وَلَا يَثْبُتُ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ الْخِيَارُ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا إِلَّا أَنْ يَتَبَايَعَا عَلَى أَنْ لَا خِيَارَ بَيْنَهُمَا، أَوْ يُسْقِطَا الْخِيَارَ بَعْدَهُ فَيَسْقُطُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ
Its commentaries
مسألة: (ولِكُلِّ واحِدٍ مِن المُتَبَايِعَيْنِ الخِيارُ ما لم يَتَفَرَّقَا بأبْدَانِهِمَا) لِما ذَكَرْناه. ولا خِلافَ في لُزُومِ العَقْدِ بعدَ التَّفَرُّقِ، ما لم يَكُنْ سَبَبٌ يَقْتَضِى جَوازُه، مِثلَ أَنْ يَجِدَ في السِّلْعَةِ عَيْبًا، فيَرُدَّها به، أو يكونَ قد شَرَطَ الخِيارَ مُدَّةً مَعْلُومَةً، فيَمْلِكَ الرَّدَّ فيها، بغَيْرِ خِلافٍ عَلِمْناه بينَ أَهْلِ العِلْمِ. وفى مَعْنى العَيْبِ أَنْ يُدَلِّسَ المَبِيعَ بما يَخْتَلِفُ به الثَّمَنُ، أو يَشْتَرِطَ في المبيعِ صِفَة يَخْتَلِفُ بها الثَّمَنُ، فَيَبِينَ بخلافِه، أو يُخْبِرَه في المُرَابَحَةِ بثمنٍ حالٍّ وهو مُؤجَّلٌ، ونحوُ ذلك.
وقد دَلَّ على لُزُومِ البَيْعِ بالتَّفَرُّقِ قولُ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وإنْ تَفَرَّقَا بعدَ أَنْ تَبَايَعَا، ولم يَتْرُكْ أحَدُهما البَيْعَ، فقد وَجَبَ البَيْعُ». والمَرْجعُ في التَّفَرُّقِ إلى عُرْفِ النَّاسِ وعاداتِهم؛ لأَنَّ الشارِعَ عَلَّقَ عليه حُكمًا، ولم يُبَيِّنْه، فدَلَّ على أنَّه أرَادَ ما يَعْرِفُه الناسُ، كالقَبْضِ، والإِحْرَازِ.
فإنْ كانا في فَضاءٍ واسِعٍ، كالمَسْجِدِ الكَبِيرِ، والصَّحْرَاءِ، فَبأَنْ يَمْشِىَ أحَدُهما مُسْتَدْبِرًا لِصاحِبه خُطُواتٍ.
وقيلَ: هو أَنْ يَبْعُدَ منه بحَيْثُ لا يَسْمَعُ كَلامَه الذى يَتَكَلَّمُ به في العَادَةِ. قال أبو الحارِثِ: سُئِلَ أحمدُ عن تَفْرِقَةِ الأبْدانِ؟ فقال: إذا أَخَذَ هذا هكذا، وأخذ هذا هكذا، فقد تَفَرَّقَا. ورَوَى مُسْلِمٌ ، عن نافِعٍ، قال: فكانَ ابنُ عمرَ إذَا بايعَ ، فأَرادَ أَنْ لا يُقيلَه، مَشَى هُنَيْهَةً، ثم رَجَعَ.
وإن كانَا في دارٍ كَبِيرَةٍ ذاتِ مَجالِسَ وبُيُوتٍ، فالمُفَارقَةُ أَنْ يُفَارِقَه مِن بَيْتٍ إلى بَيْتٍ، أو إلى مَجْلِسٍ، أو صُفَّةٍ، أو مِن مَجْلِسٍ إلى بَيْتٍ، ونحوِ ذلك.
فإنْ كانَا في دارٍ صَغِيرَةٍ،
فإذا صَعِدَ أحَدُهما السَّطْحَ، أو خَرَجَ منها، فقد فارَقَه.
وإنْ كانَا في سَفِينَةٍ صَغِيرَةٍ، خَرَجَ أحَدُهما منها ومَشَى،
وإنْ كانت كَبِيرَةً صَعِدَ أحَدُهما على أَعْلَاها، ونَزَلَ الآخَرُ في أَسْفَلِها. وهذا كُلُّه مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ.
فإنْ كان المُشْتَرِى هو البائِعَ، مِثلَ أنِ اشْتَرَى لنَفْسِه مِن مالِ ولَدِه، أو اشْتَرَى لوَلَدِه مِن نَفْسِه، لم يَثْبُتْ فيه خِيارُ المَجْلِسِ؛ لأنَّه يَتَوَلَّى طَرَفَىِ العَقْدِ، فلم يَثْبُتْ له خِيارٌ، كالشَّفِيعِ. ويَحْتَمِلُ أَنْ يَثْبُتَ فيه، كغَيْرِه. فعلى هذا، يُعْتَبَرُ للُزُومِه مُفَارَقَةُ مَجْلِسِ العَقْدِ؛ لأَنَّ الافْتِرَاقَ لا يُمْكِنُ ههنا؛ لكَوْنِ البائِعِ هو المُشْتَرِىَ.
ومتى حَصَلَ التَّفَرُّق لَزِمَ العَقْدُ، قَصَدا ذلك أو لم يَقْصِداه، عَلِماه أو جَهِلاه؛ لأَنَّ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عَلَّقَ الخِيارَ عِلى التَّفَرُّقِ، وقد وُجِدَ.
ولو هَرَبَ أحَدُهما مِن الآخرِ، لَزِمَ العَقْدُ؛ لأنَّهُ فارَقَه. ولا يَقِفُ لُزومُ العَقْدِ على رِضاهُما، ولهذا كان ابنُ عمرَ يُفارِقُ صاحِبَ؛ ليَلْزَمَ البَيْعُ.
ولو أقاما في المَجْلِسِ وسَدَلَا بَيْنَهما سِتْرًا، أو بَنَيَا بَيْنَهُما حاجِزًا، أو نامَا، أو قامَا فمَضَيَا جَمِيعًا ولم يَتَفَرَّقَا، فالخِيارُ بحالِه وإنْ طَالَتِ المُدَّةُ؛ لعَدَمِ التَّفَرُّقِ. وقد رَوَى أبو دَاوُدَ ، والأَثْرَمُ، بإسْنَادِهما عنِ أبى الوَضِئِ، قال: غَزَوْنَا غَزْوَةً لَنَا، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا، فباعَ صاحِبٌ لَنَا فرَسًا بغُلامٍ ، ثم أَقامَا بَقِيَّةَ يَؤْمِهِما ولَيْلَتِهما، فلَمَّا أَصْبَحَا مِن الغَدِ وحَضَرَ الرَّحِيلُ، قامَ إلى فَرَسِه يُسْرِجُهُ، فنَدِمَ، فأَتَى الرَّجُلَ، وأَخذَه بالبَيْعِ، فأبَى الرَّجُلُ أَنْ يَدْفَعَه إليه، فقال: بَيْنِى وبَيْنَكَ أبو بَرْزَةَ صاحِبُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأَتيَا أبا بَرْزَةَ في ناحِيَةِ العَسْكَرِ، فقالُوا له هذه القِصَّةَ، فقال: أَتَرْضَيَانِ أَنْ أقْضِىَ بَيْنَكُما بقَضَاءِ رسول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-؟
قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «البَيِّعَانِ بالخِيارِ ما لم يَتَفَرَّقَا». وما أَرَاكُما افْتَرَقْتُما.
