وحكايته لسامعه لمنتهى الشهادتين مثنى
Its commentaries
(وَ) نُدِبَ (حِكَايَتُهُ لِسَامِعِهِ) بِأَنْ يَقُولَ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَكْرُوهًا فَلَا يَحْكِي فَإِنْ سَمِعَ الْبَعْضُ اقْتَصَرَ فِي الْحِكَايَةِ عَلَى مَا سَمِعَ (لِمُنْتَهَى الشَّهَادَتَيْنِ) فَلَا يَحْكِي الْحَيْعَلَتَيْنِ
وَقِيلَ يُبَدِّلُهُمَا بِحَوْقَلَتَيْنِ وَلَا يَحْكِي الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ وَلَا يُبَدِّلُهَا بِقَوْلِهِ صَدَقْت وَبَرَرْت وَظَاهِرُ الْمَشْهُورِ أَنَّهُ لَا يَحْكِي التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ الْأَخِيرَ مَعَ أَنَّهُ ذُكِرَ وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ يَحْكِيهِ
وَيُنْدَبُ مُتَابَعَتُهُ فِي الْحِكَايَةِ (مَثْنَى) فَلَا يَحْكِي التَّرْجِيعَ إلَّا إذَا لَمْ يَسْمَعْ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ إذَا كَانَ مَذْهَبُهُ تَرْبِيعَ التَّكْبِيرِ أَنَّ الْحَاكِيَ لَا يُرَبِّعُهُ وَيَحْكِيهِ السَّامِعُ
(قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ) أَيْ الْأَذَانُ مَكْرُوهًا كَمَا لَوْ كَانَ الْأَذَانُ لِفَائِتَةٍ أَوْ لِجِنَازَةٍ أَوْ فِي الْوَقْتِ الضَّرُورِيِّ أَوْ كَانَ فِيهِ تَطْرِيبٌ كَأَذَانِ مِصْرَ كَمَا قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ وَأَوْلَى إذَا كَانَ مُحَرَّمًا
(قَوْلُهُ: فَإِنْ سَمِعَ الْبَعْضَ اقْتَصَرَ فِي الْحِكَايَةِ عَلَى مَا سَمِعَ) تَبِعَهُ فِي ذَلِكَ عبق قَالَ شَيْخُنَا وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَحْكِي الْأَذَانَ كُلَّهُ كَمَا يُفِيدُهُ خَبَرُ إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ إذْ الْمُتَبَادَرُ مِنْ قَوْلِهِ إذَا سَمِعْتُمْ وَلَوْ الْبَعْضَ خُصُوصًا وَقَدْ قَالَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ وَلَمْ يَقُلْ مِثْلَ مَا قَالَ
(قَوْلُهُ: لِمُنْتَهَى الشَّهَادَتَيْنِ) أَيْ فَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ تُكْرَهُ حِكَايَتُهُ كَمَا فِي كَبِيرِ خش
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ يُبَدِّلُهُمَا بِحَوْقَلَتَيْنِ) حَاصِلُهُ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ يَقُولُ بِنَدْبِ حِكَايَةِ الْأَذَانِ لِآخِرِهِ إلَّا أَنَّهُ يُبَدِّلُ الْحَيْعَلَةَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ بِالْحَوْقَلَةِ وَذَكَرَ فِي المج أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ الرَّاجِحُ
(قَوْلُهُ: وَلَا يُبَدِّلُهَا بِقَوْلِهِ صَدَقْت إلَخْ) أَيْ
وَقِيلَ يُبَدِّلُهَا وَالْأَوَّلُ أَقْوَى
(قَوْلُهُ: وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ يَحْكِيهِ) الَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ السَّامِعَ لَا يَحْكِي الْحَيْعَلَتَيْنِ وَأَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي حِكَايَةِ مَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ إنْ شَاءَ فَعَلَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْ اُنْظُرْ نَصَّهَا فِي بْن وَفِي التَّوْضِيحِ وَإِذَا قُلْنَا لَا يَحْكِيهِ فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ فَهَلْ يَحْكِيهِ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ خَيَّرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَذَانَ قِيلَ تَنْدُبُ حِكَايَتُهُ لِآخِرِهِ إلَّا أَنَّهُ يُبَدِّلُ الْحَيْعَلَةَ بِحَوْقَلَةٍ وَرَجَّحَهُ فِي المج أَنَّ الْحِكَايَةَ لِمُنْتَهَى الشَّهَادَتَيْنِ وَلَا يَحْكِي الْحَيْعَلَتَيْنِ وَلَا يُبَدِّلُهُمَا بِالْحَوْقَلَتَيْنِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَعَلَى هَذَا فَقِيلَ لَا يَحْكِي التَّهْلِيلَ وَالتَّكْبِيرَ الْأَخِيرَ
وَقِيلَ إنَّهُ يُخَيَّرُ فِي حِكَايَتِهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. إنْ قُلْتَ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ظَاهِرٌ فِي حِكَايَةِ كُلِّ الْأَذَانِ. قُلْت الْمِثْلِيَّةُ تَصْدُقُ عِنْدَ الْعَرَبِ بِالْمِثْلِيَّةِ فِي الْكُلِّ وَبِالْمِثْلِيَّةِ فِي الْبَعْضِ فَأَصْحَابُ الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ حَمَلُوا الْمِثْلِيَّةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى أَدْنَى الرُّتَبِ وَهِيَ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْبَعْضِ فَجَعَلُوا الْحِكَايَةَ لِمُنْتَهَى الشَّهَادَتَيْنِ وَغَيْرُهُمْ حَمَلُوا الْمِثْلِيَّةَ عَلَى أَعْلَى الرُّتَبِ وَهِيَ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْكُلِّ فَجَعَلُوا الْحِكَايَةَ لِآخِرِ الْأَذَانِ اُنْظُرْ الْبَدْرَ
(قَوْلُهُ: فَلَا يَحْكِي التَّرْجِيعَ) أَيْ إذَا كَانَ سَمِعَ التَّشَهُّدَيْنِ أَوَّلًا وَحَكَاهُمَا فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُمَا حَكَى التَّرْجِيعَ
(قَوْلُهُ: وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ إلَخْ) أَيْ مِنْ تَرْكِ حِكَايَةِ التَّرْجِيعِ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ إلَى آخِرِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّ تَرْكَ حِكَايَةِ التَّرْبِيعِ الَّذِي لَيْسَ مَشْرُوعًا فِي الْمَذْهَبِ أَوْلَى مِنْ تَرْكِ حِكَايَةِ التَّرْجِيعِ الْمَشْرُوعِ فِي الْمَذْهَبِ فَإِذَا لَمْ يَحْكِ التَّرْجِيعَ مَعَ أَنَّهُ مَشْرُوعٌ فِي الْمَذْهَبِ فَالْأَوْلَى تَرْبِيعُ التَّكْبِيرِ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ فِيهِ وَهَذَا قَوْلُ الشَّيْخِ سَالِمٍ السَّنْهُورِيِّ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَاسْتَظْهَرَ بَعْضُهُمْ حِكَايَةَ التَّرْبِيعِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ «إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ» وَمِنْ جُمْلَةِ مَا يَقُولُ تَرْبِيعُ التَّكْبِيرِ
وَأَمَّا التَّرْجِيعُ فَلَا يُحْكَى اتِّفَاقًا إلَّا بِالْقَيْدِ السَّابِقِ
(قَوْلُهُ: أَنَّ الْحَاكِيَ لَا يُرَبِّعُهُ) أَيْ بَلْ يَحْكِي أَوَّلَيْهِ فَقَطْ إنْ سَمِعَهُمَا وَإِلَّا حَكَى أَخِيرَتَيْهِ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ مُتَنَفِّلًا) أَيْ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إنَّ الْمُصَلِّيَ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا لَا يَحْكِيهِ
ص (وَحِكَايَتُهُ لِسَامِعِهِ لِمُنْتَهَى الشَّهَادَتَيْنِ مَثْنًى وَلَوْ مُتَنَفِّلًا لَا مُفْتَرِضًا) ش يَعْنِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ حِكَايَةُ الْمُؤَذِّنِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ حُكْمَهَا الِاسْتِحْبَابُ هُوَ الْمَشْهُورُ وَأَطْلَقَ ابْنُ زَرْقُونٍ عَلَيْهَا الْوُجُوبَ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَلَا أَعْرِفُهُ، قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: هُوَ قُصُورٌ بَلْ هُوَ مَعْرُوفٌ لِنَقْلِ ابْنِ شَاسٍ فِي التَّهْذِيبِ، قَالَ: الظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ وَسَمِعْنَا فِي الْمُذَكِّرَاتِ قَوْلَيْنِ: الْوُجُوبَ وَنَفْيَهُ وَهُمَا عَلَى الْخِلَافِ فِي أَوَامِرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - هَلْ هِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ
وَكَذَلِكَ ذَكَرَ الْخِلَافَ ابْنُ رُشْدٍ،
فَقَالَ: وَقِيلَ: وَاجِبٌ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْوُجُوبُ لَكِنْ قَدْ تَكُونُ الْقَرِينَةُ الصَّارِفَةُ عَنْهُ هِيَ تَبَعِيَّةُ قَوْلِ الْحَاكِي لِلْقَوْلِ الْمَحْكِيِّ الَّذِي هُوَ الْأَذَانُ انْتَهَى، وَقَوْلُهُ: لِمُنْتَهَى الشَّهَادَتَيْنِ يَعْنِي أَنَّ الْحِكَايَةَ تَنْتَهِي إلَى قَوْلِهِ: " وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ " وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ،
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَعْنَى مَا رُوِيَ أَنَّهُ إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ فَقُلْ مِثْلَ مَا يَقُولُ إنَّمَا ذَلِكَ فِيمَا يَقَعُ فِي قَلْبِي إلَى قَوْلِهِ:" وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ "
قَالَ فِي الطِّرَازِ وَمَا قَالَهُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ وَالتَّشَهُّدَ لَفْظٌ هُوَ فِي عَيْنِهِ قُرْبَةٌ؛ لِأَنَّهُ تَمْجِيدٌ وَتَوْحِيدٌ وَالْحَيْعَلَةُ إنَّمَا هِيَ دُعَاءٌ إلَى الصَّلَاةِ وَالسَّامِعُ لَيْسَ بِدَاعٍ إلَيْهَا وَقَدْ وَقَعَ تَصْدِيقُ مَا وَقَعَ بِقَلْبِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِنْ إيمَاءِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إلَى ذَلِكَ، فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ رَضِيتُ بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ» فَلَمْ يَذْكُرْ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إلَّا لَفْظَ التَّمْجِيدِ وَالتَّوْحِيدِ وَالتَّشَهُّدِ،
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ «عَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ الْمُؤَذِّنُ، وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى الْمِنْبَرِ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، قَالَ مُعَاوِيَةُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ وَأَنَا، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: وَأَنَا فَلَمَّا انْقَضَى التَّأْذِينُ، قَالَ مُعَاوِيَةُ: أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى هَذَا الْمَجْلِسِ حِينَ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ يَقُولُ مِثْلَ مَا سَمِعْتُمْ مِنْ مَقَالَتِي» ، فَظَاهِرُهُ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى التَّشَهُّدِ، وَقَوْلِ مَالِكٍ يَقَعُ فِي قَلْبِي يُرِيدُ الَّذِي غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَجْهَهُ انْتَهَى.
وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ أَنَّ الْمَطْلُوبَ أَنْ يُحَاكِيَهُ فِي جَمِيعِ الْأَذَانِ، قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ شَعْبَانَ عَنْ مَالِكٍ، وَاخْتَارَهُ الْمَازِرِيُّ،
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَهُوَ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ كَذَلِكَ وَرَدَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ، وَعَلَيْهِ فَيُبْدِلُ الْحَيْعَلَتَيْنِ بِالْحَوْقَلَةِ أَيْ يُعَوِّضُ عَنْ قَوْلِهِ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ ثُمَّ يَحْكِي مَا بَعْدَهُمَا هَكَذَا،
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ أَوْ غَيْرِهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّهُ إنَّمَا يُعَوِّضُ فِي قَوْلِهِ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ فَقَطْ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَذَكَرَ أَنَّهُ يَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
(قُلْتُ) وَلَمْ أَرَ زِيَادَةَ قَوْلِهِ: " الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ " فِي كَلَامِ أَحَدٍ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يُحَوْقِلُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ النَّوَوِيُّ وَالْحِكْمَةُ فِي إبْدَالِ الْحَوْقَلَةِ مِنْ الْحَيْعَلَةِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمَازِرِيُّ، وَغَيْرُهُ أَنَّ الْحَيْعَلَةَ دُعَاءٌ إلَى الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ الْأَجْرُ فِيهِ بِالْإِسْمَاعِ فَأُمِرَ الْحَاكِي بِالْحَوْقَلَةِ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ يَحْصُلُ لِقَائِلِهَا سَوَاءٌ أَعْلَنَهَا أَوْ أَخْفَاهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَلْفَاظَ الْأَذَانِ ذِكْرٌ، وَهِيَ تُفِيدُ الْحَاكِيَ
بِخِلَافِ الْحَيْعَلَةِ فَإِنَّ مَعْنَاهَا هَلُمُّوا إلَى الصَّلَاةِ هَلُمُّوا إلَى الْفَلَاحِ وَلَا يُفِيدُ الْحَاكِيَ قَوْلُهُمَا فِيمَا بَيْنَهُ، وَبَيْنَ نَفْسِهِ فَعُوِّضَ مِنْ ذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ كَلَامًا يُنَاسِبُ قَوْلَ الْمُؤَذِّنِ، وَيَكُونُ جَوَابًا لَهُ بِأَنْ تَبَرَّأَ مِنْ الْحَوْلِ، وَالْقُوَّةِ عَلَى إتْيَانِ الصَّلَاةِ، وَالْفَلَاحِ إلَّا بِحَوْلِ اللَّهِ وَقُوَّتِهِ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: الْحَوْلُ مَعْنَاهُ الْمُحَاوَلَةُ وَالتَّحَيُّلُ وَالْقُوَّةُ مَعْنَاهَا الْقُدْرَةُ، وَمَعْنَى الْكَلَامِ لَا حِيلَةَ لَنَا وَلَا قُدْرَةَ عَلَى شَيْءٍ إلَّا بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَشِيئَتِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ الدَّمِيرِيُّ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ:«لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ» أَيْ: أَجْرُهَا مُدَّخَرٌ لِقَائِلِهَا كَمَا يُدَّخَرُ الْكَنْزُ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْتُ «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: تَدْرِي مَا تَفْسِيرُهَا؟ قُلْتُ: لَا قَالَ: لَا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إلَّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ، وَلَا قُوَّةَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إلَّا بِعَوْنِ اللَّهِ ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيَّ، وَقَالَ: هَكَذَا أَخْبَرَنِي جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -» انْتَهَى.
وَفِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ إشَارَةٌ إلَى عَظِيمِ الثَّوَابِ الَّذِي يَحْصُلُ فِيهَا وَنَفَاسَتِهِ وَإِلَّا فَجَمِيعُ الثَّوَابِ مُدَّخَرٌ فِي الْآخِرَةِ،
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: قَالَ أَبُو الْهَيْثَمِ: الْحَوْلُ الْحَرَكَةُ أَيْ: لَا حَرَكَةَ وَلَا اسْتِطَاعَةَ إلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ،
وَكَذَا قَالَ ثَعْلَبٌ وَآخَرُونَ وَقِيلَ: لَا حَوْلَ فِي دَفْعِ شَرٍّ وَلَا قُوَّةَ فِي تَحْصِيلِ خَيْرٍ إلَّا بِاَللَّهِ، ثُمَّ حَكَى تَفْسِيرَ ابْنِ مَسْعُودٍ، ثُمَّ قَالَ وَحَكَى الْجَوْهَرِيُّ لُغَةً غَرِيبَةً ضَعِيفَةً يُقَالُ: لَا حَيْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ بِالْيَاءِ، قَالَ: وَالْحَيْلُ وَالْحَوْلُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ انْتَهَى. وَلَمْ يُضَعِّفْ الْجَوْهَرِيُّ اللُّغَةَ الْمَذْكُورَةَ بَلْ قَالَ: هِيَ لُغَةٌ، وَحَكَاهَا ابْنُ فَرْحُونٍ،
وَفِي حَدِيثٍ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَذَكَرَ فِي الْإِحْيَاءِ فِي كِتَابِ الْأَذْكَارِ: أَنَّ الْعَبْدَ إذَا قَالَهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَسْلَمَ عَبْدِي وَاسْتَسْلَمَ.
(الثَّانِي) ، قَالَ الدَّمِيرِيُّ: الْحَاءُ وَالْعَيْنُ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ إلَّا أَنْ تُؤَلَّفَ مِنْ كَلِمَتَيْنِ كَالْحَيْعَلَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ فِي الْمُعَلِّمِ: قَالَ فِي الْمُطَرَّزِ فِي كِتَابِ الْيَوَاقِيتِ، وَغَيْرِهِ: إنَّ الْأَفْعَالَ الَّتِي أُخِذَتْ مِنْ أَسْمَائِهَا سَبْعَةٌ، وَهِيَ:" بَسْمَلَ " إذَا قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ " وَسَبْحَلَ " إذَا قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ " وَحَوْقَلَ " إذَا قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ، " وَحَيْعَلَ " إذَا قَالَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، وَيَجِيءُ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ " الْحَيْصَلَةُ " إذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ، " وَحَمْدَلَ " إذَا قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، " وَهَيْلَلَ " إذَا قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، " وَجَعْفَلَ " إذَا قَالَ: جُعِلْتُ فِدَاكَ زَادَ الثَّعْلَبِيُّ " الطَّبْقَلَةُ " إذَا قَالَ: أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ، " وَالدَّمْعَزَةُ " إذَا قَالَ: أَدَامَ اللَّهُ عِزَّكَ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْإِكْمَالِ: قَوْلُهُ " الْحَيْصَلَةُ " عَلَى قِيَاسِ الْحَيْعَلَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ بَلْ الْحَيْعَلَةُ تَنْطَلِقُ عَلَى " حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ "، وَعَلَى " حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ " كُلُّهُ حَيْعَلَةٌ وَلَوْ كَانَ عَلَى قِيَاسِهِ فِي الْحَيْصَلَةِ لَقِيلَ فِي: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ الْحَيْفَلَةُ، وَهَذَا لَمْ يُقَلْ وَإِنَّمَا الْحَيْعَلَةُ مِنْ حَيَّ عَلَى كَذَا فَكَيْفَ وَهَذَا بَابٌ مَسْمُوعٌ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ، وَانْظُرْ قَوْلَهُ:" جَعْفَلَ " فِي جُعِلْتُ فِدَاكَ لَوْ كَانَ عَلَى قِيَاسِ " الْحَيْعَلَةِ " لَكَانَ جَعْلَفَ إذْ اللَّامُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْفَاءِ
وَكَذَلِكَ " الطَّبْقَلَةُ " تَكُونُ اللَّامُ عَلَى الْقِيَاسِ قَبْلَ الْبَاءِ وَالْقَافِ انْتَهَى.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَيُقَالُ فِي التَّعْبِيرِ عَنْ قَوْلِهِمْ: " لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ " الْحَوْقَلَةُ، هَكَذَا قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَالْأَكْثَرُونَ،
وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ:" الْحَوْقَلَةُ " فَعَلَى الْأَوَّلِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ الْحَاءُ وَالْوَاوُ مِنْ الْحَوْلِ، وَالْقَافُ مِنْ الْقُوَّةِ، وَاللَّامُ مِنْ اسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى الثَّانِي الْحَاءُ وَاللَّامُ مِنْ الْحَوْلِ، وَالْقَافُ مِنْ الْقُوَّةِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِئَلَّا يُفْصَلَ بَيْنَ الْحُرُوفِ وَمِثْلُ الْحَوْقَلَةِ الْحَيْعَلَةُ فِي " حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ حَيَّ عَلَى كَذَا "، وَالْبَسْمَلَةُ فِي " بِسْمِ اللَّهِ "، وَالْحَمْدَلَةُ فِي " الْحَمْدِ لِلَّهِ "، وَالْهَيْلَلَةُ فِي " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ "، وَالسَّبْحَلَةُ فِي " سُبْحَانَ اللَّهِ ".
(قُلْتُ) وَلَمْ يَذْكُرْ الْحَسْبَلَةَ وَقَدْ ذَكَرَهَا الشَّاطِبِيُّ فِي قَصِيدَتِهِ وَقَبِلَهَا شُرَّاحُهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهَا مَسْمُوعَةٌ.
(الثَّالِثُ) : لَمْ أَقِفْ عَلَى كَلَامِ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ عَلَى مَا يَقُولُ الْحَاكِي فِي قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ إذَا أَذَّنَ الصُّبْحَ " الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ " عَلَى مُقَابِلِ الْمَشْهُورِ، وَحَكَى النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ فِي ذَلِكَ خِلَافًا، فَقَالَ: وَيَقُولُ فِي قَوْلِهِ: " الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ " صَدَقْتَ وَبَرَرْتَ،
وَقِيلَ: يَقُولُ صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ، وَاقْتَصَرَ فِي مِنْهَاجِهِ عَلَى الْأَوَّلِ، قَالَ الدَّمِيرِيُّ وَادَّعَى ابْنُ الرِّفْعَةِ أَنَّ خَبَرًا وَرَدَ فِيهِ، وَلَا يُعْرَفُ مَا قَالَهُ " وَبَرِرْتُ " بِكَسْرِ الرَّاءِ الْأُولَى وَسُكُونِ الثَّانِيَةِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) سَمِعْتُ بَعْضَ النَّاسِ يَقُولُ: صَدَقْتَ وَبَرَرْتَ أَرْشَدَكَ اللَّهُ، وَلَمْ أَرَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي كَلَامِ أَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَلَا غَيْرِهِمْ.
(الرَّابِعُ) إذَا قُلْنَا بِالْمَشْهُورِ أَنَّ مُنْتَهَى الْحِكَايَةِ إلَى مُنْتَهَى الشَّهَادَتَيْنِ فَهَلْ تَرْكُ الْحِكَايَةِ فِي بَقِيَّةِ الْأَذَانِ أَوْلَى أَوْ جَائِزَةٌ؟
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ: الَّذِي يَقَعُ فِي نَفْسِي أَنَّهُ يَحْكِيهِ إلَى قَوْلِهِ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ،
وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَحَدٌ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا،
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ تَرْكَهُ أَوْلَى وَهَذَا عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ سَحْنُونٌ، وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُمَا تَأَوَّلَا ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ،
وَإِنْ أَتَمَّ الْأَذَانَ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا وَعَلَى ذَلِكَ اقْتَصَرَ الْبَرَاذِعِيُّ،
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ وَالْبَاجِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ وَلَوْ فَعَلَ مَا يَقَعُ فِي قَلْبِي، وَصَوَّبَهُ بَعْضُ شُيُوخِ عَبْدِ الْحَقِّ أَيْ: لِأَنَّهُ الْمَذْكُورُ
وَأَمَّا إتْمَامُ الْأَذَانِ فَلَيْسَ مَذْكُورًا انْتَهَى. وَهُوَ الَّذِي ارْتَضَاهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ قَالَ: لِأَنَّ قَوْلَهُ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا لَا يَلِيقُ أَنْ يُعَلَّقَ بِفِعْلِ مَا يَتَنَاوَلُ عُمُومَ اللَّفْظِ فَإِنَّ ذَلِكَ مَعْقُولٌ مِنْ نَفْسِ الْعُمُومِ فَإِنَّمَا اللَّائِقُ إذَا اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْعُمُومُ فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ بَأْسٌ فِيمَا تَرَكَ، وَلَعَمْرِي أَيْضًا لَوْ حَكَى مَعَهُ جَمِيعَ الْأَذَانِ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ إذَا كَانَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ لَكِنْ الْمُنَاقَشَةُ فِيمَا هُوَ قَصْدُ مَالِكٌ انْتَهَى.
