Fiqh of the Four Schools Search for a mas’ala in the schools’ booksCtrl K
Mas’ala 3205المقنعHanbalivol. 5, p. 111vol. 5, p. 111

فَإِنْ أَرَادَ إِنْسَانٌ إِحْيَاءَ أَرْضٍ يَسْقِيهَا مِنْهُ جَازَ مَا لَمْ يَضُرَّ بِأَهْلِ الْأَرْضِ الشَّارِبَةِ مِنْهُ وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَحْمِيَ أَرْضًا مِنَ الْمَوَاتِ تَرْعَى فِيهَا دَوَابُّ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي يَقُومُ بِحِفْظِهَا مَا لَمْ يُضَيِّقْ عَلَى النَّاسِ

Its commentaries

الشرح الكبير على المقنعIbn Abi 'Umar

مسألة: (فإن أراد إنسانٌ إحْياءَ أرْضٍ) ليَسْقِيَها مِن ماءِ النَّهْرِ (جاز، ما لم يَضُرَّ بأهْلِ الأرْضِ الشّارِبَةِ منه) إذا كان لجَماعَةٍ رَسْمُ شُرْبٍ مِن نَهْرٍ غيرِ مَمْلُوكٍ، أو سَيلٍ، فجاء إنْسانٌ ليُحْيِيَ مَواتًا أقْرَبَ مِن رَأْسِ النَّهْرِ مِن أرْضِهم، لم يكنْ له أن يَسْقِيَ قبلَهم؛ لأنَّهم أسْبَقُ إلى النَّهْرِ منه، ولأنَّ مَن مَلَك أرْضًا مَلَكَها بحُقُوقِها ومَرافِقِها، ولا يَمْلِكُ غيرُه إبْطال حُقُوقِها، وهذا مِن حُقُوقِها. وهل لهم مَنْعُه مِن إحْياءِ ذلك المَواتِ؟

فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، ليس لهم مَنْعُه؛ لأنَّ حَقَّهم في النَّهْرِ لا في المَواتِ.

19,759

والثانِي، لهم مَنْعُه؛ لِئَلَّا يَصِيرَ ذلك ذَرِيعَةً إلى مَنْعِهم حَقَّهم مِن السَّقْي؛ لتَقْدِيمِه عليهم في القُرْبِ إذا طال الزَّمانُ وجُهِل الحالُ.

19,760

فإذا قُلْنا: ليس لهم مَنْعُه. فسَبَقَ إلى مَسِيلِ ماءٍ أو نَهْرٍ غيرِ مَمْلُوكٍ فأحْيا في أسْفَلِه مَواتًا، ثمَّ أحْيا آخَرُ فوقَه، ثمَّ أحْيا ثالثٌ فوقَ الثانِي، كان للأسْفَلِ السَّقْيُ أوَّلًا ثمَّ الثاني ثمَّ الثالثِ، ويُقَدَّمُ السَّبْقُ إلى الإِحْياءِ على السَّبْقِ إلى أوَّلِ النَّهْرِ، لِما ذَكَرْنا.

فصل: الضَّرْبُ الثانِي، الجارِي في نَهْرٍ مَمْلُوكٍ، وهو قِسْمان؛ أحَدُهما، أن يكونَ الماءُ مُباحَ الأصْلِ، مثلَ أن يَحْفِرَ إنْسانٌ نَهْرًا صَغِيرًا يتَّصِلُ بنَهْرٍ كبيرٍ مُباحٍ، فما لم يتَّصِلِ الحَفْرُ لا يَمْلِكُه، وإنَّما هو تَحَجُّرٌ وشُرُوعٌ في الإِحْياءِ،

19,761

فإذا اتَّصَلَ الحَفْرُ، مَلَكَه؛ لأنَّ المِلْكَ بالإِحْياءِ أن تَنْتَهِيَ العِمارَةُ إلى قَصْدِها، بحيث يتَكَرَّرُ الانْتِفاعُ بها على صُورَتِها، وهذا كذلك. وسَواءٌ أجْرَى فيه الماءَ أو لم يُجْرِه؛ لأنَّ الإِحْياءَ يَحْصُلُ بتَهْيِئَتِه للانْتِفاعِ به دُونَ حُصُولِ المَنْفَعةِ، فيَصِيرُ مالِكًا لقَرارِ النَّهْرِ وحافَّتَيه، وهَواؤُه حَقٌّ له،

19,762

وكذلك حَرِيمُه، وهو مَلْقَى الطَّينِ مِن جَوانِبِه. وعندَ القاضي أنَّ ذلك غيرُ مَمْلُوكٍ لصاحِبِ النَّهْرِ، وإنَّما هو حَقٌّ مِن حُقُوقِ المِلْكِ. وظاهِرُ قولِ الخِرَقِيِّ، أنَّه مَمْلُوكٌ لصاحِبِه ، قِياسًا على قَوْلِه في حَرِيمِ البِئْرِ، أنَّه يَمْلِكُه. إذا تَقَرَّرَ ذلك، فكان النَّهْرُ لجَماعَةٍ، فهو بينَهم على حَسَبِ العَمَلِ والنَّفَقَةِ؛ لأنَّه إنَّما مُلِك بالعِمارَةِ، والعِمارَةُ بالنَّفَقَةِ،

19,763

فإن كَفَى جَمِيعَهم، فلا كَلامَ،

19,764

وإن لم يَكْفِهم فتَراضَوْا على قِسْمَتِه بالمُهايَأَةِ أو غيرِها، جاز؛ لأنَّه حَقُّهم، لا يَخْرُجُ عنهم.

