وَإِنْ قَبِلَهَا بَعْدَ الْمَوْتِ، ثَبَتَ الْمِلْكُ حِينَ الْقَبُولِ فِي الصَّحِيحِ فَمَا حَدَثَ قَبْلَهُ مِنْ نَمَاءٍ مُنْفَصِلٌ
Its commentaries
مسألة: (وإن قَبِلَها بعدَ المَوْتِ، ثَبَت المِلْكُ حينَ القَبُولِ، في الصَّحِيحِ) مِن المَذْهَبِ. وهو قولُ مالِكٍ، وأهلِ العِراقِ، ورُوِيَ عن الشافعيِّ. وفيه وَجْهُ آخَرُ ذَكَرَه أبو الخَطّابِ، أنه إذا قَبِل تَبَيَّنَّا أنَّ المِلْكَ ثَبَت حينَ مَوْتِ المُوصِي. وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ؛ لأنَّ ما وَجَب انْتِقالُه بالقَبُولِ، وَجَب انْتِقالُه مِن جِهَةِ المُوجِبِ عندَ الإِيجابِ، كالهِبَةِ والبَيعِ، ولأنَّه لا يجوزُ أن يَثْبُتَ المِلْكُ فيه للوارِثِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال:{مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَينٍ}.
والإِرْثُ بعدَ الوَصِيَّةِ، ولا يَبْقَى للمَيِّتِ؛ لأنَّه صار جَمادًا لا يَمْلِكُ شيئًا. وللشافعيِّ قولٌ ثالثٌ غيرُ مَشْهُورٍ، أنَّ الوَصِيَّةَ تُمْلَكُ بالمَوْتِ، ويُحْكَمُ بذلك قبلَ القَبُولِ؛ لِما ذَكَرْنا. ولَنا، أنَّه تَمْلِيكُ عَينٍ لمُعَيَّنٍ يَفْتَقِرُ إلى القَبُولِ، فلم يَسْبِقِ المِلْكُ القَبُولَ، كسائِرِ العُقُودِ، ولأنَّ القَبُولَ مِن تَمامِ السَّبَبِ، والحُكْمُ لا يَتَقَدَّمُ سَبَبَه، ولأنَّ القَبُولَ لا يَخْلُو مِن أن يكونَ شَرْطًا أو جُزْءًا مِن السَّبَبِ، والحُكْمُ لا يَتَقَدَّمُ سَبَبَه ولا شَرْطَه، ولأنَّ المِلْكَ في الماضِي لا يجوزُ تَعْلِيقُه بشَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ.
فإن قِيلَ: فلو قال لامرأتِه: أنت طالقٌ قبلَ مَوْتِي بشَهْرٍ. ثم مات، تَبَيَّنّا وُقُوعَ الطلاقِ قبلَ مَوْتِه بشَهْرٍ. قُلْنا: ليس هذا شَرْطًا في وُقُوعِ الطَّلاقِ، وإنَّما نَتَبَيَّنُ الوَقْتَ الذي يَقَعُ فيه الطَّلاقُ.
ولو قال: إذا مِتُّ فأنتِ طالِقٌ قبلَه بشَهْرٍ. لم يَصِحَّ.
وأمّا انْتِقالُه مِن جِهَةِ الموُجِب في سائِرِ العُقُودِ فإنَّه لا يَنْتَقِلُ إلَّا بعدَ القَبُولِ، فهو كمسألتنا، غيرَ أنَّ ما بينَ الإيجابِ والقَبُولِ ثَمَّ يَسِير لا يَظْهَرُ له أثرٌ،
بخِلافِ مسألتِنا. قولُهم: إنَّ المِلْكَ لا يَثْبُتُ للوارِثِ. مَمْنُوعٌ؛
فإنَّ المِلْكَ يَنْتَقِلُ إلى الوارِثِ بحُكْمِ الأصْلِ، إلَّا أن يَمْنَعَ منه مانِع،
فأمّا قولُ اللهِ تعالى:{مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَينٍ}. قُلْنا: المُرادُ به وَصِيَّةٌ مَقْبُولةٌ، بدَلِيلِ أنَّه لو لم يَقْبَلْ، لكان مِلْكًا للوارِثِ، وقبلَ قَبُولِها فليست مَقْبُولَةً. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ المُرادُ بقَوْلِه:{فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا}. أي لكم ذلك مُسْتَقِرٌّ. ولا يَمْنَعُ هذا ثُبُوتَ المِلْكِ غيرَ مُسْتَقِرٍّ. ولهذا لا يَمْنَعُ الدَّينُ ثُبُوتَ المِلْكِ في التَّرِكَةِ، وهو آكَدُ مِن الوَصِيَّةِ.