(الْخَامِسُ) : قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: إذَا قُلْنَا لَا يَحْكِيهِ فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ، فَهَلْ يَحْكِيهِ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ؟ خَيَّرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ انْتَهَى. يُشِيرُ إلَى قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَيَقُولُ مِثْلَهُ؟ قَالَ: هُوَ مِنْ ذَلِكَ فِي سَعَةٍ إنْ شَاءَ فَعَلَ،
وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْ، قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ: أَسْقَطَ الْبَرَاذِعِيُّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَلَعَلَّهُ اكْتَفَى بِقَوْلِهِ " وَإِنْ أَتَمَّ مَعَهُ الْأَذَانَ فَلَا بَأْسَ بِهِ،
وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَوَائِدُ، مِنْهَا: أَنَّهُ مَا يَلْزَمُهُ تَكْرَارُ اللَّفْظَةِ وَإِنَّمَا الْمَطْلُوبُ مِنْهُ الذِّكْرُ لَا غَيْرُ فَيَكْتَفِي بِقَوْلِهِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ عَنْ تَكْرِيرِ الشَّهَادَتَيْنِ كَمَا يَكْتَفِي بِذِكْرِ أَوَّلِهِ عَنْ ذِكْرِ آخِرِهِ، وَمِنْهَا: أَنَّهُ إذَا سَمِعَ مُؤَذِّنًا آخَرَ تَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ مِنْ هَذَا الْفَرْعِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْقَوْلُ مَعَهُ كَآخِرِ الْأَذَانِ،
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ يَلْزَمُهُ بِخِلَافِ آخِرِ الْأَذَانِ، وَاَلَّذِي يُوَضِّحُ هَذَا الْأَصْلَ حُصُولُ الْوِفَاقِ عَلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ وَحْدَهُ يُنْدَبُ إلَى الْإِقَامَةِ،
وَأَنَّ الْجَمَاعَةَ يُقِيمُ لَهَا وَاحِدٌ
فَلَوْ كَانَ تَكْرَارُ الْأَذَانِ يُوجِبُ تَكْرَارَ الْحِكَايَةِ لِاسْتُحِبَّ لِكُلِّ مَنْ فِي الْمَسْجِدِ أَنْ يُقِيمَ الصَّلَاةَ إذَا أَقَامَهَا الْمُؤَذِّنُ بَعْدَ مَا أَذَّنَ انْتَهَى.
(فَائِدَةٌ) قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ: حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ الصَّدِيقُ الصَّدُوقُ الصَّالِحُ الْأَزْكَى الْعَالِمُ الْأَوْفَى الْمُجْتَهِدُ الْمُجَاوِرُ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الْمُتَجَرِّدُ الْأَرْضَى صَدْرُ الدِّينِ بْنُ سَيِّدِنَا الصَّالِحِ بَهَاءِ الدِّينِ عُثْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ الْفَاسِيِّ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: لَقِيتُ الشَّيْخَ الْعَالِمَ الْمُتَفَنِّنَ الْمُفَسِّرَ الْمُحَدِّثَ الْمَشْهُورَ الْفَضَائِلُ نُورَ الدِّينِ الْخُرَاسَانِيَّ بِمَدِينَةِ شِيرَازَ، وَكُنْتُ عِنْدَهُ فِي وَقْتِ الْأَذَانِ فَلَمَّا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ قَبَّلَ الشَّيْخُ نُورُ الدِّينِ إبْهَامَيْ يَدَيْهِ الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى وَمَسَحَ بِالظُّفْرَيْنِ أَجْفَانَ عَيْنَيْهِ عِنْدَ كُلِّ تَشَهُّدٍ مَرَّةً بَدَأَ بِالْمُوقِ مِنْ نَاحِيَةِ الْأَنْفِ، وَخَتَمَ بِاللَّحَاظِ مِنْ نَاحِيَةِ الصُّدْغِ، قَالَ فَسَأَلَتْهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إنِّي كُنْتُ أَفْعَلُهُ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ حَدِيثٍ، ثُمَّ تَرَكْتُهُ فَمَرِضَتْ عَيْنَايَ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَنَامِ، فَقَالَ لِي لِمَ تَرَكْتَ مَسْحَ عَيْنَيْكَ عِنْدَ ذِكْرِي فِي الْأَذَانِ إنْ أَرَدْتَ أَنْ تَبْرَأَ عَيْنَاكَ فَعُدْ إلَى الْمَسْحِ أَوْ كَمَا قَالَ فَاسْتَيْقَظْتَ وَمَسَحْتَ فَبَرِئَتْ عَيْنَايَ وَلَمْ يُعَاوِدْنِي مَرَضُهُمَا إلَى الْآنَ.
وَرُوِيَ عَنْ الْخَضِرِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ مَرْحَبًا بِحَبِيبِي وَقُرَّةِ عَيْنِي مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ يُقَبِّلُ إبْهَامَيْهِ، وَيَجْعَلُهُمَا عَلَى عَيْنَيْهِ لَمْ يَعْمَ، وَلَمْ يَرْمَدْ أَبَدًا،
قَالَ فِي الصِّحَاحِ: وَاللَّحَاظُ بِالْفَتْحِ مُؤَخَّرُ الْعَيْنِ انْتَهَى. زَادَ فِي مُخْتَصَرِ الْعَيْنِ مِنْ جَانِبِ الْأَذَانِ، وَيَظْهَرُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمُوقَ هُوَ جَانِبُ الْعَيْنِ مِنْ جَانِبِ الْأَنْفِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَقَوْلُهُ مُثَنِّي يَعْنِي بِهِ أَنَّ الْحَاكِيَ يُكَرِّرُ الشَّهَادَتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَلَا يُرَجِّعُ كَمَا يُرَجِّعُ الْمُؤَذِّنُ،
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَفِي تَكْرِيرِ التَّشَهُّدِ قَوْلَانِ أَيْ فِي التَّرْجِيعِ،
وَأَمَّا تَثْنِيَتُهُ فَلَا بُدَّ مِنْهَا كَالتَّكْبِيرِ
وَحَاصِلُهُ هَلْ يَقُولُ الشَّهَادَتَيْنِ مِثْلَ الْمُؤَذِّنِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ أَوْ مَرَّتَيْنِ؟ وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ التَّكْرَارِ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ، وَالتَّكْرَارُ لِلدَّاوُدِيِّ وَعَبْدِ الْوَهَّابِ انْتَهَى. وَنَحْوُهُ لِابْنِ فَرْحُونٍ،
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَالْأَوْلَى بَعْدَ تَسْلِيمِ الْمَشْهُورِ الِانْتِهَاءُ إلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّ الصَّوْتَ مَعَهُ أَرْفَعُ فَعِنْدَهُ تَكُونُ الْحِكَايَةُ أَظْهَرَ انْتَهَى.
وَالْقَوْلَانِ حَكَاهُمَا الْقَرَافِيُّ عَنْ الْمَازِرِيِّ وَعَلَّلَ الْأَوَّلَ بِحُصُولِ الْمِثْلِيَّةِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: مِثْلَ مَا يَقُولُ بِالتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَبِأَنَّ التَّرْجِيعَ إنَّمَا هُوَ لِلْإِسْمَاعِ وَالسَّامِعُ لَيْسَ بِمُسْمِعٍ، وَعَلَّلَ الثَّانِيَ بِأَنَّهُ نَظَرٌ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) فُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هَذَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَثْنِيَةِ الشَّهَادَتَيْنِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي كَلَامِهِ فِي التَّوْضِيحِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ، وَهَذَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ غَيْرِهِ،
قَالَ فِي الْإِكْمَالِ: وَاخْتُلِفَ فِي الْحَدِّ الَّذِي يَحْكِي فِيهِ الْمُؤَذِّنَ هَلْ إلَى التَّشَهُّدَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ أَمْ الْآخَرَيْنِ أَمْ لِآخِرِ الْأَذَانِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَتُسْتَحَبُّ الْحِكَايَةُ وَفِي كَوْنِهَا لِآخِرِ التَّشَهُّدَيْنِ أَوْ آخِرِهِ مُعَوِّضًا الْحَيْعَلَةَ بِالْحَوْقَلَةِ قَوْلَانِ لَهَا، وَلِابْنِ حَبِيبٍ مَعَ رِوَايَةِ ابْنِ شَعْبَانَ وَعَلَى الْأَوَّلِ فِي قَوْلٍ: التَّشَهُّدُ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَمُعَاوَدَتُهُ إذَا عَاوَدَهُ الْمُؤَذِّنُ مَعَهُ أَوْ قَبْلَهُ نَقْلًا، الْبَاجِيُّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَالْقَاضِي انْتَهَى.
فَقَوْلُهُ:" مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ " قَدْ يَتَبَادَرُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُكَرِّرُ التَّشَهُّدَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا مُرَادُهُ، هَلْ يَحْكِيهِ فِي التَّرْجِيعِ أَمْ لَا كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْبَاجِيِّ الَّذِي نَقَلَ عَنْهُ الْقَوْلَيْنِ؟ نَعَمْ كَلَامُ صَاحِبِ الطِّرَازِ الْمُتَقَدِّمُ يُوهِمُ أَنْ لَا يُكَرِّرَ الشَّهَادَةَ فَتَأَمَّلْهُ.
(الثَّانِي) مَنْ لَمْ يَسْمَعْ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَحْكِيهِ فِي التَّرْجِيعِ، وَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا وَلَكِنَّهُ ظَاهِرٌ،
وَفِي كَلَامِ اللَّخْمِيِّ فِي أَوَّلِ بَابِ الْأَذَانِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ.
(الثَّالِثُ) إذَا كَانَ الْمُؤَذِّنُ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا فَهَلْ يَحْكِيهِ فِي الْأَرْبَعِ أَوْ إنَّمَا يَحْكِيهِ فِي التَّكْبِيرَتَيْنِ الْأُولَتَيْنِ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصَّا، وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ إنَّمَا يَحْكِيهِ فِي التَّكْبِيرَتَيْنِ الْأُولَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَحْكِهِ فِي التَّرْجِيعِ مَعَ أَنَّهُ مَشْرُوعٌ فَأَحْرَى فِي التَّكْبِيرِ الَّذِي يَرَى أَنَّهُ غَيْرُ مَطْلُوبٍ انْتَهَى.
(الرَّابِعُ) تَقَدَّمَ الْخِلَافُ بِتَكْرِيرِ الْحِكَايَةِ إذَا تَكَرَّرَ الْمُؤَذِّنُونَ وَقَدْ ذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ الْمَازِرِيُّ، وَنَقَلَهُمَا عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَابْنُ نَاجِي وَاخْتَارَ اللَّخْمِيُّ تَكْرَارَ الْحِكَايَةِ وَتَقَدَّمَ كَلَامُ صَاحِبِ الطِّرَازِ أَنَّ بَعْضَهُمْ أَخَذَ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ عَدَمَ التَّكْرَارِ،
وَفِي كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ مَيْلٌ إلَيْهِ، وَصَرَّحَ الْوَنْشَرِيسِيُّ فِي قَوَاعِدِهِ بِأَنَّ الْمَشْهُورَ نَفْيُ التَّعَدُّدِ.
