مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى إِنْسَانٍ حَقٌّ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ أَخْذُهُ بِالْحَاكِمِ، وَقَدَرَ عَلَى مَالٍ له، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْخُذَ قَدْرَ حَقِّهِ. نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ عَامَّةُ شُيُوخِنَا
Its commentaries
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ: (ومَن كان له على إنْسانٍ حَقٌّ، ولم يُمْكِنْه أخْذُه بالحاكمِ، وقَدَر له على مالٍ، لم يَجُزْ أن يَأْخُذَ قَدْرَ حَقِّه. نَصَّ عليه. واخْتارَه عامَّةُ شُيوخِنا) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا كان لرجلٍ على غيرِه حَقٌّ، وهو مُقِرٌّ به، باذِلٌ له، لم يكنْ له أنْ يَأْخُذَ مِن مالِه إلَّا ما يُعْطِيه. بلا خِلافٍ بينَ أهلِ العلمِ.
فإن أخَذَ مِن مالِه شيئًا بغيرِ إذْنِه، لَزِمَه رَدُّه إليه وإن كان قَدْرَ حَقِّه؛ لأنَّه لا يجوزُ أنْ يَمْلِكَ عليه عينًا مِن أعْيانِ مالِه، بغيرِ اخْتِيارِه، لغيرِ ضَرُورَةٍ،
وإن كانت مِن جِنْسِ حَقِّه؛ لأنَّه قد يكونُ للإِنْسانِ غَرَضٌ في العَيْنِ.
فإن أتْلَفها، أو تَلِفَتْ فصارت دَيْنًا في ذِمَّتِه، وكان الثابِتُ في ذِمَّتِه مِن جِنْسِ حَقِّه، تَقاصّا، في قياسِ المذهبِ،
والمَشْهُورِ مِن مَذهبِ الشافعىِّ. وإن كان مانِعًا له لأمْرٍ يُبِيحُ المَنْعَ، كالتَّأْجِيلِ والإِعْسارِ، لم يَجُزْ أخْذُ شئٍ مِن مالِه، بغيرِ خِلافٍ.
وإن أخَذَ شيئًا، لَزِمَه رَدُّه ما كان باقِيًا، أو عِوَضُه إن كان تالِفًا، ولا يحْصُلُ التَّقاصُّ ههُنا؛ لأنَّ الدَّيْنَ الذى له لا يَسْتَحِقُّ أخْذَه في الحالِ،
بخِلافِ التى قبلَها. وإنْ كان [مانعًا له] بغيرِ حَقٌّ، وقَدَر على اسْتِخْلاصِه بالحاكمِ أو السُّلْطانِ، لم يَجُزْ له الأخْذُ أيضًا ، بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّه قَدَر على اسْتِيفاءِ حَقِّه بمَن يقومُ مَقامَه، فأشْبَهَ ما لو قَدَر على اسْتِيفائِه مِن وكيلِه.
وإن لم يَقْدِرْ على ذلك لكونِه جاحِدًا له، ولا بَيِّنَةَ به، أو لكونِه لا يُجِيبُه إلى المُحاكَمَةِ، ولا يُمْكِنُه إجْبارُه على ذلك، أو نحو هذا، فالمشْهورُ في المذهبِ، أنَّه ليس له أخْذُ قَدْرِ حَقِّه. وهو إحْدَى الرِّوايَتَيْن عن مالكٍ. قال ابنُ عَقِيلٍ: وقد جَعَل أصْحابُنا المُحْدَثون لجوازِ الأخْذِ وَجْهًا في المذهبِ، أخْذًا مِن حديثِ هِنْدٍ، حينَ قال لها النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «خذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ».