فإنْ فارَقِ أحَدُهما الآخَرَ مُكْرَهًا، احْتَمَلَ بُطلانُ الخِيارِ؛ لوُجُودِ التَّفَرُّقِ، ولأنَّه لا يُعْتَبَرُ رِضَاهُ في مُفَارَقَةِ صاحِبِه له، فكذلك في مُفَارَقَتِه لِصَاحِبِه.
وقال القاضِى: لا يَنْقَطِعُ الخِيارُ؛ لأنَّهُ حُكْمٌ عُلِّقَ على التَّفَرُّقِ، فلم يَثْبُتْ مع الإِكْرَاهِ، كما لو عُلِّقَ عليه الطَّلاقُ. ولأصْحَابِ الشَّافِعِىِّ وَجْهانِ كهذَيْن. فعلى قَوْلِ مَنْ لا يَرَى انْقِطَاعَ الخِيارِ، إنْ أُكْرِهَ أَحَدُهما على فُرْقَةِ صاحِبِه، انْقَطَعَ خِيارُ صاحِبِه، كما لو هَرَبَ منه، ويَبْقَى الخِيارُ للمُكْرَهِ منهما في المَجْلِسِ الذى يَزُولُ عنه الإكرَاهُ فيه، حتى يُفَارِقَه.
وإنْ أُكْرِهَا جَمِيعًا، انْقَطَعَ خِيارُهما؛ لأَنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما يَنْقَطِعُ خِيارُه بفُرْقَةِ الآخَرِ له، فأشْبَهَ ما لو أُكْرِهَ صَاحِبُه دُونَه. وذَكَرَ ابنُ عَقِيلٍ مِن صُوَرِ الإِكْراهِ، ما لو رَأيَا سَبُعًا أو ظَالِمًا خَشِياهُ، فَهَرَبَا فَزَعًا منه، أو حَمَلَهُما سَيْلٌ، أو فَرَّقَتْ بَيْنَهُما رِيحٌ.
فإن خَرِسَ أحَدُهما، قامَتْ إِشَارَتُه مَقامَ نُطْقِه،
فإنْ لم تُفهَمْ إشارَته، أو جُنَّ، أو أُغْمِىَ عليه، قامَ أبُوهُ، أو وَصِيُّه، أو الحاكِمُ، مَقامَه. وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ.
فصل: ولو ألْحَقَا في العَقْدِ خِيارًا بعدَ لُزُومِه، لم يُلْحَقْ. وبه قال الشَّافِعِىُّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ، وأصْحَابُه : يَلْحَقُه؛ لأَنَّ لهما فَسْخَ العَقْدِ، فكان لهما إلْحاقُ الخِيارِ به، كالمَجْلِسِ. ولَنا، أنَّه عَقْدٌ لازِمٌ، فلم يَصِرْ جائِزًا بقَوْلِهما، كالنِّكَاحِ، وفارَقَ المَجْلِسَ، فإنَّه جائِزٌ، فجازَ إبْقَاؤُه على جَوازِه.
فصل: وقد رُوِى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:«الْبَائِعُ والمُبْتَاعُ بالخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا، إلَّا أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيارٍ، فلا يَحِلُّ له أَنْ يُفَارِق صاحِبَه خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ». رَواهُ التِّرْمِذِىُّ ،
وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وقَوْلُه:«إلَّا أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيارٍ». يَحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ البَيْعَ المَشْرُوطَ فيه الخِيارُ، فإنَّه لا يَلْزَمُ بِتَفَرُّقِهما؛ لكَوْنِه ثابِتًا بعدَه بالشَّرْطِ. ويَحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ البَيْعَ الذى شَرَطَ فيه أَنْ لا يكُونَ فيه خِيارٌ، فَيَلْزَمُ بمُجَرَّدِ العَقْدِ ين غيرِ تَفَرُّقٍ. وظاهِرُ الحَدِيثِ تَحْرِيمُ مُفَارَقَةِ أحَدِ المُتَبَايِعَيْنِ لِصاحِبِه خَشْيَةً مِن فَسْخِ البَيْعِ. وهذا ظاهِرُ كلامِ أحمدَ في رِوَايَةِ الأَثْرَمِ، فإنَّه ذُكِرَ له فِعْلُ ابنِ عمرَ، وهذا الحَدِيثُ، فقال: هذا الآنَ قولُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وهو اخْتِيارُ أبِى بَكْرٍ. وقال القاضِى: ظاهِرُ كَلام أحمدَ جَوازُ ذلك؛ لأَنَّ ابنَ عُمَرَ فَعَلَه. والأَوَّلُ أصَحُّ؛ لأَنَّ قولَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُقَدَّمُ على فِعْلِ ابنِ عمرَ. والظاهِرُ أنَّ ابنَ عمرَ لم يَبْلُغْه هذا،
ولو بَلَغَه لَما خَالَفَهُ.
١٦٠٢ - مسألة: (إِلَّا أَنْ يَتَبَايَعَا على أَنْ لا خِيارَ بينَهما، أو يُسْقِطَا الخِيارَ بعدَه، فيَسْقُطُ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وإنْ أسْقَطَهُ أَحدُهما، بَقِىَ خِيارُ صاحِبِه) اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللَّه، في ذلك، فرُوِىَ عنه، أنَّ الخِيارَ يَمْتَدُّ إلى التَّفَرُّقِ، ولا يَبْطُلُ بالتَّخَايُرِ، ولا بالإِسْقاطِ، قبلَ العَقْدِ ولا بَعْدَه. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ؛ لأَنَّ أكثرَ الرِّوايَاتِ عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «البَيِّعَانِ بالخِيَارِ ما لم يَتَفَرَّقَا».
