Fiqh of the Four Schools Search for a mas’ala in the schools’ booksCtrl K

Its commentaries

الشرح الكبيرal-Dardir

(إلَّا لِوَجْهٍ) كَتَعَلُّقِ قَلْبِهِ بِمَنْ حَلَفَ بِطَلَاقِهَا أَوْ عِتْقِهَا بِحَيْثُ يَخْشَى أَنْ لَا يَتْرُكَهَا إنْ حَنِثَ فَيَجُوزُ وَلَا قَضَاءَ (كَوَالِدِ) أَبٍ أَوْ أُمٍّ أَيْ كَأَمْرِهِ بِالْفِطْرِ إنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْحَنَانِ وَالشَّفَقَةِ مِنْ إدَامَةِ الصَّوْمِ

877

وَمِثْلُهُ السَّيِّدُ (وَشَيْخٍ) فِي الطَّرِيقِ أَخَذَ عَلَى نَفْسِهِ الْعَهْدَ أَنْ لَا يُخَالِفَهُ وَأَلْحَقَ بِهِ بَعْضُهُمْ شَيْخَ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ (وَإِنْ لَمْ يَحْلِفَا) أَيْ الْوَلَدُ وَالشَّيْخُ

note

وَلَمَّا بَيَّنَ أَنَّ الْقَضَاءَ وَاجِبٌ فِي الْفَرْضِ بَيَّنَ أَنَّ الْكَفَّارَةَ قَدْ تَجِبُ فِي بَعْضِهِ بِقَوْلِهِ

حاشية الدسوقيal-Dasuqi · a gloss on الشرح الكبير

(قَوْلُهُ كَتَعَلُّقِ قَلْبِهِ إلَخْ) هَذَا مِثَالُ الْوَجْهِ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ كَوَالِدِ إلَخْ تَشْبِيهٌ بِالْوَجْهِ هَذَا مَا ذَكَرَهُ ح وَاخْتَارَهُ طفى

(قَوْلُهُ أَبٍ أَوْ أُمٍّ) أَيْ دَنِيَّةٍ لَا الْجَدِّ وَالْجَدَّةِ وَالْمُرَادُ الْأَبَوَانِ الْمُسْلِمَانِ

3,166

لَا إنْ كَانَا كَافِرَيْنِ فَلَا يُطِعْهُمَا إلْحَاقًا لِلصَّوْمِ بِالْجِهَادِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْ الدِّينِيَّاتِ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ

(قَوْلُهُ أَيْ كَأَمْرٍ بِالْفِطْرِ) أَيْ مِنْ صَوْمِ التَّطَوُّعِ فَيَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى وَجْهِ الْحَنَانِ إلَخْ

(قَوْلُهُ أَخَذَ عَلَى نَفْسِهِ الْعَهْدَ إلَخْ) اُعْتُرِضَ بِأَنَّ الْعَهْدَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الطَّاعَاتِ وَإِفْسَادُ الصَّوْمِ حَرَامٌ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمَّا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي إفْسَادِ صَوْمِ النَّفْلِ قُدِّمَ فِيهِ نَظَرُ الشَّيْخِ أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ يَقُولُونَ بِجَوَازِ إفْسَادِهِ وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ «الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ إنْ شَاءَ صَامَ، وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ»

(قَوْلُهُ شَيْخَ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ) أَيْ

3,167

وَكَذَا آلَتُهُ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.

(قَوْلُهُ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ فَرْضِيَّتُهُ أَصْلِيَّةً كَرَمَضَانَ أَوْ عَارِضَةً بِالنَّذْرِ [شُرُوطٍ وُجُوب كَفَّارَة الْإِفْطَار]

(قَوْلُهُ قَدْ تَجِبُ فِي بَعْضِهِ) أَيْ فِي بَعْضِ أَفْرَادِهِ، وَهُوَ خُصُوصُ رَمَضَانَ

مواهب الجليلal-Hattab

Says nothing on this mas’ala.

التاج والإكليلal-Mawwaq

its words on this mas’ala come with mas’ala 2752 before it

شرح الخرشيal-Khurashi

(ص) كَوَالِدٍ وَشَيْخٍ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفَا (ش) هُنَا حُذِفَ مُضَافٌ أَيْ: كَأَمْرِ شَيْخٍ وَوَالِدٍ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفَا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ الْحَنَانِ وَالشَّفَقَةِ عَلَيْهِ مِنْ الصَّوْمِ لِإِدَامَتِهِ، وَمِثْلُ الْوَالِدِ السَّيِّدُ فِي عَبْدِهِ وَالْمُرَادُ بِالْوَالِدِ دَنِيُّهُ لَا الْجَدِّ وَالْجَدَّةِ ثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: كَوَالِدٍ إلَخْ تَمْثِيلًا لِلْوَجْهِ، وَالْكَافُ لِإِدْخَالِ الْأَفْرَادِ الذِّهْنِيَّةِ وَإِنْ انْحَصَرَتْ فِي الْخَارِجِ فِيمَا ذَكَرَ كَشَمْسٍ، وَالْأُمِّ كَالْأَبِ فَقَوْلُهُ: كَوَالِدٍ أَيْ: كَشَخْصِ وَالِدٍ وَالْمُرَادُ بِهِ الْمُسْلِمُ كَمَا قَالَهُ ق،

2,572

وَلَوْ تَرَكَ الْمُؤَلِّفُ قَوْلَهُ إلَّا لِوَجْهٍ إلَخْ لَكَانَ حَسَنًا؛ لِأَنَّ الْفِطْرَ مَعَ الْوَجْهِ غَيْرُ حَرَامٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَشْبِيهًا وَيَكُونَ الْمُرَادُ بِالْوَجْهِ بِأَنْ يَحْلِفَ شَخْصٌ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ، أَوْ عِتْقِ أَمَتِهِ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِحُبِّهَا فَيُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ،

حاشية العدويal-'Adawi · a gloss on شرح الخرشي

(قَوْلُهُ: ثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ كَوَالِدٍ) أَيْ: كَأَمْرِ وَالِدٍ فَإِنَّ الْوَجْهَ لَيْسَ نَفْسَ الْوَالِدِ، بَلْ أَمْرُ الْوَالِدِ

(قَوْلُهُ: وَالْكَافُ لِإِدْخَالِ إلَخْ) لَا حَاجَةَ لِذَلِكَ لِدُخُولِ السَّيِّدِ تَحْتَ الْكَافِ

(قَوْلُهُ: وَالْأُمُّ كَالْأَبِ) أَيْ: وَيُرَادُ بِالْوَالِدِ مَا يَشْمَلُهُمَا فَلِذَلِكَ قَالَ أَيْ: كَشَخْصِ وَالِدٍ وَالْمُرَادُ بِهِ الْمُسْلِمُ إلَخْ هَذَا يُخَالِفُ مَا سَيَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ، وَالْكَافِرُ كَغَيْرِهِ فِي غَيْرِهِ

(قَوْلُهُ: وَلَوْ تَرَكَ إلَخْ) هَذَا خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ لَهُ مِنْ قَوْلِهِ مُخْرَجٌ مِنْ تَحْرِيمٍ،

4,136

وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ بِنَاءٌ عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ

(قَوْلُهُ: لَكَانَ حَسَنًا إلَخْ) أَيْ: فَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ غَيْرُ مُنَاسِبٍ إلَّا أَنَّ الشَّارِحَ أَجَابَ بِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ تَحْرِيمِ الْفِطْرِ إلَخْ

(قَوْلُهُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَشْبِيهًا) هَذَا هُوَ الْمُتَعَيَّنُ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يُفِيدُهُ النَّقْلُ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ مُحَشِّي تت.

منح الجليل'Illaysh

(إلَّا لِوَجْهٍ) كَتَعَلُّقِ قَلْبِ الْحَالِفِ بِمَنْ حَلَفَ بِطَلَاقِهَا أَوْ عِتْقِهَا بِحَيْثُ يَخْشَى أَنْ لَا يَتْرُكَهَا إنْ حَنِثَ فَيَجُوزُ الْفِطْرُ وَلَا يَجِبُ الْقَضَاءُ

2,513

وَيَجِبُ الْإِمْسَاكُ بَقِيَّةَ الْيَوْمِ. وَإِنْ أَفْطَرَ عَمْدًا حَرَامًا فَلَا يَجِبُ الْإِمْسَاكُ إذْ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَلَا حُرْمَةَ لِلْوَقْتِ. ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ رَوَى ابْنُ نَافِعٍ لَا وَجْهَ لِكَفِّ مُفْطِرِهِ عَمْدًا إلَّا لِوَجْهٍ.

وَنَقَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ وُجُوبَ كَفِّهِ لَا أَعْرِفُهُ. ابْنُ غَازِيٍّ جَاءَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ مُطَرِّفٍ فِي النَّوَادِرِ أَنَّهُ يَحْنَثُ الْحَالِفُ بِاَللَّهِ عَلَيْهِ مُطْلَقًا وَبِالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَالْمَشْيِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ وَجْهٌ. وَأُحِبُّ طَاعَةَ أَبَوَيْهِ إنْ عَزَمَا عَلَى فِطْرِهِ وَلَوْ بِغَيْرِ يَمِينٍ، زَادَ ابْنُ رُشْدٍ رِقَّةً عَلَيْهِ مِنْ إدَامَةِ الصَّوْمِ.

وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ وَجْهٌ فَقَالَ الْفَقِيهُ رَاشِدٌ: الْوَجْهُ أَنْ يَقْصِدَ بِيَمِينِهِ الْحَنَّانَةَ كَأَنَّهُ رَدٌّ لِمَا ذَكَرَهُ بَعْدَهُ فِي الْأَبَوَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: أَنْ تَكُونَ يَمِينُهُ آخِرَ الثَّلَاثِ فَلَا يُحْنِثُهُ، فَحَمَلَ ابْنُ غَازِيٍّ الْوَجْهَ فِي الْمُصَنَّفِ عَلَى الْأَوَّلِ، وَجَعَلَ الْإِشَارَةَ بِوَاوٍ إلَى الثَّانِي. وَاخْتَارَ الْحَطّ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْوَجْهِ مَا قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ وَنَصُّهُ لَعَلَّ الْوَجْهَ أَنْ تَكُونَ الْأَمَةُ الَّتِي حَلَفَ بِعِتْقِهَا أَوْ الْمَرْأَةُ الَّتِي حَلَفَ بِطَلَاقِهَا عَلَّقَ بِهَا الْحَالِفُ وَيَخْشَى أَنَّهُ لَا يَتْرُكُهَا إنْ حَنِثَ فَالْوَجْهُ حِينَئِذٍ الْفِطْرُ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ كَوَالِدٍ تَشْبِيهًا.

الْحَطّ هَذَا الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ الرِّوَايَةِ وَسِيَاقِهَا؛ لِأَنَّهُ فِي الرِّوَايَةِ أَفْرَدَ ذِكْرَ الْوَالِدَيْنِ عَنْ الْوَجْهِ فَجَعَلَهُ مِثَالًا كَمَا اخْتَارَهُ ابْنُ غَازِيٍّ خِلَافَ الرِّوَايَةِ.

وَشَبَّهَ فِي جَوَازِ الْفِطْرِ وَعَدَمِ الْقَضَاءِ فَقَالَ (كَوَالِدٍ) أَبٍ أَوْ أُمٍّ أَمَرَهُ بِفِطْرِ النَّفْلِ وَشَيْخٍ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفَا.

وَكَفَّرَ إنْ تَعَمَّدَ بِلَا تَأْوِيلٍ قَرِيبٍ، وَجَهْلٍ فِي رَمَضَانَ فَقَطْ: جِمَاعًا.

أَوْ رَفْعَ نِيَّةٍ نَهَارًا أَوْ أَكْلًا [منح الجليل] شَفَقَةً عَلَيْهِ مِنْ إدَامَةِ صَوْمِهِ فَيَجُوزُ فِطْرُهُ وَلَا يَلْزَمُ قَضَاؤُهُ

2,514

وَمِثْلُهُ السَّيِّدُ (وَشَيْخٍ) فِي الطَّرِيقِ أَخَذَ عَلَى نَفْسِهِ الْعَهْدَ أَنْ لَا يُخَالِفَهُ أَمَرَهُ بِفِطْرِهِ كَذَلِكَ فَيَجُوزُ، وَلَا يَقْضِي، وَأَلْحَقَ بِهِ بَعْضُهُمْ شَيْخَ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ إنْ حَلَفَ الْوَالِدُ وَالشَّيْخُ بَلْ (وَإِنْ لَمْ يَحْلِفَا) أَيْ: الْوَالِدُ وَالشَّيْخُ عَلَى فِطْرِ الْوَلَدِ وَالْمُرِيدِ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْعَهْدَ إنَّمَا هُوَ فِي الطَّاعَةِ وَفِطْرُ النَّفْلِ مَعْصِيَةٌ.

وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّة بِجَوَازِ الْفِطْرِ عَمْدًا اخْتِيَارًا فِي النَّفْلِ تَمَسُّكًا بِحَدِيثِ «الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ إنْ شَاءَ صَامَ، وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ» قُدِّمَ فِيهِ نَظَرُ الشَّيْخِ،

2,515

وَإِنْ حُمِلَ عَلَى تَبْيِيتِ نِيَّةِ الْفِطْرِ وَتَرْكِ إدَامَةِ الصِّيَامِ وَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى إفْسَادِهِ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِيهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

لوامع الدرر في هتك أستار المختصرal-Majlisi

إلا لوجه؛ يعني أن الصائم في التطوع إذا حلف عليه شخص بالطلاق البت أو المعتق ليفطرن -وقلنا إنه يجب عليه تحنيثه لوجوب إتمام صوم التطوع بالشروع- فإنما محل ذلك إذا لم يكن لفطره وجه

17,240

وأما إن كان لفطره وجه، كتعلق قلبه بمن حلف بطلاقها أو بعتقها ويخشى أن لا يتركها إن حنث، فإنه يباح له الفطر وحينئذ فلا قضاء عليه،

17,241

وقال الخرشي عند قوله: "إلا لوجه" ، مخرج من تحريم الفطر في النفل، ويكون ساكتا عن القضاء، قال ابن غازي: ولابد من القضاء على ما قاله عياض، وخالفه الحطاب، وأبقاه على ظاهره مستندا لما صرح به الشاذلي من نفي القضاء،

17,242

ولقول المؤلف: "وفي النفل بالعمد الحرام" ، وهذا ليس بحرام، وكلام عياض ضعيف. انتهى. كوالد، تشبيه لإفادة حكم أمر الوالد بالفطر في التطوع؛ يعني أن من أمره والده دنية أبا أو

17,243

أما بالفطر في النفل، يباح له الفطر ولا يكون أمر الوالد وجها إلا إذا كان على وجه الحنان والرأفة والشفقة عليه من إدامة الصوم. وشيخ؛ يعني أن من أمره شيخه بالفطر في صوم التطوع له أن يفطر، وإنما يكون أمره وجها يبيح الفطر إذا كان على وجه الحنان والرأفة والشفقة عليه من إدامة الصوم. قاله الشبراخيتي. وقوله: "وشيخ" قال ابن غلاب: هو شيخ الطريقة الذي أخذ على نفسه العهد أن لا يخالفه،

17,244

وقال ابن ناجي: وظاهر المذهب أنه لا يتنزل منزلة الأب شيخه الذي يتعلم عليه العلم، وكان بعض من لقيته يفتي بأنه كهو. انتهى.

