الثَّانِي أَنْ يَكُونَ شِقْصًا مُشَاعًا مِنْ عَقَارٍ يَنْقَسِمُ
Its commentaries
فصل: فإذا جَنَى جِنايَتَين عَمدًا وخَطَأً، فصالحَه منهما على شِقْص، فالشفْعَةُ في نِصْفِ الشِّقْصِ دُونَ باقِيه. وبه قال أبو يُوسُف، ومحمدٌ. وهذا على الرِّوايَةِ التي نقولُ فيها: إن مُوجَبَ العَمْدِ القِصَاصُ عَينًا.
وإن قُلْنا: مُوجَبُه أحَذ شَيئين. وَجَبَتِ الشُّفْعَة في الجَمِيعِ.
وقال أبو حنيفةَ: لا شفْعَةَ في الجَمِيعِ، لأنَّ الأخْذَ بها تَبْعِيضٌ للصَّفْقَةِ على المُشْتَرِي. ولَنا، أنَّ ما قابَلَ الخَطَأ عِوَضٌ عن مالٍ، فوَجَبَتْ فيه الشُّفْعَةُ، كما لو انْفَرَدَ، ولأنَّ الصَّفْقَةَ جَمَعَتْ ما يَجِبُ فيه وما لا يَجِبُ، فوَجَبَتْ فيما يَجِبُ دُونَ الآخَرِ، كما لو اشْتَرَى شِقْصًا وسَيفًا. وبهذا الأصْلِ يَبْطُلُ ما ذَكَرَه. قال شيخُنا : وقولُ أبي حنيفةَ أقْيَسُ؛ لأنَّ في الشُّفْعَةِ تَبْعِيضَ الشِّقْصِ على المُشْتَرِي، ورُبَّما لا يَبْقَى منه إلَّا ما لا نَفْعَ فيه، فأشْبَهَ ما لو أرادَ أخْذَ بعضِه مع عَفْو صاحِبِه،
بخِلافِ مسألَةِ الشِّقْصِ والسَّيفِ. وأمّا إذا قُلْنا: إنَّ الواجبَ أحَدُ شَيئَين. فباخْتِيارِه الصُّلْحَ سَقَط القِصاصُ وتعيَّنَتِ الدِّيَة، فكان الجَمِيعُ عِوَضًا عن مالٍ. ٢٣٨٨ - مسألة: (الثاني، أنَّ يَكُونَ شِقْصًا مُشَاعًا مِن عَقارٍ يَنْقَسِمُ، فأمّا المَقْسُومُ المَحْدُودُ فلا شُفْعَةَ لجارِه فيه) وبه قال عمرُ، وعُثمانُ، وعُمَرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ، وابنُ المُسَيَّبِ، وسُلَيمانُ بنُ يَسَارٍ، والزُّهْرِيُّ، ويحيى الأنْصارِيُّ، وأبو الزِّنَادِ، ورَبِيعَةُ، ومالكٌ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال ابنُ شُبْرُمَةَ، والثَّوْرِيُّ، وابنُ أبي لَيلَى، وأصحابُ الرَّأْي: الشُّفْعَةُ بالشَّركَةِ، ثم بالشَّرِكَةِ في الطَّرِيقِ، ثم بالجِوارِ. قال أبو حنيفةَ: يُقَدَّمُ الشَّرِيكُ،
فإن لم يَكُن، وكان الطَّرِيقُ مُشْتَرَكًا، كالدَّرْبِ الذي لا يَنْفُذُ، تَثْبُتُ الشفْعَةُ لِجَمِيع أهْلِ الدَّرْبِ؛ الأقْرَبِ فالأقْرَبِ،
فإن لم يَأْخُذُوا، ثَبَتَتْ للمُلاصِقِ مِن دَرْبٍ آخَرَ خاصَّة.
وقال العَنبرِيُّ، وسَوَّارٌ: تَثْبُتُ بالشَّرِكَةِ في المِلْكِ، وبالشَّرِكَةِ في الطَّرِيق. واحْتَجُّوا بما روَى أبو رافعٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «الْجَارُ أَحَقُّ بصَقَبِهِ». رَواه البخاريُّ، وأبْو داودَ . وروَى الحسنُ عن سَمُرَةَ، أَنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِالدَّارِ». رَواه التِّرْمِذِيُّ .
وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وروَى التِّرْمِذِيُّ في حَدِيثِ جابر: «الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَتِه بِدَارِهِ يَنتظِرُ بهِ إذَا كَانَ غَائِبًا، إذَا كَانَ طَريقُهُما وَاحِدًا».