19,765

وإن تَشاحُّوا فيه، قَسَمَه الحاكِمُ بينَهم على قَدْرِ أمْلاكِهم؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهم يَمْلِكُ مِن النَّهْرِ بقَدْرِ ذلك، فتُؤْخَذُ خَشَبَةٌ، أو حَجَرٌ مُسْتَوي الطَّرَفَين والوَسَطِ فيُوضَعُ على مَوْضِعٍ مُسْتَوٍ مِن الأرْضِ في مَصْدَمِ الماءِ، فيه حُزُوزٌ أو ثُقُوبٌ مُتَساويَةٌ في السَّعَةِ على قَدْرِ حُقُوقِهم يَخْرُجُ مِن كلِّ [حَزٍّ أو ثُقْبٍ] إلى ساقِيَةٍ مُفْرَدَةٍ لكلِّ واحِدٍ منهم،

19,766

فإذا حَصَل الماءُ في ساقِيَتِه، انْفَرَدَ به،

19,767

فإن كانت أمْلاكُهم مُخْتَلِفَةً، قسِمَ على قَدْرِ ذلك،

19,768

فإذا كان لأحَدِهم نِصْفُه، وللثانِي ثُلُثُه، وللثالثِ سُدْسُه، جُعِل فيه سِتَّةُ ثُقُوبٍ؛ لصاحِبِ النِّصْفِ ثَلاثَةُ نُصُبٍ في ساقِيَتِه، ولصاحِبِ الثُّلُثِ اثْنان، ولصاحِبِ السُّدْسِ واحِدٌ.

19,769

فإن كان لواحِدٍ الخُمْسانِ، والباقِي لاثْنَين على السَّواءِ، جُعِل عَشَرَةُ ثُقُوبٍ؛ لصاحِبِ الخُمْسَين أرْبَعةُ نُصُبٍ في ساقِيَتِه، ولكلِّ واحِدٍ مِن الآخَرَين ثلاثةٌ.

19,770

فإن كان النَّهْرُ لعَشَرَةٍ، لخَمْسَةٍ منهم أراضٍ قَرِيبَةٌ مِن أَوَّلِ النَّهْرِ، ولخَمْسَةٍ أراضٍ بَعِيدَةٌ، جُعِل لأصْحابِ القَرِيبَةِ خَمْسَةُ ثُقُوبٍ، لكلِّ واحِدٍ ثُقْبٌ، وجُعِل للباقِين خَمْسَةٌ، تَجْرِي في النَّهْرِ حتى تَصِلَ إلى أرْضِهِم، ثمَّ تُقْسَمٌ بينَهم قِسْمَةً أُخْرَى.

19,771

فإن أراد أحَدُهم أن يُجْرِيَ ماءَه في ساقِيَةِ غيرِه ليُقاسِمَه في مَوْضِعٍ آخَرَ، لم يَجُزْ بغيرِ رِضَاه؛ لأنَّه يَتَصَرَّفُ في ساقِيَتِه، ويَخْرُبُ حافَّتَها بغيرِ إذْنِه، ويَخْلِطُ حَقَّه بحقِّ غيرِه على وَجْهٍ لا يتَمَيَّزُ، فلم يَجُزْ ذلك. ويَجِئُ على قَوْلِنا: إنَّ الماءَ لا يُمْلَكُ. أنَّ حُكْمَ الماءِ في هذا النَّهْرِ حُكْمُه في نَهْرٍ غيرِ مَمْلُوكٍ،

19,772

وأنَّ الأسْبَقَ أحَقُّ بالسَّقي، ثمَّ الذي يَلِيه، على ما ذَكَرْنا. ومَذْهَبُ الشافعيِّ في هذا الفَصْلِ كلِّه على نحو ما ذَكَرْنا.

فصل: وإذا حَصَل نَصِيبُ إنْسانٍ في ساقِيَتِه ، فله أن يَسْقِيَ به ما شاءَ مِن الأرْضِ، سَواءٌ كان لها رَسْمُ شُرْبٍ مِن هذا النَّهْرِ أو لم يَكُنْ. وله أن يُعْطِيَه مَن يَسْقِي به.

19,773

وقال القاضي، وأصحابُ الشافعيِّ: ليس له سَقْيُ أرْضٍ ليس لها رَسْمُ شُرْبٍ مِن هذا الماءِ؛ لأنَّ ذلك دالٌّ على أنَّ لها قَسْمًا مِن هذا الماءِ، فرُبَّما جُعِلَ سَقْيُها منه دَلِيلًا على اسْتِحْقاقِها لذلك، فيَسْتَضِرُّ الشُّرَكاءُ، ويَصِيرُ هذا كما لو كان له دارٌ بابُها في دَرْبٍ لا يَنْفُذُ، ودارٌ بابُها في دَرْبٍ آخَرَ، ظَهْرُها مُلاصِقٌ لظَهْرِ دارِه الأُولَى، فأراد تَنْفِيذَ إحْداهما إلى الأُخْرَى، لم يَجُزْ؛ لأنَّه يَجْعَلُ لنَفْسِه اسْتِطْراقًا مِن كلِّ واحِدةٍ مِن الدّارَين.

