وَوَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ فِي الشِّغَارِ وَخِدْمَةِ زَوْجٍ حُرٍّ لِلْإِمْهَارِ وَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَلَهَا خِدْمَتُهُ لَوْ عَبْدًا
Its commentaries
(وَوَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ فِي الشِّغَارِ) هُوَ أَنْ يُزَوِّجَهُ بِنْتَه عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الْآخَرُ بِنْتَه أَوْ أُخْتَهُ مَثَلًا مُعَاوَضَةً بِالْعَقْدَيْنِ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِخُلُوِّهِ عَنْ الْمَهْرِ، فَأَوْجَبْنَا فِيهِ مَهْرَ الْمِثْلِ فَلَمْ يَبْقَ شِغَارًا (وَ) فِي (خِدْمَةِ زَوْجٍ حُرٍّ) سَنَةً (لِلْإِمْهَارِ) لِحُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ لِأَنَّ فِيهِ قَلْبَ الْمَوْضُوعِ كَذَا قَالُوا وَمَفَادُهُ صِحَّةُ تَزَوُّجِهَا عَلَى أَنْ يَخْدُمَ سَيِّدَهَا أَوْ وَلِيَّهَا كَقِصَّةِ شُعَيْبٍ مَعَ مُوسَى كَصِحَّتِهِ عَلَى خِدْمَةِ عَبْدِهِ أَوْ أَمَتِهِ أَوْ عَبْدِ الْغَيْرِ بِرِضَا مَوْلَاهُ أَوْ حُرٍّ آخَرَ بِرِضَاهُ (وَ) فِي (تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ) لِلنَّصِّ بِالِابْتِغَاءِ بِالْمَالِ، وَبَاءُ «زَوَّجْتُك بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ» - لِلسَّبَبِيَّةِ أَوْ لِلتَّعْلِيلِ، لَكِنْ فِي النَّهْرِ يَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ عَلَى قَوْلِ الْمُتَأَخِّرِينَ (وَلَهَا خِدْمَتُهُ لَوْ) كَانَ الزَّوْجُ (عَبْدًا) مَأْذُونًا فِي ذَلِكَ،
أَمَا الْحُرُّ فَخِدْمَتُهُ لَهَا حَرَامٌ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِهَانَةِ وَالْإِذْلَالِ
وَكَذَا اسْتِخْدَامُهُ عَنْ نَهْرِ الْبَدَائِعِ
(قَوْلُهُ فِي الشِّغَارِ) بِكَسْرِ الشِّينِ مَصْدَرُ شَاغَرَ اهـ ح
(قَوْلُهُ هُوَ أَنْ يُزَوِّجَهُ إلَخْ)
قَالَ فِي النَّهْرِ: وَهُوَ أَنْ يُشَاغِرَ الرَّجُلَ: أَيْ يُزَوِّجَهُ حَرِيمَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الْآخَرُ حَرِيمَتَهُ وَلَا مَهْرَ إلَّا هَذَا، كَذَا فِي الْمُغْرِبِ: أَيْ عَلَى أَنْ يَكُونَ بُضْعَ كُلٍّ صَدَاقًا عَنْ الْآخَرِ، وَهَذَا الْمُقَيَّدُ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي مُسَمَّى الشِّغَارِ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ وَلَا مَعْنَاهُ بَلْ قَالَ زَوَّجْتُك بِنْتِي عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي بِنْتَك فَقَبِلَ أَوْ عَلَى أَنْ يَكُونَ بُضْعُ بِنْتِي صَدَاقًا لِبِنْتِك فَلَمْ يَقْبَلْ الْآخَرُ بَلْ زَوَّجَهُ بِنْتَه وَلَمْ يَجْعَلْهَا صَدَاقًا لَمْ يَكُنْ شِغَارًا بَلْ نِكَاحًا صَحِيحًا اتِّفَاقًا وَإِنْ وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ فِي الْكُلِّ، لِمَا أَنَّهُ سَمَّى مَا لَا يَصْلُحُ صَدَاقًا، وَأَصْلُ الشُّغُورِ: الْخُلُوُّ، يُقَالُ بَلْدَةٌ شَاغِرَةٌ إذَا خَلَتْ عَنْ السُّكَّانِ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْخُلُوُّ عَنْ الْمَهْرِ لِأَنَّهُمَا بِهَذَا الشَّرْطِ كَأَنَّهُمَا أَخْلَيَا الْبُضْعَ عَنْهُ نَهْرٌ