مِن غيرِ تَقْيِيدٍ ولا تَخْصِيصٍ، في رِوَايَةِ حَكِيمِ بنِ حِزامٍ، وأَبِى بَرْزَةَ، وأَكْثَرِ الرِّوايَاتِ عن عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو. والتَّقْيِيد إنَّما هو في حَدِيثِ ابنِ عمرَ،
ومتى انْفَرَدَ بعضُ الرُّوَاةِ بزِيادَةٍ، قُدِّمَ قَوْلُ الأَكْثَرِينَ وذَوِى الضَّبْطِ. والرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، أنَّ الخِيارَ يَبْطُلُ بالتَّخَايُرِ. اخْتَارَها ابنُ أبى مُوسَى. وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ. وهو الصَّحِيحُ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالَى؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في حَدِيثِ ابنِ عمرَ:«فإنْ خَيَّرَ أَحَدُهما صَاحِبَه، فَتَبَايَعَا على ذَلِكَ، فقد وَجَبَ البَيْعُ». يَعْنِى لَزِمَ. وفى لَفْظٍ:«المُتَبَايِعَانِ بالْخِيَارِ ما لم يَتَفَرَّقَا، إلَّا أَنْ يكونَ البَيْعُ كانَ عن خِيَارٍ، فإنْ كانَ البَيْعُ عن خِيَارٍ، فقد وَجَبَ البَيْعُ» مُتَّفَقٌ عليه .
والأَخْذُ بالزِّيَادةِ أَوْلَى، وهى صَرِيحَةٌ في الحُكْمِ. والتَّخايُرُ في ابْتِداءِ العَقْدِ وبعدَه في المَجْلِسٍ واحِدٌ، فالتَّخَايُرُ في ابْتِدَائِه أَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ ولا خِيَارَ بَيْنَنَا. ويَقْبَلُ الآخر على ذلك، فلا يكونُ لهما خِيَارٌ. والتَّخَايُرُ بعدَه أَنْ يَقُولَ كُلُّ واحِدٍ منهما بعدَ العَقْدِ: اخْتَرْتُ إمْضَاءَ العَقْدِ. أو: إلْزَامَه. أو: اخْتَرْت العَقْدَ. أو: أسْقَطْتُ خِيارى. فَيَلْزَم العَقْدُ مِن الطَّرَفَيْنِ.
وإنِ اخْتَارَ أحَدُهُما دونَ الآخَرِ، لَزِمَ في حَقِّه وحْدَهُ، كما لو كان خِيارَ الشَّرْطِ فأسْقَطَه أحَدُهما.
وقال أصْحابُ الشّافِعِىِّ: في التّخَايُرِ في ابْتِداءِ العَقْدِ قَوْلَانِ، أظْهَرُهُما لا يَقْطَعُ الخِيارَ؛ لأنَّه إسْقَاطٌ للحَقِّ قبلَ سَبَبِه، فلم يَجُزْ، كخِيارِ الشُّفْعَةِ. فعلى هذا، هل يَبْطُلُ به العَقْدُ؟ على وَجْهَيْنِ، بِناءً على الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ. ولنا، ما ذَكَرْنَا مِن حَدِيثَى ابنِ عمرَ، وذلك صَرِيحٌ في الحُكْمِ، فلا يُعَوَّلُ على ما خَالَفَه، ولأنَّ ما أَثَّرَ في الخِيارِ في المَجْلِسِ أَثَّرَ فيه مُقارِنًا للعَقْدِ، كاشْتِراطِ الخِيَارِ. ولأنَّه أحَدُ الخِيارَيْن في البَيْعِ، فجازَ إخْلاؤُه عنه، كخِيارِ الشَّرْطِ.
وقَوْلُهم: إنَّه إسْقَاط للخِيارِ قبلَ سَبَبِه. مَمْنُوعٌ،
فإنَّ سَبَبَ الخِيارِ البَيْعُ المُطْلَقُ،
فأمّا البَيْعُ مع التَّخَايُرِ فلَيْسَ سَبَبًا له، ثم لو ثَبَتَ أنَّه سَبَبٌ للخِيارِ، لكِنَّ المانِعَ مُقارِنٌ له، فلم يَثْبُتْ حُكْمُه، والشُّفْعَةُ لَنا فيها مَنْعٌ،
وإنْ سُلِّمَ، فالفَرْقُ بَيْنَهما أنَّ الشَّفِيعَ أجْنَبِىٌّ مِن العَقْدِ، فلم يَصِحَّ اشْتِراطُ إسْقاطِ خِيَارِه في العَقْدِ، بخِلافِ مسألتِنا.
(وَلَا يَثْبُتُ فِي سَائِرِ) أَيْ: بَاقِي (الْعُقُودِ) سَوَاءٌ كَانَ لَازِمًا مِنَ الطَّرَفَيْنِ كَالنِّكَاحِ وَالْخَلْعِ؛ لِأَنَّهُ يَقْصِدُ مِنْهُ الْفِرْقَةَ كَالطَّلَاقِ،
وَكَذَا الْقَرْضُ وَالْوَقْفُ وَالضَّمَانُ وَالْهِبَةُ الْخَالِيَةُ عَنْ عِوَضٍ؛ لِأَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ دَخَلَ فِيهِ عَلَى أَنَّ الْحَظَّ لِغَيْرِهِ، أَوْ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ كَالرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ فِيهِ لَبَقِيَ الْحَقُّ بِلَا رَهْنٍ فَيَضُرُّ بِالْمُرْتَهِنِ، أَوْ جَائِزًا مِنَ الطَّرَفَيْنِ كَالْوِكَالَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْجَعَالَةِ،
وَأَمَّا الْمُتَرَدِّدُ بَيْنَ الْجَوَازِ وَاللُّزُومِ فَقَالَ (إِلَّا فِي الْمُسَاقَاةِ وَالْحَوَالَةِ وَالسَّبَقِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) إِذِ الْمُسَاقَاةُ وَالسَّبَقُ إِجَارَةٌ فِي وَجْهٍ، وَالْحَوَالَةُ بَيْعٌ،
وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ عَقْدٌ جَائِزٌ، وَالْحَوَالَةُ
إِمَّا إِسْقَاطٌ، أَوْ عَقْدٌ مُسْتَقِلٌّ، وَالسَّبَقُ جَعَالَةٌ.
