُ الْمُشَبَّهُ بِهِ أَقْوَى مِنْهُ فِي الْمُشَبَّهِ لِمُمَاسَّةِ النَّجَاسَةِ فِي الْمُشَبَّهِ بِهِ وَهِيَ غَيْرُ حَاصِلَةٍ فِي الْمُشَبَّهِ، وَأُخِذَ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ الْمَنْعُ فِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْخَاتَمِ مِنْ أَوَّلِ كِتَابِ التِّجَارَةِ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ فِي مَنْعِ مُبَايَعَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ الْمَنْقُوشَةِ عَلَيْهَا أَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِيهَا أَيْضًا قَوْلٌ بِالْجَوَازِ، انْتَهَى.
وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْجَوَاهِرِ فَقَالَ: وَيُقَدَّمُ الذِّكْرُ قَبْلَ الْوُصُولِ إلَى مَوْضِعِ الْحَدَثِ
وَيَجُوزُ لَهُ أَيْضًا بَعْدَ وُصُولِهِ إنْ كَانَ مَوْضِعًا غَيْرَ مُعْتَادٍ لِلْحَدَثِ،
وَإِنْ كَانَ مُعْتَادًا لَهُ فَقَوْلَانِ فِي جَوَازِهِ وَمَنْعِهِ وَهُمَا جَارِيَانِ أَيْضًا فِي جَوَازِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْخَاتَمِ مَكْتُوبٌ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ. انْتَهَى،
وَقَالَ الشَّارِحُ فِي شُرُوحِهِ: الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الْمُعَدِّ
وَقِيلَ بِجَوَازِهِ وَكَلَامُ هَؤُلَاءِ صَرِيحٌ فِي الْمَنْعِ
وَمُقْتَضَاهُ حُرْمَةُ الذِّكْرِ وَوُجُوبُ تَنْحِيَةِ كُلِّ مَا فِيهِ ذِكْرٌ
وَأَمَّا الْبِسَاطِيُّ وَابْنُ الْفُرَاتِ وَالْأَقْفَهْسِيُّ فَلَمْ يُصَرِّحُوا بِالْمَنْعِ وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ عَرَفَةَ نَقْلًا صَرِيحًا فِي الْمَنْعِ بَلْ قَالَ وَيُؤْمَرُ مُرِيدُ الْحَدِيثِ بِذِكْرٍ، نَحْوُ أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ قَبْلَ فِعْلِهِ فِي غَيْرِ مُعَدٍّ لَهُ وَفِيهِ قَالَ اللَّخْمِيُّ قَبْلَ دُخُولِهِ وَرَوَى عِيَاضٌ جَوَازَهُ فِيهِ، انْتَهَى. وَكَلَامُ اللَّخْمِيِّ كَذَلِكَ لَيْسَ فِيهِ مَنْعٌ وَنَصُّهُ
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَعِيذَ بِاَللَّهِ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِذَلِكَ إنْ كَانَ بِصَحْرَاءَ وَإِنْ كَانَ فِي الْحَاضِرَةِ قَبْلَ دُخُولِهِ الْخَلَاءَ، انْتَهَى.