(الْخَامِسُ) قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ التَّادَلِيُّ: وَاخْتُلِفَ هَلْ يُحَاكِي الْمُؤَذِّنُ مُؤَذِّنًا غَيْرَهُ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ ذَكَرَهُمْ صَاحِبُ الْحُلَلِ قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَلَا أَعْرِفُهُ لِغَيْرِهِ، نَعَمْ يَجْرِي الْخِلَافُ مِنْ الصَّلَاةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(السَّادِسُ) يُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ الْأَذَانِ،
وَأَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ ثُمَّ يَدْعُو بِمَا شَاءَ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ:«إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تُبْتَغَيْ إلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ» ، وَقَوْلُهُ: مَقَامًا مَحْمُودًا كَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مُنَكَّرًا، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلَّفْظِ؛
لِأَنَّهُ أَعْنِي قَوْله تَعَالَى {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} ، وَرُوِيَ مَعْرُوفًا، وَهُوَ صَحِيحٌ رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَزَادَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ: الَّذِي وَعَدْتَهُ إنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ وَرَوَاهَا الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ، وَصَرَّحَ صَاحِبُ الطِّرَازِ بِاسْتِحْبَابِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ إنَّمَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ إذَا كَانَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ، فَإِنَّهُ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى الْحِكَايَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَذَكَرَ قَوْلَ ابْنِ حَبِيبٍ: أَنَّهُ يَحْكِيهِ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ، وَقَوْلَ سَحْنُونٍ: أَنَّهُ لَا يَحْكِيهِ فِيهِمَا،
قَالَ فِي تَوْجِيهِ الْقَوْلَيْنِ فَتَعَلَّقَ ابْنُ حَبِيبٍ بِعُمُومِ الْحَدِيثِ، وَتَعَلَّقَ سَحْنُونٌ بِمَسَاقِهِ فَإِنَّ فِيهِ " ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ " وَسَاقَ الْحَدِيثَ إلَى آخِرِهِ ثُمَّ، قَالَ وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ خَارِجَ الصَّلَاةِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ إنَّمَا يَعْنِي فِي غَيْرِ تِلْكَ الْحَالِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَسْكَرٍ فِي عُمْدَتِهِ
وَيُسْتَحَبُّ لِسَامِعِي الْأَذَانِ حِكَايَتُهُ لِمُنْتَهَى الشَّهَادَتَيْنِ، وَيُعَوِّضُ الْحَوْقَلَةَ عَنْ الْحَوْعَلَةِ، وَيَقُولُ إذَا فَرَغَ الْمُؤَذِّنُ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْقَوَانِينِ: وَيَنْبَغِي لِسَامِعِ الْأَذَانِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَسْأَلَ مِنْ اللَّهِ لَهُ الْوَسِيلَةَ ثُمَّ يَدْعُوَ بِمَا شَاءَ انْتَهَى. وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِاسْتِحْبَابِ ذَلِكَ لِلْمُؤَذِّنِ أَيْضًا وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ،
وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَيُسْتَحَبُّ لَهُ الدُّعَاءُ عِنْدَ الْأَذَانِ وَعِنْدَ الْإِقَامَةِ فِيمَا يُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ إذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ لَبَّيْكَ دَاعِيَ اللَّهِ سَمِعَ السَّامِعُونَ بِحَمْدِ اللَّهِ، وَنِعْمَتِهِ اللَّهُمَّ أَفْضِلْ عَلَيْنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، ثُمَّ يَقُولُ مِثْلَ مَا يَقُولُ وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «مَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ، فَقَالَ مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ قَالَ رَضِيتُ بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَسُولًا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ» ، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْأَذَانَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ النَّافِعَةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ وَأَعْطِهِ الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَالشَّفَاعَةَ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ إذَا سَمِعَتْ الْمُؤَذِّنَ، قَالَتْ: شَهِدْتُ وَآمَنْتُ وَأَيْقَنْتُ وَصَدَّقْتُ وَأَجَبْتُ دَاعِيَ اللَّهِ وَكَفَرْتُ مَنْ أَبَى أَنْ يُجِيبَهُ انْتَهَى.
(فَائِدَةٌ) قَالَ فِي الْإِكْمَالِ فِي قَوْلِهِ: " حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ "، يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَخْصُوصًا لِمَنْ فَعَلَ مَا حَضَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَلَيْهِ وَأَتَى بِذَلِكَ عَلَى وَجْهِهِ وَفِي وَقْتِهِ بِإِخْلَاصٍ وَصِدْقِ نِيَّةٍ، وَكَانَ بَعْضُ مَنْ رَأَيْنَاهُ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ يَقُولُ: هَذَا
وَمِثْلُهُ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا "، هُوَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِمَنْ صَلَّى عَلَيْهِ مُحْتَسِبًا مُخْلِصًا قَاضِيًا حَقَّهُ بِذَلِكَ إجْلَالًا لِمَكَانِهِ وَحُبًّا فِيهِ لَا لِمَنْ قَصَدَ بِذَلِكَ وَدَعَا بِهِ مُجَرَّدَ الثَّوَابِ وَرَجَاء أَوْ مُجَرَّدَ الْإِجَابَةِ لِدُعَائِهِ بِصَلَاتِهِ عَلَيْهِ وَالْحَظَّ لِنَفْسِهِ، وَهَذَا عِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ انْتَهَى.
، وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ: وَالدُّعَاءُ حِينَئِذٍ تُرْجَى بَرَكَتُهُ، وَعِنْدَ الزَّحْفِ، وَنُزُولِ الْغَيْثِ، وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ انْتَهَى.
(السَّابِعُ) مَا ذَكَرَهُ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بِلَفْظِ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ رَضِيتُ بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَسُولًا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ» ،
وَفِي رِوَايَةٍ:«مَنْ قَالَ حِينَ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ وَأَنَا أَشْهَدُ» وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ وَزَادَ فِيهِ: «غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ» .
(قُلْتُ) وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ ضَعِيفَةٌ كَمَا بَيَّنْتُ ذَلِكَ بِالْجُزْءِ الَّذِي سَمَّيْتُهُ {تَفْرِيحُ الْقُلُوبِ بِالْخِصَالِ الْمُكَفِّرَةِ لِمَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ مِنْ الذُّنُوبِ} ، وَبَيَّنَ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ،
وَفِي الْأَذْكَارِ أَنَّهُ يَقُولُ: رَضِيتُ بِاَللَّهِ رَبًّا. إلَخْ بَعْدَ قَوْلِهِ:" وَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ "، وَقَوْلِهِ:" وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا " كَذَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَفِيهَا أَيْضًا تَقْدِيمُ قَوْلِهِ: وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، عَلَى قَوْلِهِ: وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا،
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ تَقْدِيمُ قَوْلِهِ:" وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا " وَقَالَ فِيهَا: " وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا " قَالَ بَعْضُ شُيُوخِ شُيُوخِنَا: فَيَنْبَغِي أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فَيَقُولُ: وَبِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَبِيًّا رَسُولًا.
(قُلْتُ) وَقَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ نَحْوَ ذَلِكَ فِي الْأَذْكَارِ لَمَّا ذَكَرَ أَذْكَارَ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ، فَقَالَ: وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ: وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا،
وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ:" نَبِيًّا "، فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْمَعَ الْإِنْسَانُ بَيْنَهُمَا فَيَقُولُ:" نَبِيًّا وَرَسُولًا " وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا لَكَانَ عَامِلًا بِالْحَدِيثِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ فِي مَرَّةٍ: " أَشْهَدُ " وَفِي مَرَّةٍ: " وَأَنَا أَشْهَدُ "؛ لِيَعْمَلَ بِجَمِيعِ الرِّوَايَاتِ.
(الثَّامِنُ) زَادَ بَعْضُهُمْ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ بَعْدَ قَوْلِهِ: " وَالْفَضِيلَةَ "" وَالدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ "، قَالَ الْحَافِظُ السَّخَاوِيُّ فِي الْمَقَاصِدِ الْحَسَنَةِ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُشْتَهِرَةِ عَلَى الْأَلْسِنَةَ: لَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ الرِّوَايَاتِ، قَالَ وَكَانَ مَنْ زَادَهَا اغْتَرَّ بِمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الشِّفَاءِ فِي الْحَدِيثِ الْمُشَارِ إلَيْهِ لَكِنْ مَعَ زِيَادَتِهَا فِي هَذِهِ النُّسْخَةِ عَلَّمَ عَلَيْهَا كَاتِبُهَا بِمَا يُشِيرُ إلَى الشَّكِّ فِيهَا، وَلَمْ أَرَهَا فِي سَائِرِ نُسَخِ الشِّفَاءِ، بَلْ عَقَدَ لَهَا فِي الشِّفَاءِ فَصْلًا فِي مَعَانٍ أُخَرَ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ حَدِيثًا صَرِيحًا، وَهُوَ دَلِيلٌ لِغَلَطِهَا انْتَهَى.
(قُلْتُ) يُشِيرُ إلَى قَوْلِهِ: فَصْلٌ فِي تَفْضِيلِهِ فِي الْجَنَّةِ بِالْوَسِيلَةِ وَالدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ وَالْكَوْثَرِ وَالْفَضِيلَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ الدَّمِيرِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَقَعَ فِي الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ، وَالْمُحَرَّرِ بَعْدَ " وَالْفَضِيلَةَ " زِيَادَةُ " وَالدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ " وَلَا وُجُودَ لَهَا فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ.
(التَّاسِعُ) الْمُرَادُ بِالدَّعْوَةِ التَّامَّةِ: الْأَذَانُ وُصِفَتْ الدَّعْوَةُ بِالتَّمَامِ؛ لِأَنَّهَا ذِكْرُ اللَّهِ وَيُدْعَى بِهَا إلَى عِبَادَتِهِ، وَقَوْلُهُ:" وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ " أَيْ: الصَّلَاةِ الَّتِي سَتُقَامُ وَتُفْعَلُ " وَالْوَسِيلَةَ " أَصْلُهَا مَا يُتَوَسَّلُ بِهِ إلَى الشَّيْءِ، وَقَدْ فَسَّرَهَا فِي الْحَدِيثِ: بِأَنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَذَكَرَ الدَّمِيرِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ فَسَّرَهَا بِأَنَّهَا قُبَّتَانِ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ إحْدَاهُمَا مِنْ لُؤْلُؤَةٍ بَيْضَاءَ يَسْكُنُهَا مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَآلُهُ، وَالْأُخْرَى مِنْ يَاقُوتَةٍ صَفْرَاءَ يَسْكُنُهَا إبْرَاهِيمُ وَآلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَالْمَقَامَ الْمَحْمُودَ هُوَ مَقَامُ الشَّفَاعَةِ، وَقَوْلُهُ:" الَّذِي وَعَدْتَهُ " بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: " مَقَامًا مَحْمُودًا " لَا نَعْتٌ عَلَى رِوَايَةِ التَّنْكِيرِ، وَنَعْتٌ عَلَى رِوَايَةِ التَّعْرِيفِ، وَقَوْلُهُ: فِي الْحَدِيثِ " وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا "، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَالَهُ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ صَاحِبُهُ وَلَكِنْ مَعَ ذَلِكَ لَا بُدَّ مِنْ الدُّعَاءِ،
فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَزِيدُهُ بِكَثْرَةِ دُعَاءِ أُمَّتِهِ رِفْعَةً كَمَا زَادَهُ بِصَلَاتِهِمْ، ثُمَّ أَنَّهُ يَرْجِعُ ذَلِكَ إلَيْهِمْ بِنَيْلِ الْأُجُورِ وَوُجُوبِ شَفَاعَتِهِ، وَقَوْلُهُ: فِي الْحَدِيثِ " حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ "
قَالَ فِي الْإِكْمَالِ، قَالَ الْمُهَلَّبُ يَعْنِي حَلَّتْ عَلَيْهِ: غَشِيَتْهُ، وَالصَّوَابُ أَنْ يَكُونَ " حَلَّتْ " بِمَعْنَى: وَجَبَتْ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: حَلَّ يَحِلُّ: وَجَبَ، وَحَلَّ يَحُلُّ: نَزَلَ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ: وَحَلَّ الْعَذَابُ يَحِلُّ بِالْكَسْرِ أَيْ: وَجَبَ، وَيَحُلُّ بِالضَّمِّ نَزَلَ، وَقُرِئَ بِهِمَا:{فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي} انْتَهَى.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فَكَأَنَّ الشَّفَاعَةَ لَازِمَةٌ لَهُ لَا تَنْفَكُّ عَنْهُ، وَلِذَلِكَ عَدَّاهُ بِعَلَى انْتَهَى.
وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ:" حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ " كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْعَاشِرُ) قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ عَلَى أَثَرِ أَذَانِهِ وَلَيْسَ بِلَازِمٍ وَقَدْ حَدَّثَنِي أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: الرَّكْعَتَانِ مِنْ سُنَّةِ الْأَذَانِ إلَّا عَلَى أَثَرِ أَذَانِ الْمَغْرِبِ قَالَ فَضْلٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: سَمِعْتُ مَالِكًا: يَقُولُ أَدْرَكْتُ بَعْضَ الشُّيُوخِ إذَا سَمِعَ مُؤَذِّنَ الْمَغْرِبِ قَامَ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، قَالَ مَالِكٌ وَلَا يُعْجِبُنِي هَذَا مِنْ الْعَمَلِ،
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ عَنْ الْمُخْتَصَرِ: وَالرُّكُوعُ بِأَثَرِ الْأَذَانِ وَاسِعٌ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْكَعَ أَثَرَ الْأَذَانِ إلَّا فِي الْمَغْرِبِ، وَقَالَهُ ابْنُ شِهَابٍ انْتَهَى. هَذَا فِي حَقِّ الْمُؤَذِّنِ،
وَأَمَّا مَنْ كَانَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فَيُكْرَهُ لَهُ الرُّكُوعُ عِنْدَ الْأَذَانِ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ سُنَّةً،
فَأَمَّا إنْ صَادَفَ ذَلِكَ دُخُولَهُ الْمَسْجِدَ أَوْ تَنَفُّلَهُ فَلَا،
قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ فِي بَابِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ: وَيُكْرَهُ قِيَامُ النَّاسِ لِلرُّكُوعِ بَعْدَ فَرَاغِ الْمُؤَذِّنِ مِنْ الْأَذَانِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَغَيْرِهَا انْتَهَى. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ: وَتَنَفُّلُ إمَامٍ قَبْلَهَا أَوْ جَالِسٍ عِنْدَ الْأَذَانِ،
وَقَالَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ: قَالَ الْأَصْحَابُ: وَإِنَّمَا قَالَ: وَالْمُرَادُ الْأَذَانُ الْأَوَّلُ، كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ فِي الصَّغِيرِ، وَالْبِسَاطِيُّ وَالْأَقْفَهْسِيُّ،
وَقَالَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ: وَإِنَّمَا كُرِهَ خَشْيَةَ أَنْ يُعْتَقَدَ فَرْضِيَّتُهُ
فَلَوْ فَعَلَهُ إنْسَانٌ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ إذَا لَمْ يَجْعَلْهُ اسْتِنَانًا انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ: وَيَنْهَى الْإِمَامُ النَّاسَ عَمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ الرُّكُوعِ بَعْدَ الْأَذَانِ الْأَوَّلِ لِلْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى قِسْمَيْنِ: مِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَرْكَعُ حِينَ دُخُولِهِ وَلَا يُزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَصْعَدَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَمِنْهُمْ: مَنْ كَانَ يَرْكَعُ وَيَجْلِسُ حَتَّى يُصَلِّيَ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا يُمْنَعُ الرُّكُوعُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِمَنْ أَرَادَهُ وَإِنَّمَا الْمَنْعُ فِي اتِّخَاذِ ذَلِكَ عَادَةً بَعْدَ الْأَذَانِ وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْحَادِيَ عَشَرَ) قَالَ فِي الطِّرَازِ: وَيَجُوزُ الْكَلَامُ وَالْمُؤَذِّنُ يُؤَذِّنُ وَقَدْ كَانَتْ الصَّحَابَةُ تَفْعَلُهُ فَفِي الْمُوَطَّإِ: أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَخْرُجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَإِذَا جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ جَلَسْنَا نَتَحَدَّثُ فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ، وَقَامَ عُمَرُ يَخْطُبُ أَنْصَتْنَا فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ مِنَّا. وَقَوْلُهُ:"
وَلَوْ مُتَنَفِّلًا لَا مُفْتَرِضًا " يَعْنِي أَنَّ الْحِكَايَةَ مُسْتَحَبَّةٌ،
وَلَوْ كَانَ الْحَاكِي مُتَنَفِّلًا وَأَمَّا الْمُفْتَرِضُ فَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْحِكَايَةُ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ يُحَاكِيهِ فِيهِمَا، وَقَالَهُ ابْنُ وَهْبٍ، وَابْنُ حَبِيبٍ،
قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ: لِأَنَّهُ تَهْلِيلٌ وَتَكْبِيرٌ وَذِكْرُ اللَّهِ، وَهَذَا جَائِزٌ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَقُولَهُ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا،
وَقَالَ سَحْنُونٌ: وَلَا يَحْكِيهِ فِيهِمَا.
(تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ) إذَا قُلْنَا يَحْكِيهِ فِي النَّافِلَةِ أَوْ فِيهِمَا فَإِنَّمَا يَحْكِيهِ إلَى التَّشَهُّدَيْنِ،
وَلَوْ قُلْنَا إنَّ الْحِكَايَةَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ إلَى آخِرِ الْأَذَانِ،
قَالَ فِي الطِّرَازِ: إذَا قُلْنَا يُتِمُّ مَعَهُ الْأَذَانَ، وَيَحْكِيهِ فِي لَفْظِ " الْحَيْعَلَةِ " فَذَلِكَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ فَإِنْ حَكَاهُ فِي الصَّلَاةِ، فَهَلْ تَبْطُلُ؟ يُخْتَلَفُ فِيهِ فَقِيلَ: تَفْسُدُ، حَكَاهُ عَبْدُ الْحَقِّ فِي نُكَتِهِ،
وَقَالَ الْأَصِيلِيُّ: لَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ مُتَأَوَّلٌ، وَمُقْتَضَى أَصْلِ الْمَذْهَبِ بُطْلَانُ صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ فِيهَا فِيمَا لَمْ يُشْرَعْ جِنْسُهُ فِيهَا وَمَا لَا يَعُودُ إلَى إصْلَاحِهَا وَلَا يَنْفَعُهُ جَهْلُهُ، وَالْجَاهِلُ وَالْعَامِدُ فِي أَمْرِ الصَّلَاةِ سِيَّانِ انْتَهَى.
فَإِنْ قِيلَ كَلَامُ صَاحِبِ الطِّرَازِ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي يُمْنَعُ مِنْهُ حِكَايَةَ " الْحَيْعَلَةِ " بِلَفْظِهَا بِدَلِيلِ أَنَّهُ حَكَى الْبُطْلَانَ فِي صَلَاتِهِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِبُطْلَانِ صَلَاةِ مَنْ
قَالَ فِي صَلَاتِهِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ؛ لِأَنَّهَا ذِكْرٌ فَالْجَوَابُ: إنَّ أَوَّلَ كَلَامِهِ يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ فِي حِكَايَةِ لَفْظِ " الْحَيْعَلَةِ " عِنْدَ مَنْ قَالَ بِذَلِكَ أَنْ يَأْتِيَ بَدَلَهَا " بِالْحَوْقَلَةِ " وَلَمْ أَرَ مَنْ قَالَ يَحْكِيهَا بِلَفْظِهَا، وَأَيْضًا فَكَلَامُ ابْنِ بَشِيرٍ وَصَاحِبِ الْجَوَاهِرِ وَالْقَرَافِيّ يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ،
قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ بَعْدَ أَنْ حَكَى الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ: وَإِذَا قُلْنَا يَحْكِيهِ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا يَبْلُغُ إلَى آخِرِ الشَّهَادَتَيْنِ،
وَلَوْ قَالَ فِي الصَّلَاةِ:" حَيٌّ عَلَى الصَّلَاةِ " فَإِنَّهُ يُبْطِلُهَا وَهَذَا إذَا كَانَ عَمْدًا،
وَأَمَّا النَّاسِي فَلَا يُبْطِلُهَا، وَالْجَاهِلُ يَجْرِي عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْجَهْلِ هَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ الْعَمْدِ أَوْ النِّسْيَانِ؟
وَقَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: ثُمَّ حَيْثُ قُلْنَا يَحْكِي فَلَا يُجَاوِزُ التَّشَهُّدَيْنِ
وَلَوْ قَالَ فِي الصَّلَاةِ " حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ " فَقَالَ الْأَصِيلِيُّ: لَا تَبْطُلُ، وَحَكَى عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ: أَنَّهَا تَبْطُلُ، وَأَنَّهُ كَالْمُتَكَلِّمِ، وَحَكَى ذَلِكَ عَنْ الْقَاضِي أَبِي الْحَسَنِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: إذَا قُلْنَا يَحْكِيهِ فِي الْفَرْضِ أَوْ فِي النَّفْلِ فَقَطْ، وَلَا يَتَجَاوَزُ التَّشَهُّدَيْنِ
فَلَوْ قَالَ:" حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ "
ثُمَّ ذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ بَشِيرٍ أَنَّ الْعَامِدَ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِلَا خِلَافٍ،
وَأَنَّ النَّاسِيَ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِلَا خِلَافٍ،
وَأَنَّ الْخِلَافَ فِي الْجَاهِلِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ كَالْعَامِدِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ.
(الثَّانِي) : إذَا قُلْنَا لَا يَحْكِيهِ فِي الْفَرِيضَةِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ،
قَالَ فِي الطِّرَازِ: وَهَلْ يَحْكِيهِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الصَّلَاةِ؟ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَحْكِيهِ كَمَا يَرُدُّ الْمُؤَذِّنُ السَّلَامَ بَعْدَ فَرَاغِهِ انْتَهَى. وَجَزَمَ بِهِ فِي الذَّخِيرَةِ، فَقَالَ: قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ: إذَا قُلْنَا لَا يَحْكِيهِ فِي الْفَرِيضَةِ حَكَاهُ بَعْدَ فَرَاغِهَا انْتَهَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) عُورِضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِمَا فِي كِتَابِ الِاعْتِكَافِ أَنَّ الْمُعْتَكِفَ لَا يُصَلِّي عَلَى جِنَازَةٍ،
وَإِنْ انْتَهَى إلَيْهِ زِحَامُ الْمُصَلِّينَ، وَفَرَّقَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي تَهْذِيبِ الطَّالِبِ بِأَنَّ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ فَلَمْ يَسُغْ لَهُ أَنْ يُدْخِلَ نَفْسَهُ فِي عَمَلٍ لَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ، وَحِكَايَةُ الْمُؤَذِّنِ تَلْزَمُ كُلَّ أَحَدٍ فِي خَاصَّتِهِ وَبِأَنَّ الْحِكَايَةَ ذِكْرٌ، وَهِيَ مِنْ جِنْسِ مَا يَفْعَلُهُ فِي صَلَاتِهِ، وَصَلَاةَ الْجَنَائِزِ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ مَا الْمُعْتَكِفُ فِيهِ وَبِأَنَّ الْحِكَايَةَ أَمْرٌ قَرِيبٌ يَسِيرٌ وَأَمْرُ الْجِنَازَةِ يَطُولُ الِاشْتِغَالُ فِيهِ انْتَهَى. بِالْمَعْنَى مِنْ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ وَعَارَضَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ أَيْضًا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِقَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إنَّ الْمُصَلِّيَ إذَا عَطَسَ لَا يَحْمَدُ اللَّهَ فَإِنْ فَعَلَ فَفِي نَفْسِهِ،
وَقَالَ: اُنْظُرْ مَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، وَنَقَلَهُ ابْنُ نَاجِي وَلَمْ يَذْكُرُوا لَهُ فَرْقًا فَتَأَمَّلْهُ.
(الرَّابِعُ) ، قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْمُدَوَّنَةِ: قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: إذَا قُلْنَا يَحْكِي فِي الْفَرْضِ
فَلَوْ كَانَ الْأَذَانُ لِلصَّلَاةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا، وَقَدْ أُذِّنَ لَهَا، فَهَلْ يَشْرَعُ لَهُ أَنْ يَقُولَ مِثْلَهُ أَوْ لَا؟ وَالظَّاهِرُ لَا؛ لِأَنَّ مَنْ أَذَّنَ لِتِلْكَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَتَى بِالْأَكْمَلِ فَلَا مَعْنَى لِطَلَبِ الْعِوَضِ مِمَّنْ أَتَى بِالْمُعَوِّضِ، قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ (قُلْتُ) لَا خَفَاءَ فِي ضَعْفِ هَذَا التَّعْلِيلِ؛ لِأَنَّ الْمَزَايَا الشَّرْعِيَّةَ لَا غَايَةَ لَهَا انْتَهَى.