وقال: حَدِيث حَسَنٌ. ولأنَّه اتِّصَالُ مِلْك يَدُومُ ويَتَأَيَّدُ، فثَبَتَتِ الشُّفْعَةُ به، كالشَّرِكَةِ. ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ، وَصُرِّفَتِ الطرُقُ، فَلَا شُفْعَةَ». رواه البخاريُّ . وروَى ابنُ جُرَيجٍ، عن الزهْرِيِّ، عن سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أو عن أبي سَلَمَةَ، أو عنهما، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا قُسِمَتِ الأرْضُ وَحُدَّتْ، فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا». رَواه أبو داودَ .
ولأن الشُّفْعَةَ ثَبَتتْ في مَوْضِعِ الوفَاقِ على خِلاف الأصْلِ لمَعْنًى مَعْدُوم في مَحَلِّ النِّزاعِ، فلا تَثْبُتُ فيه، وبَيانُ انْتِفاءِ المَعْنَى، هو أنَّ الشَّرِيكَ رُبَّما دَخَل عليه شَرِيكٌ، فيَتَأذَّى به، فتَدْعُوه الحاجَةُ إلى مُقاسَمَتِه، أو يَطْلُبُ الدَّاخِلُ المُقاسَمَةَ، فيَدْخُلُ الضَّرَرُ على الشَّرِيكِ بنَقْصِ قِيمَةِ مِلْكِه وما يَحْتاجُ إلى إحْداثِه مِن المَرافِقِ، وهذا لا يُوجَدُ في المَقْسُومِ.
فأمّا حَدِيثُ أبي رافعٍ، فليس بصَرِيحٍ في الشُّفْعَةِ،
فإنَّ الصَّقَبَ القُرْبُ. يقال بالسِّينِ والصّادِ.
قال الشاعرُ :
كُوفِيَّةٌ نازِحٌ مَحِلَّتُها ... لا أمَمٌ دارُها ولا صَقَبُ فيَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ بإحْسانِ جارِه وصِلَتِه وعِيادَتِه ونحو ذلك. وخَبَرُنا صَحِيحٌ صَرِيحٌ، فيُقَدَّمُ، وبَقِيَّةُ الأحَادِيثِ في أسَانِيدِها مَقَالٌ، فحَدِيثُ سَمُرَةَ يَرْويه عنه الحَسَنُ، ولم يَسْمَعْ منه إلَّا حَدِيثَ العَقِيقَةِ. قاله أصحابُ الحَدِيثِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: الثابِتُ عن رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حَدِيثُ جابرٍ الذي رَوَيناه، وما عَدَاه مِن الأحَادِيثِ فيها مَقَالٌ. على أنَّه يَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ بالجارِ الشَّرِيكَ؛
فإَّنه جارٌ أيضًا، وتُسَمَّى الضَّرَّتانِ جارَتَين؛ لاشْتِراكِهما في الزَّوْجِ. قال حَمَلُ بنُ مالكٍ: كُنْتُ بينَ جارَتَيْن لي، فضَرَبَتْ إحْداهُما الأُخْرَى بمِسْطَحٍ فقَتَلَتْها وجَنِينَها. وهذا يُمْكنُ في تَأْويلِ حَدِيثِ أبي رافِعٍ أيضًا. إذا ثَبَت هذا، فلا فَرْقَ بينَ كَوْنِ الطَّرِيقِ مُفْرَدَةً أو مُشْتَرَكَةً. قال أحمدُ، في رِوايَةِ ابنِ القاسِمِ، في رجلٍ له أرْضٌ تَشْرَبُ هي وأرْضُ غيرِه مِن نَهْرٍ واحدٍ: فلا شُفْعَةَ له مِن أجْلِ الشُّرْبِ، إذا وَقَعَتِ الحُدُودُ فلا شُفْعَةَ.
وقال في رِوايَةِ أبي طالبٍ، وعبدِ اللهِ، ومُثَنَّى، في مَن لا يَرَى الشفْعَةَ بالجِوَارِ وقدِّمَ إلى الحاكِمِ فأنْكَرَ: لم يَحْلِفْ، إنَّما هو اخْتِيارٌ، وقد اخْتَلَفَ الناسُ فيه. قال القاضي: إنَّما قال هذا؛ لأنَّ يَمِينَ المُنْكِرِ ههُنا على القَطْعِ والبَتِّ، ومسائِلُ الاجْتِهادِ مَظْنُونَةٌ، فلا يُقْطَع ببُطْلانِ مَذْهَبِ المُخالِفِ. ويُمْكِن أنَّ يُحْمَلَ كَلامُ أحمدَ ههُنا على الوَرَعِ لا على التَّحْرِيمِ؛ لأنَّه لم يَحْكُمْ ببُطْلانِ مَذْهَبِ المُخالِفِ.