وَكَلَامُ عِيَاضٍ الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ مِنْ الْإِكْمَالِ، وَنَصُّهُ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ وَالسَّلَفُ فِي هَذَا أَيْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْخَلَاءِ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى جَوَازِ ذِكْرِهِ تَعَالَى فِي الْكَنِيفِ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَابْنِ سِيرِينَ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَرَوَى كَرَاهَةَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٍ وَالشَّعْبِيِّ وَغَيْرِهِمْ
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي دُخُولِ الْكَنِيفِ بِالْخَاتَمِ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى، انْتَهَى. فَلَمْ يَحْكِ عَنْ مَالِكٍ إلَّا الْجَوَازَ
وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ فِي فَصْلِ قُدُومِ الْمُرِيدِ مِنْ السَّفَرِ وَلِأَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ إلَّا فِي مَوْضِعِ الْخَلَاءِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ وَلَا بَأْسَ بِذِكْرِ اللَّهِ هُنَاكَ لِلِارْتِيَاعِ وَمَا يُشْبِهُهُ وَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ،
وَقَالَ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: هَلْ يَجُوزُ نَقْشُ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْخَاتَمِ؟
وَالْمَشْهُورُ الْجَوَازُ وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ، وَاخْتُلِفَ هَلْ يَسْتَنْجِي بِهِ فِي يَدِهِ؟ قَوْلَانِ قِيلَ: يَجُوزُ، وَهَذِهِ قَوْلَةٌ عَنْ مَالِكٍ، وَأَبَاحَ ذَلِكَ فِي الْعُتْبِيَّةِ،
وَكَذَلِكَ يُكْرَهُ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَ الْخَلَاءِ بِخَاتَمٍ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ يُصِرَّ الدَّرَاهِمَ فِي خِرْقَةٍ مَنْجُوسَةٍ وَالْخِلَافُ فِي هَذَا كُلِّهِ. انْتَهَى،
وَقَالَ فِي الطِّرَازِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى آدَابِ الِاسْتِنْجَاءِ وَجَوَّزَ مَالِكٌ أَنْ يَدْخُلَ الْخَلَاءَ وَمَعَهُ الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ وَإِنْ كَانَ مَكْتُوبًا عَلَيْهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى وَقَالَ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ: إنَّهُ يُسْتَخْفَ فِي الْخَاتَمِ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ، قَالَ وَلَوْ نَزَعَهُ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ وَفِيهِ سِعَةٌ وَلَمْ يَكُنْ مَنْ مَضَى يَتَحَفَّظُونَ مِنْ هَذَا، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَنَا أَسْتَنْجِي بِهِ وَفِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: أَكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ وَلِيُحَوِّلَهُ فِي يَمِينِهِ، وَهَذَا حَسَنٌ وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُعَامِلَ أَهْلَ الذِّمَّةِ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ الَّتِي فِيهَا اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى،
وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ» . انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَفِي رَسْمِ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَسَأَلْت مَالِكًا عَنْ لُبْسِ الْخَاتَمِ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى يُلْبَسُ فِي الشِّمَالِ وَهَلْ يُسْتَنْجَى بِهِ؟ قَالَ مَالِكٌ أَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ: أَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عِنْدَهُ مَكْرُوهٌ وَإِنَّ نَزْعَهُ أَحْسَنُ،
وَكَذَلِكَ فِيمَا يَأْتِي فِي رَسْمِ مَسَاجِدِ الْقَبَائِلِ مِنْ هَذَا السَّمَاعِ وَفِي رَسْمِ الْوُضُوءِ وَالْجِهَادِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ
وَمِثْلُهُ لِابْنِ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ وَوَجْهُ الْكَرَاهِيَةِ فِيهِ بَيِّنٌ؛ لِأَنَّ مَا كُتِبَ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الْحُرُوزِ يُجْعَلُ لَهُ خِرْقَةٌ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِ التِّجَارَةِ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ: إنِّي لَأُعْظِمُ أَنْ يُعْمَدَ إلَى دَرَاهِمَ فِيهَا ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى فَيُعْطَاهَا نَجِسًا وَأَعْظَمَ ذَلِكَ إعْظَامًا شَدِيدًا وَكَرِهَهُ، وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي رَسْمِ مَسَاجِدِ الْقَبَائِلِ: وَأَنَا أَسْتَنْجِي بِخَاتَمِي وَفِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَ بِحَسَنٍ مِنْ فِعْلِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا فَعَلَهُ؛
لِأَنَّهُ عُضَّ بِأُصْبُعِهِ فَيَشُقُّ عَلَيْهِ تَحْوِيلُهُ إلَى الْيَدِ الْأُخْرَى كُلَّمَا دَخَلَ الْخَلَاءَ وَاحْتَاجَ إلَى الِاسْتِنْجَاءِ فَيَكُونُ إنَّمَا تَسَامَحَ فِيهِ لِهَذَا الْمَعْنَى وَهُوَ أَشْبَهُ بِوَرَعِهِ وَفَضْلِهِ، انْتَهَى. وَاَلَّذِي فِي رَسْمِ مَسَاجِدِ الْقَبَائِلِ قِيلَ لَهُ: أَسْتَنْجِي بِهِ وَفِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى؟ فَقَالَ: ذَلِكَ عِنْدِي خَفِيفٌ وَلَوْ نَزَعَهُ لَكَانَ أَحْسَنَ وَفِي هَذَا سَعَةٌ وَمَا كَانَ مَنْ مَضَى يَتَحَفَّظُ فِي مِثْلِ هَذَا وَلَا يَسْأَلُ عَنْهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَنَا أَسْتَنْجِي بِخَاتَمِي وَفِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ ابْنُ رُشْدٍ قَدْ مَضَى الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي رَسْمِ الشَّرِيكَيْنِ
وَقَالَ فِي أَوَاخِرِ رَسْمِ الْوُضُوءِ وَالْجِهَادِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْخَاتَمِ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى مَنْقُوشٌ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ فَقَالَ: إنْ نَزَعَهُ فَحَسَنٌ وَمَا سَمِعْت أَحَدًا انْتَزَعَ خَاتَمَهُ عِنْدَ الِاسْتِنْجَاءِ فَقِيلَ لَهُ:
فَإِنْ اسْتَنْجَى وَهُوَ فِي يَدَيْهِ؟ فَقَالَ: لَا بَأْسَ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: قَدْ مَضَى الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي رَسْمِ الشَّرِيكَيْنِ وَفِي آخِرِ سَمَاعِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ.
وَسُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ الرَّجُلِ يَعْطِسُ وَهُوَ يَبُولُ أَوْ عَلَى حَاجَةٍ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ قَالَ نَعَمْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ قَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يَكْرَهُ ذِكْرَ اللَّهِ عَلَى حَالَتَيْنِ عَلَى خَلَائِهِ وَهُوَ يُوَاقِعُ أَهْلَهُ وَالدَّلِيلُ لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا رُوِيَ مِنْ جِهَةِ الْأَثَرِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ: أَعُوذُ بِك مِنْ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ» وَمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَذْكُرُ اللَّهَ فِي أَحْيَانِهِ» وَمِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ إنَّ ذِكْرَ اللَّهِ يَصْعَدُ إلَى اللَّهِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ دَنَاءَةِ الْمَوْضِعِ شَيْءٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُمْنَعَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى كُلِّ حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ إلَّا بِنَصٍّ لَيْسَ فِيهِ احْتِمَالٌ،
وَمَنْ ذَهَبَ إلَى مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ عَلَى مَعْنَى إذَا أَرَادَ وَأَطْلَقَ أَنَّ ذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي بَعْضِ الْآثَارِ وَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَأَكْثَرُ مَا فِيهِ ارْتِفَاعُ النَّصِّ فِي جَوَازِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَا الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ الْمَنْعُ فِيهِ وَجَبَ أَنْ يَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ فِي جَوَازِ الذِّكْرِ عُمُومًا وَمَا رُوِيَ مِنْ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَلَّمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ وَهُوَ يَبُولُ، فَقَالَ: إذَا رَأَيْتنِي عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ فَلَا تُسَلِّمْ عَلَيَّ فَإِنَّك إنْ فَعَلْت لَمْ أَرُدَّ عَلَيْك» لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَجُوزُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ.