ولَنا، أنَّ هذا ماءٌ انْفَرَدَ باسْتِحْقاقِه، فكان له أن يَسْقِيَ منه ما شاء، كما لو انْفَرَدَ به مِن أصْلِه. ولا نُسَلِّمُ ما ذَكَرَه في الدّارَين،

19,774

وإن سَلَّمْنا فالفَرْقُ بينَهما أنَّ كلَّ دارٍ يَخْرُجُ منها إلى دَرْبٍ مُشْتَرَكٍ؛ لأنَّ الظّاهِرَ أن لكلِّ دارٍ سُكانًا، فيَجْعَلُ لسُكّانِ كلِّ واحِدَةٍ منهما اسْتِطْراقًا إلى دَرْبٍ غيرِ نافِذٍ لم يَكُنْ لهم حَقٌّ في اسْتِطْراقِه، وههُنا إنَّما يَسْقِي مِن ساقِيَتِه المُفْرَدَةِ التي لا يُشارِكُه غيرُه فيها،

19,775

فلو صار لتلك الأرْضِ رَسْمٌ مِن الشُّرْبِ مِن ساقِيَتِه لم يَتَضَرَّرْ بذلك أحَدٌ.

19,776

ولو كان يَسْقِي مِن هذا النَّهْرِ بدُولابٍ، فأحَبَّ أن يَسْقِيَ بذلك الماءِ أرْضًا لا رَسْمَ لها في الشُّرْبِ مِن ذلك النَّهْرِ، فالحُكْمُ في ذلك على ما ذَكَرْنا مِن الخِلافِ.

19,777

وإن كان الدُّولابُ يَغْرِفُ مِن نَهْرٍ غيرِ مَمْلُوكٍ، جاز أن يَسْقِيَ بنَصِيبِه مِن الماءِ أرْضًا لا رَسْمَ لها في الشُّرْبِ منه، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه.

19,778

فإن ضاق الماءُ، قُدِّمَ الأسْبَقُ فالأسْبَقُ، على ما مَضَى.

فصل: ولكلِّ واحِدٍ منهم أن يَتَصَرَّفَ في ساقِيَتِه المُخْتَصَّةِ به بما أحَبَّ مِن إجْراءِ غيرِ هذا الماءِ فيها، أو عَمَلِ رَحىً عليها، أو دُولابٍ، أو عَبَّارةٍ، وهي خَشَبَةٌ تُمَدُّ على طَرَفَي النَّهْرِ، أو قَنْطَرَةٍ يَعْبُرُ فيها الماءُ، أو غيرِ ذلك مِن التَّصَرُّفاتِ؛ لأنَّها مِلْكُه، ولا حَقَّ فيها لغيرِه.

19,779

فأمَّا النَّهْرُ المُشْتَرَكُ، فليس لواحِدٍ منهم أن يتَصَرَّفَ فيه بشيءٍ مِن ذلك؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ في النَّهْرِ المُشْتَرَكِ، أو في حَرِيمِه بغيرِ إذْنِ شُرَكائِه.

19,780

وقال القاضي في العَبّارَةِ: هذا يَنْبَنِي على الرِّوايَتَين في مَن أراد أن يُجْرِيَ ماءَه في أرْضِ غيرِه.

19,781

والصَّحِيحُ أنَّه لا يَجُوزُ ههُنا،

19,782

ولا يَصِحُّ قِياسُ هذا على إجْراءِ الماءِ في أرْضِ غيرِه؛ لأنَّ إجْراءَ الماءِ في أرْضٍ يَنْفَعُ صاحِبَها، لأنَّه يَسْقِي عُرُوقَ شَجَرِه، ويَشْرَبُه أوَّلًا وآخِرًا. وهذا لا يَنْفَعُ النَّهْرَ، بل رُبَّما أفْسَدَ حافَّتَيه، ولا يَسْقِي له شيئًا.

19,783

ولو أراد أحَدُ الشُّرَكاءِ أن يَأْخُذَ مِن النَّهْرِ قبل قَسْمِه شيئًا يَسْقِي به أرْضًا في أوَّلِ النَّهْرِ أو في غيرِه، أو أراد إنسانٌ غيرُهم ذلك، لم يُجزْ؛ لأنَّهم صارُوا أحَقَّ بالماءِ الخاصِّ في نهْرِهم مِن غيرِهم، ولأنَّ الأخْذَ مِن الماءِ رُبَّما احْتاجَ إلى تَصَرُّفٍ في حافَّةِ النَّهْرِ المَمْلُوكِ لغيرِه، أو المُشْتَرَكِ بينَه وبينَ غيرِه.

19,784

ولو فاض ماءُ هذا النَّهْرِ إلى أرْضِ إنْسانٍ، فهو مُباحٌ، كالطّائِرِ يُعَشِّشُ في مِلْكِ إنْسانٍ. ومَذْهَبُ الشافعيِّ في ذلك على نحو ما ذَكَرْنا.