17,245

وقال الأمير: هو المربي، ومثله شيخ علم شرعي على الظاهر. انتهى. وجاء عن عيسى بن مسكين أحد فقهاء المالكية أنه قال لصاحب له في صوم تطوع أمره بفطره: ثوابك في سرور أخيك المسلم بفطرك عنده أفضل من صيامك، ولم يأمره بقضاء.

17,246

وقال عياض: قضاؤه واجب، ولم يذكره -يعني ابن مسكين- لوضوحه. انتهى. وقد مر عن الخرشي أن قول القاضي عياض هذا ضعيف،

17,247

وقال بعض في قول ابن غلاب: إن المراد بالشيخ شيخ الطريقة الذي أخذ على نفسه العهد أن لا يخالفه، ولعله منزع صوفي كما حكي عن الشاب الذي قالوا له: كل معنا، فقال: إني صائم، فقال أبو يزيد البسطامي: دعوا من سقط من عين الله،

17,248

وفي الحديث: (ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة الوالد على ولده، ودعوة المظلوم، ودعوة المسافر (١) ). قال: والمعلم في معنى الوالد بل أعظم، قال ابن رسلان: حتى قال بعض أصحابنا عقوق الوالد يغفر بالتوبة منه،

17,249

بخلاف عقوق الشيخ المعلم، ولو حلف هذا الصائم -أي صائم التطوع- ليفطرن كفر عن يمينه. نقله في النوادر. والله أعلم. وروى الترمذي عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من نزل على قوم فلا يصومن تطوعا إلا بإذنهم (٢) )،

17,250

قال في العارضة: حديث منكر السند صحيح المعنى؛ لأنهم يتكلفون له فيفسد عليهم، فينبغي أن يعلمهم حتى لا يخسروا. انتهى قاله الحطاب. وإن لم يحلفا؛ يعني أن أمر الوالد والشيخ للشخص بالفطر في التطوع يبيح له الفطر،

17,251

وإن لم يحلفا له على الفطر ولا قضاء عليه على المشهور كما مر، ومثل الوالد السيد في عبده، وقد مر أن المراد بالوالد الوالد دنية أبا أو

17,252

أما لا الجد وَالْجَدَّة، والمراد الأب والأم المسلمان لا الكافران،

17,253

قال عبد الباقي: ولو ترك قوله: "إلا لوجه" ، لكان حسنا؛ لأن الفطر مع الوجه غير حرام. تنبيهات: الأول: اعلم أن من آداب التلميذ مع الشيخ أن يعظمه، ولا يزال ناظرا إليه بعين الإجلال، ويعتقد فيه درجة الكمال، ويتواضع له ويخضع بين يديه ويهابه غاية الهيبة، ويعلم أن خضوعه له عز، وذلته بين يديه رفعة، ويقال إن الإمام الشافعي قيل له في ذلك؟ فقال: أهين لهم نفسي فهم يكرمونها … ولمن تُكْرَم النفسُ التي لا تهينها وأمسك ابن عباس على جلالة قدره بركاب زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنهم،

17,254

وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا،

17,255

وقال أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه لخلف الأحمر: لا أقعد إلا بين يديك، أمرنا أن نتواضع لمن نتعلم منه،

17,256

وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه: كنت أتصفح الورقة بين يدي مالك تصفحا رفيقا هيبة له ليلا يسمع وقعها،

17,257

وقال الربيع: والله ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إلي هيبة له، ويقال: حضر بعض أولاد الخليفة المهدي عند شريك بن عبد الله، فاستند إلى الحائط، وسأل شريكا عن حديث فلم يلتفت إليه شريك، فقال: أتستخف بأولاد الخلفاء؟ قال: لا، ولكن العلم أجل عند الله تعالى من أن يضيعه، أو العلم أزين عند أهله من أن يضيعوه، ولا ينبغي أن يخاطب شيخه كخطاب الناس بتاء الخطاب أو كافه، أو بمجرد اسمه، بل يا سيدي أو يا أستاذي، ويا أيها العالم أو الحافظ ونحو ذلك،

17,258

وكذا إذا ذكره في غيبته، وليتحر التلميذ الصالح للمشيخة بأن لا يأخذ العلم إلا ممن هو أهل لأن يؤخذ عنه ويعرف ذلك

17,259

إما بالنظر إن كانت له يد في العلم في الجملة،

17,260

وإما بتقليد العارفين سؤالا واستخبارا فيأخذ عن المحقق الثقة، ويتحرى أهل الدين المتأدبين ممن جعل الله تعالى الفتح على يديه للعباد رجاء أن يأخذ العلم وأدبه والعمل به، فإنه لا خير في علم بلا عمل، ولا في زيادة علم مع نقصان أدب، قال بعض السلف: هذا العلم دين فانظروا من تأخذون عنه دينكم، وليحذر ممن فيه نزغة بدعة أو سوء اعتقاد ليلا يسري ذلك إليه فيهلك مع المهلكين، أو تَوَرُّطٌ في أودية الدنيا وصحبة الظلمة مخافة أن ينجر بذلك إليها، وليحذر أن يتقيد بالمشاهير وذوي الجاه وَيُعْرِضَ عن أهل الخمول إن كانت فيهم أهلية، بل يتبع أهل الحق والتحقيق كيفما كانوا؛

إذ العلم ضالة المؤمن لا يستنكف أن يأخذها ممن وجدها بيده رفيعا أو وضيعا، وليأخذ عمن أخذ العلم من أهله وتأدب بالمتأدبين، ولا يأخذ عن صحفي وهو من أخذ العلم من بطون الأوراق فقط. ويروى عن الإمام الشافعي: من تفقه من بطون الكتب ضيع الأحكام، وللداني رحمه الله تعالى: والعلم لا تأخذهُ عن صحْفي … ولا حروف الذكر عن كُتْبيِّ قال جامعه عفا الله تعالى عنه: والظاهر أنه أراد بحروف الذكر كيفية قراءة القرآن.

والله سبحانه أعلم. وقال بعضهم: من أخذ الفقه من بطون الكتب غَيَّرَ الأحكام،

17,261

ومن أخذ النحو من بطون الكتب لحن في الكلام،

17,262

ومن أخذ الطب من بطون الكتب قتل الأنام،

17,263

ومن أخذ التصوف من بطون الكتب خرج من الإسلام.

17,264

ومن آداب التلميذ أيضا: أن ينقاد إلى شيخه في أموره كلها ولا يخرج عن رأيه وطاعته، بل يكون كالميت بين يدي الغاسل وكالمريض بين يدي الطبيب، فيخدمه ولا يمل من خدمته، ويحمد الله تعالى عليها، ويتبع إشارته فيما يأمره به، قال الشيخ أبو حامد رضي الله تعالى عنه: ومهمى أشار عليه شيخه بطريق في التعليم فليقلده وليدع رأيه، فخطأ مرشده أنفع له من صوابه في نفسه، وقد نبه الله تعالى على ذلك في قصة موسى صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه، بقوله: {إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} ، هذا مع علو قدر موسى في الرسالة والعلم حتى شرط عليه السكوت، فقال: {فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا} .

17,265

ومن آداب التلميذ مع الشيخ أيضا: أن يعرف له حقه، ويشكر صنيعه، والمنة التي أجرى الله تعالى على يديه، ويعتقد أنه أبوه بالولادة الروحانية وهي أفضل من الطبيعية، فلا يزال مثنيا عليه ومستغفرا له، وداعيا له ومسديا إليه غاية بما أمكنه من الإحسان مالا وخدمة كما قيل: أفادتكم النعماء مني ثلاثة … يدي ولساني والضمير المحجبا وقد مر معنى هذا البيت عند قول المصنف: "والشكر له على ما أولانا من الفضل والكرم" ، ولا يزال ساعيا في مكافأته بكل وجه يمكن،

17,266

وفي الحديث: (من أسدى إليكم معروفا فكافئوه (١) )، وكل ما يفعله في حضوره يفعله في غيبته، ويجاوب عنه من يذكره بسوء،

17,267

وإن عجز قام عن المجلس،

17,268

وكذا يعامل أولاده ومواليه وأقاربه وأحبابه وسائر من له به نسبة، وهذا شأن الصحبة والمحبة كما قيل: وقالوا يا جميل أتى أخوها … فقلت أتى الحبيب أخو الحبيب ومن آداب التلميذ أيضا مع الشيخ: أن يصبر على جفوة شيخه وشراسته إن كانت في خلقه، ولا يصده ذلك عن ملازمته وحسن اعتقاده فيه، وإلا حُرِمَ ما عنده. وقد قال قائل لسفيان بن عيينة: إن قوما يأتونك من أقطار الأرض تغضب عليهم يوشك أن يذهبوا ويتركوك، فقال للقائل: هم حمقى إذا مثلك إن تركوا ما ينفعهم لسوء خلقي.

وليتلطف في إدخال السرور على قلب الشيخ وفي استعطاف قلبه وفي مصالحته إن جفا أو غضب، ولينسب الذنب إلى نفسه، وليبالغ في الاعتذار والتوبة والاستغفار والانكسار، ولينسب كل نقيصة إلى نفسه وكل فضيلة إلى شيخه، ولا يجادل ولا يمار، وليتحمل بحسن التحمل ما تجده النفس هنالك من الذل والهوان رجاء ما يعقبه من المعز والرفعة، كما يتحمل ما يلقاه من الغربة والضيق وسوء الحال،

17,269

فإن عاقبة ذلك كله خير،

17,270

ولبعضهم: فمن لم يذق ذل التعلم ساعة … تجرع كأس الجهل طول حياته وقال آخر: إن المعلم والطبيب كليهما … لا ينصحان إذا هما لم يكرما فاصبر لدائك إن جفوت طبيبه … واصبر لجهلك إن جفوت معلما وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ذللت طالبا وعززت مطلوبا، وليقدم فهم الشيخ على فهمه، ورأيه على رأيه كما قال الصحابي: اتهموا رأيكم،

17,271

ومتى أعلمه الشيخ بفائدة أو حكمة أو لطيفة من دقائق الأدب كان علمها، فلا يظهر أنه كان عالما بها، وليشكر شكر من لم يعلم اللهم إلا أن يتعلق غرض الشيخ بشهادته بها مثلا فليذكر ذلك، والضابط السعي في حفظ قلب الشيخ، وليراع حق الله تعالى في ذلك لا مجرد الانتفاع، وليستعمل الأدب في الدخول على الشيخ، فيدخل عليه فارغ القلب من الشواغل، حسن الهيئة: نظيفا باحترام ووقار،

17,272

فإن كان الشيخ في محل خاص فليستأذن برفق،

17,273

فإن لم يأذن له انصرف سليم القلب،

17,274

وإن كانوا جماعة وأذن لهم فليتقدم في الدخول أفضلهم وأسنهم للسلام، ثم يسلم الأفضل فالأفضل،

17,275

وإن دخل عليه في محل خاص ثم وجده مع أحد يتحدث معه ثم سكت، أو في شغل فأمسك عنه ولم يبدأه بالكلام ولا باسطه، فليسلم سريعا ويخرج، إلا أن يلزمه الشيخ المكث، ويختلف الحال في ذلك، والضابط مراعاة الأدب وحفظ القلب، ولا يدخل مشغول البال على شيخه بجوع أو عطش أو هم أو نحوه؛ إذ يمنعه ذلك من الإصغاء والانتفاع، ولا يناد الشيخ من وراء الحجرات، ولينتظر خروجه، وليصبر إن كان نائما حتى يستيقظ، ولا يطوف عليه ليخرج إليه.

وقد كان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يأتي باب زيد بن ثابت فيجده نائما، فيقال له: ألا نوقظه لك؟ فيقول: لا، وينظر حتى يستيقظ، وربما أصابته الشمس وهو على ذلك فلا يبالي، ولا يقترح على الشيخ ما يشق عليه من مجلس غير معتاد أو وقت أو تخصيص له بشيء من ذلك أو بملاحظة، فربما فعل الشيخ ذلك مع استثقاله له وفيه هلاكه اللهم إلا أن يكون هو افتقحه بذلك وامتن عليه به فليقبله شاكرا له.

قال جميعه اليوسي في القانون إلا النزر منه جدا. وليجلس بين يدي الشيخ بالأدب جلوس الصبي أمام المؤدب إن أمكنه، قال اليوسي: من أغرب ما شاهدته في هذا أني كنت أيام البداية أجلس في حلقة شيخنا أبي بكر رحمه الله تعالى ناحية جنبه الأيسر وهم يقرءون الخلاصة، فكنت أفهم بعضا من كلامه وأشياء لا أفهمها حتى بلغنا نحو النصف، فاتفق لبعض من كان بين يديه أن خرج من البلد فجلست في موضعه بين يدي الشيخ، فكنت من ذلك اليوم كل ما يخرج من الشيخ يدخل في قلبي كالشمس المنيرة ولا يفوتني شيء، وقضيت العجب من ذلك.