وَقَدْ يُحْتَمَلُ عَدَمَ رَدِّ السَّلَامِ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَالِ بَعْدَ أَنْ نَهَاهُ أَدَبًا لَهُ عَلَى مُخَالَفَتِهِ لِكَوْنِهِ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ أَوْ لِكَوْنِهِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ عَلَى مَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ لَا يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى إلَّا عَلَى طَهَارَةٍ حَتَّى نُسِخَ ذَلِكَ. انْتَهَى،
وَقَالَ فِي نَوَازِلِهِ فِي كِتَابِ الْجَامِعِ،
وَإِذَا كَانَ فِي خَاتَمِهِ بِسْمِ اللَّهِ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُحَوِّلَهُ عِنْدَ الِاسْتِنْجَاءِ عَلَى يَمِينِهِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَالْأَمْرُ وَاسِعٌ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الطِّرَازِ: لَمَّا عَدَّ الْآدَابَ
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُكَلِّمَ أَحَدًا حَالَ جُلُوسِهِ وَلَا يَرُدُّ عَلَى مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ؛ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَرَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يُشَمِّتَ عَاطِسًا وَلَا يَحْمَدَ إنْ عَطَسَ وَلَا يُحَاكِي مُؤَذِّنًا، وَنَقَلَهُ عَنْهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَذَكَرَ فِي آخِرِ الْفُرُوقِ أَنَّهُ يُكْرَهُ الدُّعَاءُ فِي مَوَاضِعِ النَّجَاسَاتِ وَالْقَاذُورَاتِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْجَوَاهِرِ لَمَّا عَدَّ الْآدَابَ وَأَنْ يَتْرُكَ التَّشَاغُلَ بِالْحَدِيثِ وَإِنْشَادِ الشِّعْرِ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَأَحْرَى أَنْ لَا تَجُوزَ الْقِرَاءَةُ،
وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ: لَمَّا عَدَّ الْخِصَالَ الْمَطْلُوبَةَ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ لَا يُسَلِّمُ عَلَى أَحَدٍ وَلَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَإِنْ سَلَّمَ فَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ
وَقَالَ فِي الْعُمْدَةِ لِابْنِ عَسْكَر: وَمَنْ أَرَادَ ذَلِكَ يَعْنِي قَضَاءَ الْحَاجَةِ فِي الْخَلَاءِ فَلْيَنْزِعْ مَا عَلَيْهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى وَنَحْوُهُ فِي الْإِرْشَادِ لَهُ، وَنَقَلَ الشَّارِحُ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَبِكَنِيفٍ نَحَّى ذِكْرَ اللَّهِ أَنَّ فِي الِاسْتِذْكَارِ نَحْوَهُ وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ مَكْتُوبًا فِي رِقَاعٍ أَوْ مَنْقُوشًا فِي خَاتَمٍ وَنَحْوِهِ.
وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الْجِهَادِ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ
وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ أَوْ الذِّكْرُ فِي الْمَوَاضِعِ الدَّنِسَةِ بِنَجَاسَةٍ أَوْ قَذَارَةٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يُنَزَّهَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ وَمَنْ أَجَازَ دُخُولَ الْخَلَاءِ مُسْتَصْحِبًا مَعَهُ مَا فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ أَوْ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى فِيهِ أَوْ يُجِيزَ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْخَاتَمِ الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} فَلَا يَبْعُدُ جَوَازُهُ انْتَهَى.
(قُلْت) فَهَذَا مَا وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ النُّقُولِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَا بُدَّ مِنْ تَلْخِيصِهِ وَتَحْصِيلِهِ عَلَى حَسَبِ مَا فَهِمْتُهُ لِيَقْرَبَ لِلْفَهْمِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِي اسْتِحْبَابِ تَرْكِ الذِّكْرِ وَالْقِرَاءَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَلَا فِي اسْتِحْبَابِ تَرْكِ الدُّخُولِ إلَيْهِ بِكُلِّ مَا فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ،
وَأَنَّ الْجَوَازَ إذَا أُطْلِقَ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ كَرَاهَةٌ شَدِيدَةٌ لَا أَنَّهُ مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ أَعْنِي فِعْلَهُ وَتَرْكَهُ؛ لِأَنَّهُ سَيَأْتِي أَنَّ السُّكُوتَ مُسْتَحَبٌّ عَنْ كُلِّ كَلَامٍ إذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَيَتَحَصَّلُ فِي الذِّكْرِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَالْقِرَاءَةِ فِيهِ، وَالدُّخُولِ إلَيْهِ بِمَا فِيهِ ذِكْرٌ أَوْ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ قَوْلَانِ بِالْجَوَازِ وَالْمَنْعِ،
أَمَّا الْجَوَازُ فَهُوَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ وَمِنْ اعْتِذَارِهِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي رَسْمِ الشَّرِيكَيْنِ بِأَنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهِ تَحْوِيلُهُ إلَى الْيَدِ الْيُمْنَى كُلَّمَا دَخَلَ الْخَلَاءَ وَمِنْ كَلَامِ عِيَاضٍ فِي الْإِكْمَالِ وَمِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ وَمِنْ كَلَامِ الْبُرْزُلِيّ.