(قُلْتُ) هَذَا يَجْرِي عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي ذَكَرَ ابْنُ نَاجِي عَنْ التَّادَلِيِّ فِي الْمُؤَذِّنِ هَلْ يَحْكِي مُؤَذِّنًا غَيْرَهُ أَمْ لَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَحِكَايَتُهُ لِسَامِعِهِ) ابْنُ عَرَفَةَ: يُسْتَحَبُّ حِكَايَةُ الْمُؤَذِّنِ وَإِطْلَاقُ ابْنِ زَرْقُونٍ وُجُوبَهَا لَا أَعْرِفُهُ (لِمُنْتَهَى الشَّهَادَتَيْنِ مَثْنَى) ابْنُ الْقَاسِمِ فِي رِوَايَتِهِ: يَقُولُ: التَّشَهُّدُ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا رَجَعَ إلَيْهِ الْمُؤَذِّنُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ مِثْلَهُ. وَفِيهَا لِمَالِكٍ: الَّذِي يَقَعُ فِي قَلْبِي: يَحْكِيهِ إلَى آخِرِ التَّشَهُّدِ وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا. الشَّيْخُ: أَيْ لَوْ أَتَمَّ الْأَذَانَ مَعَ الْمُؤَذِّنِ ابْنُ يُونُسَ: وَقَالَهُ سَحْنُونَ وَغَيْرُهُ يُرِيدُ: وَلَا يَحْكِيهِ إذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ.
ابْنُ حَبِيبٍ: إذَا قَالَهَا الْمُؤَذِّنُ قَالَ السَّامِعُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ،
فَإِذَا عَادَ إلَى التَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ قَالَ مِثْلَهُ.
أَبُو عُمَرَ: فَإِنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ فَقَالَ مَالِكٌ: أَسَاءَ، وَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ.
وَقَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ: تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَهُوَ كَالْمُتَكَلِّمِ
(ص) وَحِكَايَتُهُ لِسَامِعِهِ لِمُنْتَهَى الشَّهَادَتَيْنِ (ش) أَيْ
وَيُنْدَبُ حِكَايَةُ الْأَذَانِ لِسَامِعِهِ بِأَنْ يَقُولَ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ لِخَبَرِ «إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ» خَرَّجَهُ أَصْحَابُ الْكُتُبِ السِّتَّةِ وَظَاهِرُ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ وَنَقَلَهُ ابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ زَرْقُونٍ عِنْدَنَا لَكِنَّ الْقَرِينَةَ الصَّارِفَةَ عَنْهُ تَبَعِيَّةُ قَوْلِ الْحَاكِي لِلْقَوْلِ الْمَحْكِيِّ الَّذِي هُوَ الْأَذَانُ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَيُتَابِعُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ لِمُنْتَهَى لَفْظِ الشَّهَادَتَيْنِ؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ وَالتَّشَهُّدَ لَفْظٌ هُوَ فِي عَيْنِهِ قُرْبَةٌ؛ لِأَنَّهُ تَمْجِيدٌ وَتَوْحِيدٌ وَالْحَيْعَلَةُ دُعَاءٌ إلَى الصَّلَاةِ وَالسَّامِعُ لَيْسَ بِدَاعٍ إلَيْهَا وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ طَلَبُ حِكَايَةِ الْأَذَانِ جَمِيعِهِ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَاخْتَارَهُ الْمَازِرِيُّ وَاسْتَظْهَرَهُ فِي تَوْضِيحِهِ لِوُرُودِهِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ، وَعَلَيْهِ فَيُبْدِلُ عَنْ الْحَيْعَلَتَيْنِ الْحَوْقَلَةَ أَيْ يُعَوِّضُ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ بِقَوْلِهِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ زَادَ فِي تَوْضِيحِهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، وَيُكَرِّرُ الْحَوْقَلَةَ أَرْبَعًا عَلَى عَدَدِ الْحَيْعَلَةِ وَيَحْكِي مَا بَعْدَ ذَلِكَ.
وَالْحِكْمَةُ فِي الْإِبْدَالِ أَنَّ غَيْرَ الْحَيْعَلَتَيْنِ مِنْ أَلْفَاظِهِ ذِكْرٌ يُفِيدُ حَاكِيهِ الثَّوَابَ كَالْمُؤَذِّنِ، وَالْحَيْعَلَةُ دُعَاءٌ إلَى الصَّلَاةِ وَالْفَلَاحُ لَا يَحْصُلُ الْأَجْرُ فِيهِ إلَّا بِالْإِسْمَاعِ وَذَلِكَ لِلْمُؤَذِّنِ دُونَ الْحَاكِي فَأُمِرَ الْحَاكِي بِتَعْوِيضِهَا بِالْحَوْقَلَةِ الَّتِي يُؤْجَرُ قَائِلُهَا أَعْلَنَهَا أَوْ أَخْفَاهَا وَلِمُنَاسَبَتِهَا دُعَاءَ الْمُؤَذِّنِ فَإِنَّ مَعْنَاهَا التَّبَرِّي مِنْ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ عَلَى إتْيَانِ الصَّلَاةِ وَالْفَلَاحِ إلَّا بِحَوْلِ اللَّهِ وَقُوَّتِهِ وَهِيَ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ» أَيْ أَجْرُهَا مُدَّخَرٌ لِقَائِلِهَا كَمَا يُدَّخَرُ الْكَنْزُ وَفِي خَبَرٍ «إذَا قَالَهَا الْعَبْدُ قَالَ اللَّهُ أَسْلَمَ عَبْدِي وَاسْتَسْلَمَ» وَالْحَوْقَلَةُ مُؤَلَّفَةٌ مِنْهَا فَالْحَاءُ وَالْوَاوُ مِنْ الْحَوْلِ وَالْقَافُ مِنْ الْقُوَّةِ وَاللَّامُ مِنْ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى (ص) مُثَنًّى (ش) أَيْ حَالَ كَوْنَ لَفْظِ الشَّهَادَتَيْنِ مُثَنًّى أَيْ لَا مُرَجِّعًا فَلَا يَحْكِي التَّرْجِيعَ فَيَصِيرُ بِذَلِكَ مُرَجِّعًا لِحُصُولِ الْمِثْلِيَّةِ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مِثْلَ مَا يَقُولُ بِالتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ» وَلِأَنَّ التَّرْجِيعَ إنَّمَا هُوَ لِلْإِسْمَاعِ وَالْحَاكِي غَيْرُ مُسْمِعٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ يَحْكِي فِي التَّرْجِيعِ وَفِي كَلَامِ اللَّخْمِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَالَ بَعْضُهُمْ
(قَوْلُهُ لِسَامِعِهِ) أَيْ بِلَا وَاسِطَةٍ أَوْ بِوَاسِطَةٍ كَأَنْ سَمِعَ الْحَاكِيَ لِلْأَذَانِ وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ غَيْرَ السَّامِعِ لَا يُنْدَبُ لَهُ الْحِكَايَةُ وَإِنْ أُخْبِرَ بِالْأَذَانِ أَوْ رَأَى الْمُؤَذِّنَ وَعَلِمَ أَنَّهُ مُؤَذِّنٌ وَلَوْ كَانَ عَدَمُ سَمَاعِهِ لِعَارِضٍ كَصَمَمٍ وَإِذَا تَعَدَّدَ الْمُؤَذِّنُونَ فَإِنَّهُ يَحْكِي الْأَوَّلَ إنْ تَرَتَّبَ الْأَذَانُ وَإِلَّا حَكَى أَذَانَ وَاحِدٍ
وَيُنْدَبُ لِلْحَاكِي مُتَابَعَةُ الْمُؤَذِّنِ فَإِنْ لَمْ يُتَابِعْهُ أَتَى بِمُسْتَحَبٍّ وَهُوَ الْحِكَايَةُ وَتَرْكُ آخَرَ، وَقَوْلُهُ لِسَامِعِهِ يُفِيدُ أَنَّهُ لَا يَحْكِي أَذَانَ نَفْسِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يَحْكِيهِ؛ لِأَنَّهُ سَمِعَ نَفْسَهُ وَهَلْ يَحْكِي الْمُؤَذِّنُ مُؤَذِّنًا آخَرَ سَمِعَهُ أَوْ لَا قَوْلَانِ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَيَحْكِيهِ بَعْدَ فَرَاغِهِ.
(قَوْلُهُ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ) ظَاهِرٌ فِي حِكَايَةِ كُلِّ الْأَذَانِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمِثْلِيَّةَ تَصْدُقُ بِالشَّيْئَيْنِ عِنْدَ الْعَرَبِ بِالْمِثْلِيَّةِ فِي الْكُلِّ وَفِي الْبَعْضِ فَالْمِثْلُ الْمَذْكُورُ فِي الْأَذَانِ إنْ حُمِلَ عَلَى أَعْلَى الرُّتَبِ قَالَ مِثْلَ مَا يَقُولُ إلَى آخِرِ الْأَذَانِ أَوْ عَلَى أَدْنَى الرُّتَبِ كَفَى التَّشَهُّدُ خَاصَّةً وَهُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَفَادَهُ الْبَدْرُ.
(قَوْلُهُ الْكُتُبِ السِّتَّةِ) الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ.
(قَوْلُهُ وَالتَّهْلِيلَ وَالتَّشَهُّدَ) أَيْ الْمُشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ أَشْهَدُ إلَخْ فَهُوَ تَهْلِيلٌ بِالنَّظَرِ لِقَوْلِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَتَشْهَدُ بِالنَّظَرِ لِقَوْلِهِ أَشْهَدُ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ تَمْجِيدٌ) أَيْ تَعْظِيمٌ نَاظِرٌ لِقَوْلِهِ اللَّهُ أَكْبَرُ.
(قَوْلُهُ وَتَوْحِيدٌ) أَيْ إفْرَادُ الْإِلَهِ تَعَالَى بِالْوَحْدَانِيَّةِ نَاظِرٌ لِقَوْلِهِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ.
(قَوْلُهُ دُعَاءٌ إلَى الصَّلَاةِ) أَيْ فِي قَوْلِهِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ وَالْأَوْلَى أَنْ يَزِيدَ وَالْفَلَاحِ أَيْ وَدُعَاءٌ إلَى الْفَلَاحِ أَيْ الْفَوْزِ بِالْمَطَالِبِ فَكَانَ الدُّعَاءُ إلَى الصَّلَاةِ دُعَاءَ الْفَوْزِ بِجَمِيعِ الْمَطَالِبِ وَفِعْلُهَا عَلَى وَجْهِهَا سَبَبٌ فِي الْفَوْزِ بِجَمِيعِ الْمَآرِبِ.
(تَنْبِيهٌ) : أَقُولُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ هَلْ تَرْكُ الْحِكَايَةِ فِي بَقِيَّتِهِ أَوْلَى أَوْ جَائِزَةٌ ذَكَرَ فِي ك مَا يُفِيدُ الْأَوَّلَ.
(قَوْلُهُ وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ) قَالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ أَقِفْ لِأَهْلِ الْمَذْهَبِ عَلَى مَا يَقُولُهُ الْحَاكِي عِنْدَ قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ عَلَى مُقَابِلِ الْمَشْهُورِ وَحَكَى النَّوَوِيُّ فِيهِ قَوْلَيْنِ فَقَالَ يَقُولُ صَدَقْت وَبَرِرْت بِكَسْرِ الرَّاءِ الْأُولَى،
وَقِيلَ يَقُولُ صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ.
(قَوْلُهُ زَادَ فِي تَوْضِيحِهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ) قَالَ الْحَطَّابُ قُلْت وَلَمْ أَرَ زِيَادَةَ قَوْلِهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ فِي كَلَامِ أَحَدٍ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يُحَوْقِلُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ النَّوَوِيُّ.
