وَإِنْ قَدَّمَ الْحَلْقَ عَلَى الرَّمْيِ أَوِ النَّحْرِ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ
Its commentaries
مسألة: (وإن قَدَّمَ الحَلْقَ على الرَّمْى والنَّحْرِ، جاهِلًا أو ناسِيًا، فلا شئَ عليه.
وإن كان عالِمًا، فهل يَلْزَمُه دَمٌ؟ على رِوايَتَيْن) السُّنَّةُ في يَوْمِ النَّحْرِ أن يَرْمِىَ، ثم يَنْحَرَ، ثم يَحْلِقَ، ثم يَطُوفَ، تَرتِيبُها هكذا؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَتَّبَهَا كذلك، فروَى أنَسٌ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَمَى، ثم نَحَر، ثم حَلَق. رَواه أبو داودَ .
فإن أخَلَّ بتَرْتِيبِها ناسِيًا أو جاهِلًا، فلا شئَ عليه. هذا قولُ الحسنِ، وطاوُسٍ، ومُجاهِدٍ، وسَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وعَطاءٍ، والشافعىِّ، وإسحاقَ، وأبى ثَوْرٍ، وداودَ، ومحمدِ بنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: إن قَدَّمَ الحَلْقَ على الرَّمْى، أو على النَّحْرِ، فعليه دَمٌ،
فإن كان قارِنًا فعليه دَمان.
وقال زُفَرُ: عليه ثَلاثَةُ دِماءٍ؛ لأنَّه لم يُوجَدِ التَّحَلُّلُ الأوَّلُ، أشْبَهَ ما لو حَلَق قبلَ يَوْمِ النَّحْرِ. ولَنا، ما روَى عبدُ اللَّه بِنُ عَمْرٍو، قال: قال رجلٌ: يا رسولَ اللَّهِ، حَلَقْتُ قبلَ أن أذْبَحَ؟ قال:«اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ». فقالَ آخَرُ: ذَبَحْتُ قبلَ أن أرْمِىَ؟ قال:«ارْمِ وَلَا حَرَجَ». مُتَّفَقٌ عليه . وفى لَفْظٍ، قال: فجاءَ رجلٌ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، لم أشْعُرْ، فحَلَقْتُ قبلَ أن أذْبَحَ. وذَكَر الحَدِيثَ. قال: فما سَمِعْتُه يُسْألُ يَوْمَئِذٍ عن أمْرٍ مِمّا يَنْسَى المرءُ أو يَجْهَلُ، مِن تَقْدِيمِ بعضِ الأمُورِ على بَعْضٍ وأشباهِها، إلَّا قال:«افْعَلُوا وَلَا حَرَجَ».
رَواه مسلم. وعن ابنِ عباسٍ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قيلَ له يومَ النَّحْرِ، وهو بمِنًى: في النَّحْرٍ، والحَلْقِ، والرَّمْى، والتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، [فقالَ:«لَا حَرَجَ»] . مُتَّفقٌ عليه . ورَواه عبدُ الرزاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِىِّ، عن عيسى بنِ طَلْحَةَ، عن عبدِ اللَّه بِن عَمْرٍو، وفيه: فحَلَقْتُ قبلَ أن أَرْمِىَ. وسُنَّةُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أحَقُّ أن تُتَبَّعَ.
فأمَّا إن فَعَلَه عامِدًا، عالِمًا مُخَالَفَةَ السُّنَّةِ، فإنَّه لا دَمَ عليه، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن. وهو قولُ عَطاءٍ، وإسحاقَ؛ لإطْلاقِ حَدِيثِ ابنِ عباسٍ،
وكذلك حديثُ عبدِ اللَّهِ ابنِ عَمْرٍو، مِن رِوايَةِ سُفْيانَ بنِ عُيَيْنَةَ. والثانيةُ، عليه دَمٌ. رُوِى نَحْوُ ذلك عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وجابرِ بنِ زَيْدٍ، وقتادَةَ، والنَّخَعِىِّ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قال:{وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ}. ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَتَّبَ، وقال:«خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ». والحديثُ المُطْلَقُ قد جاء مُقَيَّدًا، فيُحْمَلُ المُطْلَقُ على المُقَيَّدِ. قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللَّهِ يُسْألُ عن رجلٍ حَلَق قبلَ أن يَذْبَحَ؟ فقال: إن كان جاهِلًا، فليس عليه دَمٌ،
فأمَّا مع التَّعَمُّدِ فلا؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- سَألَه رجلٌ، فقال: لم أشْعُرْ. قِيلَ لأبى عبدِ اللَّهِ: سُفْيانُ بنُ عُيَيْنَةَ لا يقولُ: لم أشْعُرْ. فقالَ: نَعَمْ، ولكنَّ مالكًا والناسَ عن الزُّهْرِىِّ : لم أشْعُرْ. وهو في الحَدِيثِ.