وَأَمَّا الْمَنْعُ فَهُوَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَمَنْ وَافَقَهُ؛ لِأَنَّهُ الْمَشْهُورُ وَإِذَا قُلْنَا بِهِ فَهَلْ مَعْنَاهُ الْكَرَاهَةُ أَوْ التَّحْرِيمُ؟
أَمَّا الذِّكْرُ فِيهِ وَالدُّخُولُ إلَيْهِ بِمَا فِيهِ ذِكْرٌ أَوْ قُرْآنٌ فَاَلَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَعِيَاضٍ وَصَاحِبِ الطِّرَازِ أَنَّ الْمَنْعَ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهِ إنَّمَا مَعْنَاهُ الْكَرَاهَةُ وَهُوَ صَرِيحُ كَلَامِ الْجُزُولِيِّ وَصَاحِبِ الْمَدْخَلِ وَاَلَّذِي يَتَبَادَرُ لِلْفَهْمِ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ وَالشَّارِحِ أَنَّ الْمَنْعَ عَلَى التَّحْرِيمِ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ، إذْ لَيْسَ فِي كَلَامِ أَحَدٍ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ مَا يُوَافِقُهُ وَهُمْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِالتَّحْرِيمِ فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ كَلَامِهِمْ عَلَى الْكَرَاهَةِ لِيُوَافِقَ كَلَامَ الْمُتَقَدِّمِينَ
وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فَقَدْ صَرَّحَ فِي الْجَوَاهِرِ بِعَدَمِ جَوَازِهَا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَقَدْ كَرِهُوا الْقِرَاءَةَ فِي الطَّرِيقِ لِيَتَعَيَّنَ حَمْلُ الْمَنْعِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الذِّكْرَ هُنَا أَشَدُّ كَرَاهَةٍ مِنْ إدْخَالِ مَا فِيهِ ذِكْرٌ وَهَذَا حَيْثُ لَا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَى ذَلِكَ،
وَأَمَّا إذَا دَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَى ذَلِكَ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الْمَدْخَلِ أَنَّهُ يَجُوزُ الذِّكْرُ هُنَاكَ لِلِارْتِيَاعِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ وَعَلَى هَذَا فَمَنْ كَانَ مَعَهُ حِرْزٌ وَهُوَ يَخَافُ مِنْ مُفَارِقَتِهِ إيَّاهُ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَصْحِبَهُ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ مَحْرُوزًا عَلَيْهِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فَإِنَّهُمْ أَجَازُوا حَمْلَهُ لِلْمُحْدِثِ وَلِلْجُنُبِ وَهُمَا مَمْنُوعَانِ مِنْ مَسِّ الْقُرْآنِ وَحَمْلِهِ،
وَأَمَّا مَنْ لَا يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ فَيُكْرَهُ إدْخَالُهُ مَعَهُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَخْشَى عَلَيْهِ الضَّيَاعَ فَيَجُوزُ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِيمَا عَلَّقَهُ عَلَى كِتَابِهِ الْحِصْنِ الْحَصِينِ: الذِّكْرُ عِنْدَ نَفْسِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَنَفْسِ الْجِمَاعِ لَا يُكْرَهُ بِالْقَلْبِ بِالْإِجْمَاعِ
وَأَمَّا الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ حَالَتُهُ فَلَيْسَ مِمَّا شُرِعَ لَنَا وَلَا نُدِبْنَا إلَيْهِ وَلَا نُقِلَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ بَلْ يَكْفِي فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الْحَيَاءُ وَالْمُرَاقَبَةُ وَذِكْرُ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى فِي إخْرَاجِ هَذَا الْقَذَرِ الْمُؤْذِي الَّذِي لَوْ لَمْ يَخْرُجْ لَقَتَلَ صَاحِبَهُ وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الذِّكْرِ وَلَوْ لَمْ يَقُلْ بِاللِّسَانِ انْتَهَى.