وَكَذَا الْخِلَافُ فِي الْمُزَارَعَةِ وَالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ (وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ الْخِيَارُ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا) عُرْفًا،
وَلَوْ طَالَ الْمَجْلِسُ بِنَوْمٍ، أَوْ تَسَاوَقَا بِالْمَشْيِ، أَوْ فِي سَفِينَةٍ، وَلِهَذَا لَوْ أَقْبَضَهُ فِي الصَّرْفِ،
وَقَالَ أَمْشِي مَعَكَ حَتَّى أُعْطِيَكَ، وَلَمْ يَفْتَرِقَا جَازَ، نَقَلَهُ حَرْبٌ، وَهُوَ شَامِلٌ إِذَا حَصَلَتِ الْفُرْقَةُ بِهَرَبٍ كَفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ،
وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ تَحْرُمُ الْفُرْقَةُ خَشْيَةَ الاستقالة لظاهر خَبَرِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ قَالَهُ أَحْمَدُ، أَوْ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ أَوْ جَهْلٍ،
وَكَذَا بِإِكْرَاهٍ فِي وَجْهٍ، إِذِ الرِّضَى فِي مُعْتَبَرٍ، كَمَا لَا يُعْتَبَرُ الرِّضَى فِي الْفَسْخِ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي وَأَوْرَدَهُ صَاحِبُ " التَّلْخِيصِ ": مَذْهَبًا أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ خِيَارُ الْمُكْرَهِ، فَيَكُونُ الْخِيَارُ فِي الْمَجْلِسِ الَّذِي زَالَ عَنْهُ الْإِكْرَاهُ،
وَقِيلَ: إِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى كَلَامٍ يَقْطَعُ بِهِ خِيَارَهُ انْقَطَعَ وَإِلَّا فَلَا، وَخَصَّ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " الْخِلَافَ بِمَا إِذَا أُكْرِهَ أَحَدُهُمَا،
فَلَوْ أُكْرِهَا زَالَ خِيَارُهُمَا، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَبْقَى خِيَارُهُمَا وَجَعَلَ مِنْهُمَا مَا إِذَا رَأَيَا سَبْعًا، أَوْ ظَالِمًا يُؤْذِيهِمَا وَهُوَ ظَاهِرٌ،
وَيَبْطُلُ خِيَارُهُمَا بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا: لِأَنَّهَا أَعْظَمُ الْفِرْقَتَيْنِ لَا الْجُنُونُ، وَهُوَ عَلَى خِيَارِهِ إِذَا أَفَاقَ،
وَفِي " الشَّرْحِ " إِنْ خُرِسَ وَلَمْ تُفْهَمْ إِشَارَتُهُ، أَوْ جُنَّ، أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ قَامَ وَلِيُّهُ مَقَامَهُ.
بَيَانٌ: الْمَرْجِعُ فِي التَّفَرُّقِ إِلَى الْعُرْفِ لِعَدَمِ بَيَانِهِ فِي الشَّرْعِ،
فَإِنْ كَانَا فِي فَضَاءٍ مَشَى أَحَدُهُمَا مُسْتَدْبِرًا لِصَاحِبِهِ خُطُوَاتٍ قَطَعَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ "،
وَقِيلَ: يَبْعُدُ مِنْهُ بِحَيْثُ لَا يُسْمَعُ كَلَامُهُ الْمُعْتَادُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْكَافِي "،
وَإِنْ كَانَا فِي دَارٍ وَاسِعَةٍ فَمِنْ بَيْتٍ إِلَى آخَرَ، أَوْ مَجْلِسٍ، أَوْ صِفَةٍ بِحَيْثُ يُعَدُّ مُفَارِقًا،
وَفِي صَغِيرَةٍ يَصْعَدُ أَحَدُهُمَا السَّطْحَ، أَوْ يَخْرُجُ مِنْهَا كَسَفِينَةٍ صَغِيرَةٍ،
وأما الكبيرة فَيَصْعَدُ أَحَدُهُمَا أَعْلَاهَا وَيَنْزِلُ الْآخَرُ أَسْفَلَهَا.
فَائِدَةٌ: قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: سُئِلَ ثَعْلَبٌ عَنِ الْفَرْقِ بَيْنَ التَّفَرُّقِ وَالِافْتِرَاقِ فَقَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ عَنِ الْمُفَضَّلِ قَالَ: يُقَالُ فَرَقْتَ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ - مُخَفَّفًا - فَافْتَرَقَا، وَفَرَّقْتَ بَيْنَ اثْنَيْنِ - مُشَدَّدًا - فَتَفَرَّقَا، فَجَعَلَ الِافْتِرَاقَ فِي الْأَقْوَالِ، وَالتَّفَرُّقَ فِي الْأَبْدَانِ (إِلَّا أَنْ يَتَبَايَعَا عَلَى أَنْ لَا خِيَارَ بَيْنَهُمَا، أَوْ يُسْقِطَا الْخِيَارَ بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ الْبَيْعِ (فَيَسْقُطُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) اخْتَارَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ "، وَصَحَّحَهَا فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ "
لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» أَيْ: لَزِمَ وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ عَنْ خِيَارٍ، فَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ عَنْ خِيَارٍ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» وَالثَّانِيَةُ: لَا يَسْقُطُ فِيهِمَا وَهِيَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَاخْتِيَارُ الْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ، وَأَبِي الْخَطَّابِ فِي خِلَافِهِ الصَّغِيرِ، وَابْنِ عَقِيلٍ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْأَحَادِيثِ «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ» من غير زِيَادَةٌ، وَقَوْلَ الْأَكْثَرِ ذَوِي الضَّبْطِ مُقَدَّمٌ عَلَى رِوَايَةِ الْمُنْفَرِدِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْأَخْذَ بِمَا تَضَمَّنَتْهُ الزِّيَادَةُ أَوْلَى
ولا يثْبُتُ فى سائرِ العُقُودِ إِلَّا فى المُساقاةِ.
وكذا المُزارَعَةُ، والحَوالَةُ، والسَّبْقُ فى أحَدِ الوَجْهَيْن. وأطْلَقهما فى «الهِدَايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِب»، و «الخُلاصَةِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الفائقِ»، وأطْلَقَهما فى الحَوالَةِ فى «الحاوِى الكَبِيرِ»، أحدُهما، لا يثْبُتُ فيهنَّ، وهو المذهبُ. جزَم به فى «الوَجيزِ». وصحَّحَه فى «التَّصْحيحِ»، وقدَّمه فى «الفُروعِ»، و «الشَّرْحِ»، وقدَّمه الزَّرْكَشِىُّ فى غيرِ الحَوالَةِ، وقدَّمه فى «الحاوِى الكَبِيرِ» فى المُساقَاةِ والمُزارَعَةِ.
والوَجْهُ الثَّانى، يثْبُتُ فيهنَّ الخِيارُ. قال الزَّرْكَشِىُّ: يثْبُتُ فى الحَوالَةِ، إنْ قيلَ: هى بَيْعٌ.
لا إنْ قيلَ: هى إسْقاطٌ أو عَقْدٌ مُسْتَقِلٌّ. انتهى. وعلى هذا الوَجْهِ، لا يَثْبُتُ الخِيارُ إلّا للمُحيلِ لا غيرُ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيهات؛ الأَوَّلُ، الخِلافُ هنا فى المُساقَاةِ والمُزارَعَةِ مَبْنِىٌّ على الخِلافِ فى كوْنِهما لازِمَيْن، أو جائزَين. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. جزَم به فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، وابنُ حَمْدَانَ، وغيرُهم.