وليقبل على الشيخ بكليته مصغيا متلقيا ما يسمعه بقلب شهيد، ولا يتغافل حتى يمر الكلام ويلقى الشيخ في تقريره عناء وثم يسأل عنه هو سؤال من لم يسمعه قط، فإنه إن أعاده تألم بذلك، فقد قيل: أثقل من حديث معاد وإن لم يعد تألم هو وتألم الشيخ لتألمه وغفلته، ولا خير في شيء من ذلك، وليحذر من الالتفات يمينا وشمالا، أو فوق أو تحت عن الشيخ، ولا سيما عند كلامه معه، ولا يضرب بكميه، ولا يحسر عن ذراعيه، ولا يعبث بيديه أو رجليه، ولا ينظر إلى أهل المجلس عند ما يصدر منه بحث أو يلج في مباحثة الشيخ تبجحا بحاله أو ليرى ما يقولون فيه،

17,276

فإن مثل هذا مفتون في نفسه ممقوت عند الله تعالى وعند الشيخ، إلا من عصمه الله، ولا يشبك أصابعه، ولا يعبث بلحيته، ولا يستند بحضرة الشيخ إلى حائط أو وسادة، أو على يده إلى الوراء، ولا يولي الشيخ ظهره أو جنبه، ولا يشير بيديه حال البحث، ولا يكثر الكلام لغير حاجة، ولا التنحنح، ولا يبصق، ولا يتنخم ما أمكنه،

17,277

فإن غلبه أخذ ذلك في ثوبه من غير صوت وحكه، وليخفض الصوت عند العطاس جهده، وليسد فاه عند التثاؤب. وفيما ينسب إلى علي كرم الله وجهه من الوصايا في هذا الباب: من حق العالم عليك أن تسلم على عامة مجلسه وتخصه بالتحية،

17,278

وأن تجلس أمامه، ولا تشيرن عنده بيدك، ولا تعمد بعينيك غيره، ولا تقولن قال فلان خلاف قوله، ولا تغتابن عنده أحدا، ولا تطلبن عثرته،

17,279

وإن زل قبلت معذرته، وعليك أن توقره لله تعالى،

17,280

وإن كانت له حاجة سبقت القوم إلى خدمته، ولا تسار في مجلسه، ولا تأخذ بثوبه، ولا تلح عليه إذا كمل، ولا تشبع من طول صحبته؛ فإنما هو كالنخلة تنتظر متى يسقط عليك شيء منها. انتهى.

17,281

فإن أمره بأمر يخالف الأدب، كالجلوس على فراشه، والتقدم بين يديه، فقيل: يراعي امتثال الأمر،

17,282

وقيل: يراعي الأدب وهو أولى، كما فعل الصديق رضي الله تعالى عنه حين قال: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، اللهم إلا أن يكون جزم أو بحث لا يمكن خلافه، وليحسن الأدب في مخاطبته للشيخ جهده فيخاطبه خطاب تعظيم وتبجيل، ويقبل قبول مطيع مذعن، فمتى ذكر الشيخ أمرا فلا يقل له لا نسلم هذا، أو من قاله أو من ذكره: فليتلطف وليكن في مجلس آخر، ولا يقل له لم ذلك؟

فقد قيل: من قال لشيخه لم لم يفلح أبدا،

17,283

ومتى سمع من الشيخ أمرا فليستبشر به في الحال،

17,284

وإن كان قد علمه كما مر،

17,285

فإن ظهر أنه خلاف الصواب وأصر الشيخ عليه لغفلة أو قصور فلا ينكر عليه، ولا يلاجه إذ لا عصمة إلا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وليتحفظ من مواجهة الشيخ بصورة الرد عليه؛ كان يقول له الشيخ: أنت قلت كذا أو مرادك في فهمك أو خطر لك كذا، فيقول: لا ما قلت هذا وما خطر لي هذا، وما هو مرادي أو نحو هذا وليتحفظ أيضا من مواجهة الشيخ بصورة لا تليق في باب الحكايات، كأن يقول عند مخاطبة الشيخ: قال لي فلان أنت جاهل، أو لا خير فيك، أو فعل الله بك كذا، وليغير هذه العبارة كأن يقول، قال لي فلان يعني نفسه هو جاهل، أو الأبعد يعني نفسه: أو يخاطبه بما يجري على ألسنة جفاة العوام فيما بينهم، كقوله للشيخ عند الخطاب: أسمعت أفهمت أتدري أتعرف أو نحو ذلك، والعرف قد يختلف والضابط هو ما مر من مراعاة حفظ قلب الشيخ فللعبارة أثر، بل وللنظرة وللجلسة، فليحافظ على ذلك كله، وليحذر من أن يسبق الشيخ إلى شرح معنى أو جواب سائل، أو يعيده بعد ذكر الشيخ له إظهارا منه لمعرفته، اللهم إلا أن يلزمه الشيخ شيئا من ذلك فيمتثل، وليحذر أيضا من أن يقطع كلام الشيخ بسؤال أو حكاية أو غير ذلك، بل يصبر حتى يفرغ الشيخ فيسأل،

17,286

وإن تصدر الشيخ يتحدث بعلوم أو حكايات أو أخبار ثم فرغ من قصة فلا ينبغي للتلميذ أن يذكر قصة أخرى تشبه ذلك، فيؤدي ذلك إلى انقطاع حديث الشيخ وصيرورة الكلام بينه وبين التلاميذ مناوبة، فهذا من سوء الأدب، بل من حق التلميذ أن يغمد لسانه ويفتح أذنيه لما يستفيد من الشيخ، وليدع علمه مطويا حتى يحتاج إليه. وقد قال الحكيم: إنما جعل للإنسان لسان واحد وأذنان ليكون سماعه أكثر، ولا يقل عند سماع قصة: قد نص عليها أو ذكرها فلان في كتابه أو نحو ذلك، بل يظهر من نفسه أنه ما رأى شيئا من ذلك ولا سمعه قط، فهو أحفظ لقلب الشيخ اللهم إلا أن يعلم أن الشيخ يحب ذلك، وليستعمل الأدب في المناولة،

17,287

فإن تناول من الشيخ شيئا أو ناوله إياه فباليمين،

17,288

فإن كان ورقة فتيا أو رسالة أو سؤال فليناولها منشورة ليلا يتكلف الشيخ نشرها إلا أن يخشى وجود سر لا يحب الشيخ الاطلاع عليه، وليقم بين يديه عند المناولة ولا يمد إليه بيده أو ينبذ الشيء إليه أو يزحف إليه زحفا، ولا أن يحوجه إلى أن يمد يديه إليه، بل إن علم أن الشيخ يثقل عليه إخراج يديه لتمسك المكتوب فليمسكه له حتى يقرأه،

17,289

وإن ناوله كتابا هيأه له،

17,290

وإن احتاج إلى مسألة منه في محل مخصوص فليره المحل ولا يحوجه إلى التفتيش،

17,291

وإن ناوله قلما فليحده أولا، أو دواة فليفتحها ويهيئها، أو سكينا فليرد إليه حدها وهكذا سائر ما يتناول،

17,292

وإن طلب الشيخ سجادة فليفرشها له إن أراد الصلاة أو الجلوس،

17,293

وإذا قام بادر إلى أخذها،

17,294

وكذا النعل وسائر الخدمة، وإلى الأخذ بيد الشيخ إن احتاجَ والمطلوب الخدمة بأي وجه أمكن مما يكون معه حفظ قلب الشيخ،

17,295

وَمَنْ أَنِفَ من خدمة المشايخ أو استحيا فهو محروم. وقد قالوا: أربعة لا يستنكف عنهن ذو العقل ولو كان شريفا في نفسه أو أميرا: قيامه من مجلسه لأبيه، وخدمته للعالم يتعلم منه، والسؤال عما لا يعلم، وخدمته للضيف. وليستعمل الأدب في الجلوس إلى الشيخ، وليكن بين يديه كما مر،

17,296

فإن تأتى له القرب جدا وأمن مضايقة الشيخ فليقرب كما في وصية لقمان، حيث قال: وزاحم العلماء بركبتك، وإلا وهو الأغلب فليتوسط فلا يزاحم حتى يثقل أو يمس الشيخ أو سجادته أو ثوبه، ولا يبعد حتى لا ينتفع،

17,297

ومتى أمره الشيخ بشيء من ذلك،

17,298

فإن رآه أدبا بادر إليه، وإلا فالأدب. كما مر. وليستعمل الأدب في المماشاة،

17,299

فإذا خرج الشيخ فليكن وراءه فهو بمنزلة التابع فلا يتقدم عليه، ولا يمشي إلى جنبه غير أنهم استثنوا مواضع أربعة ينبغي التقدم فيها بين يدي المشايخ، وذلك إذا نزلوا سُفْلا، أو انطلقوا ليلا، أو خاضوا سيلا، أو حذووا ويلا؛ أي شيئا يتقى،

17,300

أما أولا فمخافة أن يقع للشيخ زلل فيتداركه من تحته، وليلا يزل هو فيقع عليه،

17,301

وأما ثانيا فمخافة أن يكون في الطريق شيء يؤذي من حيوان أو غيره،

17,302

وأما ثالثا فلتجربة المحل ليلا تكون بركة يغرق فيها أو يكون الماء شديدا لا يحتمل،

17,303

وأما رابعا فظاهر، وكل ما أشبه الأربعة فهو بها ملتحق،

17,304

وأما المشي إلى جنبه فقد يحسن حين يحب الشيخ الأنس به أو بحديثه، وقد يأذن في الأخذ عنه تلك الساعة، فلا يمكن إلا ذلك وهو من الآداب المُلُوكِيّةِ في صحبة الرؤساء، وينبغي حينئذ أن يحيد له عن الجادة ولا يزاحمه،

17,305

فإن أمكنه أن يقي الشيخ شمسا أو ريحا أو زحاما أو دابة أو كلبا عقورا أو فتنة مَّا فليكن من جهته على اليمين أو الشمال،

17,306

وإن أقبل عليه الشيخ يحدثه فليكن من جهته الأخرى غير جهة الشمس أو الريح أو الدخان أو نحوه ليلا يلقى الشيخ ذلك بوجهه، وهذه أمثلة يعرف بها ما وراءها عند كل متيقظ لبيب،

17,307

وإن أقبل الناس على الشيخ وهو معه فليعرفه بمن يحتاج إلى التعريف من أهل الأقدار مثلا ليلقى كلا بما يستحق،

17,308

ومن لم يعلمه سأل عنه بلطف وأخبر الشيخ به ليكفيه أمر السؤال،

17,309

وإن رأى أحدا يُسَارُّ الشيخ فليبعد حتى لا يسمع ما جرى،

17,310

وإن لقي الشيخ في الطريق فليبدأه بالسلام على غاية البشاشة والترحيب،

17,311

فإن رآه ماشيا بين يديه فلا يكلمه من خلف بل يبادر أمامه ليسلم عليه من قدام،

17,312

وإن كان بعيدا فلا يناده بل يذهب حتى يصل إليه،

17,313

فإن رآه في محل لا تليق فيه الملاقاة لضيق أو عورة أو لا يحب الشيخ فيه ملاقاة أوأن لا يراه بعينه أصلا فلا يلقاه حتى يمكن إذ الأهم حفظ قلب الشيخ، وقد يراه منقبضا في الوقت عن الناس فلا يزاحم. وقد حدثنا بعض أشياخنا عن بعض أشياخه رحم الله الجميع أنه خرج في يوم خميس فرأى تلميذا له قد أقبل من بعيد في طريقه تلك، وعلم أنه يلقاه، فيسلم عليه، فقال: يا فلان لا تفسد علي خميسي -أي بالسلام- واذهب من طريق أخرى، نعم إن كانت حيلة أو لطافة في بسطه وتأنيسه فلا بأس، وقد حكى الغزالي في الإحياء أنه صلى الله عليه وسلم خرج يوما منقبضا فلم يستطع أحد أن يدنو منه، فجاءهم بعض من له لطف وفكاهة من الصحابة، فقال لهم: أرأيتم إن أضحكته لكم، فتقدم إليه، فقال يا رسول الله: بأبي أنت وأمي بلغنا أن الدجال يخرج في مسغبة ومعه جبل خبز، فقال صلى الله عليه وسلم: نعم هو أهون على الله من ذلك، فقال: ما ترى فداك أبي وأمي آكل من ثردته حتى إذا تضلعت شبعا آمنت بالله وكَفرت بالدجال؟

فضحك صلى الله عليه وسلم. قاله اليوسي في القانون. الثاني: ينبغي للتلميذ كما يتأدب مع الشيخ أن يتأدب مع الحاضرين ومع الرفقة كلها ويحترم مجلسه،

17,314

فإن ذلك من احترام الشيخ فلا يسيء إلى أحد منهم بانتهار له أو شتمه أو اجتذابه أو الجلوس بين يديه أو فوقه أو استناد عليه بمرفقه أو رأسه أو نحو ذلك، إلا أن يكون بينه وبينه شيء من ذلك محتملا ولا يعارضه عند سؤاله للشيخ بجواب ولا بحث، ولا بسؤال آخر للشيخ فينسى سؤاله ولا يفرق بين متضايقين أو متعاونين إلا بإذنهما، وليوقر أكابر أهل المجلس وأفاضله أكثر، وينبغي لأهل المجلس أن يرحبوا بالوارد وَيَفْسَحُوا له ويكرموه بما ينبغي لمثله، وينبغي للواحد إذا فسح له أن يضم جناحية ولا يضيق على الناس،

17,315

ومتى أساء أحدهم أدبا أو أساء إلى غيره فالشيخ أولى أن يؤدبه أو يزجره أو يصلح ذات البين أو من يقدمه لذلك،

17,316

وإن أساء أحد إلى الشيخ فعلى أتباعه القيام بزجره والانتصار للشيخ وفاء بحقه، وهذا حق التلميذ أن ينتصر لشيخه بالحق حاضرا كان أو غائبا، حيا أو ميتا. الثالث: من المهمات تعظيم الكتب واحترامها فلا يضعها على الأرض ولا عند رجليه أو تحت رأسه، والكتب كلها مشتركة في هذا المعنى،

17,317

وإن كانت تتفاوت في شدة الاعتناء ببعضها أكثر من بعض،

17,318

وأن الكتاب لو فرض ما فيه أن يكون غير حق، فقد بقيت الحرمة للورق والحروف ولا يضع عليها شيئا غيرها إلا ما تصان به،

17,319

وأما وضع بعضها على بعض فيجب أن يكون بالتعظيم، فيجعل الأشرف فوق غيره، وليحسن لها التجليد والأغشية من غير إسراف، ولا يصطنع الدفة من الورق المكتوبة فإنه من الإهانة، ولينزل الكتب عند وضعها في الخزانة منازلها، فلا بد أن يرفع الأشرف فوق غيره، ولا يخفى ذلك على من له خبرة بمراتب الفنون، وأعلى الكتبُ كتاب الله تعالى وهو المصحف،

17,320

وكذا أجزاؤه، تم التفسير، ثم متن الحديث، ثم علوم الحديث، ثم الفقه، ثم الكلام، ثم أصول الفقه، ثم النحو والبيان وسائر علوم اللغة، ثم المعقول، وهكذا وإنما قدمنا الفقه على الكلام بحسب فضول الكلام، وإلا فمقصده أعلى.