فصل: وإن قَسَمُوا ماءَ النَّهْرِ المُشْتَرَكِ بالمُهايَأةِ، جاز، إذا تَراضَوْا به وكان حَقُّ كلِّ. واحِدٍ منهم مَعْلُومًا، مثلَ أن يَجْعَلُوا لكلِّ حِصَّةٍ يومًا ولَيلَةً.

19,785

وان قَسَمُوا النَّهارَ، فجَعَلُوا لواحِدٍ مِن طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى الزَّوالِ، وللآخَرِ مِن الزَّوالِ إلى الغُرُوبِ، ونحوَ ذلك، جاز.

19,786

وإن قَسَمُوه ساعاتٍ، وأمْكَنَ ضَبْطُ ذلك بشيءٍ مَعْلُومٍ، جاز.

19,787

فإذا حَصَل الماءُ لأحَدِهم في نَوْبَتِه، فأراد أن يَسْقِيَ به أرْضًا ليس لها رَسْمُ شُرْبٍ مِن هذا، أو يُؤْثِرَ به إنْسانًا، أو يُقْرِضَه إيَّاه على وَجْهٍ لا يَتَصَرَّفُ في حافَّةِ النَّهْرِ، جاز. وعلى قولِ القاضي، وأصحابِ الشافعيِّ، يَنْبَغِي أن لا يجوزَ؛ لِما تَقَدَّمَ.

19,788

وإن أراد صاحِبُ النَّوْبَةِ أن يُجْرِيَ [مع مائِه ماءً له آخَرَ، يَسْقِي به أرْضَه التي لها رَسْمُ شُرْبٍ مِن النَّهْرِ]، أو أرْضًا له أُخْرَى، أو سَألَه إنْسانٌ [أن يُجْرِيَ] له ماءً مع مائِه في هذا النَّهْرِ ليُقاسِمَه إيّاه في مَوْضِعٍ آخَرَ على وَجْهٍ لا يَضُرُّ بالنَّهْرِ ولا بأحدٍ، جاز ذلك، في قِياسِ قولِ أصْحابِنا؛ فإنهم قالوا في مَن اسْتَأْجَرَ أرْضًا: جاز أن يُجْرِيَ فيها ماءً في نَهْرٍ مَحْفُورٍ، إذا كان فيها.

ولأنَّه مُسْتَحِقٌّ. لنَفْعِ النَّهْرِ في نَوْبَتِه بإجْراءِ الماءِ، فأشْبَهَ ما لو اسْتَأْجَرَها لذلك.

فصل: القِسْمُ الثّانِي، أن يكونَ مَنْبَعُ الماءِ مَمْلُوكًا، مثلَ أنِ اشْتَرَكَ جَماعَةٌ في اسْتِنْباطِ عَينٍ وإجْرائِها، فإنَّهم يَمْلِكُونَها أيضًا، لأنَّ ذلك إحْياءٌ لها، ويَشْتَرِكُون فيها وفي ساقِيَتِها على حَسَبِ ما أنْفَقُوا عليها وعَمِلُوا فيها، كما ذَكَرْنا في النَّهْرِ في القِسْمِ الذي قبلَه، إلَّا أنَّ الماءَ غيرُ مَمْلُوكٍ ثَمَّ؛ لأنَّه مُباحٌ دَخَل مِلْكَه، فأشْبَه ما لو دَخَل بُسْتانَه صَيدٌ، وههُنا يُخْرَّجُ على رِوايَتَين، أصَحُّهما أنَّه غيرُ مَمْلُوكٍ أيضًا، وقد ذَكَرْنا ذلك في كِتابِ البَيعِ .

وعلى كلِّ حالٍ فلكلِّ أحَدٍ أن يَسْتَقِيَ مِن الماءِ الجارِي لشُرْبِه ووُضُوئِه وغُسْلِه وغَسْلِ ثِيابِه، ويَنَتْفِعَ به في أشْباهِ ذلك ممَّا لا يُؤَثِّرُ فيه، مِن غيرِ إذْنِه، إذا لم يَدْخُلْ إليه في مكانٍ مُحَوَّطٍ عليه. ولا يَحِلُّ لصاحِبِه المَنْعُ مِن ذلك؛ لِما روَى أبو هُرَيرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللهُ إلَيهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ؛ رَجُلٌ كَانَ بِفَضْلِ مَاءٍ بالطَّرِيق فمَنَعَهُ ابْنَ السَّبِيلِ».

رَواه البُخارِيُّ . وعن بُهَيسَةَ، عن أبِيها، أنَّه قال: يا نبيَّ اللهِ، ما الشيءُ الذي لا يَحِلُّ مَنْعُه؟ قال:«الماءُ». قال: يا نَبِيَّ اللهِ، ما الشيءُ الذي لا يَحِلُّ مَنْعُه؟ قال:«المِلْحُ». قال: يا نَبِيَّ اللهِ، ما الشيءُ الذي لا يَحِلُّ مَنْعُه؟ قال:«أنْ تَفْعَلَ الخَيرَ خَيرٌ لَكَ». رَواه أبو داودَ . ولأَنَّ ذلك لا يُؤَثِّرُ في العادَةِ، وهو فاضِلٌ عن حاجَةِ صاحِبِ النَّهْرِ.