[مَسْأَلَةُ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْخَاتَمِ] وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْخَاتَمِ فَيَتَحَصَّلُ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْجَوَازُ، وَهُوَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَفِعْلِهِ، وَالْكَرَاهَةُ وَهُوَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ مَالِكٍ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ مِنْ الْعُتْبِيَّةِ كَمَا فَهِمَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَمِنْ كَلَامِ اللَّخْمِيّ فَإِنَّهُ قَالَ: اُخْتُلِفَ هَلْ يَسْتَنْجِي بِهِ وَهُوَ فِي يَدِهِ وَأَنْ لَا يَفْعَلَ أَحْسَنُ؟ لِحَدِيثِ أَنَسٍ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ نَزَعَ خَاتَمَهُ» ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ،
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ نَهَى أَنْ يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ» فَإِذَا نُزِّهَتْ الْيُمْنَى عَنْ ذَلِكَ فَذِكْرُ اللَّهِ أَعْظَمُ، وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُعْطِيَ الدَّرَاهِمَ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فَهُوَ فِي هَذَا أَوْلَى انْتَهَى،
وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فِي تَوْجِيهِ اجْتِنَابِهِ التَّخَتُّمَ فِي الْيُمْنَى مَا نَصُّهُ وَلِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَخْلَعَهُ عِنْدَ الِاسْتِنْجَاءِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ تَخَتَّمَ فِي شِمَالِهِ انْتَهَى، وَالتَّحْرِيمُ وَهُوَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ التَّوْضِيحِ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُهُمَا،
وَمِنْ كَلَامِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ قَالَ فِي الْعَارِضَةِ فِي آدَابِ الِاسْتِنْجَاءِ: أَنْ يُنْزَعَ الْخَاتَمُ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ فَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَسْتَنْجِيَ بِهِ فِي يَدِهِ ثُمَّ قَالَ: فِيهَا شَرْحٌ مُشْكِلٌ.
رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَنْجِيَ بِالْخَاتَمِ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ قَالَ بَعْضُ أَشْيَاخِي وَهَذِهِ رِوَايَةٌ بَاطِلَةٌ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ تَجْرِيَ النَّجَاسَةُ عَلَى اسْمِهِ قَدْ كَانَ لَهُ خَاتَمٌ مَنْبُوشٌ فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَرَبِيِّ فَتَرَكْت الِاسْتِنْجَاءَ بِهِ لِحُرْمَةِ اسْمِ مُحَمَّدٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْكَرِيمُ الشَّرِيفُ وَلَكِنْ رَأَيْت لِلِاشْتِرَاكِ حُرْمَةً. انْتَهَى،
وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَسْتَنْجِيَ وَالْخَاتَمُ فِي يَدِهِ إنْ كَانَ عَلَيْهِ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -،
وَإِنْ كَانَ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إجَازَةُ ذَلِكَ لَكِنْ هِيَ رِوَايَةٌ مُنْكَرَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ عَنْ آخِرِهِمْ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُعَرَّجَ عَلَيْهَا وَلَا يُلْتَفَتَ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذِهِ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُنْسَبَ إلَى آحَادِ الْعُلَمَاءِ فَضْلًا عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ لِمَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ التَّعْظِيمِ لِجَنَابِ اللَّهِ وَجَنَابِ نَبِيِّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَا هُوَ مَشْهُورٌ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ فِي الْإِرْشَادِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى الِاسْتِنْجَاءِ وَأَنَّهُ بِالشِّمَالِ فَإِنْ كَانَ فِيهَا خَاتَمٌ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ نَقَلَهُ إلَى النَّهْيِ قَالَ الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ الشَّامِيُّ فِي شَرْحِهِ وُجُوبًا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(فَإِنْ فَاتَ فَفِيهِ إنْ لَمْ يُعَدَّ) ابْنُ الْحَاجِبِ: مِنْ الْآدَابِ الذِّكْرُ قَبْلَ مَوْضِعِهِ وَفِيهِ إنْ لَمْ يُعَدَّ.