17,321

وقال بعضهم: المصحف، ثم كتب الحديث الصرف كالبخاري، ثم تفسير القرآن، ثم تفسير الحديث، ثم أصول الدين، ثم أصول الفقه، ثم الفقه، ثم النحو، ثم أشعار العرب، ثم العروض، ويقدم في المستويين بكثرة الاحتواء على القرآن ثم الحديث ثم بالصحة والقدم والاشتهار، وجلالة المصنف، ولا ينبغي أن يوضع على الكتب شيء من غير الكتب إلا ما تصان به كما مر، ولا ينبغي أن تتوسد، وقد حكي أن رجلا بات متوسدا رسالة الشيخ ابن أبي زيد فأصبح أعمى، وقد أفتي في الأوراق المكتوبة بأن لا تكون صوانا لشيء احتراما لها.

واعلم أن الكتب آلة لصاحب العلم عالما كان أو متعلما وسلاح،

17,322

ومن لم تكن له كان أعزل،

17,323

فمن أهم الأمور تحصيلها إما بالملكية إرثا أو شراء أو هبة وهي أولى

17,324

وإما بعارية، فإن تعذر الملك لإعواز الثمن أو إعواز ما يشترى فلينسخ أو ليستنسخ إن أمكن وهو أولى، وليحذر مكيدة الشيطان وهي أن يسول له أن طلب العلم لا يكون بغير إعداد مؤنة كافية،

17,325

وأن العلم لا يحصل بغير كتب، فيتعاطى أسباب الدنيا من تجارة أو غيرها فيفوته الغرض -والعياذ بالله تعالى- بجمود قريحة مثلا، أو موت، أو غير ذلك، فالأولى لطالب العلم في بداية أمره أن يرمي بنفسه في غمرات الطلب غير ملتفت إلى شهوة من ملبس ومنكح ومركب ونحو ذلك، وليعول على القسمة الأزلية وأن الله تعالى موصل إليه من فضله موصل إليه الضروري من أموره،

17,326

وأن يعتمد على السماع والحفظ متكلا على الله تعالى في أن يعلمه من فضله، وهو على ذلك قدير،

note

ثم إن كانت عنده الكتب أو أمكن استحصالها بغير تكلف ولا تعوق عن شغله فليطالع منها ما يقرب عليه، وليدع منها ما هو عميق مشتت للفكر إلى وقته،

17,327

فإن الكتب سلاح وليس كل أحد يقاتل بكل سلاح،

17,328

وإن تعذرت الكتب فليحضر فكرته وليتق الله تعالى، ويتوجه إليه بصدق التوجه، وليثق بفضل الله تعالى، وأنه لا يخيبه، وأنه إذا أعطى علما فسيعطي كتبا، ويقال في مثل هذا المقام: إن الشجاع في المضايق سلاح الناس كلها له، والفارس عند الغارات خيل الناس كلها له،

17,329

فمن نجب في العلم كتب الناس كلها له، وما أعوز منها فالله تعالى يغني عنه،

17,330

وأن الله تعالى إذا أراد شيئا كان، والله تعالى من فضله حقيق أن يكفي العالم أمر الرزق وجماعة معه كما وعد بذلك. وقد اختلفت أقوال الناس في إعارة الكتب، فمنهم من كرهها صونا للكتب عن الضياع، فقدما قيل: آفة الكتب العارية، ومنهم من يحض عليها لأنها من التعاون علي البر والحق التفصيل،

17,331

فمن كان أهلا لأن يعار بظهور نجابة وظهور صيانة للكتب فينبغي أن يعار،

17,332

وفي مثله يقال: حبس الكتب عن أهلها من الغلول، وينسب للإمام الشافعي يخاطب محمد بن الحسن: يا ذا الذي لم تر عيـ … ـنا من رآه مثله العلم يأبى أهْله … أن يمنعوه أهله وإذا وقعت العارية فواجب على المستعير شكر المعير ومكافأته ولو بالدعاء وصيانة الكتاب المستعار، فلا يعرضه لتلف ولا فساد، ولا يفتحه فتحا فاحشا، ولا يلوثه بيده ولا يوسخه بما فيها، ولا يضعه على الأرض أو الحصير، ولا ينظر حالة غلبة النوم، فربما سقط من يده أو على الصباح، أو سقط عليه المصباح وزيته، ولا يعرضه للندى أو الشمس أو الدخان أو السارق أو الفار أو غير ذلك، ولبعضهم: عليك بالحفظ دون العلم في كتب … فإن للكتب آفات تفرقها اللص يسرقها والفار يخرقها … والنار تحرقها والماء يغرقها وأن لا يؤذيه بالتلوي عليه حين يريد كتابه الذي أعاره له، ولا يفشي ما عسى أن يجده مكتوبا من أسرار مالكه أو غيره، وبالجملة يجب أن يفعل فيه ما يفعله لنفسه: أيها المستعير مني كتابا … ارض لي فيه ما لنفسك ترضى ولبعضهم: إذ استعرت كتابي وانتفعت به … فاحذر وقيت الردى من أن تغيره واردده لي سالما إني شغفت به … لولا مخافة كتم العلم لم تره ومتى علم من نفسه أنه عاجز عن القيام بذلك لم تجز له الاستعارة؛

لأن مقدمات الحرام حرام، وكل هذا مطلوب منه في كتب نفسه وكتب الأحباس،

17,333

فإن حفظ المال واجب وتضييعه حرام، والكتب إذا ضيعت كان فيها تضييع المال وتضييع العلم، ولا بأس بكتابة الحواشي والفوائد على كتاب يملكه، ولا يكتب عليه صح فرقا بينه وبين التخريج، ولا ينبغي إلا الفائدة المناسبة للمتن الذي عليه الحاشية، كبحث فيه أو عَزْوِ نَاقِلِ أو منقول عنه وغير ذلك، وليحافظ على البيان في الكتابة، وليحذر الخط الردي وكثرة المحو، وَالضرب ليلا يظلم الكتاب فيفسد أكثر مما يصلح، والخط الحسن يبسط النفس وينشط الفهم ويزيد الحق وضوحا، وخطوط العلماء تكون غالبا ردية لاشتغالهم عن التصنع في الخط بما هو أهم، غير أنها تكون سالمة من اللحن متقنة مبينة، فتكون نافعة.

قال جميعه في القانون إلا النزر منه جدا. وفيه أن الناسخ إذا وقعت له زيادة،

17,334

فإن كانت كلمة واحدة فليضرب عليها بخط يجره عليها أو يكتب عليها لا،

17,335

وإن كانت أكثر أو سطرا أو سطرين فليكتب على أول كلمة لا ومن وعلى آخرها لا، وإلى أي من هاهنا، إلى هنا أو يضرب على الجميع،

17,336

وإن تكررت الكلمة سهوا فليضرب على الثانية لأن الأولى صواب إلا أن تكون الأولى آخر سطر فليضرب عليها حفظا لأول السطر ما لم تكن التي في آخر السطر مضافا إليها فليتركها لاتصالها بالمضاف،

17,337

وإن سقط شيء أخرجه في الحاشية إن أمكن، ويشير إليه بخط لطيف. وليكن التخريج إلى جهة اليمين إن أمكن، وليكتبه إلى أعلى الورقة إن أمكن ليبقى ما بعده نقيا،

17,338

فإن وجد تخريجا آخر جعله فيه ثم يكتب على ذلك صح، ولا بأس بكتابة الأبواب والفصول أو سائر التراجم بلون من حمرة أو صفرة أو خضرة،

17,339

وكذا كل ما يقع في خلال الكتب من

17,340

تنبيه أو بحث أو سؤال أو جواب أو تنكيت أو

17,341

فائدة أو لطيفة أو نحو ذلك؛ لأنه أزيد في البيان وفي حسن الكتاب،

17,342

فإن لم يوجد غير الحبر فليغلظ الخط ويمططه أكثر ليعلم ذلك؛ ولا بأس بالرمز بالحمرة أو غيرها لأسماء رجال أو نحو ذلك، غير أن ما لم يكن بينا من ذلك فلا بد من التنبيه عليه في صدر التأليف أو خاتمته مثلا، وإلا فلا يجوز الرمز الذي لا دليل عليه، وهذا كما تقول لا بد للمجاز من قرينة وللحذف من دليل،

17,343

وإذا نسخ فليجود الخط وليجتنب الخط الرقيق فإنه سيندم عليه وقت الكبر وضعف البصر، وليكتب بالحبر فإنه أبقى، وليكن القلم محرفا، وليكن معه سكين حاد لبري القلم، ولينشر الورق المكتوب،

17,344

وإذا نسخ فليستعمل الآداب في ذلك وهي أن يضع الكتاب المنسوخ منه على مرتفع ولا يضعه على الأرض ويفتحه بمقدار،

17,345

وأن يكون على طهارة في بدنه وثوبه،

17,346

وأن يكون الحبر والورق طاهرين،

17,347

وأن يكتب البسملة في أول الكتاب،

17,348

فإن كان الكتاب مبدوا بها وبالحمد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فليكتب ذلك مع سائر الكتاب، وإلا فليكتبه أولا ثم يشتغل بعد بالكتاب، وكلما انقضى جزء حمد الله تعالى وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم كتب: تم كذا ويتلوه كذا، فيكتب ذلك بيانا وإعلاما، وكلما كتب اسم الله تعالى فيتبعه بما ينبغي من التعظيم، نحو: سبحانه أو تعالى أو جل وعز وكلما كتب اسم النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليه بلسانه وقلبه، سواء كان في الأصل أولا، وكلما كتب اسم أحد من الصحابة أو علماء الدين وسائر الصالحين ترضى عنه وترحم ويكمل الصلاة والسلام بالكتابة،

17,349

ولو تكررت في السطر مرارا، ولا يختصر كما يَخْتَصِرُ بعض المحرومين، ولا يصلي على غير الأنبياء إلا تبعا، وما كان مستغربا أو منكرا وهو صحيح في الحاشية أو في المتن فليكتب عليه: صح، وليجعلها صغيرة إن كانت في المتن،

17,350

وإن وقع ما لا يدري أصواب أم خطأ فليكتب عليه كذا. الرابع: اعلم أن الاشتغال بالعلم من أفضل الطاعات، وأولى ما أنفقت فيه نفائس الأوقات، خصوصا علم الفقه العذب الزلال، المتكفل ببيان الحرام والحلال،

17,351

وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أتى علي يوم لا أزداد فيه علما يقربني من الله فلا بلغني الله طلوع شمس ذلك اليوم (١) )،

17,352

وفي معناه قيل: دعوني وأمري واختياري فإنني … بصير بما أفري وأبرم من أمري إذا ما مضى يوم ولم أصطنع يدا … ولم أقتبس علما فما هو من عمري

17,353

وقيل: أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام: تعلم الخير وعلمه الناس، فإني منور لمعلم الخير ومتعلمه قبورهم حتى لا يستوحشوا لمكانهم، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا جاء الموت طالب العلم وهو في هذا الحال مات وهو شهيد (٢) )،

17,354

وقال صلى الله عليه وسلم: ما جميع أعمال البر في الجهاد إلا كنقطة في بحر، وما جميع أعمال البر والجهاد في طلب العلم إلا كنقطة في بحر،

17,355

وقال أيضا: (من سلك طريقا يلتمس فيها علما سهل الله عليه سبيلا إلى الجنة، أو سهل الله له طريقا إلى الجنة (٣) )،

17,356

وقال أيضا: (من غدا في طلب العلم صلت عليه الملائكة، وبورك له في معيشته، ولم ينقص رزقه، وكان عليه مباركا (٤) )، (وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: معلم الخير يستغفر له كل شيء حتى الحوت في البحر )، وعن أبي حنيفة قال: حججت مع أبي فإذا شيخ قد اجتمع عليه الناس، فقلت لأبي: ما هذا الشيخ؟ فقال رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: يقال له عبد الله بن الحرث بن جزء،

17,357

قلت: فأي شيء عنده؟ قال: أحاديث سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: قدمني حتى أسمع منه، فقدمني إليه فسمعته يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من تفقه في الدين كفاه الله همه ورزقه من حيث لا يحتسب (٢) ). قاله في القانون. وفيه عن يحيى بن مالك رضي الله تعالى عنه أنه حضه على طلب العلم، وأخبره أن غلاما أقبل على طلب العلم عند ربيعة واجتهد ثم نزل به الموت وهو طالب لهذا الأمر: فرأيت جميع علمائنا قد ازدحموا على نعشه فنظر الأمير إليهم،

17,358

وقال: قدموا من شئتم للصلاة عليه، فقدموا ربيعة فصلى عليه وألحده قبره هو وزيد بن أسلم، فبعد ثلاث رآه رجل من خيار بلدنا في أحسن صورة غلام أمرد عليه بياض متعمم بعمامة خضراء وتحته فرس أشهب نازلا من السماء، فسلم عليه،

17,359

وقال: هذا ما بلغني إليه العلم، فقال الرجل: ما الذي بلغك إليه العلم؟ قال: أعطاني الله تعالى بكل باب [نعلمه ] درجة في الجنة، فقال الله عز رجل: زيدوا لورثة أنبياءي، فقد حتمت على نفسي أنه من مات وهو عالم بسنتي وسنة أنبيائي أو طالب لذلك أن أجمعهم في درجة واحدة، وأعطاني ربي حتى بلغت درجة أهل العلم، فليس بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا درجة واحدة هو جالس فيها وحوله النبيئون كلهم، ودرجة فيها أصحابه وجميع أصحابهم والذين اتبعوهم بإحسان ونحن من بعدهم سوى ما لي عند الله تعالى من المزيد، فقال الرجل: ومالك عند الله تعالى من المزيد؟