(قَوْلُهُ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ) عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ «كُنْت عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْت لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَدْرِي مَا تَفْسِيرُهَا قُلْت لَا قَالَ لَا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إلَّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ وَلَا قُوَّةَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إلَّا بِعَوْنِ اللَّهِ ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبِي وَقَالَ هَكَذَا أَخْبَرَنِي جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -»
وَقِيلَ مَعْنَى الْحَوْلِ الْحَرَكَةُ أَيْ لَا حَرَكَةَ وَلَا اسْتِطَاعَةَ إلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ
وَكَذَا قَالَ ثَعْلَبٌ وَآخَرُونَ وَكَلَامُ شَارِحِنَا يُمْكِنُ إتْيَانُهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ.
(قَوْلُهُ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ) قَالَ الْحَطَّابُ وَفِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ إشَارَةٌ إلَى عِظَمِ الثَّوَابِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهَا وَنَفَاسَتِهِ وَإِلَّا فَجَمِيعُ الثَّوَابِ مُدَّخَرٌ فِي الْآخِرَةِ.
(قُلْت) وَقَوْلُ الشَّارِحِ أَيْ أَجْرُهَا مُدَّخَرٌ لِقَائِلِهَا كَمَا يُدَّخَرُ الْكَنْزُ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى عِظَمِ ذَلِكَ الْأَجْرِ.
(قَوْلُهُ أَسْلَمَ عَبْدِي) أَيْ انْقَادَ عَبْدِي وَسَلَّمَ لِي الْأَمْرَ وَقَوْلُهُ وَاسْتَسْلَمَ فَسَّرَهُ فِي الْمُخْتَارِ بِانْقَادَ فَيَكُونُ بِمَعْنَى مَا قَبْلَهُ إلَّا أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُفَسِّرَهُ بِمَا هُوَ أَخَصُّ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ الْبِنَاءِ تَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ الْمَعْنَى فِي الْجُمْلَةِ أَوْ؛ لِأَنَّ الْفَائِدَةَ فِيهِ أَتَمُّ أَيْ بِاعْتِبَارِ الْمَقَامِ بِأَنْ يُقَالَ وَزَادَ فِي الِانْقِيَادِ لِأَمْرِي.
(قَوْلُهُ لِحُصُولِ الْمِثْلِيَّةِ) فِيهِ أَنَّ الْمِثْلِيَّةَ إنَّمَا هِيَ ظَاهِرَةٌ فِي حِكَايَةِ التَّرْجِيعِ أَيْضًا
(وَ) نُدِبَ (حِكَايَتُهُ) أَيْ الْأَذَانِ (لِ) شَخْصٍ (سَامِعِهِ) أَيْ الْأَذَانِ بِأَنْ يَقُولَ السَّامِعُ وَلَوْ بِوَاسِطَةٍ بِأَنْ سَمِعَ حِكَايَتَهُ مِثْلَ قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ إلَّا الْمَكْرُوهَ فَلَا يَحْكِي فَأَوْلَى الْمُحَرَّمُ، وَمَفْهُومُ سَامِعِهِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَسْمَعْهُ لَا تُنْدَبُ لَهُ حِكَايَتُهُ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُؤَذِّنُ بِرُؤْيَتِهِ أَوْ إخْبَارٍ وَهَلْ يَحْكِي الْمُؤَذِّنُ أَذَانَ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ سَمِعَهُ فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إذَا انْتَهَى الْمُؤَذِّنُ لِآخِرِ أَذَانِهِ فَيَحْكِيهِ إنْ شَاءَ اهـ.
فَلَا يَحْكِيهِ قَبْلَ فَرَاغِهِ لِفَصْلِهِ بِالْحِكَايَةِ وَهَلْ يَحْكِي مُؤَذِّنٌ أَذَانَ مُؤَذِّنٍ آخَرَ إنْ سَمِعَهُ أَوْ لَا؟ قَوْلَانِ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَيَحْكِيهِ بَعْدَ فَرَاغِ أَذَانِ نَفْسِهِ وَإِذَا أَذَّنَ جَمَاعَةٌ وَاحِدٌ عَقِبَ وَاحِدٍ فَاخْتَارَ اللَّخْمِيُّ تَكْرِيرَ الْحِكَايَةِ
وَقِيلَ: يَكْفِيهِ حِكَايَةُ الْأَوَّلِ عبق: إنْ سَمِعَ بَعْضَهُ اقْتَصَرَ عَلَى حِكَايَتِهِ الْعَدَوِيُّ: الظَّاهِرُ حِكَايَةُ الْأَذَانِ كُلِّهِ لِلْحَدِيثِ «إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ» إذْ الْمُتَبَادَرُ إذَا سَمِعْتُمْ الْكُلَّ أَوْ الْبَعْضَ خُصُوصًا، وَقَدْ قَالَ:«فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ» لَا مَا قَالَ. (لِمُنْتَهَى) بِفَتْحِ الْهَاءِ أَيْ آخِرِ (الشَّهَادَتَيْنِ) وَتُكْرَهُ حِكَايَةُ مَا زَادَ عَلَيْهِمَا كَمَا فِي كَبِيرِ الْخَرَشِيِّ هَذَا الْمَشْهُورُ فَلَا يُحْكَى التَّكْبِيرُ وَالتَّهْلِيلُ الْأَخِيرُ
وَقِيلَ: يُخَيَّرُ فِي حِكَايَتِهِمَا وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ حِكَايَتُهُ لِآخِرِهِ وَإِبْدَالُ الْحَيْعَلَتَيْنِ بِحَوْقَلَتَيْنِ وَرَجَّحَهُ فِي الْمَجْمُوعِ إنْ قُلْت هَذَا الْحَدِيثُ حِكَايَتُهُ لِآخِرِهِ فَمَا وَجْهُ الْمَشْهُورِ
قُلْت: الْمِثْلِيَّةُ تَصْدُقُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ بِالْمِثْلِيَّةِ فِي الْكُلِّ وَبِالْمِثْلِيَّةِ فِي الْبَعْضِ فَصَاحِبُ الْمَشْهُورِ حَمَلَهَا فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْأَدْنَى تَيْسِيرًا، وَالْمُقَابِلُ حَمَلَهَا عَلَى الْأَكْمَلِ
وَيُنْدَبُ مُتَابَعَةُ الْحَاكِي الْمُؤَذِّنَ. (مَثْنَى) فَلَا يَحْكِي التَّرْجِيعَ اتِّفَاقًا إلَّا إذَا لَمْ يَسْمَعْ الْأَوَّلَ وَيُفْهَمُ مِنْهُ اقْتِصَارُ الْحَاكِي عَلَى تَكْبِيرَتَيْنِ وَلَوْ كَبَّرَ الْمُؤَذِّنُ أَرْبَعًا وَلَا يَحْكِي " الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ " وَلَا يُبْدِلُهَا بِ صَدَقْتَ وَبَرَرْتَ
وَقِيلَ: يُبْدِلُهَا بِهِ وَقِيلَ: يَقُولُ صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ وَيَحْكِيهِ سَامِعُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مُتَنَفِّلًا بَلْ
وحكايته لسامعه؛ يعني أنَّه يستحب لمن سمع الأذان أن يحكيه بأن يقول مثله، وسواء سمعه بواسطة كأن سمع الحاكي للأذان أو بغيرها. قاله الشيخ إبراهيم. وفهم من قوله: "لسامعه" أن غير السامع لا تندب له الحكاية،
وإن أخبر بالأذان، أو رأى المؤذن، وتندب المتابعة،
فإذا لم يتابعه أتى بمستحب وهو الحكاية، وترك مستحبا آخر قاله الشيخ إبراهيم.
وفي الذخيرة: قال ابن القاسم في الكتاب: إذا انتهى المؤذن إلى آخر الأذان يحكيه إن شاء، وهذا الفرع أهمله أبو سعيد. انتهى. وقوله: إذا انتهى المؤذن، يفيد أنَّه لا يحكي أذان نفسه قبل فراغه لما فيه من الفصل،
وكذا يقال في المؤذن إذا حكى أذان غيره،
وإذا تعدد المؤذنون فإنَّه يحكي الأوّل على المشهور إن ترتب الأذان، وإلا حكى أذان واحد قاله الشبراخيتي. ونحوه لعبد الباقي. التتائي: ظاهر كلام المصنف أن المؤذن يحكي مؤذنا آخر سمعه؛ وهو كذلك على أحد قولين. قاله الشيخ إبراهيم.
وقال الشيخ محمَّد بن الحسن: وإن تعدد المؤذنون، فهل يكرر الحكاية؟ اختار اللخمي تكريرها،
وقيل: تكفيه حكاية الأوّل فقول الزرقاني على المشهور في عهدته. وقوله: "وحكايته" أي الأذان الواجب أو السنة أو المندوب لا المكروه أو الحرام، فلا يحكى، وقوله: "لسامعه" أي لا غيره كما مر ولو لعارض كصمم، وأشعر قوله: "لسامعه" أنَّه سمعه كله،
فإن سمع منه جملة فقط اقتصر على حكايتها، كما يفيده خبر: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول (١) )،
وأما قوله الآتي، وحكايته قبله فمعناه مع سماعه بقيته،
وإذا أتى المؤذن أولًا بالشهادتين سرا أو جهرا ولم يسمعه، فهل يحكي الترجيح بدلا عن المأتي بهما أو يتحرى؟ وظاهر الخبر أن ما لم يسمعه لا يحكيه. كما قاله الشيخ عبد الباقي. وإنما ندب حكاية الأذان لما رواه البخاري، ومسلم، وأبو داوود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه من قوله عليه الصلاة والسلام: إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، وما ذكره المصنف من ندب الحكاية هو المشهور،
وقيل: واجبة، قاله الحطاب. لمنتهى الشهادتين يعني أن من سمع الأذان تندب له حكايته إلى منتهى الشهادتين، والشهادتان من جملة المحكي كما أفاد ذلك بقوله: "لمنتهى الشهادتين" ،
وقيل: يحكيه كله؛ وهو لابن حبيب، وعلى الأوّل فلا يحكي الحيعلتين وما بعدهما من التكبير والتهليل، ولا يبدل الحيعلتين بالحوقلة. قال إمامنا مالك: في الحديث إنما ذلك إلى هذا الموضع أشهد أن محمدا رسول الله فيما يقع في قلبي،
ولو فعل ذلك لم أر فيه بأسا قيل لابن القاسم: أرأيت إذا قال المؤذن: حي على الفلاح ثمَّ قال الله أكبر لا إله إلا الله، أيقول مثله؟ قال: هو من ذلك في سعة، إن شاء فعل،
وإن شاء لم يفعل، وعلى الثاني يحكيه كله، إلا أنَّه يبدل الحيعلة بالحوقلة، لا الصلاة خير من النوم، ولا الترجيع، بل يحكي أصله فقط.
وفي التوضيح: وطريق الشاذ أظهر؛ يعني القول بأنّه يحكيه كله ويبدل الحيعلة بالحوقلة، ويكرر الحوقلة أربعًا على عدد الحيعلة؛ بأن يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله أربعًا. كما نص عليه الشيخ إبراهيم. ورجح هذا القول الشيخ الأمير،
فإنَّه قال: والراجح لآخره، فيبدل الحيعلة في كل مرة بالحوقلة. وقولهم: الحوقلة، بتقديم القاف على اللام منحوتة من إلا بالله، فلا يقال القياس حولقة. انتهى. وقالوا: حوقل، ومصدره حوقلة على القياس. وقالوا فيه على غير القياس حيقالا بالكسر وحوقالا بالفتح، إذا فتر عن الجماع للكبر. تنبيهات: الأوّل: لا يكفي في الحكاية ما نقل عن سيدنا معاوية - رضي الله عنه - أنَّه سمع المؤذن يتشهد فقال: وأنا كذلك؛ أي أشهد، بل لا بد من اللفظ بمماثله حملا للحديث على ظاهره. قاله الشيخ الأمير.