19,789

وأمَّا ما يُؤَثِّرُ، كسَقْي الماشِيَةِ الكَثِيرَةِ،

19,790

فإن فَضَل عن حاجَتِه، لَزِمَه بَذْلُه، وإلَّا لم يَلْزَمْه، وقد ذَكَرْناه.

فصل: إذا كان النَّهْرُ أو السّاقِيَةُ مُشْتَرَكًا بينَ جَماعَةٍ، فأرادُوا إكْراءَه، أو سَدَّ شِقٍّ فيه، أو إصْلاحَ حائِطِه، أو شيءٍ منه، كان ذلك عليهم على حَسَبِ مِلْكِهم فيه،

19,791

فإن كان بعضُهم أدْنَى إلى أوَّلِه مِن بعضٍ، اشْتَرَكَ الكلُّ في إصْلاحِه وإكْرائِه، إلى أن يَصِلُوا إلى الأوَّلِ، ثمَّ لا شيءَ على الأوَّلِ، ويَشْتَرِكُ الباقُونَ حتى يَصِلُوا إلى الثانِي، ثمَّ يَشْتَرِكُ مَن بعدَه كذلك، كلَّما انْتَهَى العَمَلُ إلى مَوْضِعِ واحِدٍ منهم، لم يَكُنْ عليه فيما بعدَه شيء. وبهذا قال الشافعي، وحُكِيَ عن أبي حنيفةَ.

19,792

وقال أبو يُوسُفَ، ومحمد: يَشْتَرِكُ جَمِيعُهم في إكْرائِه كلِّه؛ لأنَّهم يَنْتَفِعُونَ بجَمِيعِه،

19,793

فإن ما جاوَزَ الأوَّلَ مَصَب لمائِه،

19,794

وإن لم يَسْقِ أرْضَه. ولَنا، أنَّ الأوَّلَ إنما يَنْتَفِعُ بالماءِ الذي في مَوْضِعِ شرْبِه، وما بعدَه إنَّما يَخْتَصُّ بالانْتِفاعِ مِن دُونِه، فلا يُشارِكُهم في مُؤنَتِه، كما لا يُشارِكُهم في نَفْعِه.

19,795

فإن كان يَفْضُلُ عن جَمِيعِهم منه ما يَحْتاجُ إلى مَصْرِفٍ، فمُؤنته على جَمِيعِهم؛ لاشْتِراكِهم في الحاجَةِ إليه والانْتِفاعِ به، فكانت مُؤنته عليهم كلِّهم، كأوَّلِه.

٢٤٨٨ - مسألة: (وللإِمامِ أن) يَحْمِيَ (أرْضًا مِن المَواتِ، تَرْعَى فيها دَوابُّ المسلمين التي يَقُومُ بحِفْظِها، ما لم يُضَيِّقْ على النّاسِ) ولا يجوزُ ذلك

المبدع في شرح المقنعIbn Muflih

(فَإِنْ أَرَادَ إِنْسَانٌ إِحْيَاءَ أَرْضٍ يَسْقِيهَا مِنْهُ جَازَ مَا لَمْ يَضُرَّ بِأَهْلِ الْأَرْضِ الشَّارِبَةِ مِنْهُ) أَيْ: إِذَا كَانَ لِجَمَاعَةٍ رَسْمُ شُرْبٍ مِنْ نَهْرٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ، فَجَاءَ إِنْسَانٌ لِيُحْيِيَ مَوَاتًا أَقْرَبَ مِنْ رَأَسِ النَّهْرِ مِنْ أَرْضِهِمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْقِيَ قَبْلَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَسْبَقُ إِلَى النَّهْرِ مِنْهُ،

13,414

وَظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ مَنْعَهُ مِنَ الْإِحْيَاءِ، وَفِيهِ وَجْهٌ، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ سَبَقَ إِلَى مَسِيلِ مَاءٍ، أَوْ نَهْرٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ، فَأَحْيَا فِي أَسْفَلِهِ مَوَاتًا ثُمَّ آخَرُ فَوْقَهُ ثُمَّ ثَالِثٌ، سَقَى الْمُحْيِي أَوَّلًا ثُمَّ الثَّانِي ثُمَّ الثَّالِثُ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ تَقَدُّمُ السَّبْقِ إِلَى الْإِحْيَاءِ لَا إِلَى أَوَّلِ النَّهْرِ.

الْقِسْمُ الثَّانِي: الْجَارِي فِي نَهْرٍ مَمْلُوكٍ، وَهُوَ ضَرْبَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ مُبَاحَ الْأَصْلِ، مِثْلَ أَنْ يَحْفُرَ إِنْسَانٌ نَهْرًا يَتَّصِلُ بِنَهْرٍ كَبِيرٍ مُبَاحٍ، فَمَا لَمْ يَتَّصِلْ لَا يَمْلِكُهُ، وَهُوَ كَالْمُتَحَجِّرِ،

13,415

فَإِذَا اتَّصَلَ الْحَفْرُ مَلَكَهُ، وَإِنْ لَمْ يَجْرِ فِيهِ، إِذِ الْإِحْيَاءُ يَحْصُلُ بِتَهْيِئَتِهِ لِلِانْتِفَاعِ دُونَ حُصُولِ الْمَنْفَعَةِ، فَيَصِيرُ مَالِكًا لِقَرَارِهِ، وَحَافَّتَيْهِ، وَحَرِيمِهِ، وَهُوَ مُلْقَى الطِّينِ مِنْ جَوَانِبِهِ.