فقال: وعدني أن يحشرني مع النبيئين في زمرة واحدة، فأنا معهم إلى يوم القيامة،

17,360

فإذا كان يوم القيامة قال الله عز وجل: يا معشر العلماء هذه جنتي قد أبحتها لكم: وهذا رضواني قد رضيت عنكم، فلا تدخلوا الجنة حتى تقفوا فتشفعوا فأعطيكم ما شئتم، وأشفعكم فيمن استشفعتم له؛ لأُرِيَ عبادي كرامتكم ومنزلتكم عندي، فأصبح الرجل يحدث بهذه الرؤيا واشتهرت في المدينة، قال مالك: وكان معنا أقوام اشتغلوا بطلب العلم ثم انقطعوا عنه، فلما سمعوا بهذا الحديث رجعوا إلى طلب العلم فهم اليوم علماء بلدنا،

17,361

وقال يحيى أيضا: أول شيء حدثني به الليث أول يوم لقيته، قال لي: ما اسمك؟

17,362

قلت: يحيى، قال: متعنا الله بك، فقال يا يحيى: جد في هذا الأمر وسأحدثك بحديث تزداد به بصيرة، قال: كنا عند ابن شهاب طالبين لهذا الأمر، فقال لنا يوما: يا معشر الطلبة أراكم تزهدون في هذا الأمر، بالله الذي لا إله إلا هو لو أن بابا من العلم جعل في كفة، وجعل أعمال المرء في كفة أخرى لرجح باب العلم،

17,363

ومن عمل بمشورة أهل العلم فقد رشد،

17,364

ومن عمل بغير علم وبغير مشورة فقد خسر خسرانا مبينا. وعن عبد الله بن مسعود أنه كان يقول إذا رأى الشباب يطلبون العلم: مرحبا بينابيع الحكمة ومصابيح الظلم، خلقان الثياب، جدد القلوب، ريحان كل قبيلة،

17,365

وقيل: كلمة حكمة من أخيك خير لك من مال تعطاه؛ لأن المال يطغيك والكلمة تهديك،

17,366

وقال الحسن البصري: الدنيا كلها ظلمة إلا مجالس العلماء،

17,367

وقيل مثل العالم في البلد مثل عين عذبة في البلد،

17,368

وقال ابن المبارك: خير سليمان بن داوود عليهما السلام بين الملك والعلم فاختار العلم، فآتاه الله الملك والعلم باختياره العلم. ويروى عن معاذ بن جبل: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة؛ لأنه معالم الحلال والحرام، ومنار سبل أهل الجنة، وهو الأنس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدث في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والسلاح على الأعداء، والزين عند الأخلاء، يرفع الله به أقواما فيجعلهم في الخير قادة وأئمة تقتص آثارهم ويقتدى بفعالهم وينتهى إلى رأيهم، ترغب الملائكة في خلتهم، يستغفر لهم كل رطب ويابس وحيتان البحر وهوامه وسباع البر وأنعامه؛

لأن العلم حياة القلوب من الجهل، ومصابيح الأبصار من الظلم يبلغ العبد بالعلم منازل الأخيار والدرجات العلى في الدنيا والآخرة، التفكر فيه يعدل الصيام ومدارسته تعدل القيام، به توصل الأرحام، وبه يعرف الحلال والحرام، هو إمام العمل والعمل تابعه، يلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء ). رواه في القانون عن أبي عمر. وعن سفيان: لا يراد الله تعالى بشيء أفضل من طلب العلم، وما طُلِب العلمُ في زمان أفضل منه اليوم، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: (من طلب علما فأدركه كُتِبَ له كفلان من أجر،

17,369

ومن طلب علما فلم يدركه كان له كفل من الأجر (٢) )، وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال يا رسول الله: (أي الأعمال أفضل؟ قال: العلم بالله عز وجل، قال: يا رسول الله أسألك عن العمل وتخبرني عن العلم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: قليل العمل ينفع مع العلم،

17,370

وإن كثير العمل لا ينفع مع الجهل (٣) )، وهذا محتمل لأن يكون روعي كون العلم عمل قلب، فالعلم داخل في الأعمال وهو أفضلها،

17,371

وأن يكون تلقى السائل بغير ما يتطلب لكونه أولى به ويؤيده الجواب الأخير،

17,372

وقال صلى الله عليه وسلم: (من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام فبينه وبين الأنبياء درجة واحدة (٤) )،

17,373

وقال أيضا: (رحمة الله على خلفائي،

17,374

قالوا: ومن خلفاؤك يا رسول الله؟ قال: الذين يحيون سنتي ويعلمونها عباد الله (٥) )، ويروى أنه (إذا كان يوم القيامة توضع حسنات الرجل في كفة وسيئاته في الكفة الأخرى فتشيل حسناته فإذا يئس وظن أنها النار جاء شيء مثل السحابة حتى يقع مع حسناته فتشيل سيئاته، فيقال له: أتعرف هذا من عملك؟ فيقول: لا، فيقال: هذا ما علمت الناس من الخير فعمل به من بعدك (٦) )، وريء أبو زكرياء يحيى في النوم، فقيل له: يا أبا زكرياء ما فعل بك ربك؟

قال: زوجني مائة حوراء وأدناني وأخرج من كمه رقاعا كان فيها حديث، فقال بهذا، وريء محمد بن الحسن في النوم، فقيل له: إلى ما صرت؟ فقال: غفر لي، ثم قيل له: لم نجعل هذا العلم فيك إلا ونحن نريد أن نغفر لك، فقيل له: ما فعل أبو يوسف؟ قال: فوقنا بدرجة، قال: فأبو حنيفة؟

17,375

قال: في أعلى عليين. ويروى أنه إذا كان يوم القيامة عزل الله تبارك وتعالى العلماء على الحساب، فيقول: ادخلوا الجنة على ما كان فيكم، إني لم أعمل حكمتي فيكم إلا لخير أردته بكم،

17,376

وفي حديث: (يبعث الله العباد يوم القيامة، ثم يميز العلماء، ثم يقول لهم يا معشر العلماء: إني لم أضع علمي فيكم إلا لعلمي بكم، ولم أضع علمي فيكم لأعذبكم، اذهبوا فقد غفرت لكم (١) )،

17,377

وقيل: أوحى الله تعالى إلى إبراهيم عليه السلام: إني عليم أحب كل عليم، وروي (أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بمجلسين في المسجد، أحدهما يدعون الله ويرغبون إليه، والآخر يتعلمون الفقه ويعلمون، فقال صلى الله عليه وسلم: كل المجلسين على خير وأحدهما أفضل من صاحبه،

17,378

أما هؤلاء فيدعون الله ويرغبون إليه،

17,379

فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم،

17,380

وأما هؤلاء فيتعلمون ويعلمون الجاهل، وإنما بعثت معلما ثم أقبل فجلس معهم (٢) ). وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (العالم أمين الله في الأرض (٣) )،

17,381

وقال أبو الأسود الدؤلى رحمه الله تعالى: الملوك حكام على الناس والعلماء حكام على الملوك، وعن ابن شهاب: العلم ذكر يناله ذكور الرجال، وسأل رجل ابن عباس عن الجهاد، فقال: ألا أدلك على ما هو خير لك من الجهاد؟ تأتي مسجدا فتعلم فيه القرآن وسنن النبي صلى الله عليه وسلم والفقه في الدين.

17,382

وقال بعضهم: اطلبوا العلم فإن كنتم ملوكا برزتم وإن كنتم سوقة عشتم،

17,383

وقال الحجاج لخالد بن صفوان: من سيد أهل البصرة؟ قال: الحسن، قال ذلك وهو مولى، فقال: احتاج الناس إليه في دينهم، واستغنى عنهم في دنياهم، وما رأيت أحدا من أشراف أهل البصرة إلا وهو يروم الوصول إليه في حلقته ليستمع قوله ويكتب علمه، فقال الحجاج: هذا والله هو السؤدد. قاله في القانون. واعلم أن كل ما يذكر في فضيلة العلم وطلبه إنما يكون تنبيها وترغيبا، وإلا ففضله غني عن الكمال لأنه كمال الإنسان وبه امتاز عن سائر الحيوان، ثم هو مناط الشرع والتكليف، ومفتاح التعرف والتعريف، أفيحتاج إلى بيان وبه يكون البيان؟

وكيف يصح في الأذهان شيء … إذا احتاج النهار إلى دليل الخامس: اعلم أن الرحلة في طلب العلم من شأن الرجال؛ إذ بها يحصل نيل الآمال،

17,385

وإن كان في الجهاد فالعلم أيضا من جملة سبيل الله إذا أريد به وجه الله تعالى، وقد روى حديث [عن ] أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله (٢) )،

17,386

وقال تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ} ، وهذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن الخروج للتفقه وهو غرضنا، الثاني أنه للغزو ليتفقه الباقون وفي كليهما الحض على طلب العلم،

17,387

ومن لم يجده في مكانه ارتحل إليه،

17,388

وقال صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله (٣) ). الحديث. فالهجرة كانت لفائدة الخروج عن الفتن والشواغل والعوائق، والوصول إلى العلم وتيسير الدين والرحلة في طلب العلم كذلك،

17,389

وقال صلى الله عليه وسلم: (اطلبوا العلم ولو بالصين (٤) )، ورحل جابر بن عبد الله إلى الشام في حديث واحد، قال: بلغني حديث عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فابتعت بعيرا فشددت عليه رحلي، ثم سرت إليه شهرا حتى قدمت الشام فإذا عبد الله بن أنيس الأنصاري، فأتيت منزلة فأرسلت إليه إن جابرا على الباب فرجع إلي الرسول، فقال: جابر بن عبد الله؟ فقلت: نعم، فخرج إلي فاعتنقته واعتنقني، فقلت: حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أسمعه أنا منه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يحشر الله تبارك وتعالى العباد أو الناس وأومأ بيده إلى الشام عراة بُهْمًا غُرْلًا، قال: قلنا ما بُهْمًا؟

قال: ليس معهم شيء، فيناديهم بصوت يسمعه من بَعُدَ ويسمعه من قَرُبَ أنا الملك الديان لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة حتى اللطمة، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمة حتى اللطمة، قال: قلنا له: كيف؟ وإنما نأتي الله تعالى عراة حفاة غرلا، قال: بالحسنات والسيئات ). وارتحل موسى صلوات الله تعالى وسلامه على نبينا وعليه إلى الخضر، وقد ارتحل الإمام الشافعي إلى إمامنا مالك رضي الله تعالى عنهما بالمدينة فتفقه عليه، وارتحل يحيى بن يحيى وغيره من الأندلس إلى المدينة فأخذوا عن مالك

17,390

وكذا ابن القاسم وغيره. واعلم أن للرحلة فوائد كثيرة منها: التخلص عن شواغل الوطن وفتَنِهِ الشرية والخيرية، ومنها: التجرد لأخذ العلم الذي هو شرطه، ومنها: الغربة التي هي عدم مظنة الألفة والخلطة ومعاشرة الناس التي هي إحدى العوائق، ومنها: ما يرجو من ثواب خطواته ومشقته وبركة ذلك في العلم والعمل وعاجلا، وآجلا، ومنها: ما يرجو من اعتناء الشيوخ به أكثر،

17,391

فإن للغريب والقاصد والوافد من أرض إلى أرض مزيد حق ومنها: -وهو أعظمها- امتحان نفسه ليظهر صدقها،

17,392

فإن النفس تدعي حب العلم وطلبه والحرص على تحصيلة، وأنها تؤثره على غيره،

17,393

فإذا أعمل راحلته ونبذ أحباءه وحبائبه، وتصدى لقطع المسافة ومقاساة الجوع والعطش والحر والبرد والغربة والهوان كما قيل: لا يعدم المرء كنا يستكن به … وعيشة بين أهله وأحبابهْ ومن نأئ عنهم قلت مهابته … كالليث يحقر لما غاب عن غابهْ وقال غيره: إذا كنت في قوم عدى لست منهم … فكل ما علفت من خبيث وطيب وإن حدثتك النفس أنك قادر … على ما حوت أيدي الرجال فكذب والصبر على ذلك تبين صدقها.