وقال أبو الخَطَّابِ: ويَتَخَرَّجُ لَنا جوازُ الأخْذِ؛
فإن كان المقدُورُ عليه قَدْرَ حَقِّه مِن جِنْسِه، أخَذَه،
وإن كان مِن غيرِ جِنْسِه، تَحَرَّى، واجْتَهَدَ في تَقْويمِه؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ هِنْدٍ،
ومِن قولِه في الرَّهْنِ: يرْكَبُ ويحْلبُ، بقَدْرِ ما يُنْفِقُ، والمرْأةُ تَأْخُذُ مُؤْنَتَها، وبائِعُ السِّلْعَةِ يَأْخُذُها مِن مالِ المُفْلِسِ بغيرِ رِضاه.
وقال الشافعىُّ: إن لم يَقْدِرْ على اسْتِخْلاصِ حَقِّه ببينةٍ، فله أخْذُ قَدْرِ حَقِّه مِن جِنْسِه أو مِن غيرِ جِنْسِه،
وإن كانت له به بينةٌ، وقَدَر على اسْتِخْلاصِه، ففيه وَجْهان.
والمشهورُ مِن مذهبِ مالكٍ، أنَّه إن لم يكنْ لغيرِه عليه دَيْنٌ، فله أن يَأْخُذَ بقَدْرِ حَقِّه،
وإن كان عليه دَيْنٌ، لم يَجُزْ؛ لأنَّهما يَتحاصَّان في مالِه إذا أفْلَسَ.
وقال أبو حنيفةَ: له أن يَأْخُذَ بقَدْرِ حَقِّه إن كان عَيْنًا، أو وَرِقًا، أو مِن جِنْسِ حَقِّه،
وإن كان المالُ عَرْضًا، لم يَجُزْ؛ لأنَّ أخْذَ العَرْضِ عن حَقِّه اعْتِياضٌ، ولا تَجُوزُ المُعاوَضَةُ إلَّا برِضَا المُتعاوِضَيْن، قال اللهُ تعالى:{إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}. واحْتَجَّ مَن أجاز الأخْذَ بحديثِ هِنْدٍ، حينَ جاءَتْ إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أبا سُفْيانَ رجلٌ شحيحٌ ، وليس يُعْطِينِى مِن النَّفَقَةِ ما يَكْفِينِى ووَلدِى. فقال:«خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ». مُتَّفَقٌ عليه.
وإذا جاز لها أن تَأْخُذَ مِن مالِه ما يَكْفِيها بغيرِ إذْنِه، جاز للرجلِ الذى له الحَقُّ على الرجلِ. ولَنا، قولُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ». رَواه التَّرْمِذِىُّ،
وقال: حديثٌ حسنٌ. ومتى أخَذَ منه قَدْرَ حَقِّه مِن مالِه بغيرِ إذْنِه، فقد خانَه ، فيَدْخُلُ في عُمومِ الخبرِ،
وِقال عليه الصلاةُ والسلامُ:«لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئً مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نفْسٍ مِنْهُ». ولأنَّه إن أخَذَ مِن غيرِ جِنْسِه، كان مُعاوَضةً بغيرِ تَراضٍ،
وإن أخَذَ مِن جِنْسِ حَقِّه، فليس له تَعْيِينُ الحَقِّ بغيرِ رِضا صاحِبِه،
فإنَّ التَّعْيِينَ إليه، ألا تَرَى أنَّه لا يجوزُ له أن يقولَ: لا آخُذُ حَقِّى إلَّا مِن هذا الكِيسِ دُونَ هذا. ولأنَّ كلَّ ما لا يجوزُ له تَمَلُّكُه إذا لم يكنْ له دَيْنٌ، لا يجوزُ له أخْذُه إذا كان له دَيْنٌ، كما لو كان باذِلًا له.