فإنْ قُلْنا: هما جائِزان، وهو المذهبُ على ما يأْتِى، فلا خِيارَ فيهما،
وإنْ قُلْنا: هما لازِمان، دخَلَهما الخِيارُ.
وقيلَ: الخِلافُ هنا على القَوْلِ بلُزومِهما. وجزَم به فى «الحاوِى الكَبِيرِ».
وكذا حُكْمُ السَّبْقِ والرَّمْى. وجزَم به فى «الحاوِى الكَبِيرِ». فعلى القوْلِ بأنَّهما جَعالةٌ، وهو المذهبُ، فلا خِيارَ فيهما، وعلى القَوْلِ بلُزومِهما يدْخُلُهما الخِيارُ.
وقيل: الخِلافُ على القَوْلِ بلُزومِهما. وجزَم به فى «الحاوِى الكَبِيرِ». الثَّانى، شَمِلَ قولُه: ولا يثْبُتُ فى سائرِ العُقُودِ. غيرُ ما اسْتَثْناه، مَسائِلَ؛ منها، الهِبَةُ؛ وهى تارةً تكونُ بعِوَضٍ، وتارَةً تكونُ بغيرِ عِوَضٍ،
فإنْ كانتْ بعِوَضٍ، ففى ثُبُوتِ الخِيارِ فيهما رِوايَتان مَبْنِيَّتان على أنَّها، هل تصِيرُ بَيْعًا، أو يغْلِبُ فيها حُكْمُ الهِبَةِ؟ على ما يأْتِى فى أوَّلِ بابِ الهِبَةِ، قالَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهما. وجزَم فى «التَّلْخيصِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «البُلْغَةِ»، بأنَّ الخِيارَ يثْبُت فيهما. قال فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»،
وغيرِهم: فإنْ شرَط فيها عِوَضًا، فهى كالبَيْعِ. فقد يُقالُ: ظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا، أنَّ الخِيارَ لا يثْبُت فيها. ويحْتَمِلُ أن يُقالَ: لم تدْخُلْ هذه المَسْأَلةُ فى كلامِ المُصَنِّفِ؛ لأنَّها نَوْعٌ مِنَ البَيْعِ. على الصَّحيحِ، وهو أوْلَى.
وقال القاضى: المَوْهُوبُ له، يثْبُت له الخِيارُ على التَّأْبِيدِ،
بخِلافِ الواهِبِ. قال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ: وفيه نظَرٌ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: الواهِبُ بالخِيارِ؛ إنْ شاءَ أقْبَضَ،
وإنْ شاءَ منَع، فإذا أقْبَضَ، فلا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
خِيارَ له. وكذا قال غيرُه.
وإنْ كانتْ بغيرِ عِوَضٍ، فهى كالوَصِيَّةِ، لا يثْبُتُ فيها خِيارٌ، اسْتِغْناءً بجَوازِها. جزَم به المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وابنُ حَمْدَانَ، وصاحبُ «الحاوِى»، وغيرُهم. ومنها، القِسْمَةُ. وظاهِرُ كلامِه هنا، أنَّه لا يثْبُتُ فيها. وهو أحَدُ الوَجْهَيْن. قال الأَزَجِىُّ فى «نِهايَتِه»: القِسْمَةُ إفْرازُ حَقٍّ. على الصَّحيحِ، فلا يَدْخُلُها خِيارُ المَجْلِسِ،
وإنْ كان فيها رَدٌّ، احْتَملَ أَنْ يدْخُلَها خِيارُ المَجْلِسِ. انتهى. والوَجْهُ الثَّانى، يدْخُلُها خِيارُ المَجْلِسِ. وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ. قال فى «الفُروعِ»: وفى الأصحِّ، وفى قِسْمَةٍ. وقطَع القاضى فى «التَّعْليقِ»، وابنُ الزَّاغُونِىِّ بثُبوتِ الخِيارِ فيها مُطْلَقًا، وقطَع به فى «الرِّعايَةِ» إنْ قُلْنا: هى بَيْعٌ.
وكذا الزَّرْكَشِىُّ. قال القاضى فى «المُجَرَّدِ». ولا يَدْخُلُها خِيارٌ، حيثُ قُلْنا: هى إفْرازٌ. قال فى «الحاوِى الكَبِيرِ»: إنْ كان فيها رَدٌّ، فهى كالبَيْعِ؛ يدْخُلُها الخِياران معًا،
وإنْ لم يَكُنْ فيها رَدٌّ، وعُدِّلتِ السِّهَامُ، ووَقَعَتِ القُرْعَةُ، نظَرْتَ؛
فإنْ. كان القاسِمُ الحاكِمَ، فلا خِيارَ؛ لأنَّه حُكْمٌ،
وإنْ كان أحَدَ الشَّريكَيْن؛ لم يدْخُلْها خِيارٌ؛ لأنَّها إفْرازُ حَقٍّ، وليستْ ببَيْعٍ. انتهى. وقالَه ابنُ عَقيلٍ أيضًا. ومنها، الإِقالَةُ؛ فلا يثْبُتُ فيها خِيارُ المَجْلِسِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ؛ لأنَّها فَسْخٌ،
وإنْ قُلْنا: هى بَيْعٌ. ثبَت.
وقال فى «التَّلْخيصِ»: ويحْتَمِلُ عندى أَنْ لا يثْبُتَ، ويأْتِى ذلك فى الإِقالَةِ. ومنها، الأخْذُ بالشُّفْعَةِ، فلا خِيارَ فيها. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، كما هو ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا. وقدَّمه فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. واخْتارَه المُصَنِّفُ، والقاضى، وابنُ عَقِيلٍ، وصاحِبُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . .
«التَّلْخيصِ»، وغيرُهم. ذكَرَه الحَارِثِىُّ فى الشُّفْعَةِ.
وقيل: فيها الخِيارُ. وهو احْتِمالٌ فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، وغيرِهما. وأطْلَقَهما فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «القَواعِدِ». ومنها، سائِرُ العُقُودِ اللَّازِمَةِ، غيرُ ما تقدَّم؛ كالنِّكاحِ، والوَقْفِ، والخُلْعِ، والإبْراءِ، والعِتْقِ على مالٍ، والرَّهْنِ، والضَّمانِ، والإِقالَةِ لراهِنٍ وضامِنٍ وكَفيلٍ. قالَه فى «الرِّعايَةِ»، فلا يثْبُتُ فى شئٍ مِن ذلك خِيارُ المَجْلِسِ. وذكَر فى «الحاوِى الكَبِيرِ»، فيما إذا قالتْ: طَلقْنِى بأَلْفٍ. فقال: طَلَّقْتُكِ بها طَلْقَةً. احْتِمالَيْن؛ أحدُهما: عدَمُ الخِيارِ مُطْلَقًا. والثَّانِى: يثْبُتُ له الخِيارُ فى الامْتِناعِ مِن قَبْضِ الأَلْفِ ليكونَ الطلاقُ رَجْعِيًّا.