ومنها: ما يستفيد بالسفر والاغتراب من الأخلاق الحسنة والرياضات المستحسنة والتجاريب البينة، وظهور الحبيب من أهله والعدو إذا نجع، والحظوة الجديدة إذا رجع إلى غير ذلك. قاله في القانون. واعلم أن من عوائق التعلم طول الأمل، والاغترار بالزمن المستقبل،

17,394

وأن سيحصل فتتزايد الشواغل وتضعف أسباب التحصيل ولا تعود. ومنها: طلب الحظوة به فتشغله عن التحصيل والتحقيق، وتستعجله عن دوام الطلب على أنه لو حصل شيء منه على هذه النية لم يكن له طائل وكأنه لم يحصل، ومنها: الاغترار بالذكاء. ومنها: الانتقال من علم إلى آخر قبل أن يحصل منه المراد،

17,395

ومن كتاب إلى كتاب كذلك. ومنها: ضعف الحال وتعذر أسباب الاشتغال وذلك بالفقر وتطاول الأمراض. ومنها: الاتساع في الدنيا والاشتغال بتحصيلها حرصا عليها، ومنهومان لا يشبعان: طالب العلم وطالب دنيا، والمرء لا يستطيع القيام بهما في آن واحدت فهما بحران من غرق في أحدهما لم يصل إلى الآخر، فبادر قبل حصول فوت أو هرم أو مرض أو قسوة قلب أو غير ذلك،

17,396

وفي معنى ذلك قيل: إذا هبت رياحك فاغتنمها … فإن لكل عاصفة سكون وإن درت نياقك فاحتلبها … فما تدري الفصيل لمن يكون ومنها: -أي عوائق التعلم- الزوجات والأولاد والآباء والأمهات، قال تعالى: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} ، ومنها الكسل والفتور، ولله در اليوسي حيث يقول: والعلم بدء ليس أريا سيغا … لكن جناة الحنظل المتهبد علق نفيس لا يباع ونائر … متأبد عن كل فدم أوغد لم يصمه سهم ولم يبتزَّه … بازٍ ولم يصرع برمية مقلد لكن بأشراك الحلوم وهمة … نفاذه الأغراض فليتصيد وجواد فكر تمتطيه مأرب … أبدا بأقطار المدارك مسْنِدِ قيد الأوابد لا يزال على الونى … في كل معوصة يروح ويغتدى من بعد نزع الروح في استعطائه … ومذاق صبر للحوايا مصخد وتفكر وتدبر وتصبر … وتضرر وتقشف وتمعدد وتوسل وتوصل وتحول … وتغرب وتفرد وتهجد فوراء وخز النحل شور شهاده … ووراء شوك النخل نيل العرجد وأمام أصداف اللئالي غوصة … في البحر والترياق سم الأسود والصقر ينتظم الطريدة لا اللئا … والليث يغشى السرح دون الصفرد الأري: العسل، والسيغ السائغ أي السهل في الحلق، والجناة والجنا: ما يجتنى من الثمر، وهبد الحنظل وتهبده: كسره وطبخه، والعلق بالكسر: النفيس من كل شيء، ونارت الظبية تنور: نفرت وتأبد: توحش، والفدم: البعيد الفهم، والوغد: الأحمق الضعيف يقال: وغد بالضم وغادة فهو وغد وفلان أوغد من فلان، وابتزه: سلبه، والبازي جمعه بزاة، والمقلد كمنبر: عصا في رأسها اعوجاج، والأغراض جمع غرض وهو القرطاس ينصب للرمي، ونفذه السهم: خرج منه، والتاويب: سير النهار كله، والإسئاد: قيل هو الإسراع،

17,397

وقيل: سير الليل جميعا، وقيل: الجمع بينهما، والأوابد: الوحش، وفرس قيد الأوابد كأنه قيد لها، والونى بالقصر: التعب، ونى الشيء يني ونيا وونى، والمعوص: الأمر الشديد والمشكل لا يدرك، والاستعطاء: الطلب، والمذاق، الذوق، والمصخد: المحرق أصخدته الشمس أحرقته، والتمعدد: التشبه بمعد -وَهُمُ العرب- في طعامها ولباسها الخشن، والتهجد: ترك الهجود وهو النوم، ووخز النحل: الطعن بإبرتها، وشار العسل شورا واشتاره: استخرجه، والعرجد: العرجون، والصدف: ما يستكن فيه الجوهر في البحر، والترياق: دواء مركب معروف يدخل فيه لحوم الأفاعي، والأسود: الحية العظيمة، والطريدة: الوحشية يطردها الصيادون أو الجوارح، وانتظمها الصقر: أنشب فيها مخالبه كالانتظام بالرمح، واللئا كالفتى: الثور الوحشي أو البقرة، وغشي السرح: هجم عليه، والسرح: الماشية، والصفرد: طائر جبان يقال له: أبو المليح.

وليحذر الطالب من الإفراط في الاجتهاد مخافة السئامة،

17,398

فإن (المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى (١) ) كما في الحديث، وطباع الناس مختلفة وقوتهم، فليعمل كل على طبعه وقوته. السادس: من آداب العالم في نفسه تقوى الله تعالى، ودوام خوفه ومراقبته في جميع حركاته وسره وعلانيته، وليستشعر ما أودعه الله تعالى من أمانته فيجتهد في حفظها ويحذر من الخيانة فيها، قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} ،

17,399

وفي الحديث: (تعلموا العلم وتعلموا له السكينة والوقار وتواضعوا لمن تتعلمون منه ولمن تعلمونه ولا تكونوا جبابرة العلماء (٢) )، ومنها أن يصونه كما صانه أهله، ويحفظ عليه ديباجته وشرفه، ولا يمتهنه بذهابه إلى غير أهله من أبناء الدنيا من غير ضرورة، أو إلى من يتعلمه منه، ففي بيته يؤتى الحكم،

17,400

وقال أبو شجاع الجرجاني: ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي … لأخدم من لاقيت لكن لأخدما وعن الزهري: هوان بالعلم أن يحمله العالم إلى بيت المتعلم فإذا دعت ضرورة إلى ذلك أو تعينت مصلحة في ذلكَ مع النية الصالحة فلا بأس، ومنها: أن يزهد في الدنيا ويتنزه عن فضولها لأنه أعلم الناس بخستها وشرف الزهد فيها: وقد قال الشافعي: لو أُوصِيَ لأعقل الناس صرف إلى الزهاد ولا أحد أحق بكمال العقل من عالم، وَمِنْهَا: أن ينزه علمه عن أن يجعله سلما للأغراض الدنيوية من مال وجاه ورياسة وتقدم وشهرة ونحو ذلك،

17,401

فإن ذلك يبطل أجره، ويسقط منزلته، ويكسف نوره ويمنع المزيد منه، وروي عن سفيان بن عيينة رضي الله تعالى عنه: أوتيت فهم القرآن، فلما قبلت الصرة من أبي جعفر سلبته، وَمِنْهَا: أن يتنزه عن أدنى الأفعال والرذائل طبعا وشرعا، فلا يشتغل بحرفة رذيلة، ولا أمر منكر ولا خارج عن المروءة، ولا موهم لذلك لأنه

17,402

إما أن يتبعه من وراءه في غير أمر محدود،

17,403

وإما أن يقع فيه فيهتك عرضه ولا ينتفع به، ولذا قال صلى الله عليه وسلم: (إنها صفية (١) )، فحق كذلك على العالم إن وقع في شيء له وجه لم يعلمه الناس أن يبينه، وَمنْهَا: أن يأخذ نفسه بالكمال في أفعاله وأقواله ليكون قدوة لغيره، فيحصل له أجره وأجر من تبعه، ومنها: أن يجاهد في رياضة نفسه وتطهيرها من جميع الصفات المذمومة كالكبر والعجب والرياء والحسد والحقد وحب الدنيا، وغير ذلك مما شرح في كتب التصوف وتحليتها بالكمالات أضدادها لتحصل له التخلية والتحلية، فيجمع بين الظاهر؛

والباطن ولا يرضى بمجرد الظاهر فإن الباطن هو اللباب، وَمنْهَا: الدوام محلى تعاطيه والحرص على الازدياد منه، وَمنْهَا: أن لا يستنكف عن أخذ العلم ممن لقي ولو دونه،

17,404

فإن الحكمة ضالة المؤمن يأخذها أينما وجدها، وبهذا يكثر استمداده ويدوم انتفاعه، وقد أخذ جماعة من الصحابة عن التابعين، ومنها: أن يبث علمه للناس ويودعه صدور الرجال، فبذلك تنبت شجرة العلم وتتصل مادته وذلك بالتدريس والتلقين والتصنيف والإفتاء: وقد قال صلى الله عليه وسلم لعلي يوم خيبر: (لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم (٢) ). ويروى من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (مثل الذي يتعلم العلم ولا يحدث به مثل الكنز ولا ينفق منه (٣) )،

17,405

وفي رواية أخرى: (مثل الذي يتعلم العلم ولا يحدث به الناس كمثل الذي رزقه الله مالا لا ينفق منه (٤) )،

17,406

وقال علي كرم الله وجهه: لم يؤخذ على الجاهل عهد بطلب العلم حتى أخذ على العلماء عهد ببذل العلم للجهال؛ لأن العلم كان قبل الجهل،

17,407

وفي حديث آخر: (من الصدقة أن يتعلم الرجل العلم فيعمل به ثم يعلمه (٥) )، ويروى عن الإمام مالك رضي الله تعالى عنه: بلغني أن العلماء يسألون يوم القيامة كما يسأل الأنبياء؛ يعني عن التبليغ. والله سبحانه أعلم. وعن ابن القاسم: كنا إذا ودعنا مالكا يقول لنا: اتقوا الله وانشروا هذا العلم وعلموه ولا تكتموه،

17,408

وفي الحديث: (ألا أخبركم عن الأجود؟ اللهُ الأجودُ، وأنا أجودُ ولد آدم، وأجودُهم من بعدي رجل علم علما فنشره (١) ). وكتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى إلى بعض عماله:

17,409

أما بعد فمر أهل الفقه والعلم من جندك فلينشروا علمهم في مجالسهم ومساجدهم والسلام. وعن علي كرم الله وجهه: من علم وعمل وعلَّم دعي في ملكوت السماوات عظيما،

17,410

وفي الحديث: (ما تصدق رجل بصدقة أفضل من علم ينشره (٢) ). وينبغي للمدرس إذا خرج إلى مجلسه أن يتطهر من الحدث والخبث، ويتنظف ويلبس أحسن ثيابه مما يليق بمثله في زمانه وبلده قاصدا بذلك تعظيم العلم وتبجيل الشريعة لا رياء ولا فخرا ولا شرفا ويختلف الحال باليسار والوقت،

17,411

فمن الناس من يغلب عليه حال العلم والمعرفة فينبسط، ومنهم من يغلب عليه حال الخوف والورع فينقبض ويتقشف والكل على هدى، ثم يركع ركعتي الاستخارة إن كان وقت ركوع طالبا من الله تعالى أن يختار له؛ لأن نشر العلم وإن كان مطلوبا قد يعرض له ما يكون به محرما أو مكروها،

17,412

ولو كان مطلوبا فقد يكون شيء آخر أهم منه وأوكد وأولى بالتقديم فلا بد من النظر في هذا كله، والاستعانة بالاستخارة ليلا يقع في محظور وهو يظن أنه في مأمور وهو شأن كل مغرور، فنسأل الله تعالى العافية بمنه، وليستحضر نية صالحة في بث العلم وبيان فوائده وتبليغ أحكام الله تعالى إلى عباده، والإعانة على الدين ونية غرس العلم وحياطته عن شبهة الضالين وتخليط الجاهلين، ونحو هذا من المقاصد الحسنة، ويستعيذ بالله تعالى من النية الفاسدة والمقاصد الخَسِيسَة.

17,413

وإذا خرج من بيته يقول: بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، بسم الله على نفسي ومالي وديني، اللهم رضني بقضائك وبارك لي فيما قدِّر لي حتى لا أحب تعجيل ما أخرت ولا تأخير ما عجلت، ويقول: (اللهم إني أعوذ بك أن أَضِل وأضل وأذِل وأذَل وأظلم وأظلَم وأجهل أو يجهل علي، عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك (١) )، وغير ذلك من الأذكار الواردة عند الخروج، وليقل: اللهم ثبت جناني وأدر الحق على لساني ونحو ذلك من الدعاء اللائق به: ثم لا يزال ذاكرا الله تعالى وداعيا ومتعوذا إلى أن يصل إلى مجلسه،

17,414

فإن كان في مسجد حياه بتحية وإلا فالركوع حسن إن كان الوقت، ثم سلم على الحاضرين وجلس مستقبلا إن أمكن بسكينة وتواضع ووقار متربعا، أو كجلسة التشهد أو نحو ذلك مما يمكن، ولا يمد رجليه ولا إحداهما من غير عذر ولا يرفع إحداهما على الأخرى، ولا يتكئ على يديه، ولا يكون على حالة تؤذن بالاستخفاف بالجلساء أو خفة وطيش كالعبث باللحية، وإدارة الخاتم وفرقعة الأصابع وتشبيكها، وكثرة الضحك والالتفات والمزاح، ولا يكون أيضا على حالة تشغل الفكر كالجوع الشديد والعطش والهم والنصب والنوم والقلق والحر والبرد المؤلمين ونحو ذلك.

ومِنْهَا: أن يبرز للناس لينتفع به القوي والكبير والصغير والضعيف، وهذا يختلف باختلاف العلوم، فرب علم يصلح للعامة كظواهر الشرع وما في معناها من المواعظ والتنبيهات والحكم، فلا بد أن يتخذ له مجلسا عاما بارزا فيه لينتفع به الراوي والمستفتي والسائل على الإطلاق، وعلم آخر إنما هو للخاصة كدقائق التصوف وعلم الكلام وسائر العلوم العقلية، فلا بد أن يجعل لأربابه خاصة حيث يصلح بهم ولا يتأذون بغيرهم ولا يتأذى بهم، ولينزل المتعاطين منازلهم في السن والشرف والنجابة، وقد كان صلى الله عليه وسلم يكرم أصحابه ويكنيهم ويسميهم بأحب أسمائهم إليهم، وهذا مع التلطف بالجميع وخفض جناح الرحمة لهم.

واعلم أن الانتفاع بالعلم بالعمل به وبثه للعباد، فبالعمل به في نفسه ينتفع به عند الله تعالى، وبتعليم العباد ينتفع عند الله تعالى وعند العباد. واعلم أن من لم يعظم العلم لا ينفعه الله تعالى به،

17,415

ومن أهانه أهانه الله تعالى كما قيل: ولو أن أهل العلم صانوه صانهم … ولو عظموه في النفوس لعظما ولكن أهانوه فهانوا ودنسوا … محياه بالأطماع حتى تجهما واعلم أن موت العالم هو انكسار السفينة تغرق ويغرق معها خلق كثير، وهذا كقول الشاعر: لعمرك ما الرزية فقد مال … ولا شاة تموت ولا بعير ولكن الرزية موت نفس … يموت بموتها بشر كثير السَّابعُ: اعلم أن السلف رضي الله تعالى عنهم اختلفوا في كتب العلم وتخليده في الصحف، فمنهم من كره الكتب ورأى التعويل على الحفظ، ومنهم من رخص في الكتب مخافة التغرير، واحْتَجَّ الأَوَّلُ بما روي عنه صلى الله عليه وسلم: (لا تكتبوا العلم عني شيئا سوى القرآن فمن كتب عني شيئا سوى القرآن فليمحه (١) )، ويقال: دخل زيد بن ثابت على معاوية فسأله عن حديث وأمر إنسانا أن يكتبه، فقال له زيد: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم (أمرنا أن لا نكتب شيئا من حديث فمحاه (٢) ).