13,416

وَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ الْمِلْكِ، وَحِينَئِذٍ إِذَا كَانَ لِجَمَاعَةٍ فَهُوَ بَيْنَهُمْ عَلَى حَسَبِ الْعَمَلِ وَالنَّفَقَةِ،

13,417

فَإِنْ لَمْ يَكُفَّهُمْ، وَتَرَاضَوْا عَلَى قِسْمَتِهِ جَازَ، وَإِلَّا قَسَّمَهُ حَاكِمٌ عِنْدَ التَّشَاحِّ عَلَى قَدْرِ مِلْكِهِمْ،

13,418

فَإِنِ احْتَاجَ الْمُشْتَرِكَ إِلَى كَرِيٍّ أَوْ عِمَارَةٍ كَانَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ عَلَى حَسَبِ مِلْكِهِمْ،

13,419

فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَدْنَى إِلَى أَوَّلِهِ مِنْ بَعْضٍ اشْتَرَكَ الْكُلُّ، إِلَى أَنْ يَصِلُوا إِلَى الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِلَى الثَّانِي، ثُمَّ يَشْتَرِكُ مَنْ بَعْدَهُ كَذَلِكَ كُلَّمَا انْتَهَى الْعَمَلُ،

13,420

فَإِذَا حَصَلَ نَصِيبُ إِنْسَانٍ فِي سَاقِيَتِهِ سَقَى بِهِ مَا شَاءَ،

13,421

وَقَالَ الْقَاضِي: لَيْسَ لَهُ سَقْيُ أَرْضٍ، لَيْسَ لَهَا رَسْمُ شُرْبٍ مِنْ هَذَا النَّهْرِ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمْ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي سَاقِيَتِهِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ بِمَا أَحَبَّ مِنْ إِجْرَاءِ مَاءٍ، أَوْ رَحًى، أَوْ دُولَابٍ

13,422

بِخِلَافِ الْمُشْتَرِكِ، فَإِنْ أَرَادَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ النَّهْرِ قَبْلَ قَسْمِهِ شَيْئًا يَسْقِي بِهِ أَرْضًا فِي أَوَّلِ النَّهْرِ أَوْ غَيْرَهُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْآخِذَ مِنْهُ رُبَّمَا احْتَاجَ إِلَى تَصَرُّفٍ فِي أَوَّلِ حَافَّةِ النَّهْرِ الْمَمْلُوكِ لِغَيْرِهِ،

13,423

وَلَوْ فَاضَ مَاءُ هَذَا النَّهْرِ إِلَى أَرْضِ إِنْسَانٍ فَهُوَ مُبَاحٌ كَالطَّائِرِ.

الضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَنْبَعُ الْمَاءِ مَمْلُوكًا بِأَنْ يَشْتَرِكَ جَمْعٌ فِي اسْتِنْبَاطِ عَيْنٍ وَإِجْرَائِهَا، فَإِنَّهُمْ يَمْلِكُونَهَا، وَيَشْتَرِكُونَ فِيهَا،

13,424

وَفِي سَاقِيَتِهَا عَلَى حَسَبِ النَّفَقَةِ وَالْعَمَلِ فِيهَا.

[لِلْإِمَامِ أَنْ يَحْمِيَ أَرْضًا مِنَ الْمَوَاتِ] (وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَحْمِيَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّهِ، أَيْ يَمْنَعُ (أَرْضًا مِنَ الْمَوَاتِ تَرْعَى فِيهَا دَوَابُّ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي يَقُومُ بِحِفْظِهَا) كَخَيْلِ الْمُجَاهِدِينَ، وَإِبِلِ الصَّدَقَةِ، وَضَوَالِّ النَّاسِ لِمَا رَوَى عُمَرُ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَمَى النَّقِيعَ لِخَيْلِ الْمُسْلِمِينَ» ، رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ، النَّقِيعُ بِالنُّونِ مَوْضِعٌ يُنْتَقَعُ فِيهِ الْمَاءُ، فَيَكْثُرُ فِيهِ الْخِصْبَ، وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى عُمَرَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِلَادُنَا قَاتَلْنَا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَسْلَمْنَا عَلَيْهَا فِي الْإِسْلَامِ عَلَامَ نَحْمِيهَا؟

قَالَ: فَأَطْرَقَ عُمَرُ وَجَعَلَ يَنْفُخُ وَيَفْتِلُ شَارِبَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى الْأَعْرَابِيُّ مَا بِهِ جَعَلَ يُرَدِّدُ ذَلِكَ، فَقَالَ عُمَرُ: الْمَالُ مَالُ اللَّهِ، وَالْعِبَادُ عِبَادُ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَوْلَا مَا أَحْمِلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا حَمَيْتُ مِنَ الْأَرْضِ شِبْرًا فِي شِبْرٍ.