ومنها، جميعُ العُقُودِ الجائزَةِ؛ كالجَعالَةِ، والشَّرِكَةِ، والوَكالَةِ، والمُضارَبَةِ، والعارِيَّةِ، والوَدِيعَةِ، والوَصِيَّةِ قبلَ المَوْتِ، ونحوِ ذلك، فلا يثْبُتُ فيها خِيارُ المَجْلِسِ. التَّنْبِيهُ الثَّالثُ، مُرادُه بقوْلِه: ما لم يتفرَّقا بأبْدَانِهما. التَّفَرُّقُ العُرْفِىُّ. قالَه الأصحابُ. وقد ضبَط ذلك بعُرْفِ كلِّ مَكانٍ بحَسَبه؛
فلو كان فى فَضاءٍ واسِعٍ، أو مَسْجِدٍ كبيرٍ، أو سُوقٍ، فقيلَ: يحْصُلُ التَّفَرُّقُ بأنْ يمْشِىَ أحدُهما مُسْتَدْبِرًا صاحِبَه خُطُواتٍ. جزَم به ابنُ عقِيلٍ. وقدَّمه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ. وجزَم به فى «المُسْتَوْعِبِ»، و «شَرْحٍ ابنِ رَزِينٍ»، و «الحاوِيَيْن».
وقيلَ: بل يبْعُدُ عنه بحيثُ لا يسْمَعُ كلامَه عادةً. جزَم به فى «الكافِى»، و «النَّظْمِ».
وإنْ كانَا فى سَفِينَةٍ كبيرةٍ، صعَد أحدُهما على أعْلاها، ونَزل الآخَرُ إلى أسْفَلِها،
وإنْ كانت صَغِيرةً، خرَج أحدُهما منها ومشَى.
وإنْ كانَا فى دارٍ كبيرةٍ، فتَحْصُلُ المُفارَقَةُ بخُروجِه مِن بَيْتٍ إلى بَيْتٍ، أو إلى مَجْلِسٍ، أو صُفَّةٍ، ونحوِ ذلك، بحيث يُعَدُّ مُفارِقًا،
وإنْ كانتَ صَغِيرةً، فإنْ صعدَ أحدُهما السَّطْحَ، أو خرَج منها، فقد . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فارَقَه. ولو أقامَا فى مَجْلِسٍ، وبُنِىَ بيْنَهما حاجِزٌ مِن حائطٍ أو غيرِه، لم يُعَدَّ تَفرُّقًا. جزَم به فى «المُسْتَوْعِبِ»، و «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، وصاحِبُ «الحاوِى»، وغيرِهم. التَّنْبِيهُ الرَّابعُ، ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّ الفُرْقَةَ تحْصُلُ بالإِكْراهِ، وفيه طَرِيقان؛ أحدُهما، طَرِيقَةُ الأكثرِ، منهم المُصَنِّفُ فى «الكافِى»، قال الزَّرْكَشِىُّ: وهو أجْوَدُ. وهى أنَّ الخِلافَ جارٍ فى جميعِ مَسائِلِ الإِكْراهِ؛ فقيلَ: يَحْصُلُ بالعُرْفِ مُطْلَقًا. وهو ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ، وجماعَةٍ. وقدَّمه الزَّرْكَشِىُّ.
وقيلَ: لا يحْصُلُ به مُطْلَقًا. اخْتارَه القاضى. وجزَم به فى «الفُصُولِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الحاويَيْن». وصحَّحَه فى «الرِّعايَةِ الكُبْرى». وقدَّمه فى «التَّلْخيصِ». فعليه، يبْقَى الخِيارُ فى مَجْلِس زَالَ عنهما الإِكْراهُ فيه حتى يُفارِقاه. وأطْلَقَهما فى «الفائقِ». والوَجْهُ الثَّالِثُ، إنْ أمْكَنه ولم يتَكَلمْ، بطَل خِيارُه، وإلَّا فلا. وهو احْتِمالٌ فى «التَّلْخيصِ». الطرَّيقُ الثَّانى، إنْ حصَل الإِكْراهُ لهما جميعًا، انْقَطَع خِيارُهما، قوْلًا واحِدًا،
وإنْ حصَل لأحَدِهما، فالخِلافُ فيه. وهى طَرِيقَةُ المُصَنِّفِ فى «المُغْنِى»، والشَّارِحِ، وابنِ رَزِينٍ فى «شَرْحِه»، وذكَر فى الأُولَى احْتِمالًا.
وقال فى «الفُروعِ»: ولكُلٍّ مِنَ البَيِّعَيْن الخِيارُ ما لم يتَفَرَّقا بأبْدانِهما عُرْفًا،
ولو كَرِها، وفى بَقاءِ خِيارِ المُكْرَهِ وَجْهان. انتهى.
فائدة: ذكَر ابنُ عَقِيلٍ مِن صُوَرِ الإِكْراهِ، لو رأَيا سَبُعًا أو ظالِمًا خافَاه، فهَرَبا منه، أو حمَلَهما سَيْلٌ أو رِيحٌ وفرَّقَتْ بينَهما. وقدَّم فى «الرِّعايَةِ الكُبْرى»، أنَّ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الخِيارَ لا يَبْطُلُ فى هذه الصُّوَرِ، وجزَم بما قال ابنُ عَقِيلٍ، وابنُ رَزِينٍ فى «شَرْحِه»، ونصَّ عليه.
فوائد؛ الأُولَى، لو ماتَ أحدُهما فى خِيارِ المَجْلِسِ، انْقطَعَ الخِيارُ. نصَّ عليه. جزَم به فى «التَّلْخيصِ»، و «الفُروعِ»، و «النَّظْمِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم.
وقيلَ: لا يبْطُلُ. ويَحْتَمِلُه كلامُ الخِرَقِىِّ. وأطْلَقَهما الزَّرْكَشِىُّ.
وقال فى «الرِّعايَةِ»: بطَل الخِيارُ، إنْ قُلْنا: لا يُورَثُ.
وإنْ قُلْنا: يُورَثُ. لم يَبْطُلْ. انتهى. ويأْتِى، هل يُورَثُ خِيارُ المَجْلِسِ أم لا؟ عندَ إرْثِ خِيارِ الشَّرْطِ.
وأمَّا خِيارُ صاحِبهِ، ففى بُطْلانِه وَجْهان. وأطْلَقَهما فى «الفُروعِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرى»، فى مَوْضع؛ أحدُهما، لا يَبْطُلُ.