(قَوْلُهُ مُعَاوَضَةً بِالْعَقْدَيْنِ) الْمُرَادُ بِالْعَقْدِ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ وَهُوَ الْبُضْعُ كَمَا فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ: أَيْ عَلَى أَنْ يَكُونَ كُلُّ بُضْعٍ عِوَضَ الْآخَرِ مَعَ الْقَبُولِ مِنْ الْعَاقِدِ الْآخَرِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ لَفْظُ الْمُفَاعَلَةِ، فَاحْتَرَزَ عَمَّا إذَا لَمْ يُصَرِّحْ بِكَوْنِ كُلِّ بُضْعٍ عِوَضَ الْبُضْعِ لِلْآخَرِ أَوْ صَرَّحَ بِهِ أَحَدُهُمَا وَقَالَ الْآخَرُ زَوَّجْتُك بِنْتِي كَمَا مَرَّ
(قَوْلُهُ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِخُلُوِّهِ عَنْ الْمَهْرِ إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا أَوْرَدَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ مَرْفُوعًا مِنْ النَّهْيِ عَنْ نِكَاحِ الشِّغَارِ وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَالْجَوَابُ أَنَّ مُتَعَلِّقَ النَّهْيِ مُسَمَّى الشِّغَارِ الْمَأْخُوذِ فِي مَفْهُومِهِ خُلُوُّهُ عَنْ الْمَهْرِ وَكَوْنُ الْبُضْعِ صَدَاقًا، وَنَحْنُ قَائِلُونَ بِنَفْيِ هَذِهِ الْمَاهِيَّةِ وَمَا يَصْدُقُ عَلَيْهَا شَرْعًا، فَلَا نُثْبِتُ النِّكَاحَ كَذَلِكَ بَلْ نُبْطِلُهُ، فَيَبْقَى نِكَاحًا مُسَمًّى فِيهِ مَا لَا يَصْلُحُ مَهْرًا فَيَنْعَقِدُ مُوجِبًا لِمَهْرِ الْمِثْلِ كَالْمُسَمَّى فِيهِ خَمْرٌ أَوْ خِنْزِيرٌ فَمَا هُوَ مُتَعَلِّقُ النَّهْيِ لَمْ نُثْبِتْهُ، وَمَا أَثْبَتْنَاهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ بَلْ اقْتَضَتْ الْعُمُومَاتُ صِحَّتَهُ، وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ زَادَ الزَّيْلَعِيُّ: أَوْ هُوَ أَيْ النَّهْيُ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ اهـ أَيْ وَالْكَرَاهَةُ لَا تُوجِبُ الْفَسَادَ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ مَعَ إيجَابِ مَهْرِ الْمِثْلِ لَمْ يَبْقَ شِغَارًا حَقِيقَةً،
وَإِنْ سَلَّمَ فَالنَّهْيُ عَلَى مَعْنَى الْكَرَاهَةِ، فَيَكُونُ الشَّرْعُ أَوْجَبَ فِيهِ أَمْرَيْنِ الْكَرَاهَةَ وَمَهْرَ الْمِثْلِ، فَالْأَوَّلُ مَأْخُوذٌ مِنْ النَّهْيِ،
وَالثَّانِي مِنْ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ مَا سُمِّيَ فِيهِ مَا لَا يَصْلُحُ مَهْرًا يَنْعَقِدُ مُوجِبًا لِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَهَذَا الثَّانِي دَلِيلٌ عَلَى حَمْلِ النَّهْيِ عَلَى الْكَرَاهَةِ دُونَ الْفَسَادِ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ انْدَفَعَ مَا أَوْرَدَ مِنْ أَنَّ حَمْلَهُ عَلَى الْكَرَاهَةِ يَقْتَضِي أَنَّ الشِّغَارَ الْآنَ غَيْرُ مَنْهِيٍّ عَنْهُ لِإِيجَابِنَا فِيهِ مَهْرَ الْمِثْلِ.