وإن سَلَّمْنا أنَّ المِلْكَ لا يَبْقَى للوارِثِ، فإَّنه يَبْقَى مِلْكًا للمَيِّتِ، كما إذا كان عليه دَينٌ وقولُهم: لا يَبْقَى له مِلْكٌ. مَمْنُوعٌ، فإّنه يَبْقَى مِلْكُه فيما يَحْتاجُ إليه مِن مُؤْنَةِ تَجْهِيزِه ودَفْنِه، وقَضاءِ دُيُونِه.
ويجوزُ أن يَتَجَدَّدَ له مِلْكٌ في دِيَتِه إذا قُتِل، وفيما إذا نَصَب شَبَكَةً فوَقَعَ فيها صَيدٌ بعدَ مَوْتِه، بحيث تُقْضَى دُيُونُه، وتَنْفُذُ وصاياه، ويُجَهَّزُ إن كان قبلَ تَجْهِيزِه، فهذا يَبْقَى على مِلْكِه، لتَعَذُّرِ انْتِقالِه إلى الوارِثِ مِن أجْلِ الوَصِيَّةِ، وامْتِناعِ انْتِقالِه إلى الوَصِيِّ قبلَ تَمامِ السَّبَبِ،
فإن رَدَّ المُوصَى له، أو قَبِل، انْتَقَلَ حِينَئِذٍ.
فإن قلنا بالأوَّلِ، وأنَّه يَنْتَقِلُ إلى الوارِثِ، فإنَّه يَثْبُتُ له المِلْكُ على وَجْهٍ لا يُفِيدُ إباحَةَ التَّصَرُّفِ، كثُبُوتِه في العَينِ المَرْهُونَةِ،
فلو باع المُوصَى به، أو رَهَنَه، أو أعْتَقَه، أو تَصَرَّفَ بغيرِ ذلك، لم يَنْفُذْ شيءٌ مِن تَصَرُّفاتِه.
ولو كان الوارِثُ ابنًا للمُوصَى به، مثلَ أن تَمْلِكَ امرأةٌ زَوْجَها الذي لها منه ابْنٌ، فتُوصِيَ به لأجْنَبِيٍّ،
فإذا ماتت، انْتَقَلَ المِلْكُ فيه إلى ابْنِه إلى حينِ القَبُولِ، ولا يَعْتِقُ عليه.