Adds nothing on this mas’ala.
(ص) ، فَإِنْ فَاتَ فَفِيهِ إنْ لَمْ يُعَدَّ (ش) أَيْ،
فَإِنْ فَاتَ الذِّكْرُ الْقَبْلِيُّ، فَإِنَّهُ يَذْكُرُهُ فِي الْمَحِلِّ نَفْسِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مُعَدًّا لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ وَلَمْ يَجْلِسْ لِلْحَدَثِ،
فَإِنْ أُعِدَّ كَالْكَنِيفِ أَوْ جَلَسَ فِي غَيْرِهِ فَلَا يَذْكُرُهُ وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى،
فَإِنْ أُعِدَّ مُنِعَ أَيْ كُرِهَ وَهَذَا إذَا دَخَلَ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ،
فَإِنْ أَدْخَلَ رِجْلًا وَاحِدَةً فَهَلْ هُوَ كَذَلِكَ أَوْ إنْ اعْتَمَدَ عَلَيْهَا أَمْ لَا وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ.
(قَوْلُهُ: فَفِيهِ إنْ لَمْ يُعَدَّ) أَيْ فَيُذْكَرُ فِيهِ جَوَازًا قَالَهُ تت وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ النَّدْبُ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَبَعْدَ كَتْبِي هَذَا رَأَيْت أَنَّ اللَّخْمِيَّ صَرَّحَ بِالِاسْتِحْبَابِ فَلَا يُعْدَلُ عَنْهُ وَيُمْكِنُ أَنَّهُ مُرَادُ تت بِأَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالْجَوَازِ الْإِذْنَ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ مَنْدُوبٌ
(قَوْلُهُ: أَوْ جَلَسَ فِي غَيْرِهِ) كَذَا قَالَ الْحَطَّابُ وَنَصُّهُ،
وَأَمَّا حَالَ الْجُلُوسِ فَلَا؛ لِأَنَّ الصَّمْتَ حِينَئِذٍ مَشْرُوعٌ فِي حَقِّهِ اهـ.
(أَقُولُ) ظَاهِرُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكْشِفْ عَوْرَتَهُ فَيَكُونُ حَاصِلُهُ أَنْ يَقُولَ فِي حَالَةِ قِيَامِهِ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ لَا فِي حَالَةِ جُلُوسِهِ،
وَإِنْ لَمْ يَكْشِفْ (وَأَقُولُ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَقُولُ مَا لَمْ يَكْشِفْ عَوْرَتَهُ وَاَلَّذِي يُفِيدُهُ اللَّخْمِيُّ أَنَّهُ يَقُولُ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ الْحَدَثُ (أَقُولُ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَشَفَ وَمَا قُلْنَا كَالْجَمْعِ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ
(قَوْلُهُ: وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ) وَهُوَ قَوْلُهُ فَهَلْ هُوَ كَذَلِكَ.
(فَإِنْ فَاتَ) الذِّكْرُ الْقِبْلِيَّ بِنِسْيَانِهِ حَتَّى دَخَلَ مَحَلَّ الْقَضَاءِ (فَ) يَذْكُرُ الْقَبْلِيَّ نَدْبًا (فِيهِ) أَيْ مَحَلِّ الْقَضَاءِ (إنْ لَمْ يُعَدَّ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ الدَّالِ أَيْ يُتَّخَذُ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ كَصَحْرَاءَ وَمَوْضِعٍ خَرِبٍ وَحَائِشِ نَخْلٍ وَتَذَكَّرَهُ قَبْلَ جُلُوسِهِ وَانْكِشَافِهِ لِلْقَضَاءِ
وَقِيلَ وَبَعْدَهُ قَبْلَ خُرُوجِ الْحَدَثِ فَإِنْ جَلَسَ لَهُ مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ عَلَى الْأَوَّلِ أَوْ خَرَجَ مِنْهُ الْحَدَثُ عَلَى الثَّانِي فَلَا يَذْكُرُ فَإِنْ تَذَكَّرَهُ الْمُعَدُّ لَهُ كُرِهَ إنْ دَخَلَ وَلَوْ بِرِجْلٍ وَاحِدَةٍ وَلَمْ يَعْتَمِدْ عَلَيْهَا.