الثاني: قال ابن عرفة: وفي كونها لآخر التشهدين أو لآخره يعني الأذان معوضا الحيعلة بالحوقلة قولان لها، ولابن حبيب مع رواية ابن شعبان والمازري، وعلى الأوّل في قول التشهد مرة واحدة، ومعاودته إن عاوده المؤذن معه أو قبله، نقلا الباجي عن ابن القاسم، والقاضي والداوودي. وفيها لمالك: الذي يقع في قلبي إلى آخر التشهد،
ولو فعل ذلك لم أر به بأسا، الشيخ: أي لو أتم الأذان مع المؤذن. وفيها: إن عجلها يعني الحكاية قبله فلا بأس. وروى علي: أحب إلي بعده. الباجي: إن كان في ذكر أو صلاة فالأول، وإلا فالثاني. انتهى. وقوله: مرة واحدة؛ يعني لا يحكي الترجيع. أشار له الحطاب. الثالث: يستفاد من قوله: "وحكايته لسامعه" أن معنى قوله الآتي: وحكايته قبله مع سماع بقيته. الرابع: يستفاد من قول الكتاب: إذا انتهى المؤذن إلى آخر الأذان يحكيه إن شاء أن حكاية أذان نفسه بعد فراغ أذانه جائزة لا مستحبة.
الخامس: ظاهر الحديث أن الحاكي يقتصر على حكاية ما سمعه دون ما لم يسمعه كما تقدم، فلا يتحرى. والله سبحانه أعلم. السادس: إنما أبدل الحيعلة بالحوقلة؛ لأنها ذكر، فيوجر قائلها، ولمناسبتها دعاء المؤذن بالتبري من الحول والقوة على إتيان الصلاة والفلاح إلا بحول الله وقوته، وقائل الحيعلة داع إلى الصلاة، وأجرها للمؤذن دون الحاكي،
وإذا حكى أذان نفسه فإنَّه يحكيه بعد فراغه،
وكذا مؤذن معه -كما مر-. وقد مر أنَّه تندب المتابعة. مثنى يعني أن الحاكي يحكي الأذان مثنى، فلا يحكي الترجيع،
وقيل: يحكيه، وعبارة الحطاب؛ يعني به أي بقوله: "مثنى" أن الحاكي يكرر الشهادة مرتين، ولا يرجع كما يرجع المؤذن. انتهى. وفيه: والظاهر أن من لم يسمع التشهد الأوّل يحكيه في الترجيع، ولم أر فيه نصا ولكنه ظاهر،
وفي كلام اللخمي ما يدلّ على ذلك. انتهى. ولا يحكي الصلاة خير من النوم،
وقال الشيخ الأمير: قيل بل يقول صدِقت وبرِرت بكسر دال صدقت للمجاورة. قال ابن المرحل في باب فعل بالكسر: وقد صدقت وبررت يا فتى … كأن هذا مثل كذا أتى والظاهر أن المؤذن الذي يربع التكبير يحكي أولياه فقط؛ لأنه إذا ترك حكاية الترجيع المشروع فأولى التكبيرتان الأخيرتان، واستظهر بعضهم الحكاية لعموم: فقولوا مثل ما يقول ولو متنفلا مبالغة في قوله: "وحكايته لسامعه" ؛ يعني أن المتنفل أي المصلي ما عدا الفرض يستحب له إذا سمع الأذان أن يحكيه،
وإذا حكى ما بعد الشهادتين أبدل الحيعلة بالحوقلة، وإلا بطلت إن فعل ذلك عمدا أو جهلًا، ولفظ الصلاة خير من النوم يبطل الفرض والنفل. لا مفترضة يعني أن المفترض أي الذي يصلي الفرض أصليا أو منذورا كما في الشبراخيتي، تكره له حكاية الأذان ما دام فيها، ويحكيه بعد فراغه منها،
وإن حكاه فيها صحت، فإن زاد على الشهادتين أبدل الحيعلة بالحوقلة، وإلا بطلت إن فعل ذلك عمدا أو جهلًا، كما مر في النفل.
وقوله: "ولو متنفلا لا مفترضا" هذا هو المشهور فيهما. وعن سحنون: لا يحكيه في صلاة مطلقا. وعن ابن وهب: يحكيه مطلقا، هكذا في النوادر، وابن يونس. قاله الش.
وفي ابن عرفة: فلو حيعل في صلاته، ففي بطلانها قولا عبد الحق عن بعض القرويين مع أبي عمر، والأصيلي مع الباجي عن رواية ابن خويزمنداد: أساء وتمت صلاته. تنبيهات: الأوّل: يستحب عند سماع المؤذن أن يقول ما في صحيح مسلم: (من قال حين يسمع المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله: رضيت بالله ربا، وبمحمد رسولا، وبالإِسلام دينا. غفر له ذنبه ).
وروي: وبمحمد نبيا، فيستحب الجمع بينهما فيقول: نبيا ورسولا، وروي بتقديم: وبالإِسلام دينا. كما في الحطاب. وروي: وأنا أشهد. فينبغي أن يقول مرة أشهد وأخرى وأنا أشهد. قاله الشيخ إبراهيم. وغيره. الثاني: روي عن الخضر عليه السلام: من قال حين يسمع المؤذن يقول: أشهد أن محمدا رسول الله: مرحبا بحبيبي وقرة عيني محمَّد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم -، ثمَّ يقبل إبهاميه ويجعلهما على عينيه لم يعم ولم يرمد أبدا.
الثالث: من فاتته حكاية الأذان بالمتابعة، حكاه بعد الفراغ إن كان قريبا.
الرابع: قال في الذخيرة: الحول معناه المحاولة والتحيل، والقوة معناها القدرة، ومعنى الكلام لا حيلة لنا ولا قدرة على شيء إلا بقدرة الله تعالى ومشيئته. انتهى.
قال الدميري: وفي الصحيحين عنه - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: (لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم كنز من كنوز الجنة (٢) )؛ أي أجرها مدخر لقائلها كما يدخر الكنز. وروى البيهقي عن الشعبي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: كنت عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال - صلى الله عليه وسلم -: (تدري ما تفسيرها؟
قلت: لا، قال: لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بعون الله. ثمَّ ضرب بيده على منكبي. قال: هكذا أخبرني جبريل عليه الصلاة والسلام (٣) ). انتهى.
وفي قوله - صلى الله عليه وسلم -: كنز من كنوز الجنة، إشارة إلى عظم الثواب الذي يحصل فيها ونفاسته، وإلا فجميع الثواب مدخر في الآخرة.
وفي حديث رواه النسائي في اليوم والليلة، وذكره في الإحياء: (أن العبد إذا قالها قال الله تعالى أسلم عبدي واستسلم (٤) ). قاله الحطاب. الخامس: قال الدميري: الحاء والعين لا يجتمعان في كلمة واحدة إلا أن تؤلف من كلمتين كالحيعلة، ويقال بسمل إذا قال بسم الله، كحيعل وسبحل، إذا قال سبحن الله، وحوقل إذا قال لا حول ولا قوة إلا بالله، وحمدل إذا قال الحمد لله، وهيلل إذا قال لا إله إلا الله، وجعفل إذا قال جعلت فداءك.
قاله المازري. عن المطرز. وزاد الثعلبي الطبلقة إذا قال أطال الله بقاءك، والدمعزة إذا قال أدام الله عزك، وعلى أن الحاكي يحكي الأذان كله، فقال الحطاب: لم أقف على ما يقول في كلام أحد من أهل المذهب إذا قال المؤذن الصلاة خير من النوم، وحكى النووي في ذلك خلافا، فقال: يقول صدقت وبررت أي بكسر الراء الأولى وسكون الثانية،
وقيل: يقول: صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الصلاة خير من النوم. حكاه في الأذكار. واقتصر في منهاجه على الأوّل. قال الدميري في شرحه: وادعى ابن الرفعة أن خبرا ورد فيه، ولا يعرف ما قاله. السادس: كان الشيخ نور الدين الخراساني إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمدا رسول الله يقبل إبهامي يديه اليمنى واليسرى عند كل تشهد، مرة يبدأ بالمؤق من ناحية الأنف، ويختم باللحاظ من ناحية الصدغ.
وقال لمن سأله عن ذلك: إني كنت أفعله من غير رواية حديث، ثمَّ تركته فمرضت عيناي، فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنام، فقال لي: لم تركت مسح عينيك عند ذكري في الأذان؟ إن أردت أن تبرأ عيناك فعد إلى المسح، أو كما قال، ثمَّ استيقظت ومسحت، فبرئت عيناي، ولم يعاودني مرضهما إلى الآن. انتهى. نقله الإمام الحطاب. وقد مر ما نقل عن الخضر. السابع: يستحب أن يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد الأذان،
وأن يقول: (اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته (١) )، ثمَّ يدعو بما شاء من أمور الدنيا والآخرة، ففي صحيح مسلم، عن عبد الله بن عمرو بن العاصي - رضي الله عنهما - أنَّه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثمَّ صلوا علي فإنَّه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ثمَّ سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة ).
وقوله: مقاما محمودا، كذا ثبت في الصحيح مُنَكَّرًا، وهو موافق للفظ الآية، أعني قوله تعالى: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} ،
وفي مختصر الواضحة: ويستحب الدعاء عند الأذان وعند الإقامة فمما يستحب للرجل أن يقول إذا سمع المؤذن يقول الله أكبر: لبيك داعي الله سمع السامعون بحمد الله ونعمته، اللهم أفْضِلْ علينا وقِنَا عذاب النار، ثمَّ يقول مثل ما يقول. وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (من قال حين يسمع الأذان اللهم رب هذه الدعوة النافعة والصلاة القائمة صل على محمَّد عبدك ورسولك وأعطه الوسيلة والفضيلة والشفاعة حلت عليه شفاعتي (٢) )، أي وجبت أو غشيته كما في الحطاب.
ووقع في بعض الكتب بعد والفضيلة زيادة: والدرجة الرفيعة، ولا وجود لها في كتب الحديث،
وفي بعض زيادة: والدرجة الرفيعة، والكوثر والفضيلة؛ وهي غلط انظر الحطاب. والمراد بالدعوة التامة: الأذانُ، ووصفت الدعوة بالتمام لأنها ذكر الله ويدعى بها إلى عبادته، وقوله: والصلاة القائمة؛ أي الصلاة التي ستقام وتفعل والوسيلة أصلها ما يتوسل به إلى الشيء، وقد فسرها في الحديث بأنها منزلة في الجنة، والمقام المحمود هو مقام الشفاعة. وقوله: الذي وعدته، بدل من قوله مقاما محمودا، لا نعت على رواية التنكير، ونعت على رواية التعريف.
وفي الصحاح: حل العذاب يحل بالكسر: وجب. ويحل بالضم: نزل. وقد قرئ بهما قوله تعالى: {فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي} ، قاله الحطاب. الثامن: يستحب للمؤذن أن يركع ركعتين على أثر أذانه، وليس بلازم قاله في مختصر الواضحة عن عبد الملك. وحدث عن ابن شهاب أنَّه قال: الركعتان من سنة الأذان إلا على أثر أذان صلاة المغرب. انتهى. وهذا في حق المؤذن،
وأما من كان جالسا في المسجد فيكره له الركوع عند الأذان؛ أن يُجعَل ذلك سنةً.
وأما إن صادف ذلك دخوله المسجد أو تنفله، فلا. قاله الإمام الحطاب. وسيأتي هذا مع زيادة في فصل الجمعة عند قول المصنف: أو جالس عند الأذان وفي الطراز:
ويجوز الكلام والمؤذن يؤذن، وقد كانت الصحابة تفعله. التاسع: إذا قلنا يحكيه في النافلة أو فيها وفي الفريضة فإنما يحكيه إلى التشهدين،
ولو قلنا إن الحكاية في غير الصلاة إلى آخر الأذان. قاله الإمام الحطاب. وقد مر أن هذا القول إن فرعنا عليه تبدل الحيعلة بالحوقلة، فيتفق القولان هنا على أنَّه لا يجاوز الشهادتين ولو أبدل الحيعلة بالحوقلة. أشار له الإمام الحطاب. وقد مر الخلاف في بطلان صلاة من لم يبدل الحيعلة بالحوقلة. قال الإمام الحطاب بعد جلب نقول: إن العامد؛ أي لقول حي على الصلاة تبطل صلاته بلا خلاف،
وأن الخلاف في الجاهل، المشهور أنَّه كالعامد.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.