٢٦٦٩ -
(نَماءٍ مُنْفَصِلٍ) في المُوصَى به بعدَ مَوْتِ المُوصِي وقبلَ القَبُولِ، كالوَلَدِ والثَّمَرَةِ والكَسْبِ (فهو للوَرَثَةِ) على الوَجْهِ الأوَّلِ؛ لأنَّه مِلْكُهم
(وَإِنْ قَبِلَهَا بَعْدَ الْمَوْتِ، ثَبَتَ الْمِلْكُ) لِلْمُوصَى لَهُ (حِينَ الْقَبُولِ فِي الصَّحِيحِ) مِنَ الْمَذْهَبِ، أَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكُ عَيْنٍ لِمُعَيَّنٍ تَفْتَقِرُ إِلَى الْقَبُولِ، فَلَمْ يَسْبِقِ الْمِلْكَ الْقَبُولُ كَسَائِرِ الْعُقُودِ، وَالْقَبُولُ مِنْ تَمَامِ السَّبَبِ، وَالْحُكْمُ لَا يَتَقَدَّمُ سَبَبَهُ وَلَا شَرْطَهُ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ: أَنَّهُ إِذَا قَبِلَ تَبَيَّنَّا أَنَّ الْمِلْكَ ثَبَتَ حِينَ مَوْتِ الْمُوصِي؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ انْتِقَالُهُ بِالْقَبُولِ، وَجَبَ انْتِقَالُهُ مِنْ جِهَةِ الْمُوجِبِ عِنْدَ الْإِيجَابِ كَالْهِبَةِ، وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّ الْمِلْكَ يَقِفُ مُرَاعًى، وَعَلَى الْأَوَّلِ هَلْ هِيَ قَبْلَ الْقَبُولِ عَلَى مِلْكِ الْمَيِّتِ أَوِ الْوَرَثَةِ؟
فِيهِ وَجْهَانِ، وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي مَوَاضِعَ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ لَهُ الْقَبُولُ: فَيَمْلِكُهُ قَهْرًا كَالْمِيرَاثِ، وَحَكَاهُ الْحَلْوَانِيُّ عَنِ الْأَصْحَابِ، وَلِهَذَا الِاخْتِلَافِ فَوَائِدُ نَبَّهَ الْمُؤَلِّفُ عَلَى بَعْضِهَا. (فَمَا حَدَثَ قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ الْقَبُولِ (مِنْ نَمَاءٍ مُنْفَصِلٌ) كَالْوَلَدِ وَالثَّمَرَةِ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُمْ، فَعَلَى هَذَا يُزَكُّونَهُ،
وَقِيلَ: لِلْمَيِّتِ، وَقِيلَ: مُنْذُ مَاتَ الْوَصِيُّ فَيُزَكِّيهِ،
وَفِي الْقَوَاعِدِ أَنَّ النَّمَاءَ الْمُنْفَصِلَ إِنْ قُلْنَا: هُوَ عَلَى مِلْكِ الْمُوصَى لَهُ، فَهُوَ لَهُ لَا يُحْسَبُ عَلَيْهِ مِنَ الثُّلُثِ،
وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ مِلْكُ الْمَيِّتِ، فَتَتَوَفَّرُ بِهِ التَّرِكَةُ فَيَزْدَادُ بِهِ الثُّلُثُ،
وَإِنْ قُلْنَا: عَلَى مِلْكِ الْوَرَثَةِ، فَنَمَاؤُهُ لَهُمْ خَاصَّةً، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ: أَنَّ مِلْكَ الْمُوصَى لَهُ لَا يَتَقَدَّمُ الْقَبُولَ،
وَأَنَّ النَّمَاءَ قَبْلَهُ لِلْوَرَثَةِ مَعَ أَنَّ الْعَيْنَ بَاقِيَةٌ عَلَى حُكْمِ مَالِ الْمَيِّتِ، فَلَا يَتَوَفَّرُ بِهِ الثُّلُثُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِلْكًا لَهُ حِينَ الْمَوْتِ
وإنْ قبِلَها بعدَ المَوْتِ، ثبَت المِلْكُ حينَ القَبُولِ، في الصَّحيحِ. وهو المذهبُ. قاله المُصَنِّفُ وغيرُه، وأوْمَأَ إليه الإمامُ أحمدُ، رحِمَه الله تُعالى. ونصَرَه القاضي، وأصحابُه. وقدَّمه في «الفُروعِ». قال الشَّارِحُ، وابنُ مُنَجَّى: هذا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ. ونصَرَه الشَّارِحُ. ويحْتَمِلُ أنْ يثْبُتَ المِلْكُ حينَ الموتِ. وقدَّمه في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الخُلاصةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الفائقِ».
قال في «العُمْدَةِ»: ولو وصَّى بشيءٍ، فلم يأْخُذْه المُوصَى له زَمانًا، قُوِّمَ وقْتَ الموتِ، لا وقْتَ الأخْذِ. انتهى.
وقال في «الوَجيزِ»: ويثْبُتُ المِلْكُ بالقَبُولِ عقِبَ الموتِ. وأطْلَقَهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ».