قَالَ مَالِكٌ: بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ كُلَّ عَامٍ عَلَى أَرْبَعِينَ أَلْفًا مِنَ الظَّهْرِ، وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةً، فَجَازَ لِلْإِمَامِ فِعْلُهَا كَسَائِرِ الْمَصَالِحِ (مَا لَمْ يُضَيِّقْ عَلَى النَّاسِ) لِأَنَّ الْجَاهِلِيَّةَ كَانُوا يَحْمُونَ لِأَنْفُسِهِمْ، فَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ إِذَا انْتَجَعَ بَلَدًا، أَقَامَ كَلْبًا عَلَى نَشَزٍ ثُمَّ اسْتَعْوَاهُ، وَوَقَّفَ لَهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ مَنْ يَسْمَعُ صَوْتَهُ بِالْعُوَاءِ، فَحَيْثُ انْتَهَى صَوْتُهُ حَمَاهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ لِنَفْسِهِ، وَيَرْعَى مَعَ النَّاسِ فِيمَا سِوَاهُ، فَنَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الضِّيقِ عَلَى النَّاسِ، وَمَنْعِهِمْ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِشَيْءٍ لَهُمْ فِيهِ حَقٌّ

الإنصافal-Mardawi

فإنْ أرادَ إنْسانٌ إحْياءَ أرْضٍ، بسَقْيِها منه، جازَ، ما لم يَضُرَّ بأهْلِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الأرْضِ الشارِبَةِ منه. إذا كان لجماعَةٍ رَسْمُ شِرْبٍ مِن نَهْرٍ غيرِ مَمْلوكٍ، أو سَيلٍ، فجاءَ إنْسانٌ ليُحْيِيَ مَواتًا أقْرَبَ إلى رأْسِ النَّهْرِ مِن أرْضِهم، لم يَكُنْ له أنْ يسْقِيَ قبلَهم، على المذهبِ. واخْتارَ الحارِثِيُّ، أنَّ له ذلك، قال: وظاهِرُ الأخْبارِ المُتقَدِّمَةِ وعُمومُها، يدُلُّ على اعْتِبارِ السَّبْقِ إلى أعْلَى النَّهْرِ مُطْلَقًا. قال: وهو الصَّحيحُ. وهل لهم مَنْعُه مِن إحْياءِ ذلك المَواتِ؟ على وَجْهَين. وأطْلَقَهما في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»؛

أحَدُهما، ليس لهم مَنْعُه مِن ذلك. قال الحارِثِيُّ: وهو أظْهَرُ. وقدَّمه ابنُ رَزينٍ في «شَرْحِه». وجزَم به في «الكافِي». والوَجْهُ الثَّاني، لهم مَنْعُه. قال الحارِثِيُّ: وهو المَفْهومُ مِن إيرادِ الكِتابِ. فعلى الأوَّلِ، لو سَبق إلى مَسِيلِ ماءٍ، أو نَهْرٍ غيرِ مَمْلوكٍ، فأحْيَى في أسْفَلِه مَواتًا، ثمَّ أحْيَا آخَرُ فوْقَه، ثمَّ أحْيَا ثالِثٌ فوقَ الثَّاني، كان للذي أحْيَا أوَّلًا السَّقْيُ أوَّلًا، ثمَّ الثَّاني، ثمَّ الثَّالِثُ، فيُقَدَّمُ السَّبْقُ إلى الإِحْياءِ على السَّبْقِ إلى أوَّلِ النَّهْرِ، وعلى ما اخْتارَه الحارِثِيُّ ينْعَكِسُ ذلك.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

24,864

فائدة: لو كانَ الماءُ بنَهْرٍ مَمْلوكٍ، كمَن حفَر نَهْرًا صَغيرًا ساقَ إليه الماءَ مِن نَهْرٍ كبيرٍ، فما حصَل فيه ملَكَه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. ويَجِئُ على قوْلِنا: إنَّ الماءَ لا يُمْلَكُ. أنَّ حُكْمَ هذا الماءِ في هذا النَّهْرِ، حُكْمُه في نَهْرٍ غيرِ مَمْلوكٍ.

24,865

قلتُ: وفيه نظَرٌ؛ لأنَّه بدُخولِه في نَهْرِه، كدُخولِه في قَرْيَتِه، وراويَتِه، ومصْنَعِه. وعندَ القاضي ومَن وافقَه، أنَّ الماءَ باقٍ على الإِباحَةِ، كما قبلَ الدُّخولِ، إلَّا أنَّ مالِكَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

النَّهْرِ أحقُّ به. فعلى المذهبِ، لو كان لجماعَةٍ، فهو بينَهم، على حسَبِ العمَلِ والنَّفَقَةِ؛