وقال مالكٌ: إن قَدَّمَ الحَلْقَ على الرَّمْى، فعليه دَمٌ،
وإن قَدَّمَه على النَّحْرِ، أو النَّحْرَ على الرَّمْى، فلا شَئَ عليه؛ لأنَّه بالإجْماعِ مَمْنُوعٌ مِن حَلْقِ شَعَرِه قبلَ التَّحَلُّلِ الأوَّلِ، ولا يَحْصُلُ إلَّا برَمْى الجَمْرَةِ،
فأمَّا النَّحْرُ قبلَ الرَّمْى، فجائِزٌ؛ لأنَّ الهَدْىَ قد بَلَغَ مَحِلَّه. ولَنا الحَدِيثُ، فإنَّه لم يُفَرِّقْ بَيْنَهما،
فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قيلَ له: في الحَلْقِ، والنَّحْرِ، والتَّقْدِيمِ، والتَّأْخِيرِ. فقال:«لَا حَرَجَ». ولا نَعْلَمُ خِلافًا بينَهم في أنَّ مُخالَفَةَ التَّرْتِيبِ لا تُخْرِجُ هذه الأفْعالَ عن الإِجْزاءِ، ولا تَمْنَعُ وُقُوعَها مَوْقِعَها، وإنَّما اخْتَلَفُوا في وُجُوبِ الدَّمِ على ما ذَكَرْنا.
فصل: فإن قَدَّمَ الإِفاضَةَ على الرَّمْى، أجْزَأ طَوافُه. وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال مالكٌ: لا تُجْزِئُه الإِفاضَةُ، فلْيَرْمِ، ثم لْيَنْحَرْ، ثم لْيُقَصِّرْ. وكان ابنُ عُمَرَ يقولُ في مَن أفاضَ قبلَ أن يَحْلِقَ: يَرْجِعُ فيَحْلِقُ أو يُقَصِّرُ، ثم يُفِيضُ. ولَنا، ما روَى عَطاءٌ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال له رجلٌ: أفَضْتُ قبلَ أن أَرْمِىَ؟ قال:«ارْم وَلَا حَرَجَ».
وعنه، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:«مَنْ قَدَّمَ شَيْئًا قَبْلَ شَئٍ فَلَا حَرَجَ». رَواهما سعيدٌ في «سُنَنِه». ورُوِىَ عن عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أتاه آخَرُ، فقالَ: إنِّى أفَضْتُ إلى البَيْتِ قبلَ أن أرْمِىَ؟ فقالَ:«ارْمِ وَلَا حَرَجَ». فما سُئِلَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن شئٍ قُدِّمَ ولا أُخِّرَ إلَّا قال:«افْعَلْ وَلَا حَرَجَ». رَواه أبو داودَ، والنَّسائىُّ، والتِّرْمِذِىُّ . ولأنَّه أتَى بالرَّمْى في وَقْتِه، فأجْزَأه، كما لو رَتَّبَ.
ومُقْتَضَى كَلامِ أصحابِنا أنَّه يَحْصُلُ له بالإِفاضَةِ قبلَ الرَّمْى التَّحَلُّلُ الأوَّلُ، كمَن رَمَى ولم يُفِضْ. فعلى هذا لو واقَعَ أهلَه قبلَ الرَّمْى بعدَ الإِفاضَةِ، فعليه دَمٌ، ولا يَفْسُدُ حَجُّه.