وقيل: الخِلافُ رِوايَتان. واخْتارَ أبو بَكْرٍ في «الشَّافِي»، أنَّ المِلْكَ مُراعًى؛
فإذا قَبِلَ، تبَيَّنَّا أنَّ المِلْكَ ثبَت له مِن حينِ الموتِ. وهو رِوايَةٌ عنِ الإِمامِ أحمدَ، رحِمَه اللهُ تعالى. وحكَى الشَّرِيفُ عن شَيخِه ، أنَّه قال: هذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ.
قلتُ: ويحْتَمِلُه كلامُ «الوَجيزِ» المُتَقَدِّمُ، بل هو ظاهِر في ذلك.
قال في «المُسْتَوْعِبِ»: وهذا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هو الوَجْهُ الذي قبلَه بعَينِه. وهو كما قال. وحُكِيَ وجْهٌ بأنَّه مِن حينِ الموتِ بمُجَرَّدِه. نقَلَه الحارِثِيُّ. فعلى الأوَّلِ، يكونُ قبلَ القَبُولِ للوَرَثَةِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، كما صرَّح به المُصَنِّفُ هنا. واخْتارَه هو، وابنُ البَنَّا، والشِّيرازِيُّ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
.
والشَّارِحُ. وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفائقِ».
وقيل: يكونُ على مِلْكِ المَيت. وهو مُقْتَضَى قوْلِ الشَّرِيفِ، وأبي الخَطَّابِ في «خِلافَيهما». قال الحارِثِيُّ: والقوْلُ بالبَقاءِ للمَيتِ، قال به أبو الخَطَّابِ، والشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ، والقاضي أبو الحُسَينِ، وغيرُهم. انتهى. وأطْلَقَهما الزَّرْكَشِيُّ، وصاحِبُ «القَواعِدِ» فيها،
وقال: وأكثرُ الأصحابِ قالوا: يكونُ للمُوصَى له، وهو قوْلُ أبي بَكْرٍ، والخِرَقِيِّ، ومَنْصوصُ الإِمامِ أحمدَ، رحِمَه اللهُ تعالى. انتهى. فَمَا حَدَثَ قَبْلَهُ مِنْ نَمَاءٍ مُنْفَصِلٍ فَهُوَ لِلْوَرَثَةِ،
وإِنْ كَانَ مُتَّصِلًا تَبِعَهَا.
تنبيه: لهذا الخِلافِ فوائدُ كثيرةٌ، ذكَرَها الأصحابُ. وذكَر المُصَنِّفُ هنا بعضَها؛ منها، حُكْمُ نَمائِه بينَ الموتِ والقَبُولِ.
فإنْ قُلْنا: هو على مِلْكِ المُوصَى له. فهو له، يُحْتَسَبُ عليه مِنَ الثُّلُثِ،
وإنْ قُلْنا: هو على مِلْكِ المَيتِ. فتتَوَفَّرُ به التَّرِكَةُ، فيَزْدادُ به الثُّلُثُ. فعلى هذا، لو وصَّى بعَبْدٍ لا يَمْلِكُ غيرَه، وثَمَنُه عَشَرَةٌ، فلم تُجِزِ الوَرَثَةُ، فكسَبَ بينَ الموتِ والقَبُولِ خَمْسَةً، دخَلَه الدَّوْرُ، فتُجْعَلُ الوَصِيَّةُ شيئًا، فتَصِيرُ التَّرِكَةُ عَشَرَةً ونِصْفَ شيءٍ، تعْدِلُ الوَصِيَّةَ والمِيراثَ، وهما ثلاثةُ أشياءَ، فيَخْرُجُ الشَّيءُ أرْبَعَةً بقَدْرِ خُمْسَيِ العَبْدِ؛ وهو الوَصِيَّةُ، وتَزْدادُ الترِكَةُ مِنَ العَبْدِ دِرْهَمْين،
فأمَّا بقِيَّتِه، فَزادَتْ على مِلْكِ الوَرَثَةِ، وَجْهًا واحِدًا. قاله في «المُحَررِ» وغيرِه.