قلتُ: وهو ظاهرُ كلامِ كثيرٍ مِنَ الأصحابِ. قال فى «الرِّعايَةِ الكُبْرى»: لا يَبْطُلُ إنْ قُلْنا: يُورَثُ. وإلَّا بطَل. والوَجْهُ الثَّانى، يبْطُلُ. الثَّانيةُ، لو جُنَّ قبلَ المُفارَقَةِ والاخْتِيارِ، فهو على خِيارِه إذا أفاقَ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. جزَم به فى «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «الحاوِيَيْن»، وغيرِهم. وقدَّمه فى «الفُروعِ»، و «الرِّعايَةِ».
وقيل: ووَلِيُّه أيضًا يَلِيه فى حالِ جُنونِه. قالَه فى «الرِّعايَةِ».
وقال الشَارِحُ: إنْ جُنَّ أو أُغْمِىَ عليه، قامَ أَبُّوه أو وَصِيُّه أوِ الحاكِمُ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ الْخِيَارُ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا، مَقامَه.
وقيلَ: مَن أُغْمِىَ عليه، قامَ الحاكِمُ مَقامَه. الثَّالثةُ، لو خَرِسَ أحدُهما قامَتْ إشارَتُه مَقامَ نُطْقِه،
فإنْ لم تُفْهَمْ إشارَتُه، قامَ وَلِيُّه مَقامَه. الرَّابعةُ، خِيارُ الشَّرْطِ كخِيارِ المَجْلسِ، فيما إذا جُنَّ أو أُغْمِىَ عليه أو خَرِسَ. الخامسةُ، لو ألْحَقا بالعَقْدِ خِيارًا، بعدَ لزُومِه، لم يلْحَقْ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ.
وقال فى «الفائقِ»: ويتَخَرَّجُ لَحاقُه، مِنَ الزِّيادَةِ قبلَه ، وهو المُخْتارُ. انتهى. وهو رِوايَةٌ فى «الرِّعايَةِ» وغيرِها. ويأْتِى ذلك فى كلامِ المُصَنِّفِ بعدَ المُواضَعَةِ، ويأْتِى نظِيرُها فى الرَّهْنِ والصَّداقِ. السَّادِسةُ، تَحْرُمُ الفُرْقَةُ خَشْيَةَ الاسْتِقالَةِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قال فى «الفُروعِ»: وتَحْرُمُ على الأصحِّ. قال فى «الفائقِ»: لا يحِلُّ فى أصحِّ الرِّوايتَيْن.
قال فى «الرِّعايَةِ الكُبْرى»: وإنْ مشَى أحدُهما. أو فَرَّ ليَلْزَمَ العَقْدُ قبلَ اسْتِقالَةِ الآخَرِ وفَسْخِه ورِضَاه، حَرُمَ وبطَل خِيارُ الآخَرِ، فى الأشْهَرِ فيهما. واخْتارَه أبو بَكْرٍ، والمُصَنِّفُ. وجزَم به فى «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ».
وعنه، لا يحْرُمُ. قدَّمه فى «المُسْتَوْعِبِ»، و «الحاوِيَيْن». وأطْلَقَهما فى «المُذْهَبِ»، و «القواعِدِ».
تنبيه: مفْهومُ قوْلِه: ولكل واحِدٍ مِنَ المُتَبايِعَيْن الخِيارُ ما لم يتَفَرَّقا بأبْدانِهما. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنَّهما إذا تفَرَّقا بأبْدانِهما لَزِمَ البَيْعُ، وبطَل خِيارُهما. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ، وعليه الأصحابُ، إلَّا أنَّ القاضِىَ قال فى مَوْضِعٍ: ما يَفْتَقِرُ إلى القَبْضِ، لا يَلْزَمُ إلَّا بقَبضِه. ويأْتِى ذلك فى آخِرِ البابِ. إِلَّا أَنْ يَتَبَايَعَا عَلَى أَنْ لَا خِيَارَ بَيْنَهُمَا، أَوْ يُسْقِطَا الْخِيَارَ بَعْدَهُ، فَيَسْقُطُ فِى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ أَسْقَطَهُ أحَدُهُمَا، بَقِىَ خِيَارُ صَاحِبِهِ. إلَّا أَنْ يتَبايَعا على أَنْ لا خِيارَ بينهما، أو يُسْقِطَا الخِيَارَ بعدَه، فيَسْقُطَ فى إحْدَى الرِّوايتَيْن. وأطْلَقَهما فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الكافِى»، و «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغَةِ»، و «الحاوِيَيْن»، إحْداهما، يسْقُطُ الخِيارُ فيهما. وهو المذهبُ. قال فى «الرِّعايَةِ الكُبْرى»: يسْقُطُ على الأقْيَسِ. قال فى «الفائقِ»: يسْقُطُ فى أصحِّ الرِّوايتَيْن. وجزَم به فى «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «نِهايَةِ ابنِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رَزِينٍ».
وقدَّمه فى «الهادِى»، و «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. واخْتارَه ابنُ أبى مُوسى، والقاضى فى كتابِه «الرِّوايَتَيْن»، والشِّيرازِىُّ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وابنُ رَزِينٍ، وغيرُهم. والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لا يسْقُطُ فيهما. وهو ظاهِرُ كلام الخِرَقِىِّ. ونصَرَه القاضى، وأصحابُه. وقدَّمه فى «الخُلاصَةِ».
وعنه رِوايَةٌ ثالثةٌ، لا يسْقُطُ فى الأُولَى، ويسْقُطُ فى الثَّانيةِ. وأطْلَقَهُنَّ فى «تَجْريدِ فَصْلٌ: الثَّانِى، خِيَارُ الشَّرْطِ، وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِطَا فى الْعَقْدِ خِيَارَ مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، فيَثْبُتُ فِيهَا وَإِنْ طَالَتْ.
العِنايَةِ». فعلى القَوْلِ بالسُّقُوطِ، لو أسْقَطَ أحدُهما الخِيارَ، أو قال: لا خِيارَ بينَنا، سقَط خِيارُه وحْدَه وبَقِىَ خِيارُ صاحِبهِ. وعلى المذهبِ، لا يبْطُلُ العَقْدُ إذا شَرَطا فيه أَنْ لا خِيارَ بينَهما. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قال الزَّرْكَشِىُّ: وهو الأظْهَرُ. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ.
وقيل: يبْطُلُ العَقْدُ.
فائدة: لو قال لصاحِبهِ: اخْتَرْ. سقَط خِيارُه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ.
وعنه، لا يسْقُطُ. وهو احْتِمال فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، وغيرِهما.
وأمَّا السَّاكِتُ، فلا يسْقُطُ خِيارُه، قوْلًا واحِدًا.