وَوَجْهُ الدَّفْعِ أَنَّهُ إذَا حُمِلَ النَّهْيُ عَلَى مَعْنَى الْفَسَادِ فَكَوْنُهُ غَيْرَ مَنْهِيٍّ الْآنَ. أَيْ بَعْدَ إيجَابِ مَهْرِ الْمِثْلِ مُسَلَّمٌ وَإِنْ حُمِلَ عَلَى مَعْنَى الْكَرَاهَةِ فَالنَّهْيُ بَاقٍ فَافْهَمْ قَوْلُهُ وَفِي خِدْمَةِ زَوْجٍ حُرٍّ) أَيْ يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ عِنْدَهُمَا فِي جَعْلِهِ الْمَهْرَ خِدْمَتَهُ إيَّاهَا سَنَةً.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَهَا قِيمَةُ الْخِدْمَةِ، قَيَّدَ بِالْخِدْمَةِ لِأَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى سُكْنَى دَارِهِ أَوْ رُكُوبِ دَابَّتِهِ أَوْ الْحَمْلِ عَلَيْهَا أَوْ عَلَى أَنْ تَزْرَعَ أَرْضُهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ مَنَافِعِ الْأَعْيَانِ مُدَّةً مَعْلُومَةً صَحَّتْ التَّسْمِيَةُ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَنَافِعَ مَالٌ أَوْ أُلْحِقَتْ بِهِ لِلْحَاجَةِ نَهْرٌ عَنْ الْبَدَائِعِ. وَاحْتَرَزَ بِالْحُرِّ عَنْ الْعَبْدِ كَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَلَهَا خِدْمَتُهُ لَوْ عَبْدًا، وَزَادَ قَوْلُهُ أَوْ أَمَةً لِقَوْلِ النَّهْرِ إنَّ الظَّاهِرَ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْحُرَّةِ، بَلْ التَّنَافِي الْمُعَلَّلُ بِهِ أَقْوَى فِي الْأَمَةِ مِنْهُ فِي الْحُرَّةِ
(قَوْلُهُ سَنَةً) إنَّمَا ذَكَرَهُ لِتَوَهُّمِ صِحَّةِ التَّسْمِيَةِ بِتَعْيِينِ الْمُدَّةِ،
فَإِذَا لَمْ تَصِحَّ فِي الْمُعَيَّنَةِ فَفِي الْمَجْهُولَةِ بِالْأَوْلَى ط
(قَوْلُهُ لِأَنَّ فِيهِ قَلْبَ الْمَوْضُوعِ) لِأَنَّ مَوْضُوعَ الزَّوْجِيَّةِ أَنْ تَكُونَ هِيَ خَادِمَةٌ لَا بِالْعَكْسِ فَإِنَّهُ حَرَامٌ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِهَانَةِ وَالْإِذْلَالِ كَمَا يَأْتِي، فَقَدْ سَمَّى مَا لَا يَصْلُحُ مَهْرًا فَصَحَّ الْعَقْدُ وَوَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ.
قَالَ فِي النَّهْرِ: وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي رَعْيِ غَنَمِهَا وَزِرَاعَةِ أَرْضِهَا لِتَرَدُّدٍ فِي تَمَحُّضِهَا خِدْمَةً وَعَدَمِهِ، فَعَلَى رِوَايَةِ الْأَصْلِ وَالْجَامِعِ لَا يَجُوزُ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ. أَنَّهُ يَجُوزُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الِابْنَ لَوْ اسْتَأْجَرَ أَبَاهُ لِلْخِدْمَةِ لَا يَجُوزُ،
وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِلرَّعْيِ وَالزِّرَاعَةِ يَصِحُّ هَذَا فِي الدِّرَايَةِ وَهَذَا شَاهِدٌ قَوِيٌّ،
وَمِنْ هُنَا قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي كَافِيهِ بَعْدَ ذِكْرِ رِوَايَةِ الْأَصْلِ الصَّوَابُ أَنْ يُسَلِّمَ لَهَا إجْمَاعًا. اهـ.
(قَوْلُهُ كَذَا قَالُوا) الْأَوْلَى إسْقَاطُهُ لِأَنَّ عَادَتَهُمْ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ تَضْعِيفُ الْقَوْلِ وَالتَّبَرِّي عَنْهُ، وَهُوَ غَيْرُ مُرَادٍ هُنَا تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ وَمَفَادُهُ إلَخْ) الْبَحْثُ لِصَاحِبِ النَّهْرِ. قَالَ الرَّحْمَتِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ وَلِيَّهَا يَضْمَنُ لَهَا حِينَئِذٍ قِيمَةَ الْخِدْمَةِ،
بِخِلَافِ سَيِّدِهَا لِأَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ لِمَهْرِ أَمَتِهِ. وَالظَّاهِرُ هُنَا الِاتِّفَاقُ عَلَى صِحَّةِ التَّزْوِيجِ
بِخِلَافِ خِدْمَتِهِ لَهَا. اهـ.