وإنْ قُلْنا: هو على مِلْكِ الوَرَثَةِ. فهو لهم خاصة. وذكَر القاضي في «خِلافِه»، أنَّ مِلْكَ المُوصَى له لا يتقَدَّمُ القَبُولَ،
وأنَّ النَّماءَ قبلَه للوَرَثَةِ، مع أنَّ العَينَ باقِيَةٌ على حُكْمِ مِلْكِ المَيتِ، فلا يتَوفَّرُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثُّلُثُ. وذكَر أيضًا إذا تُلْنا: إنَّه مُراعًى، وأنَّا نتَبيَّنُ بقَبُولِ المُوصَى له مِلْكَه له مِن حينِ الموتِ.
فإن النَّماءَ يكونُ للمُوصَى له مُعْتَبَرًا مِنَ الثُّلُثِ؛
فإنْ خرَج مِنَ الثُّلُثِ مع الأصْلِ، فهما له، وإلَّا كان له بقَدْرِ الثُّلُثِ،
فإنْ فضَلَ شيءٌ مِنَ الثُّلُثِ، كان له مِنَ النَّماءِ.
وقال في «القاعِدَةِ الثَّانِيَةِ والثَّمانِين»: إذا نَما المُوصَى بوَقْفِه بعدَ الموتِ، وقبلَ إيقافِه، فأفْتَى الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، أنَّه يُصْرَف مَصْرِفَ الوَقْفِ؛ لأن نَماءَه قبلَ الوَقْفِ كنَمائِه بعدَه. وأفْتَى به الشيخُ عِمادُ الدِّينِ السُّكَّرِيُّ الشَّافِعِيُّ . قال الدَّميرِيُّ: وهو الظَّاهِرُ. وأجابَ بعضُهم بأنَّه للوَرَثةِ.
قلتُ: قد تقدَّم في كتابِ الزَّكاةِ، عندَ السَّائمَةِ المَوقوفَةِ، ما يُشابِهُ ذلك؛ وهو إذا أوصىَ بدَراهِمَ في وُجوهِ البِرِّ، أو ليُشْتَرَى بها ما يُوقَفُ، فاتَّجَرَ بها الوَصِيُّ، فقالوا: رِبْحُه مع أصْلِ المالِ فيما وَصَّى به،
وإنْ خَسِرَ ضَمِنَ النَّقْصَ. نقلَه الجماعةُ.
وقيل: رِبْحُه إرْثٌ. ومنها، لو نقَص المُوصَى به في سِعْرٍ أو صِفَةٍ. فقال في «المُحَررِ»: إنْ قُلْنا: يَمْلِكُه بالموتِ. اعْتُبِرَتْ قِيمَتُه مِنَ التَّرِكَةِ بسِعْرِه يومَ الموتِ على أدْنَى صِفاتِه مِن يومِ الموتِ إلى القَبُولِ،
وإنْ قُلْنا: يَمْلِكُه مِن حينِ القَبُولِ. اعْتُبِرَتْ قِيمَتُه يومَ القَبُولِ سِعْرًا وصِفَةً. انتهى.
قال في «القَواعِدِ»: والمَنْصوصُ عنِ الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في روايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ، وذكَر الخِرَقِيُّ، أنَّه تُعْتَبَرُ قِيمَتُه يومَ الوَصِيَّةِ. ولم يحْكِ في «المُغْنِي» فيه خِلافًا. فظاهِرُه، أنَّه تُعْتَبَرُ قِيمَتُه بيَوْمِ الموتِ، على الوُجوهِ كلِّها. قال الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ،
وَإنْ كَانَتِ الوَصِيَّةُ بِأَمَةٍ فَوَطِئَهَا الْوَارِثُ قَبْلَ الْقَبُولِ وَأَوْلَدَهَا، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَلَا مَهْرَ عَلَيهِ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ لَا تَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ، وَعَلَيهِ قِيمَتُهَا لِلْوَصِيِّ لَهُ.
رَحِمَه اللهُ: هذا قولُ الخِرَقِيِّ، وقُدَماءِ الأصحابِ. قال: وهو أوْجَهُ مِن كلامِ المَجْدِ. انتهى.
