فَإِنْ أَخْرَجَا مَعًا لَمْ يَجُزْ إِلَّا أَنْ يُدْخِلَا بَيْنَهُمَا مُحَلِّلًا يُكَافِئُ فَرَسُهُ فَرَسَيْهِمَا، أَوْ بَعِيرُهُ بَعِيرَيْهِمَا، أَوْ رَمْيُهُ رَمْيَيْهِمَا
Its commentaries
مسألة: (وإن أخْرَجا مَعًا، لم يَجُزْ، إلَّا أن يُدْخِلا بينَهما مُحَلِّلًا يُكافِئُ فَرَسُه فَرَسَيهما، أو بَعِيرُه بَعِيرَيهما، أو رَمْيُه رَمْيَيهما، فإن سَبَقَهما أحْرَزَ سَبَقَهما، وإن سَبَقاه، أحْرَزا سَبَقَيهما، ولم يَأْخُذا منه شيئًا، وإن سَبَق أحَدُهما أحْرَزَ السَّبَقَين، وإن سَبَق معه المُحَلِّلُ، فسَبَقُ الآخَرِ بينَهما) السَّبَقُ، بفَتْحِ الباءِ: الجُعْلُ الذي يُسابَقُ عليه، ويُسَمَّى الخَطَرَ والنَّدَبَ، والقَرَعَ، والرَّهْنَ. ويقال: سَبَق. إذا أخَذَ،
وإذا أعْطَى. وهو مِن الأضْدادِ. متى اسْتَبَقَ اثْنان، فأخْرَجَ كلُّ واحِدٍ منهما لم يَجُزْ، وكان قِمارًا ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما لا يَخْلُو مِن أن يَغْنَمَ أو يَغْرَمَ. وسَواءٌ كان ما أخْرَجاه مُتَساويًا، أو مُتَفاوتًا ، مثلَ أن أخْرَج أحَدُهما عَشَرَةً والآخَرُ خَمْسَةً.
ولو قال: إن سَبقْتَنِي فلَكَ عَلَيَّ عشرةٌ،
وإن سبَقْتُك فلي عليك قَفِيزُ حِنْطَةٍ. أو قال: إن سبَقْتَنِي فلك عَلَيَّ عَشَرَةٌ، ولي عليكَ قَفِيزُ حِنْطَةٍ. لم يَجُزْ؛ لِما ذَكَرْناه.
فإن أدْخَلا بينَهما مُحَلِّلًا، وهو ثالِثٌ لم يُخْرِجْ شيئًا، جاز. وبهذا قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والزُّهْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْي. وحَكَى أشْهَبُ عن مالِكٍ، أنَّه
قال في المُحَلِّلِ: لا أُحِبُّه. وعن جابِرِ بنِ زيدٍ، أَنه قِيلَ له: إنَّ أصْحابَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كانُوا لا يَرَوْن بالدَّخِيلِ بَأْسًا. قال: هُم أعَفُّ مِن ذلك. ولَنا، ما روَى أبو هُرَيرَةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ أدْخَلَ فَرَسًا بَينَ فَرَسَينِ، وهُوَ لَا يُؤْمَنُ أنْ يَسْبِقَ، فَلَيسَ بِقِمَارٍ، وَمَنْ أدْخَلَ فَرَسًا بَينَ فَرَسَينِ، وقَد أَمِنَ أنْ يَسْبقَ، فَهُوَ قِمَارٌ». رَواه أبو داودَ .
فجَعَلَه قِمارًا إذا أمِنَ أن يَسْبِقَ؛ لأنَّه لا يَخْلُو كلُّ واحِدٍ منهما مِن أن يَغْنَمَ أو يَغْرَمَ،
وإذا لم يُؤْمَنْ أن يَسْبِقَ، لم يكنْ قِمارًا؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَجُوزُ أن يَخْلُوَ عن ذلك.