قُلْت: لَكِنْ فِي الْبَحْرِ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ: لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يَهَبَ لِأَبِيهَا أَلْفَ دِرْهَمٍ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ وَهَبَ لَهُ أَوْ لَا،
فَإِنْ وَهَبَ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ. اهـ.
وَمُقْتَضَاهُ وُجُوبُ مَهْرِ الْمِثْلِ فِي خِدْمَةِ وَلِيِّهَا وَعَدَمِ لُزُومِ الْخِدْمَةِ،
وَكَذَا فِي مِثْلِ قِصَّةِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -،
وَلَوْ فَعَلَ الزَّوْجُ مَا سَمَّى يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ لَهُ أَجْرُ الْمِثْلِ عَلَى وَلِيِّهَا؛ كَمَا قَالُوا فِيمَا لَوْ قَالَ لَهُ اعْمَلْ مَعِي فِي كَرْمِي لِأُزَوِّجَك ابْنَتِي فَعَمِلَ وَلَمْ يُزَوِّجْهُ لَهُ أَجْرُ الْمِثْلِ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ كَقِصَّةِ شُعَيْبٍ) فَإِنَّهُ زَوَّجَ مُوسَى - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - بِنْتَه عَلَى أَنْ يَرْعَى لَهُ غَنَمَهُ ثَمَانِي سِنِينَ، وَقَدْ قَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا بِلَا إنْكَارٍ، فَكَانَ شَرْعًا لَنَا وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ عَلَى تَرْجِيحِ مَا مَرَّ مِنْ رِوَايَةِ الْجَوَازِ فِي رَعْيِ غَنَمِهَا وَرَدَّهُ فِي الْفَتْحِ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ كَانَتْ الْغَنَمُ مِلْكَ الْبِنْتِ دُونَ شُعَيْبٍ، وَهُوَ مُنْتَفٍ اهـ وَتَبِعَهُ فِي الْبَحْرِ. وَمَفَادُهُ عَلَى صِحَّةِ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا عَلَى الْجَوَازِ فِي رَعْيِ غَنَمِ الْأَبِ
(قَوْلُهُ عَلَى خِدْمَةِ عَبْدِهِ) أَيْ عَبْدِ الزَّوْجِ أَيْ خِدْمَةِ عَبْدِهِ إيَّاهَا، فَالْمَصْدَرُ مُضَافٌ لِفَاعِلِهِ وَكَذَا مَا بَعْدَهُ
(قَوْلُهُ أَوْ حُرٍّ آخَرَ بِرِضَاهُ) فِي الْغَايَةِ عَنْ الْمُحِيطِ: لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى خِدْمَةِ حُرٍّ آخَرَ فَالصَّحِيحُ صِحَّتُهُ وَتَرْجِعُ عَلَى الزَّوْجِ بِقِيمَةِ خِدْمَتِهِ. اهـ.
قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَهَذَا يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَا يَخْدُمُهَا،
فَإِمَّا لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ لَا يُؤْمَنُ، الِانْكِشَافُ عَلَيْهِ مَعَ مُخَالَطَتِهِ لِلْخِدْمَةِ،
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ إذَا كَانَ بِغَيْرِ أَمْرِ ذَلِكَ الْحُرِّ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ
وَيَجِبُ أَنْ يَنْظُرَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَمْرِهِ وَلَمْ يُجِزْهُ وَجَبَ قِيمَةُ الْخِدْمَةِ،
وَإِنْ بِأَمْرِهِ فَإِنْ كَانَتْ خِدْمَةً مُعَيَّنَةً تَسْتَدْعِي مُخَالَطَةً لَا يُؤْمَنُ مَعَهَا الِانْكِشَافُ وَالْفِتْنَةُ وَجَبَ أَنْ تُمْنَعَ وَتُعْطِيَ هِيَ قِيمَتَهَا، أَوْ لَا تَسْتَدْعِي ذَلِكَ وَجَبَ تَسْلِيمُهَا وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ بَلْ تَزَوَّجَهَا عَلَى مَنَافِعِ ذَلِكَ الْحُرَّ حَتَّى تَصِيرَ أَحَقَّ بِهَا لِأَنَّهُ أَجِيرٌ وَاحِدٌ فَإِنْ صَرَفَتْهُ فِي الْأَوَّلِ فَكَالْأَوَّلِ أَوْ فِي الثَّانِي فَكَالثَّانِي اهـ أَيْ إنْ صَرَفَتْهُ وَاسْتَخْدَمَهُ فِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ وَهُوَ مَا يَسْتَدْعِي الْمُخَالَطَةَ فَكَالْأَوَّلِ مِنْ الْمَنْعِ وَإِعْطَاءُ قِيمَةِ الْخِدْمَةِ وَإِنْ اسْتَخْدَمَتْهُ بِمَا لَا يَسْتَدْعِي ذَلِكَ فَحُكْمُهُ كَالثَّانِي مِنْ وُجُوبِ تَسْلِيمِ الْخِدْمَةِ