قلتُ: وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ. جزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
قال في «الفُروعِ»: ويُقَومُ بسِعْرِه يومَ الموتِ، ذكَرَه جماعةٌ،
ثم ذكَر ما في «المُجَرَّدِ».
وقال في «التَّرْغيبِ» وغيرِه: وقْتَ الموتِ خاصَّةً. انتهى. ويأْتِي ذلك في كلامِ المُصَنِّفِ، في بابِ المُوصَى به،
في قوْلِه: وإنْ لم يأْخُذْه زَمانًا، قُوِّمَ وَقْتَ الموتِ، لا وقْتَ الأخْذِ. ومنها، لو كانتِ الوَصِيَّةُ بأمَةٍ، فوَطِئَها الوارِثُ قبلَ القَبُولِ، وأوْلَدَها، صارَتْ أُمَّ وَلَدٍ له، ولا مَهْرَ عليه، ووَلَدُه حُرٌّ، لا تلْزَمُه قِيمَتُه، وعليه قِيمَتُها للمُوصَى له. هذا إنْ قُلْنا: إنَّ المِلْكَ لا يثْبُتُ إلَّا مِن حينِ القَبُولِ. ويمْلِكُها الوَرَثَةُ.
وإنْ قُلْنا: لا يمْلِكُها الوارِثُ. لم تصِرْ أُمَّ وَلَدٍ. ومنها، لو وَطِئَها المُوصَى له قبلَ القَبُولِ وبعدَ وَإنْ وَصّى لَهُ بزَوْجَتِهِ فَأَوْلَدَهَا قَبْلَ الْقَبُول لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَوَلَدُهُ رَقِيقٌ.
وَمَنْ أُوْصِيَ لَهُ بِأَبِيهِ فَمَاتَ قَبْلَ الْقَبُولِ، فَقَبِلَ ابْنُهُ، عَتَقَ الْمُوصَى بِهِ حِيَنَئِذٍ، وَلَمْ يَرِثْ شَيئًا.
الموتِ؛ فإنْ قُلْنا: المِلْكُ له. فهي أُمُّ وَلَدِه، وإلَّا فلا. ومنها، لو وَصَّى له بزَوْجَتِه، فأوْلَدَها قبلَ القَبُولِ، لم تصِرْ أُمَّ وَلَدِه، ووَلَدُه رَقيقٌ للوارِثِ، ونِكاحُه باقٍ، إنْ قُلْنا: لا يمْلِكُها.
وإنْ قُلْنا: يمْلِكُها بالموتِ. فوَلَدُه حُرٌّ، وتصِيرُ أُمَّ وَلَدِه،
ويبْطُلُ نِكاحُه بالموتِ. ومنها، لو وَصَّى له بأبِيه، فماتَ قبلَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القَبُولِ، فقَبِلَ ابنُه، وقُلْنا: يقُومُ الوارِثُ مَقامَه في القَبُولِ. عتَق المُوصَى به حِينَئذٍ، ولم يرِثْ شيئًا. إذا قُلْنا: إنَّما يمْلِكُه بعدَ القَبُولِ.
وإنْ قُلْنا: يَمْلِكُه بالموتِ. فقد عتَق به، فيكونُ حُرًّا عندَ موتِ أبِيه، فيرِثُ منه. ومنها، لو كانتِ الوَصِيَّةُ بمالٍ في هذه الصورَةِ؛
فإنْ قُلْنا: يثْبُتُ المِلْكُ بالموتِ. فهو مِلْكٌ للمَيتِ، فتُوَفَّى منه دُيونُه ووَصاياه. وعلى الوَجْهِ الآخَرِ؛ هو مِلْكٌ للوارِثِ الذي قَبِلَ. ذكَرَه في «المُحَرَّرِ».