فائدة: قوْلُه فى خِيارِ الشَّرْطِ: فيثْبُتَ فيها وإنْ طالَتْ. هذا بلا نِزاعٍ. وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ،
فلو باعَه ما لا يبْقَى إلى ثَلاثَةِ أيَّامٍ، كطَعام رَطْبٍ بشَرْطِ الخِيارِ ثَلاثًا، فقال القاضى: يصِحُّ الخِيارُ، ويُباعُ ويُحْفَظُ ثَمَنُه إلى المُدَّةِ.
قلتُ: لو قيلَ بعدَمِ الصِّحَّةِ لَكانَ مُتَّجَهًا، وهو أوْلَى. ثم رأَيْتُ الزَّرْكَشِىَّ نقَل عن الشَّيْخِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَقِىِّ الدِّينِ، أنَّه قال: يتَوَجهُ عدَمُ الصِّحَّةِ مِن وَجْهٍ فى الإِجارَةِ؛ أى مِن وَجْهِ عدَمِ صِحِّةِ اشْتِراطِ الخِيارِ فى إجارَةٍ تَلِى العَقْدَ.
قال: ومِن أنَّ تَلَفَ المَبِيعِ يُبْطِلُ الخِيارَ. انتهى.
وَلَا يَجُوزُ مَجْهُولًا، فى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
وَعَنْهُ، يَجُوزُ، وَهُمَا عَلَى خِيَارِهِمَا، إِلَى أن يَقْطَعَاهُ أَوْ تَنْتَهِىَ مُدَّتُهُ.
قال: (ولا يثبت في سائر العقود إلا في المساقاة والحوالة والسبق في أحد الوجهين) .
أما كون خيار المجلس لا يثبت في سائر العقود غير العقود المستثناة كالنكاح والخلع والقرض والكتابة والتدبير والعتق والوقف والرهن والضمان والكفالة والشركة والمضاربة والجُعالة والوكالة والوديعة والعارية والوصية والهبة الخالية عن العوض والشفعة والقسمة إن قيل هي إفراز والإقالة إن قيل هي فسخ.
أما في النكاح؛ فلأنه لا يقصد منه العوض.
ولأن الخيار في البيع إنما ثبت استدراكاً للغبن؛ لأنه يقع فجأة عن غير تَرَوٍّ وهذا المعنى لا يوجد في النكاح؛ لأن الغالب أنه لا يوجد إلا بعد تَرَوٍّ وبحث.
وأما في الخلع؛ فلأنه يقصد منه التفرق أشبه الطلاق.
وأما في القرض والتدبير والكتابة والعتق والوقف والضمان والكفالة والهبة الخالية عن العوض؛ فلأن فاعل ذلك دخل فيه على أن الحظ لغيره.
وأما في الرهن؛ فلأنه يضر بالمرتهن لبقاء حقه بلا رهن بتقدير وقوع الخيار.
وأما في الشركة والمضاربة والجُعالة والوكالة والوديعة والعارية والوصية؛ فلأنها عقود جائزة متى شاء أحدهما فسخ فلا حاجة إلى خيار المجلس.
وأما في الشفعة؛ فلأنها شرعت لإزالة الضرر فلا يشرع فيها خيار لأنه يناقضه.
وأما في القسمة إذا قيل هي إفراز؛ فلأنه يجبر عليها ولا خيار في عقود الإجبار .
وأما في الإقالة إذا قيل هي فسخ؛ فلأن الخيار يثبت استدراكاً للضرر الحاصل بالعقد، والإقالة فسخ فلم يدخله الخيار المذكور لعدم صلاحية المحل له.
وأما كونه يثبت في العقود المستثناة وهي المساقاة والحوالة والسبق في وجه: أما في المساقاة؛ فلأنها في معنى الإجارة في وجه.
وأما في الحوالة؛ فلأنها بيع في الحقيقة.
وأما في السبق فلما ذكر في المساقاة.
وأما كونه لا يثبت في شيء من ذلك في وجهٍ: أما في المساقاة؛ فلأنها عقد يكثر فيه الغرر لما فيه من الجهالة.
ولأنها لا يثبت فيها خيار الشرط فكذا خيار المجلس.
وأما في الحوالة؛ فلأنها إسقاط وإبراء.
وأما في السبق؛ فلأنه كالجُعالة في وجهٍ، والجُعالة لا خيار فيها لكونها من العقود الجائزة فكذا ما هو في معناها .
قال: (ولكل واحد من المتبايعين الخيار ما لم يتفرقا بأبدانهما إلا أن يتبايعا على أن لا خيار بينهما أو يسقطا الخيار بعده فيسقط في إحدى الروايتين، وإن أسقطه أحدهما بقي خيار صاحبه) .
أما كون كل واحد من المتبايعين له الخيار ما لم يتفرقا إذا لم يتبايعا على أن لا خيار بينهما وإذا لم يسقطاه بعده فلما تقدم من قوله:«البيعان بالخيار ما لم يتفرقا».
وأما كون التفرق بالأبدان لا بالأقوال؛ فلأن قبل التفرق بالأقوال لم يلزم العقد بل لم يوجد فلا حاجة إلى خيار.
ولأن في بعض ألفاظ الحديث:«وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك أحدهما البيع فقد وجب البيع».
ولأن ابن عمر راوي الحديث وكان يفسر الفرقة بفعله .
وأما كون الخيار يسقط إذا تبايعا بشرط أن لاخيار، أو أسقطاه بعد البيع في روايةٍ اختارها الشريف بن أبي موسى؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«فإن خير أحدهما صاحبه فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع».
وقال عليه السلام:«البيعانِ بالخيارِ ما لم يَتفرقا، أو يقولُ أحدهما لصاحبه: اخْتَرْ» رواه البخاري.
وأما كونه لا يسقط فيهما في روايةٍ؛ فلأن أكثر الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم:«البيعان بالخيار ما لم يتفرقا». والزيادة على ذلك مذكورة في حديث ابن عمر، وقول الأكثر ذوي الضبط مقدم على رواية المنفرد.
قال المصنف رحمه الله في المغني: والأول أولى لما تقدم.
ولأنه عليه السلام قال:«إلا أن يكونَ البيعُ كانَ عن خِيارٍ فإن كان البيعُ عن خيارٍ فقد وَجَبَ البيْع» متفق عليه.
ولأن الأخذ بما تضمنته الزيادة أولى.
ولأن الأصل أن لا يثبت خيار. خولف مع عدم الشرط والإسقاط للحديث الخالي عن المعارض فيبقى فيما وقع فيه التعارض على الأصل.
وأما كون خيار صاحب من أسقط خياره يبقى؛ فلأنه خيار في المبيع فلم يبطل حق من لم يُسقطه كخيار الشرط.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.