وكذلك قال الأوْزاعِىُّ. فإن رَجَع إلى أهْلِه ولم يَرْمِ، فعليه دَمٌ لتَرْكِ الرَّمْى، وحَجُّه صَحيحٌ؛
فإنَّ ابنَ عباسٍ قال: مَن نَسِىَ أو تَرَك شَيْئًا مِن نُسُكِه، فَلْيُهَرِقْ لذلك دَمًا . ١٣٠٨ -
(وَإِنْ قَدَّمَ الْحَلْقَ عَلَى الرَّمْيِ أَوِ النَّحْرِ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ قَالَ: اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ، وَقَالَ آخَرُ ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: ارْمِ وَلَا حَرَجَ» وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا مَعْنَاهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا،
وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِ فَالنَّاسِي مِثْلُهُ،
وَكَذَا إِذَا زَارَ أَوْ نَحَرَ قَبْلَ رَمْيِهِ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ،
وإنْ قَدَّمَ الحَلْقَ على الرَّمْى أو النَّحْرِ، جَاهِلًا أو ناسِيًا، فلا شئَ عليه. عَلَيْهِ.
وَإنْ كَانَ عَالِمًا، فَهَلْ يَلْزَمُهُ دَمٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وكذا لو طافَ للزِّيارَةِ أو نحرَ قبلَ رَمْيِه.
وإنْ كان عالِمًا، فهل عليه دمٌ؟ على رِوايتَيْن. وأطْلقَهما فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الكافِى»، و «الهادِى»، و «المُغْنِى»، و «التَّلْخيصِ»، و «النَّظْمِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم؛ إحداهما، لا دَمَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليه، ولكن يُكْرَه فِعْلُ ذلك. وهو المذهبُ، نصَّ عليه، وعليه أكثرُ الأصحابِ. وجزَم به فى «المُحَرَّرِ»، و «الوَجِيزِ»، وغيرِهما. وقدَّمه فى «الفُروعِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، وغيرِهم. وصحَّحه فى «التَّصْحيحِ» وغيرِه. واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ فى «تَذْكِرَتِه» وغيرُه. والرِّوايَةُ الثَّانيةُ، [عليه دَمٌ. نقَلَها أبو طالِبٍ وغيرُه. وأطْلقَ ابنُ عَقِيلٍ هذه الرِّوايَةَ]. وظاهِرُها، يَلْزَمُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجاهِلَ والنَّاسِىَ دَمٌ أيضًا، وظاهِرُ نقْلِ المَرُّوذِىِّ، يَلْزَمُه صَدَقَةٌ. ثُمَّ يَخْطُبُ الإِمَامُ خُطْبَةً، يُعَلِّمُهُمْ فِيهَا النَّحْرَ وَالإفَاضَةَ وَالرَّمْىَ.
قال: (وإن قدم الحلق على الرمي أو النحر ناسياً أو جاهلاً فلا شيء عليه، وإن كان عالماً فهل عليه دم؟ على روايتين) .
أما عدم وجوب شيء على من قدم الحلق على الرمي أو النحر جاهلاً فلما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال:«قال رجل: يا رسول الله! حلقت قبل أن أذبح. قال: اذبح ولا حرج ... مختصر».
وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه قيل له يوم النحر وهو بمنى: في النحر والحلق والرمي والتقديم والتأخير فقال: لا حرج» متفق عليهما.
وأما عدم وجوب شيء على من قدم ذلك ناسياً فلأن الناسي كالجاهل.
وأما من قدم ذلك عالماً ففيه روايتان:
أحدهما: لا دم عليه لما ذكر قبل.
والرواية الثانية: عليه دم لأن ما تقدم المراد به الجاهل والناسي؛ لأن في بعض ألفاظ الحديث:«أن رجلاً سأله فقال: لم أشعر».
وفي رواية مسلم من حديث عبدالله بن عمرو قال:«فجاء رجل فقال: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح ... وذكر الحديث قال: فما سمعته سئل يومئذ عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور قبل بعض وأشباهها إلا قال: افعلوا ذلك ولا حرج».
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم رتب وأمر باتباعه استثني منه حالة الجهل والنسيان فيبقى ما عداه على الأصل.
ويمكن الجواب عن كون السائل جاهلاً بأن إباحة ذلك للجاهل لا تنفي جوازه للعالم، وعن فعل النبي صلى الله عليه وسلم بأنه فعله لكونه أولى لا لوجوبه.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.