قال في «القَواعِدِ»: ويتَخرَّجُ وَجْه آخَرُ، أنَّه يكونُ مِلْكًا للمُوصَى له على كِلا الوَجْهَين؛ لأنَّ التَّمْلِيكَ حصَل له، فكيف يصِح المِلْكُ ابْتِداءً لغيرِه؟ ومنها، لو وَصَّى لرَجُلٍ بأرْضٍ، فبَنَى الوارِثُ فيها وغرَس قبلَ القَبُولِ، ثم قَبِلَ المُوصَى له، ففي «الإرْشادِ»، إنْ كان الوارِثُ عالِمًا بالوَصِيَّةِ، قُلِعَ بِناؤُه وغَرْسُه مجَّانًا،
وإنْ كان جاهِلًا، فعلى وَجْهَين.
قال في «القَواعِدِ»: وهو مُتَوَجِّهٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَثْبُتَ الْمِلْكُ حِينَ الْمَوْتِ، فَتَنْعَكِسَ هَذِهِ الْأَحْكَامُ.
على القَوْلِ بالمِلْكِ بالموتِ. أمَّا إنْ قيلَ: هي قبلَ القَبُولِ على مِلْكِ الوارِثِ. فهو كبِناءِ المُشْتَرِي الشِّقْصَ المَشْفوعَ وغَرْسِه، فيكونَ مُحْترَمًا، يُتَمَلَّكُ بقِيمَتِه.
قلتُ: وهو الصَّوابُ. ومنها، لو بِيعَ شِقْصٌ في شَرِكَةِ الوَرَثَةِ والمُوصَى له قبلَ
فَصْلٌ: وَيَجُوزُ الرُّجُوعُ فِي الْوَصِيَّةِ.
قَبُولِه؛ فإنْ قُلْنا: المِلْكُ له مِن حينِ الموتِ. فهو شَرِيكٌ للوَرَثَةِ في الشُّفْعَةِ، وإلَّا فلا حقَّ له فيها. ومنها، جرَيانُه مِن حينِ الموتِ في حَوْلِ الزَّكاةِ؛
فإنْ قُلْنا: يمْلِكُه المُوصَى له. جرَى في حَوْله،
وإنْ قُلْنا: للوَرَثَةِ. فهل يجْرِي في حَوْلهمِ، حتى لو تأخَّرَ القَبُولُ سنَةً كانتْ زكاتُه عليهم، أم لا؛ لضَعْفِ مِلْكِهم فيه، وتزَلْزُلِه، وتعَلُّقِ حقِّ المُوصَى له به، فهو كمالِ المُكاتَبِ؟
قال في «القَواعِدِ»: فيه ترَدُّدٌ.
قلتُ: الثَّاني أوْلَى. فَإذَا قَال: قَدْ رَجَعْتُ فِي وَصِيَّتِي. أوْ: أَبْطَلْتُهَا. وَنَحْوَ ذَلِكَ، بَطَلَتْ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَإنْ قَال فِي الْمُوصَى بِهِ: هَذَا لِوَرَثَتِي. أوْ: مَا أوْصَيتُ بِهِ لِفُلَانٍ فَهُوَ لِفُلَانٍ. كَانَ رُجُوعًا.
وَإنْ وَصَّى بِهِ لِآخَرَ وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ، فَهُوَ بَينَهُمَا.
قوله : وإذا قال في المُوصَى به: هذا لوَرَثَتِي. أو: ما أوْصِيتُ به لفُلانٍ فهو لفُلانٍ. كان رُجُوعًا -بلا خِلافٍ أعْلَمُه- وإن وَصَّى به لآخرَ ولَمْ يقُلْ ذلك، فهو بينَهما. هذا المذهبُ.
قال في «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»: هذا المَشهورُ في المذهبِ. وجزَم. به الخِرَقِيُّ، وصاحِبُ «العُمْدَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، و «الشَّرْحِ»، و «المُذْهَبِ»، و «النَّظْمِ»، و «الخُلاصةِ»، وغيرُهم. وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. .
و «الحارِثِيِّ». وقيل: هو للثَّاني خاصَّةً. اخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ. ونقَل الأَثْرَمُ، يُؤْخَذُ بآخِرِ الوَصِيَّةِ.