(قَوْلُهُ وَفِي تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ) أَيْ يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ فِيمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يَعْلَمَهَا الْقُرْآنَ أَوْ نَحْوَهُ مِنْ الطَّاعَاتِ لِأَنَّ الْمُسَمَّى لَيْسَ بِمَالٍ بَدَائِعُ أَيْ لِعَدَمِ صِحَّةِ الِاسْتِئْجَارِ عَلَيْهَا عِنْدَ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ
(قَوْلُهُ وَبَاءُ «زَوَّجْتُك بِمَا مَعَك» ) أَيْ الْوَارِدِ فِي حَدِيثِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، فَالْتَمَسَ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: هَلْ مَعَك شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ؟ قَالَ نَعَمْ سِوَى سُورَةِ كَذَا وَسُورَةِ كَذَا سَمَّاهَا، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: قَدْ مَلَّكْتُكهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ» وَيُرْوَى «أَنْكَحْتُكهَا وَزَوَّجْتُكهَا» ح عَنْ الزَّيْلَعِيِّ،
(قَوْلُهُ لِلسَّبِيَّةِ أَوْ لِلتَّعْلِيلِ) أَيْ بِسَبَبٍ أَوْ لِأَجْلِ أَنَّك مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ فَلَيْسَتْ الْبَاءُ مُتَعَيِّنَةً لِلْعِوَضِ
(قَوْلُهُ لَكِنْ فِي النَّهْرِ) أَصْلُهُ لِصَاحِبِ الْبَحْرِ حَيْثُ قَالَ: وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ الْإِجَارَاتِ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى جَوَازِ الِاسْتِئْجَارِ لِتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالْفِقْهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ تَسْمِيَتُهُ مَهْرًا، لِأَنَّ مَا جَازَ أَخْذُ الْأُجْرَةِ فِي مُقَابَلَتِهِ مِنْ الْمَنَافِعِ جَازَ تَسْمِيَتُهُ صَدَاقًا كَمَا قَدَّمْنَا، نَقَلَهُ عَنْ الْبَدَائِعِ، وَلِهَذَا ذَكَرَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ هُنَا أَنَّهُ لَمَّا جَوَّزَ الشَّافِعِيُّ أَخْذَ الْأَجْرِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ صَحَّحَ تَسْمِيَتَهُ مَهْرًا فَكَذَا نَقُولُ يَلْزَمُ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ صِحَّةُ تَسْمِيَتِهِ صَدَاقًا، وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.
اهـ.
وَاعْتَرَضَهُ الْمَقْدِسِيَّ بِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ تُلْجِئُ إلَى صِحَّةِ تَسْمِيَتِهِ بَلْ تَسْمِيَةُ غَيْرِهِ تُغْنِي،
بِخِلَافِ الْحَاجَةِ إلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ فَإِنَّهَا تَحَقَّقَتْ لِلتَّكَاسُلِ عَنْ الْخَيْرَاتِ فِي هَذَا الزَّمَانِ اهـ وَفِيهِ أَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ أَفْتَوْا بِجَوَازِ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى التَّعْلِيمِ لِلضَّرُورَةِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ عَلَى مَا لَا ضَرُورَةَ فِيهِ كَالتِّلَاوَةِ وَنَحْوِهَا، ثُمَّ الضَّرُورَةُ إنَّمَا هِيَ عِلَّةٌ لِأَصْلِ جَوَازِ الِاسْتِئْجَارِ،
وَلَا يَلْزَمُ وُجُودُهَا فِي كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ، وَحَيْثُ جَازَ عَلَى التَّعْلِيمِ لِلضَّرُورَةِ صَحَّتْ تَسْمِيَتُهُ مَهْرًا لِأَنَّ مَنْفَعَةً تُقَابَلُ بِالْمَالِ كَسُكْنَى الدَّارِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ أَحَدٌ وُجُودَ الضَّرُورَةِ فِي الْمُسَمَّى، إذْ يَلْزَمُ أَنْ يُقَالَ مِثْلُهُ فِي تَسْمِيَةِ السُّكْنَى مَثَلًا أَنَّ تَسْمِيَةَ غَيْرِهَا تُغْنِي عَنْهَا مَعَ أَنَّ الزَّوْجَةَ قَدْ تَكُونُ مُحْتَاجَةً إلَى التَّعْلِيمِ دُونَ السُّكْنَى وَالْمَالِ. وَاعْتِرَاضٌ أَيْضًا فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَسْمِيَةُ التَّعْلِيمِ لِأَنَّهُ خِدْمَةٌ لَهَا وَلَيْسَتْ مِنْ مُشْتَرَكِ مَصَالِحِهَا: أَيْ