17,416

وقال علي كرم الله وجهه في خطبه: اعزموا على كل من كان عنده كتاب إلا رجع فمحاه، فإنما هلك الناس حين يتبعون أحاديث علمائهم وتركوا كتاب ربهم،

17,417

وقيل لأبي سعيد: لو اكتتبنا الحديث؟ فقال: لا، خُذُوا عَنَّا كما أخذنا عن النبي صلى الله عليه وسلم،

17,418

وقيل له أيضا: (نكتب ما سمعنا منك؟ قال: أتريدون أن تجعلوها مصاحف، إن نبيكم صلى الله عليه وسلم كان يحدث فنحفظ فاحفظوا كما كنا نحفظ (٣) )،

17,419

وقيل له: إنك تحدثنا حديثا عجيبا وإنا نخاف أن نزيد فيه أو ننقص، فقال: (أردتم أن تجعلوه قرآنا ولكن خذوا عنا كما أخذنا عن النبي صلى الله عليه وسلم (٤) ). وعن مالك رضي الله تعالى عنه أنه قال: ما كان مع ابن شهاب إلا كتاب فيه نسب قومه قال ولم يكن القوم يكتبون إنما كانوا يحفظون،

17,420

ومن كتب منهم الشيء إنما كان يكتبه ليحفظه فإذا حفظه محاه،

17,421

وقال ابن سيرين إنما ضلت بنو إسراءيل بكتب ورثوها عن آبائهم، ويروى عن الشعبي قال: ما كتبت سوادا في بياض قط، وما استعدت حديثا من إنسان مرتين،

17,422

وقال الأوزاعي: كان هذا العلم شيئا شريفا أخذ من أفواه الرجال يتلقونه ويتذاكرونه، فلما صار في الكتب ذهب نوره وصار إلى غير أهله. وأقوال السلف في كراهة الكتب كثيرة، وقد لاح من جملتها أن العلة في ذلك على ثلاثة أوجه: الأَوَّلُ المحافظة على الأدب وأن لا يظاهر بكتاب الله تعالى كتاب آخر، ويتضمن هذا الوجه الفرق بين كلام الله تعالى وكلام غيره،

17,423

وأن كلام الله تعالى موثوق به إذ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو ثابت بالتواتر فلا بأس بكتبه وكلام الغير لا يوثق به كذلك،

17,424

أما من جهة القائل أو من جهة السند فلعله ليس كذلك فتركه عن الكتب أولى. الثاني: خوف تضييع الحفظ والاتكال على المصحف والعلم إنما هو في الصدور كما قال القائل: ليس بعلم ما حوى القمطر … ما العلم إلا ما حواه الصدر ويقال: حفظ سطرين، خير من حمل وقرين، ومذاكرة اثنين، خير من هذين،

17,425

وقال أبو العتاهية: من منح الحفظ وعى،

17,426

ومن ضيع الحفظ وهى، وقال بعضهم: حرف وعي في تامورك خير من عشرة في تابوتك،

17,427

وقال القائل: علمي معي حيثما يممت أحمله … بطني وعاء له لا بطن صندوق إن كنت في المبيت كان العلم فيه معي … أو كنت في السوق كان العلم في السوق غيره: استُودع العلمُ قرطاسا فضيعه … وليس مسْتَوْدع العلم القراطيس الثالث: الذريعة،

17,428

فإن العلم ما دام في صدور الرجال فإنهم لا يمنحونه غير أهله،

17,429

فإذا صار إلى الصحف وقع عليه من ليس من أهله وناهيك بهذا الفساد لا سيما في زماننا، وقد فسدت الكتب بالتحريف وقلة الضبط فينقل الخطأ ويقع الفساد من كل وجه. واحتَجَّ الآخرون بالنقل والعقل،

17,430

أَمَّا النَّقلُ ففعل النبي صلى الله عليه وسلم وأمره،

17,431

أما الفعل فنعني به التقرير؛ لأنه صلى الله عليه وسلم ما يكتب بيده، فقد كان الوحي يكتب بين يديه، والرسائل التي فيها العلم في كتاب عمرو بن حزم في الصدقات والديات والفرائض وغيره،

17,432

وأما الأمر فأمره صلى الله عليه وسلم الكُتَّابَ بما ذكر،

17,433

وقال صلى الله عليه وسلم في خطبته بمكة: (اكتبوا لأبي شاه (١) )؛ رجل من أهل اليمن، وكان عبد الله بن عمرو يكتب كل ما يسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قيل: فنهته قريش وقالوا: تكتب كل ما تسمع ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتكلم في الرضى والغضب؟ فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم -قال- فأومأ بإصبعه إلى فيه،

17,434

وقال: (اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج إلا الحق (٢) )، ويروى من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أأكتب كل ما أسمع منك؟ قال: نعم،

17,435

قلت: في الرضى والغضب؟ قال: نعم فإني لا أقول في ذلك كله إلا حقا (٣) )،

17,436

وفي الصحيح، قيل لعلي كرم الله وجهه: (هل عندكم شيء سوى القرآن؟ قال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا أن يعطي الله تعالى عبدا فهما في كتابه وما في هذه الصحيفة،

17,437

قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر (٤) )، ورري عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (قيدوا العلم بالكتاب (٥) )، وروي ذلك عن عمر أيضا، وعن ابن عباس وعن بعض السلف: الكتاب أحب إلي؛ أي من النسيان،

17,438

وقال آخر: يعيبون علينا الكتاب،

17,439

وقال تعالى: {عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ} ، ووصى مالك بعض أصحابه عندما ودعه، فقال: أوصيك بتقوى الله في السر والعلانية، والنصح لكل مسلم، وكتابة العلم من عند أهله، وعن الخليل بن أحمد: ما تكتب بيت مال وما في صدرك للنفقة وكلام السلف في الترخيص في الكتاب والتحريض عليه كثير أيضا.

17,440

وأمَّا العَقْلُ فإن في الكتاب احتياطا للعلم عن أن يضيع بالنسيان وبموت أهله، والوجه الذي احتيط به [للقرآن ] فكتب في الصحف والمصاحف يُحْتَاطُ به للعلوم، ولولا الكتب المدونة لضاع كثير من العلم، ولولا التواريخ المؤرخة لم تصل إلينا علوم الأقدمين ولا عرفت تراجيح الناس،

17,441

وأما الذين كرهوا الكتب من السلف كابن عباس وابن شهاب والنخعي والشعبي ونحوهم فإنهم كانوا عربا والعرب أعطوا الحفظ، فكانوا يحفظون القصائد والخطب في مجامعهم وأنديتهم ولا يستعيدونها. وقد حدث النبي صلى الله عليه وسلم بخبر قس بن ساعدة، وأنه سمعه يخطب، وأنه لقيه في سوق عكاظ وسمعه يخطب، فحكى صلى الله عليه وسلم خطبته بوجهها ثم قال: مع شعر لا أرويه، فقال رجل: أنا أرويه إذ كان حاضرا معه فأنشده بوجهه، وجلس نافع بن الأزرق إلى ابن عباس يسأله عن مسائل،

17,442

فإذا بعمر بن أبي ربيعة -فجلس وهو شاب- فأنشد عمر قصيدته التي يقول في أولها: أمِنْ آلِ نْعم أنت غاد فمبكر .................................. فقال نافع: عجبا لك يابن عباس، الناس يضربون إليك أكباد الإبل ليسمعوا منك وأنت تسمع الخنا من شاب من قريش، فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: وأين الخنا؟ فقال نافع: قوله -أي- في هذه القصيدة: رأت رجلا

17,443

أما إذا الشمس عارضت … فيخزى

17,444

وأما بالعشي فيخصر فقال: ما هكذا قال، وإنما قال: فيضحى: وليس بخنا، فقال نافع: أكنت تحفظ هذه القصيدة؟ فقال: لا، ولا سمعتها قط إلى الآن،

17,445

ولو شئت لأعدتها عليك، فقال: لله أبوك فافعل فأعادها ابن عباس كما هي وفيها نحو ثمانين بيتا، فقال نافع: ما رأيت أروى منك، فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ما رأيت أروى من عمر. وتقدم قول الشعبي: ما استعدت حديثا، وكان إذا أراد أن يدخل السوق سد أذنيه بالصوف خشية أن يسمع ما لا ينبغي، وكان يقول: ما دخل أذني [شيئا ] قط فنسيته، فلما انشرحت صدورهم بالإيمان والمعرفة ازدادوا حفظا إلى حفظ، فلا يقاس بهم غيرهم، فالاحتياط الكتب كما قيل: العلم صيد والكتابة قيده … قيد مصيدك بالحبال الموثقه ومن أعطي حفظا مع ذلك كان الفضل له وإلا فلا يضيع علمه {فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} ، نعم لا ينبغي لذي الهمة أن يتكل على الكتُبِ ولا أن يغتر بكثرتها عنده.

الثَّامِنُ: ينبغي للتلميذ أن يراعي نوبته عند الشيخ، وهذا متأكد لأنه من الحقوق، فلا يطلب السبق على من سبقه بالدرس والسؤال، وقد رووا في هذا خبرا؛ وهو أن أنصاريا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله، وجاء رجل من ثقيف، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا أخا ثقيف إن الأنصاري قد سبق بالمسألة فاجلس كيما نبتدئ بحاجة الأنصاري قبل حاجتك (٢) )، أو كما قال صلى الله عليه وسلم،

17,446

فإن كان للمتأخر حاجة ضرورية قد علمها السابق أو أشار الشيخ بتقديمه لعذر تعين،

17,447

وإن كان غريبا استحب للسابق عليه إيثاره على نفسه لمكان غربته وإلا فلا؛ لأن المسارعة إلى العلم والاشتغال به قربة وقد قالوا: الإيثار بالقرب مكروه. واعلم أنه يطلب من التلميذ أن يخلع عنه جلباب الحياء والكبر في التعلم، ويرمي نفسه في غمرات الطلب، فلا يستحي ولا يأنف أن يسأل عما لا يعلم، ويستفهم عما لا يفهم، ولا أن يقول لم أفهم،

17,448

فإن الوجه إذا لم يحمر في هذا لم يبيض أبدًا. وينسب إلى عمر رضي الله تعالى عنه: من رق وجهه رق علمه،

17,449

وقال مجاهد: لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر، وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: (نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في دين الله تعالى (١) )، وقالت أم سليم لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يستحيي من الحق، هل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ (٢) )،

17,450

وقال الشاعر: وليس العمى طول السؤال وإنما … تمام العمى طول السكوت على الجهل وقالوا: من رق وجهه عند السؤال، ظهر نقصه عند اجتماع الرجال، ولابد أن يكون ذلك بأدب وتلطف وحسن تأنٍّ،

17,451

فإن الحياء لا يأتي إلا بخير وإنما طلب زواله لحاجة التفقه في الدين مخافة البقاء في غمرات الجهل، ولابد من الاقتصار على ما لم يكن منه بد، والمحافظة على الحياء فيما وراء ذلك، وقد كان صلى الله عليه وسلم فيما وصفه الواصفون (أشد حياء من العذراء في خدرها (٣) )، ومع ذلك متى احتاج لأمر لابد منه لم يعقه الحياء عن الحق، فقال للرجل المقر بالزنى: (نِكْتَهَا (٤) ) لا يكني لتوقف الحدود على مثل هذا، وأمر بذلك فقال: (من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا (٥) )،

17,452

وقال علي رضي الله تعالى عنه: (كنت رجلا مذاء فاستحييت من رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته مني، فامرت المقداد أن يسأل (٦) ). الحديث. فالطالب متى أمكنه أن يستفيد العلم مع المحافظة على الحياء كان أولى، مع أن الحياء المطلوب هو الحياء عن الفحش وما لا ينبغي،

17,453

وأما الحياء عن مجرد الكلام وما يحتاج كدأب النساء فلا فضيلة فيه. انظر القانون. وقد مر جلوس التلميذ بين يدي الشيخ -أعني صاحب الدرس- فإن كان معه كتاب أمسكه معه ولا يطرحه في الأرض، ثم لا يقرأ حتى يأذن له الشيخ ولا يقتصر حتى يأمره، وليس لغيره أن يقول له: اقتصر إلا بإذن الشيخ،

17,454

فإن اقتصر الشيخ لتعب أو ملل أو غرض فليقتصر هو ولا يزاحم الشيخ، وعند استفتاحه للقراءة يحمد الله تعالى ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه، ويترحم على مصنف الكتاب، ثم يدعو للشيخ، فيقول ثلاثا: قال الشيخ رحمه الله تعالى ورضي عنكم يريد شيخه إن كان حاضرا، أو عن إمامنا أو عن شيخنا أو أستاذنا حاضرا كان أو غائبا، أو نحو هذا من العبارات، وقد قال العلماء: إن الطالب إذا لم يعرف هذه الآداب الاستفتاحية ونحوها فعلى الشيخ أن ينبهه عليها لأنها متأكدة: وينبغي لكل من الطلبة أن ينصح إخوانه ويحبهم ويحب لهم الخير، ويؤنسهم من وحشة الغربة ودهشة الولوج في تضايق الفهوم، ويشاركهم فيما ظفر به ولا يضن عليهم بفائدة حصلها وقاعدة حررها، عونا لهم ما أمكنه في ذات الله تعالى، فبذلك يزكو علمه ويصلح حاله وتربح تجارته، وإلا لم يثبت له علم،

17,455

وإن ثبت لم تكن له ثمرة، وقد جرب ذلك عند أهل العلم فصح، وليحذر من المهالك الموبقات وهي أن يحسدهم إرادة الامتياز عليهم، أو يفخر عليهم لنسبة التحصيل إلى عقله ونسيان ربه الفتاح العليم الذي امتن عليه بما حصل من غير حول منه ولا قوة. والله الموفق والمعين. وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (طلب العلم فريضة على كل مسلم (١) )، (وطالب العلم يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر (٢) )، ويروى: (اطلبوا العلم ولو بالصين،

17,456

فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم (٣) )، وقد تكلموا في متن هذا الحديث، فضعفه قوم،

17,457

وقال آخرون: هو وإن لم يثبت معناه صحيح، وقد اختلفوا في المراد منه،

17,458

والأظهر أن المراد طلب ما يجب على الإنسان في خاصة نفسه من إيمان بالله تعالى وصفاته وأسمائه، وبرسله وباليوم الآخر، والصلاة بأحكامها والزكاة كذلك على من له مال والحج وسائر الأمور المطلوبة، وجميع ما نهي عنه، وما يحل، وما يحرم،

17,459

وفي كل معاملة يريد الأخذ فيها،

17,460

ومتى تعين عليه ما هو فرض كفاية التحق بهذا القسم أيضا فكان طلب العلم فريضة.