وقال في «التَّبْصِرَةِ»: هو للأوَّلِ. فعلى المذهبِ، أيُّهما ماتَ أو رَدَّ قبلَ موتِ المُوصِي، كان للآخَرِ. قاله الأصحابُ، فهو اشْتِراكُ تَزاحُمٍ.
وَإِنْ بَاعَهُ، أَوْ وَهَبَهُ، أَوْ رَهَنَهُ، كَانَ رُجُوعًا.
قال: (وإن قبلها بعد الموت ثبت الملك حين القبول في الصحيح. فما حدث قبله من نماء منفصل فهو للورثة، وإن كان متصلاً تبعها.
وإن كانت الوصية بأمة فوطئها الوارث قبل القبول وأولدها: صارت أم ولد له، ولا مهر عليه، وولده حر لا تلزمه قيمته، وعليه قيمتها (١) للموصي.
وإن أوصى لرجلٍ بزوجته فأولدها قبل القبول: لم تصر أم ولد له، وولده رقيق.
ومن أوصي له بأبيه فمات قبل القبول. فقبل ابنه: عتق الموصى به حينئذٍ ولم يرث شيئاً. ويحتمل أن يثبت الملك حين الموت فتنعكس هذه الأحكام).
أما كون الملك يثبت مع كمال الشروط فيه حين القبول لا قبله على الصحيح من المذهب؛ فلأن الوصية تمليكٌ لمعين تفتقر إلى القبول. فلم يسبق الملك فيها القبول؛ كسائر العقود.
ولأن القبول من كمال السبب، والحكم لا يتقدم سببه.
ولأن الملك في الماضي لا يجوز تعليقه بشرط مستقبل.
فعلى هذا ما حدث قبل القبول من نماء منفصل فهو للورثة؛ لأنه نماء ملكهم.
وإن كان متصلاً تبع العين الموصى بها؛ لأنه لا يمكن انفصاله. فتبعت الأصل؛ كالفسوخ والرجوع في الهبة.
وإن كانت الوصية بأمة فوطئها الوارث قبل القبول وأولدها: صارت أم ولده؛ لأنه وطئ مملوكته. ولا مهر عليه؛ لأن الإنسان لا يجب عليه مهر من وطء مملوكته. وولده حر؛ لأنه من وطء في ملك. ولا تلزمه قيمته؛ لأنه لا حق لأحدٍ فيه بل انعقد جزءاً من وطء في ملكه. وعليه قيمة الأمة للموصي؛ لأنه فوّتها عليه. أشبه ما لو أتلفها.
وإن وصى لرجلٍ بزوجته فأولدها قبل القبول لم تصر أم ولد له. وولده رقيق؛ لأنه من وطء في ملك غيره.
وإن وصى له بأبيه فمات قبل القبول فقبل ابنه: عتق الموصى به عند قبول الابن؛ لأن الملك حينئذ وجد. والقاتل له ابن ابنه. فعتق عليه؛ لكونه من ذوي رحمه. ولم يرث من ابنه شيئاً؛ لأنه كان عبداً عند موته.
وأما كونه يحتمل أن يثبت الملك حين الموت؛ فلأن ما وجب انتقاله بالقبول وجب انتقاله من جهة الموجب عند الإيجاب؛ كالهبة والبيع.
ولأنه لا يجوز ثبوت الملك للميت؛ لأنه لم يبق محلاً له. بدليل: ما لو وصى له بشيء فإنه لا يصح. ولا للوارث؛ لأن الله تعالى قال:{من بعد وصية يوصي بها أودين}.
ولأن الإرث بعد الوصية.
فعلى هذا تنعكس الأحكام المذكورة قبلُ. فيكون النماء المنفصل للموصى له مع المتصل؛ لأنه نماء ملكه.
وإذا كان الموصى به أمة فأولدها الوارث قبل القبول لم تصر أم ولده؛ لأنه وطءٌ في غير ملك. وعليه المهر؛ لأنه وطئ مملوكة غيره. وولده رقيق لذلك.
وإذا كانت الوصية لشخصٍ بأبيه عتق من حين الموت؛ لأنه دخل في ملك ابنه وورث ابنه؛ لأنه كان حراً عند موته.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.