بِخِلَافِ رَعْيِ غَنَمِهَا وَزِرَاعَةِ أَرْضِهَا، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ خِدْمَةً لَهَا لَكِنَّهُ مِنْ الْمَصَالِحِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا. وَأَجَابَ تِلْمِيذُهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْحَيِّ بِأَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ تَسْلِيمِ كَوْنِ التَّعْلِيمِ خِدْمَةً لَهَا، فَلَيْسَ كُلُّ خِدْمَةٍ لَا تَجُوزُ، وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ لَوْ كَانَتْ الْخِدْمَةُ لِلتَّرْذِيلِ. قَالَ ط: وَهُوَ حَسَنٌ لِأَنَّ مُعَلِّمَ الْقُرْآنِ لَا يُعَدُّ خَادِمًا لِلْمُتَعَلِّمِ شَرْعًا وَلَا عُرْفًا. اهـ.
قُلْت: وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُمْ لَمْ يَجْعَلُوهُ اسْتِئْجَارَ الِابْنِ أَبَاهُ لِرَعْيِ الْغَنَمِ وَالزِّرَاعَةِ خِدْمَةً،
وَلَوْ كَانَ رَعْيُ الْغَنَمِ خِدْمَةً أَوْ رَذِيلَةً لَمْ يَفْعَلْهُ نَبِيُّنَا وَمُوسَى - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بَلْ هُوَ حِرْفَةٌ كَبَاقِي الْحِرَفِ الْغَيْرِ الْمُسْتَرْذَلَةِ يُقْصَدُ بِهَا الِاكْتِسَابُ فَكَذَا التَّعْلِيمُ لَا يُسَمَّى خِدْمَةً بِالْأَوْلَى.
[تَنْبِيهٌ] قَالَ فِي النَّهْرِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَعْلِيمُ كُلِّ الْقُرْآنِ إلَّا إذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى إرَادَةِ الْبَعْضِ، وَالْحِفْظُ لَيْسَ مِنْ مَفْهُومِهِ كَمَا لَا يَخْفَى اهـ: أَيْ فَلَا يَلْزَمُهُ تَعْلِيمُهُ عَلَى وَجْهِ الْحِفْظِ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهَا
(قَوْلُهُ وَلَهَا خِدْمَتُهُ) لِأَنَّ الْخِدْمَةَ إذَا كَانَتْ بِإِذْنِ الْمَوْلَى صَارَ كَأَنَّهُ يَخْدُمُ الْمَوْلَى حَقِيقَةً بَحْرٌ، فَلَيْسَ فِيهِ قَلْبُ الْمَوْضُوعِ. اهـ. ح وَلِأَنَّ اسْتِخْدَامَ زَوْجَتِهِ إيَّاهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ لِأَنَّهُ عُرْضَةٌ لِلِاسْتِخْدَامِ وَالِابْتِذَالِ لِكَوْنِهِ مُمَلَّكًا مُلْحَقًا بِالْبَهَائِمِ بَدَائِعُ
(قَوْلُهُ مَأْذُونًا فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي التَّزْوِيجِ عَلَى خِدْمَتِهِ،
فَلَوْ بِلَا إذْنِ مَوْلَاهُ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ
(قَوْلُهُ أَمَّا الْحُرُّ) أَيْ الزَّوْجُ الْحُرُّ
(قَوْلُهُ فَخِدْمَتُهُ لَهَا حَرَامٌ) أَيْ إذَا خَدَمَهَا فِيمَا يَخُصُّهَا عَلَى الظَّاهِرِ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ اسْتِخْدَامٍ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ عَطْفُ الِاسْتِخْدَامِ عَلَيْهِ ط
(قَوْلُهُ وَكَذَا اسْتِخْدَامُهُ) صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ أَيْضًا وَقَالَ: وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ لِلِابْنِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ أَبَاهُ لِلْخِدْمَةِ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهَا الِاسْتِخْدَامُ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْخِدْمَةُ
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.