ويُشْتَرَطُ أن يكونَ فَرَسُ المُحَلِّلِ مُكافِئًا لفَرَسَيهِما، أو بَعِيرُه لبَعِيرَيهما، أو رَمْيُه لرَمْيَيهما،
فإن لم يكنْ مُكافِئًا، مثلَ أن تكونَ فَرَساهما أجْودَ مِن فَرَسِه، فيكُونا جَوادَين وهو بَطِئٌ، فهو قِمارٌ؛ للخَبَرِ، ولأنَّه مَأْمُونٌ سَبْقُه، فوُجُودُه كعَدَمِه.
وإن كان مُكافِئًا، جاز. فإن جاءُوا الغايَةَ دَفْعَة واحِدَةً، أحْرَزَ كُلُّ واحدٍ منهما سَبَقَ نَفْسِه، ولا شيءَ للمُحَلِّلِ؛ لأنَّه لا سابِقَ فيهم،
وكذلك إن سَبَقا المُحَلِّلَ. وإن سَبَق المُحَلِّلُ، أحْرَزَ السَّبَقَين بالاتِّفاقِ،
وإن سَبَق أحَدُ المُسْتَبِقَين وَحْدَه، أحْرَزَ سَبَقَ نَفْسِه، وأخَذَ سَبَقَ صاحِبِه، ولم يَأْخُذْ مِن المُحَلِّلِ شيئًا،
وإن سَبَقَ أحَدُ المُسْتَبِقَين والمُحَلِّلُ، أحْرَزَ السّابِقُ مال نَفْسِه، ويكونُ سَبَقُ المَسْبُوقِ بينَ السّابِقِ والمُحَلِّلِ نِصْفين. وسَواءٌ كان المُسْتَبِقُون اثْنَين أو أكْثَرَ، حتى لو كانُوا مائَةً وبينَهم مُحَلِّلٌ لا سَبَقَ منه، جاز.
وكذلك لو كان المُحَلِّلُ جَماعَةً، جاز؛ لأنَّه لا فَرْقَ بينَ الاثْنَين والجَماعَةِ. وهذا كلُّه مَذْهبُ الشافعيِّ.
٢٢٣٧ -
(فَإِنْ أَخْرَجَا مَعًا) أَيِ الْعِوَضَ (لَمْ يَجُزْ) وَكَانَ قِمَارًا (إِلَّا أَنْ يُدْخِلَا بَيْنَهُمَا مُحَلِّلًا) فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَا سَوَاءً أَخْرَجَاهُ مُتَسَاوِيًا، أَوْ مُتَفَاضِلًا، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُخْرِجَ الْمُحَلِّلُ شَيْئًا، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالَأَوْزَاعِيِّ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَهُوَ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ فَلَيْسَ قِمَارًا، وَمَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَقَدْ أَمِنَ أَنْ يَسْبِقَ فَهُوَ قِمَارٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، فَجَعَلَهُ قِمَارًا إِذَا أَمِنَ السَّبْقَ ;
لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَغْنَمَ أَوْ يَغْرَمَ،
وَإِذَا لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يَسْبِقَ لَمْ يَكُنْ قِمَارًا ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَجُوزُ أَنْ يَخْلُوَ عَنْ ذَلِكَ
وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُحَلِّلِ أَنْ (يُكَافِئُ فَرَسُهُ فَرَسَيْهِمَا، أَوْ بَعِيرُهُ بَعِيرَيْهِمَا، أَوْ رَمْيُهُ رَمْيَيْهِمَا) لِلْخَبَرِ السَّابِقِ
فإنْ أَخْرَجا مَعًا، لم يَجُزْ، إلَّا أَنْ يُدْخِلا بينَهما مُحَلِّلًا. هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يجوزُ مِن غيرِ مُحَلِّلٍ. قال: وعدَمُ المُحَلِّلِ أوْلَى وأقْرَبُ إلى العَدْلِ مِن كَوْنِ السَّبَقِ مِن أحَدِهما، وأبْلَغُ في تَحْصِيلٍ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَقْصُودِ كلٍّ منهما، وهو بَيانُ عَجْزِ الآخَرِ،
وأنَّ المَيسِرَ والقِمارَ منه لم يَحْرُمْ لمُجَرَّدِ المُخاطَرةِ؛ بل لأنَّه أكْلٌ للْمالِ بالباطِلِ، أو للمُخاطَرَةِ المُتَضَمِّنَةِ له. انتهى. واخْتارَه صاحِبُ «الفائقِ». يُكَافِئُ فَرَسُه فَرَسَيهما، أو بَعِيرُه بَعِيرَيهما، أو رَمْيُه رَمْيَيهما، فإنْ سَبَقَهما أَحْرَزَ سَبَقَيهما، وإنْ سَبَقاه أَحْرَزا سَبَقَيهما، ولم يَأْخُذا مِنه شيئًا، وإن سبَق أَحَدُهما، أَحْرَزَ السَّبَقَين، وإنْ سبَق مَعَه المُحَلِّلُ، فسَبَقُ الآخَرِ بينَهما. بلا نِزاعٍ في ذلك . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كلِّه.