فأمَّا حديث هِنْدٍ، فإنَّ أحمدَ اعْتَذَرَ عنه بأنَّ حَقَّها واجِبٌ عليه في كلِّ وَقْتٍ. وهذا إشارَةٌ منه إلى الفَرْقِ بالمَشَقَّةِ في المُحاكَمَةِ في كُلِّ وَقتٍ، والمُخاصَمَةِ كلَّ يوم تجبُ فيه النَّفَقَةُ،
بخِلافِ الدَّيْنِ. وفَرَّقَ أبو بكرٍ بينَهما بفَرْقٍ آخرَ، وهو أنَّ قِيامَ الزوجيَّةِ كقيامِ البَيِّنَةِ، فكأنَّ الحقَّ صار معلومًا بعلمِ قيامِ مُقْتَضِيه. وبينَهما فرقان آخَرانِ؛ أحدُهما، أنَّ للمَرْأةِ مِن التَّبَسُّطِ في مالِه بحُكْمِ العادَةِ، ما يُؤَثِّرُ في إباحَةِ أخْذِ الحقِّ، وبَذْلِ اليَدِ فيه بالمعروفِ،
بخِلافِ الأجْنَبِىِّ. الثانى، أنَّ النَّفَقَةَ تُرادُ لإِحيْاءِ النَّفْسِ، وإبْقاءِ المُهْجَةِ، وهذا ممّا لا يُصْبَرُ عنه، ولا سبيلَ إلى تَرْكِه، فجاز أخْذُ ما تَنْدَفِعُ به هذه الحاجَةُ،
بخِلافِ الدَّيْنِ، حتى نقولَ: لو صارَتِ النَّقَقَةُ ماضِيَة، لم يكنْ لها أخْذُها،
ولو وَجَب لها عليه دَيْنٌ آخَرُ، لم يكنْ لها أخْذُه. فعلى هذا، إن أخَذَ شيئًا، لَزِمَه رَدُّه إن كان باقِيًا،
وإن كان تالِفًا وَجَب مِثْلُه إن كان مِثْلِيًّا، أو قِيمَتُه إن كان مُتَقَوَّمًا،
فإن كان مِن جِنْسِ دَيْنِه، تَقاصّا ، وتساقَطا، في قياسِ المذهبِ،
وإن كان مِن غيرِ جِنْسِه، غَرِمَه،
ومَن جَوَّزَ مِن أصْحابِنا الأخْذَ ، فإنَّه إن وَجَد جِنْسَ حَقِّه، جاز له الأخْذُ بقَدْرِ حَقِّه، مِن غيرِ زِيادَةٍ، وليس له الأخْذُ مِن غيرِ جِنْسِه مع قُدْرَتِه على جِنْسِ حَقِّه.
وإنْ لم يَجِدْ إلَّا من غَيرِ جنسِ حَقِّه، فيَحْتَمِلُ أن لا يجوزَ له تَمَلُّكُه؛ لأنَّه لا يجوزُ له أن يبيعَه مِن نفْسِه، وهذا يبيعُه مِن نفسِه، وتَلْحَقُه فيه تُهْمَة. ويَحْتَمِلُ أن يجوزَ له ذلك، كما قالوا في الرَّهْنِ يُنفَقُ عليه إذا كان مَحْلُوبًا أو مَرْكُوبًا: يُحْلَبُ ويُرْكَبُ بقَدْرِ النَّفَقَةِ. وهى مِن غيرِ الجِنْسِ. واخْتلَفَ أصْحابُ الشافعىِّ في هذا؛ فمنهم مَن جَوَّزَه له، ومنهم مَن قال: يُؤَاطِئُ رجلًا يَدَّعِى عليه عندَ الحاكمِ دَيْنًا، فيُقِرُّ له بملكِ الشَّئِ الذى أخَذَه، فيَمْتَنِعُ مَن عليه الدَّعْوَى مِن قَضاءِ الدَّينِ، ليبيعَ الحاكمُ الشئَ المأْخُوذَ، ويَدْفَعَه إليه.
٤٩٢٧ - مسألة: -
(مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى إِنْسَانٍ حَقٌّ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ أَخْذُهُ بِالْحَاكِمِ، وَقَدَرَ عَلَى مَالٍ له، لَمْ يَجُزْ) أَيْ: يَحْرُمُ. (أَنْ يَأْخُذَ قَدْرَ حَقِّهِ. نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ عَامَّةُ شُيُوخِنَا) وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ، وَنَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ، وَرَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» . وَقَوْلُهُ:«لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» . وَلِأَنَّ التَّعْيِينَ وَالْمُعَارَضَةَ بِغَيْرِ رِضَا الْمَالِكِ، إِلَّا إِذَا تَعَذَّرَ عَلَى ضَيْفٍ أَخْذُ حَقِّهِ بِحَاكِمٍ فَلَهُ ذَلِكَ.