قال غير واحد: وأخر المصنف قوله: "وقبله" ليرتب عليه قوله: فإن فات ففيه يعني أنه إذا فات الذكر الذي يقال قبل الدخول في موضع قضاء الحاجة، فإنه يقوله في المحل الذي يريد قضاء الحاجة فيه، ومعنى الفوات أن يدخل موضع الخلاء، والحال أنه لم يقله، وهذا ما لم يخرج منه شيء فيمنع منه حينئذ؛ أي يكره كما عليه اللخمي فيفعله ولو جلس. واقتصر عليه البرموني؛ والزرقاني. ولابن هارون أنه يفعله ما لم يجلس لقضاء الحاجة، واقتصر عليه الحطاب وبعض الشراح.
قاله الشيخ إبراهيم. وإنما يقول الذكر القبلي إذا فات؛ بأن دخل موضع قضاء الحاجة إن لم يعد أي حيث لم يكن الموضع معدا لقضاء الحاجة كالكنيف، ومفهوم المصنف أنه إذا كان الموضع معدا لقضاء الحاجة لم يقله إن فات؛ أي دخل بجميع بدنه، أي يكره،
وكذا برجل واحدة وإن لم يعتمد عليها فيما يظهر، وأمر بالاستعاذة في البناء المعد لقضاء الحاجة؛ لأنه منزل الشياطين،
وفي الصحراء، لأنه يصير مأوى لهم بخروج الخارج. قاله الشيخ أحمد. نقله الشيخ عبد الباقي.
وقيل إنه يقول الذكر القبلي بعد وصوله لموضع الخلاء،
وإن كان معدا لقضاء الحاجة.
حكاه ابن الحاجب فإنه قال: وفي جوازه في المعد قولان، كالاستنجاء بالخاتم فيه ذكر. انتهى شبه الخلاف بمسألة الخاتم. والمعروف في الخاتم المنع، والرواية بالجواز منكرة، والمنع في الخاتم أقوى من الذكر لمماسة النجاسة له؛ قاله الإمام الحطاب. وفهم من كلام المصنف أنه يقول الذكر القبلي قبل وصوله إلى محل الحدث سواء كان معدا أم لا، وصرح بذلك في الجواهر، فقال: ويقدم الذكر قبل وصوله إلى محل الحدث. قاله الإمام الحطاب.
انتهى وسكوت يعني أنه يندب للمحدث في حال قضاء الحاجة ومتعلقها من استنجاء واستجمار ترك الكلام بالكلية ذكرا كان أو غيره،
فإن الكلام في الخلاء يورث الصمم إلا من ضرورة، فلا يرد سلاما؛ ولا يجيب مؤذنا، ولا يشمت عاطسا، ولا يحمد إن عطس خلافا لما في المواق،
وكذا الواطئ؛ ولا يردان السلام بعد الفراغ ولو بقي المسلم،
بخلاف المؤذن والملبي فيردان بعد الفراغ. وجوبا فيما يظهر،
وإن لم يبق المسلم قاله الشيخ عبد الباقي.
وفي الترمذي (أنه صلى الله عليه وسلم مر عليه رجل وهو يبول؛ وسلم عليه فلم يرد عليه (١) )؛ لأن ذلك المحل مما يطلب ستره وإخفاؤه؛ والكلام فيه يقتضي ضد ذلك، (وورد النهي عن الحديث على الغائط (٢) )
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.