تنبيه: ظاهِرُ قوْلِه: إلَّا أنْ يُدْخِلا بينَهما مُحَلِّلًا. الاكْتِفاءُ بالمُحَلِّلِ الواحِدِ، ولا يكونُ أكْثَرَ مِن واحِدٍ. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم. قال الآمِديُّ: لا يَجُوزُ أكْثَرُ مِن واحِدٍ؛ لدَفْعِ الحاجَةِ به.
وقال في «الرِّعايَةِ»: وقيلَ: يجوزُ أكثرُ مِن واحدٍ. وجزَم به في «الكافِي».
وَإنْ قَال الْمُخْرِجُ: مَنْ سَبَقَ، فَلَهُ عَشَرَةٌ،
وَمَنْ صَلَّى فَلَهُ كَذَلِكَ. لَمْ يَصِحَّ إذَا كَانَا اثْنَينِ.
وَإِنْ قَال: وَمَن صَلَّى فَلَهُ خَمْسَةٌ. صَحَّ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَإنْ شَرَطَا أنَّ السَّابِقَ يُطْعِمُ السَّبَقَ أَصْحَابَهُ أَوْ غَيرَهُمْ، لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ،
وَفِي صِحَّةِ الْمُسَابَقَةِ وَجْهَانِ.
قال: (فإن أخرجا معاً لم يجز إلا أن يدخلا بينهما محللاً يكافئ فرسه فرسيهما أو بعيره بعيريهما (١) أو رميه رمييهما،
فإن سبقهما أحرز سبقهما وإن سبقاه أحرزا سبقيهما ولم يأخذا منه شيئاً،
وإن سبق أحدهما أحرز السبقين فإن سبق معه المحلل فسبق الآخر بينهما).
أما كون المسابقة لا تجوز إذا أخرج المتسابقان ولم يدخلا بينهما محللاً؛ فلما تقدم من أنه لا يجوز كون الجعل من جميع المتسابقين.
وأما كونها تجوز إذا أدخلا بينهما محللاً؛ فلأنه إدخاله يخرج الرمي عن شبه القمار لأنه لا يخرج مع المتسابقين فلم يوجد الإخراج من الجميع.
وأما قول المصنف رحمه الله: يكافئ فرسه فرسيهما أو بعيره بعيريهما أو رميه رمييهما فبيان لاشتراط المكافأ في المركوب والرمي والأصل فيها ما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أدخل فَرساً بين فَرسين وهو لا يؤمن أن يَسبقَ فليسَ بقمارٍ، ومن أدخلَ فرساً بين فرسينِ وقدْ أمنَ أن يَسبقَ فهوَ قَمَار» رواه أبو داود.
وأما كون المحلل إذا سبق يحرز سبقيهما؛ فلأنه جعل لمن سبق وقد سبق.
وأما كون المخرجين إذا سبقاه يحرزان سبقيهما؛ فلأن المحلل لم يسبقهما حتى يستحق سبقيهما.
وأما كونهما لا يأخذان منه شيئاً؛ فلأنه لم يشرط عليه لمن سبقه شيئاً.
وأما كون إذا سبق يحرز السبقين؛ فلأنهما قد جعلا لمن سبق وقد سبق.
وأما كون المحلل إذا سبق معه سبق الآخر بينهما؛ فلأن ذلك مستحق بالسبق وقد اشتركا فيه فوجب أن يشتركا في عوضه.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.