ويجوز للمُشْتَرِي الامْتِناعُ به مِن تَسْلِيمِ المَبِيعِ، فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى.
(الثَّانِي أَنْ يَكُونَ) الْمَبِيعُ (شِقْصًا) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: هُوَ مِنَ الْأَرْضِ، وَالطَّائِفَةُ مِنَ الشَّيْءِ (مُشَاعًا مِنْ عَقَارٍ) مُرَادُهُمْ بِالْعَقَارِ هُنَا الْأَرْضُ دُونَ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ لِمَا يَأْتِي، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَهْلِ اللُّغَةِ بَلْ صَرِيحُهُ أَنَّ النَّخْلَ عَقَارٌ (يَنْقَسِمُ) أَيْ تَجِبُ قِسْمَتُهُ،
وَعَنْهُ: مُطْلَقًا، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
وَعَنْهُ وَغَيْرِهِ: إِلَّا فِي مَنْقُولٍ يَنْقَسِمُ، فَالشِّقْصُ يُحْتَرَزُ بِهِ عَنِ الْكُلِّ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِهِ أَخْذٌ بِالْجِوَارِ، وَبِالْإِشَاعَةِ عَنِ الْمَقْسُومِ، وَبِالْعَقَارِ عَنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ
Says nothing on this mas’ala.
فصل [الشرط الثاني] قال المصنف رحمه الله: (الثاني: أن يكون شقصاً مشاعاً من عقار ينقسم. فأما المقسوم المحدود (١) فلا شفعة لجاره فيه).
أما كون الثاني من شروط الشفعة: أن يكون المشفوع شقصاً مشاعاً من عقار ينقسم: أما اشتراط كونه شقصاً؛ فلأنه إذا لم يكن شقصاً يكون كُلاًّ. فيكون الأخذ به أخذاً بالجوار، والجوار لا تؤخذ به شفعة؛ لما يأتي إن شاء الله تعالى.
وأما اشتراط كونه مشاعاً؛ فلأنه إذا لم يكن كذلك يكون مقسوماً. ولا شفعة في المقسوم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«الشفعةُ فيما لم يُقْسَمْ، فإذا وَقَعَتِ الحدودُ وصُرِّفَتِ الطرقُ فلا شُفعة».
وفي رواية أبي داود:«وإذا قُسّمتِ الأرضُ وَحُدَّتْ فلا شُفعةَ فيها».
ولأن الشفعة تثبت في موضع الوفاق على خلاف الأصل لمعنى معدوم في محل النزاع، فلا يثبت فيه. بيان كون المعنى معدوماً أن الشريك ربما دخل عليه شريك فيتأذى به، فتدعوه الحاجة إلى مقاسمته، فيدخل عليه الضرر بنقص قيمة ملكه، وما يحتاج إلى إحداثه من المرافق، وهذا لا يوجد في المقسوم.
وأما اشتراط كونه من عقار؛ فلأن غير العقار لا نص فيه، ولا هو في معنى المنصوص عليه.
وأما اشتراط كون العقار مما ينقسم؛ فلأن ما لا يمكن قسمته كغير العقار، وذلك لا شفعة فيه. فكذا هنا.
وأما كونه لا شفعة لجار المقسوم المحدود فيه؛ فلما تقدم في اشتراط كون المشفوع مشاعاً.
وفي كون من ذكر لا شفعة له
تنبيهٌ على أن جار غير المقسوم لا شفعة له، لأنه إذا لم تثبت الشفعة لجار المقسوم فلئلا تثبت لجار غيره بطريق الأولى.
فإن قيل: فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الجارُ أحقُّ بِصَقَبِهِ». رواه البخاري.
وفي حديث جابر:«الجارُ أحقُ بشفعتهِ يُنتظَرُ به إذا كانَ غَائباً». رواه الترمذي.
وقال: هو حديث حسن.
وفي حديث آخر:«جارُ الدارِ أحقُ بدارِ جارِه».
قيل: أما الأول فليس بصريح؛ لأن الصَّقَب القرب. فيحتمل أنه أحق بإحسان جاره وصلته وعيادته وغير ذلك. وخبرنا صريح فيقدم عليه. وخبر جابر معارَض بما ذكرنا من الحديث الصريح الراجح عليه.
وأما ما عدا ذلك ففيه مقال.
ثم يحتمل أنه أراد بالجار الشريك،
ومثله تسمية أحد الزوجين جاراً. قال الشاعر:
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.