24,866

فإنْ كفَى جَمِيعَهم، فلا كلامَ،

24,867

وإنْ لم يَكْفِهم وتَراضَوْا على قِسْمَتِه بالمُهايَأَةِ أو غيرِها، جازَ،

24,868

وإنْ تَشاحُّوا في قِسْمَتِه، قسَمَه الحاكِمُ بينَهم على قَدْرِ أمْلاكِهم؛ فيَأْخُذُ خشبَةً صُلْبَةً، أو حجَرًا مُسْتَوى الطَّرفَين والوَسطِ، فيُوضَعُ على موْضِعٍ مُسْتَوٍ مِنَ الأرْضِ في مَصْدَمِ الماءِ، فيه حزوزٌ، أو ثُقوبٌ مُتَساويةٌ في السَّعَةِ على قَدْرِ حُقوقِهم، يخرُجُ من حَزٍّ أو ثُقْبٍ إلى ساقِيَةٍ مُفْرَدَةٍ لكلِّ واحدٍ منهم،

24,869

فإذا حصَل في ساقِيَتِه، فله أنْ يسْقِيَ به ما شاءَ مِنَ الأرْضِ، سواءٌ كان لها رَسْمُ شِرْبٍ مِن هذا النَّهْرِ أو لم يَكُنْ، وله أنْ يُعْطِيَه مَن يسْقِي به. هذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ. قدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، ونَصَراه، وقدَّمه أيضًا في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم، في بابِ القِسْمَةِ. ويَأْتِي بعضُ ذلك مصَرَّحًا به في كلامِ المُصَنِّفِ، في بابِ القِسْمَةِ.

24,870

وقال القاضي: ليس له سَقْيُ أرْضٍ ليس لها رَسْمُ شِرْبٍ مِن هذا الماءِ. انتهى. ولكُلِّ واحدٍ مِنَ الشُّركاءِ أنْ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

يتَصرَّفَ في ساقِيَتِه المُخْتَصَّةِ به بما أحبَّ؛ مِن عمَلِ رَحىً عليها، أو دُولابٍ، أو عَبَّارَةٍ؛ وهي خشَبةٌ تُمَدُّ على طريقِ النَّهْرِ، أو قنْطَرَةٍ يعْبُرُ الماءُ فيها، وغيرِ ذلك مِنَ التَّصَرُّفاتِ.

24,871

فأمَّا النَّهْرُ المُشْتَرَكُ؛ فليس لواحدٍ منهم أنْ يتَصرَّفَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

فيه بشيءٍ مِن ذلك. قاله المُصَنِّفُ، وابنُ عَقِيلٍ، والقاضي، والشَّارِحُ، وغيرُهم.

24,872

وقال القاضي، وابنُ عَقِيلٍ: هل له أنْ ينْصِبَ عبَّارَةً يجْرِي الماءُ فيها . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

مِن مَوْضِعٍ آخَرَ؟ على رِوايتَين. نصَّ عليهما في مَن أرادَ أنْ يُجْرِيَ ماءَه في أرْضِ غيرِه ليَسْقِيَ زَرْعَه، وكان به حاجَةٌ إليه، كل يجوزُ؟ على رِوايتَين. زادَ ابنُ عَقِيلٍ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الأصحُّ المَنْعُ. وكذا قال المُصَنِّفُ. قال المُصَنِّفُ،

24,873

والشَّارِحُ: والصَّحيحُ أنَّه لا يجوزُ هنا،

24,874

ولا يصِحُّ قِياسُ هذا على إجْراءِ الماءِ في أرْضِ غيرِه. وَلِلامَامِ أنْ يُحْييَ أرْضًا مِنَ الْمَوَاتِ، تَرْعَى فِيهَا دَوَابُّ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي يَقُومُ بِحِفْظِهَا، مَا لمْ يُضَيِّقْ عَلَى النَّاسِ. وَلَيس ذَلِكَ لِغَيرِهِ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وَمَا حَمَاهُ النبِي - صلى الله عليه وسلم - فَلَيسَ لِأحَدٍ نَقْضُهُ.

الممتع في شرح المقنعIbn al-Munajja

(٤») . [رواه ابن ماجة والدارقطني]. قال: (وللإمام أن يحمي أرضاً من الموات ترعى فيها دواب المسلمين التي يقوم بحفظها ما لم يضيّق على الناس وليس ذلك لغيره) .

8,913

أما كون الإمام له أن يحمي ما ذكر؛ فلما روي أن عمر قال:«حمى النبي صلى الله عليه وسلم النقيع لخيل المسلمين». رواه أبو عبيد.

والإمام قائم مقامه.

ولأن عمر وعثمان فعلا الحمى، واشتهر ذلك في الصحابة فلم ينكر فكان كالإجماع.

ولأن في ذلك مصلحة فجاز للإمام فعلها كسائر المصالح، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«ما أَطعمَ الله لنبي طُعمةً إلا جَعلهَا لمن بَعدَه».

وقول المصنف رحمه الله: ما لم يضيّق على الناس؛ مشعرٌ بأنه إذا كان يضيق على الناس ليس للإمام ذلك. وهو صحيح؛ لأن الجاهلية كانوا يحمون لأنفسهم، ويرعون مع العامة فيما سواه. فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك؛ لما فيه من التضييق على الناس فقال:«لا حِمَى إلاّ للهِ ولِرَسُولِه» رواه أبو داود.

8,914

وأما كون غير الإمام ليس له ذلك؛ فلأن الإمام إنما جاز له ذلك لما تقدم ذكره وذلك مفقود في غيره.

A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.