17,461

ومن أقوى الأسباب في رسوخ العلم المذاكرة فيه وتعليمه، قالت أم الدرداء رضي الله تعالى عنها: طلبت العبادة في كل شيء فما وجدت لنفسي أشفى من مذاكرة العلماء، وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى: إحياء العلم مذاكرته،

17,462

وقال بعض السلف: إذا سمعت حديثا فحدث به حين تسمعه ولو أن تحدث به من لا يشتهيه فإنه يكون كالكَتْبِ في صدرك. التاسع: اعلم أنهم حضوا على التعلم في الصغر وذكروا له فضلا، يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من تعلم العلم وهو شاب كان كوشم في الحجر،

17,463

ومن تعلم العلم بعدما يدخل في السن كان كالكاتب على ظهر الماء (١) )، ويروى عن الحسن قال: طلب العلم في الصغر كالنقش في الحجر، ويروى عن علقمة قال: ما حفظت وأنا شاب فكأني أنظر إليه في قرطاس أو ورقة، ويروى عن لقمان أنه قال لابنه: يابني ابتغ العلم صغيرا فإن ابتغاء العلم يشق على الكبير، ويقال من أدَّبَ ولده أرغم أنف عدوه،

17,464

وقال الشاعر: يُقَوِّمُ من ميل الغلام المؤدِّبُ … ولا ينفع التأديبُ والرأسُ أشيب * * * قد ينفع الأدب الأحداث في مهل … وليس ينفع بعد الكِبرة الأدب إن الغصون إذا قومتها اعتدلت … ولن تلين إذا قومتها الخشب وقال نفطويه: أراني أنسى ما تعلمت في الكبر … ولست بناس ما تعلمت في الصغر وما العلم إلا بالتعلم في الصبا … وما الحلم إلا بالتحلم في الكبر ولو فلق القلب المعلم في الصبا … لألفي فيه العلم كالنقش في الحجر وما العلم بعد الشيب إلا تعسفا … إذا كل قلب المرء والسمع والبصر وما المرء إلا اثنان عقل ومنطق … فمن فاته هذا وهذا فقد دمر العاشر: ها أنا أذكر لك فيه جملا وجيزة في فضل العلم، منها حديث ومنها حكمة (اغد عالما أو متعلما ولا تكن الثالث فتهلك (١) )، العلم خير من المال لأن العلم يحرسك والمال تحرسه، والعلم حاكم والمال محكوم عليه، العلماء، ورثة الأنبياء، العلم أكثر من أن يحاط به فخذوا من كل علم أحسنَه، قيمةُ كُل إنسان ما يحسن فتكلموا في العلم تتبين أقداركم، وهذا القول لعلي كرم الله وجهه لم يسبق إليه.

قال الشاعر: لا يكون السري مثل الدني … لا ولا ذو الذكاء مثل الغبي قيمة المرء كل ما يحسن المر … ء قضاء من الإمام علي غيره. يلوم على أن رحت للعلم طالبا … أَجَمِّع من عند الرواة [فنونا ] فيا لائمي دعني أعاني بهمتي … فقيمة كل الناس ما [يحسنونا ] الحكمة ضالة المؤمن، الملوك حكام على الناس والعلماء حكام على الملوك، شكر العالم على علمه أن يبذله لمن يستحقه، كل شيء يعز حين يندر والعلم يعز حين يغزر، العلم مثل السراج من مر به اقتبس منه، خير العلم ما نفع منه، العلم نور الدين، هلاك العلم بالجهال وهلاك الجهال بالعلم، علامة العلم التصرف في كل معنى، لا عدوى أضر من جهل، لا يستغني الإنسان عن العلم حتى يستغني عن الحياة، بالعلم تعرف النعمة وبالمعرفة تشكر، وبالشكر تستحق، العلم ثمرة الطلب، والطلب ثمرة التوفيق، أفضل العلم وقوف الرجل عند علمه، عمل قليل في علم خير من كثير في جهل، ما تعلمه ولا تعمل به لغيرك نوره وعليك بوره، فضل من وعى العلم على من علمه إياه كفضل من لبس التاج على من صاغه،

17,465

فإن زينة التاج للابسه وحظ صانعه الدخان وحمل المطرقة، إن الرجل يطلب العلم لغير الله فيأبى العلم أن يكون إلا لله حتى يرده إلى الله، النظر إلى العالم عبادة، العلم بصر والجهل عمى، تعلموا العلم فإن تعلمه حسنة، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة. الناس موتى إلا العلماء؛ إذا استرذل الله عبدا حظر عنه العلم والأدب، كاد العلماء يكونون أربابا، كل عز لم يؤكد بعلم فإلى الذل يصير، لا غنى عن علم الفرائض والنوافل وعلم الفرائض أولى، ما ازداد أحد علما إلا ازداد على العلم حرصا، منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب مال.

العلم منار سبل أهل الجنة، والأنس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدث في الخلوة، والزين عند الأخلاء، والسلاح على الأعداء. أربعة يسود بها العبد: العلم، والأدب، والفقه، والأمانة. أقرب الأشياء من الله العلم، [يرفع ] الله بالعلم أقواما فيجعلهم في الخير قادة وأئمة تقتص آثارهم ويقتدى بأفعالهم، العلم يرفع الخسيسة ويتمم النقيصة، الناس مع العلماء كالأيتام في حجور الأوصياء، العلم حافظ العمل من التقصير والغلو، جفاء العلم ترك العمل به والتعليم له، هلك خزان المال وهم أحياء والعلماء باقون أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب مشهودة.

17,466

وفي معناه قيل: أخو العلم حي خالد بعد موته … وأوصاله تحت التراب رميم وذو الجهل ميت وهو يمشي على الثرى … يعد من الأحياء وهو عديم العلماء غرباء لكثرة الجهال بينهم، علم بلا عمل كشجرة بلا ثمر، العلم من الله وله، من حجب عنه العلم عذبه الجهل. واعلم أن ثمرة العلم عند العالم العمل به، والعمل قسمان: عيني كصلاته وصومه، وكفائي كبثه نفعا للعباد، وقد يتعين هذا كما إذا لم يوجد من يقوم به غيره،

17,467

فإن كان كفاية فقد مر أن الاشتغال به مع صحة القصد أولى من عبادة أخرى لا تتعدى ولا سيما مع كثرة الجهل في العامة وهذا بحسب الظاهر، وإلا فالمعرفة لمن فتح له فيها أعلى،

17,468

وإذا كانت أعلى كان سببها من العزلة والرياضة أولى، ولابد من النظر في هذا. قاله في القانون.

17,469

وقال: وكنت أيام صحبة أستاذنا الإمام أبي عبد الله بن ناصر رحمه الله تعالى تنازعني نفسي إلى التجرد والسياحة وترك التعليم، وكان لا يرى ذلك، فقلت له ذات يوم: أيهما أفضل العلم أم المعرفة؟ قال: المعرفة،

17,470

قلت: فلم لا نشتغل بأسبابها؟ قال: المعرفة قسمة من قسم له شيء يأتيه، وما رأيت في هذا الزمان أفضل من تعليم العلم، وكنت مرة بمدينة فاس أيام رشيد بن الشريف فكنت أدرس وأخذ الجوائز وأركب إليه وآكل من طعامه وألبس كغيري، فضاقت نفسي من ذلك وهممت أن أفر بنفسي وأسيح في الأرض وأدع العيال لخالقهم جل وعلا، فذكرت ذلك لشيخنا أبي محمد عبد القادر بن علي الفاسي، فقال: لو كان ذلك بحالة صحيحة أمكن، ولكن يخشى أن تكون فيه شهوة فلا تربح فيه فأمسكت عن ذلك، ومعنى ما أشار إليه أن العبد إذا تحرك لله تعالى كان عبدًا لله تعالى فأعانه وكفاه،

17,471

وإذا تحرك لنفسه كان عبد نفسه فيوكل إليها ويهلك معها، وبسط هذا الكلام أن العبد إذا تحرك لأداء فريضة تعينت شرعا أو ترك محرم فقد علم أنه تحرك لله: لأن الله تعالى هو الذي حتم عليه ذلك الفعل أو الترك،

17,472

وإن تحرك لحالة لا يظهر وجوبها شرعا ولكن يراها أفضل من حالته الوقتية فهو لا يدري أباعثه أمر الله وهو كونه تعالى طلب منه الحالة الفضلى،

17,473

-وإن لم يكن وجوب- أم باعثه شهوة نفس فيكون عبد نفس، ومثال ذلك في هذه الصورة أن يقال: مريد الخروج إلى السياحة يحتمل أن يكون باعثه كراهية الدنيا وأهليها ومحبة المولى والرغبة في الجلوس بين يديه بلا علاقة أو نحو هذا من المقاصد الحسنة، فيكون تحركه لله فيكون عبدًا لله سبحانه، ويحتمل أن يكون الباعث أو الموجب لضيق النفس إنما هو غلظ النفس وكبرها، والأنفة من التذلل لغيره، والدخول تحت حكمه فيكون قد خالف الشرع ظاهرا بترك عياله بلا قيم وهرب عن طاعة من ولاه الله تعالى، واشتغل بالاعتراض عليه بالتكبر عليه، وهو اعتراض على الله تعالى فيستوجب المقت من الله تعالى، وهو يظن أنه يسعى في القُرَب وهكذا فمن هذا احتاج الناس إلى الشيخ المربي، ومما قيل في مدح العلم والحث عليه من الشعر قوله: مع العلم فاسلك حيثما سلك العلم …

17,474

وعنه فكاشف كل من عنده فهم ففيه جلاء للقلوب من العمى … وعون على الدين الذي أمره حتم فإني رأيت الجهل يزري بأهله … وذو العلم في الأقوام يرفعه العلم يعد كبير القوم وهو صغيرهم … وينفذ منه فيهم القول والحكم وأي رجاء في امرئ شاب رأسه … وأفنى سنيه وهو مستعجم فدم يروح ويغدو الدهر صاحب بطنه … تركب في أحضانها الشحم واللحم إذا سئل المسكين عن أمر دينه … بدت رحضاء العي في وجهه تسمو وهل أبصرت عيناك أقبح منظرا … من اشيب لا علم لديه ولا حلم هي السوأة السوآء فاحذر سماتها … فأولها خزي وآخرُ هاذم فخالط رواة العلم واصحب خيارهم … فصحبتهم زين وخلطتهم غنم ولا تعدون عيناك عنهم فإنهم … نجوم إذا ما غاب نجم بدا نجم فو الله لولا العلم ما اتضح الهدى … ولا لاح من غيب الأمور لنا رسم وقال آخر: رأيت العلم صاحبه شريف … وإن ولدته آباء لئام وليس يزال يرفعه إلى أن … يعظم قدره قوم كرام ويتبعونه في كل أمر … كراعي الضأن يتبعه سوام ويحمد قوله في كل أفق … ومن يك عالما فهو الإمام فلولا العلم ما سعدت نفوس … ولا عرف الحلال ولا الحرام فبالعلم النجاة من المخازي … وبالجهل المذلة والرغام هو الهادي الدليل إلى المعالي … ومصباح يضيء به الظلام كذاك عن الرسول أتى عليه … من الله التحية والسلام وإن طلابه حق على من … له عقل وليس به سقام

17,475

فإما عالما تغدو وإما … إلى التعليم يخرجك اغتنام وسائر ذاك من لا خير فيه … ومن يك عالما فهو الإمام كذاك عن النبي أتى عليه … من الله التحية والسلام وينسب لصالح بن جناح: تعلم إذا ما كنت لست بعالم … فما العلم إلا عند أهل التعلم تعلم فإن العلم زين لأهله … ولن تستطيع العلم إن لم تعلم تعلم فإن العلم أزين للفتى … من الحلة الحسناء عند التكلم وقال سابق البربري: العلم يجلو العمى عن قلب صاحبه … كما يجلي سواد الظلمة القمر وليس ذو العلم بالتقوى كجاهلها … ولا البصير كأعمى ماله بصر وقال أبو بكر بن مروان رحمه الله تعالى من قصيدته: العلم زين وتشريف لصاحبه … أتت إلينا بذا الأنباء والكتب والعلم يرفع أقواما بلا حسب … فكيف من كان ذا علم له حسب فاطلب بعلمك وجه الله محتسبا … فما سوى العلم فهو اللهو واللعب وقال آخر: يعد رفيع القوم من كان عالما … وإن لم يكن في قومه بحسيب وإن حل أرضا عاش فيها بعلمه … وما عالم في بلدة بغريب وقال آخر: لقد ضلت حلوم من أناس … يرون العلم إفلاسا وشوما كسانا علمنا فخرا وجودا … وبالجهل اكتسوا جهلا ولو ما هم الثيران إن فكرت فيهم … فكيف بأن ترى ثورا حليما فَجَانِبْهُمْ ولا تعتب عليهم … وكن للكتب دونهم نديما ويروى عن شيخ الشيوخ ابن لب رضي الله تعالى عنه قال هممت بطاعة أشتغل بها فبت مفكرا في ذلك فإذا بهاتف يقول: إذا الأحباب فاتهم التلاقي … فما صلة بأفضل من كتاب ولبعضهم في مدح الحديث: ألا إن خير الناس بعد محمد … وأصحابه والتابعين بإحسان أناس أراد الله إحياء دينه … بحفظ الذي يروي عن الأول الثاني إذا عالم عالي الحديث تسامعوا … به جاءه القاصي من القوم والداني وساروا مسير الشمس في جمع علمه … وأوطانهم أضحت لهم غير أوطان وقال آخر: واظب على جمع الحديث وكُتْيه … واجهد على تصحيحه في كَتْبه واسمعه من أربابه نقلا كما … سمعوه من أشياخهم تسعد به ولأبي عمر رحمه الله تعالى: العلم يرفع كل بيت هين … والفقه يجمل باللبيب الدين فالمرء يكرم بالوقار وبالنهى … والمرء تحقره إذا لم يرزن وإذا طلبت من العلوم أجلها … فأجلها علم التقي المؤمن علم الديانة وهو أرفعها لدا … كل امرئ متيقظ متدين هذا المصحح لا مقالة جاهل … فأجلها منها مقيم الألسن يعني بقوله: مقالة جاهل، قول بعضهم: النحو يصلح من لسان الألكن … والمرء تكرمه إذا لم يلحن فإذا أردت من العلوم أجلها … فأجلها منها مقيم الألسن

A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.