فَعَلَى مَا ذَكَرَهُ: لَوْ أَخَذَ شَيْئًا لَزِمَهُ رَدُّهُ أَوْ مِثْلُهُ أَوْ قِيمَتُهُ،
فَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ دَيْنِهِ تَسَاقَطَا فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ.
وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ غَرِمَهُ. وَتَقَدَّمَ لَوْ غَصَبَهُ مَالًا، أَوْ كَانَ عِنْدَهُ عَيْنُ مَالِهِ أَخَذَهُ قَهْرًا، زَادَ فِي التَّرْغِيبِ: مَا لَمْ يُفْضِ إِلَى فِتْنَةٍ.
قَالَ: وَلَوْ كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا دَيْنٌ عَلَى الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، فَجَحَدَ أَحَدُهُمَا، فَلَيْسَ لِلْآخَرِ أَنْ يَجْحَدَ. وَجْهًا وَاحِدًا ; لِأَنَّهُ كَبَيْعِ دَيْنٍ بِدَيْنٍ لَا يَجُوزُ، وَلَوْ رَضِيَا.
فَصْلٌ: وَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَى إِنْسَانٍ حَقٌّ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ أخْذُهُ بِالْحَاكِمِ، وَقَدَرَ عَلَى مَالٍ لَهُ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ قَدْرَ حَقِّهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ. وَاخْتَارَهُ عَامَّةُ شُيُوخِنَا.
ذكَره ابنُ الزَّاغُونِىِّ، وقدَّمه فى «الفُروعِ».
وقال أبو الخَطَّابِ: لا يَلْزَمُ الحاكِمَ سُؤالُهما عن ذلك، ولا يَلْزَمُهما جَوابُه.
وقال أبو الوَفَاءِ: إذا علِمَ تجَوُّزَهما، فهما كمُغَفَّلٍ، ولم يَجُزْ قَبُولُهما. ومَن كانَ له على إنسانٍ حَقٌّ، ولم يُمْكِنْه أخْذُه بالْحاكمِ، وقَدَرَ له على مالٍ، لم يَجُزْ له أنْ يَأْخُذَ قَدْرَ حَقِّه. نَصَّ عليه. واخْتارَه عامَّةُ شُيوخِنا. وهو وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ مِنَ المُحْدَثِينَ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ.
فَإِنْ قَدَرَ عَلَى جِنْسِ حَقِّهِ، أَخَذَ قَدْرَ حَقِّهِ، وَإلَّا قَوَّمَهُ وَأَخَذَ بِقَدْرِ حَقِّهِ، مُتَحَرِّيًا المذهبُ. نقَله الجماعَةُ عن الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: هذا المَشْهورُ فى المذهبِ. قال الزَّرْكَشِىُّ: هذا المذهبُ المَنْصوصُ المَشْهورُ.
وجزَم به فى «الوَجيزِ»، والخِرَقِىُّ، وغيرُهما. وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه.
وذهَبَ بعْضُهم مِن المُحْدِّثِين إلى جَوازِ ذلك. وحكاه ابنُ عَقِيلٍ عن المُحْدَثِين مِن الأصحابِ. وهو رِوايةٌ عن الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ. وخرَّجه أبو الخَطَّابِ- لِلْعَدْلِ فِى ذَلِكَ؛ لحَدِيثِ هِنْدٍ:«خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ». وَلِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم -: «الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ وَمَحْلُوبٌ».
وتَبِعَه جماعَةٌ مِن الأصحابِ- مِن قولِ الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ تعالَى، فى المُرْتَهِنِ: يرْكَبُ ويحْلِبُ بقَدْرِ ما يُنْفِقُ، والمَرْأةُ تأْخُذُ مُؤْنَتَها، والبائعُ للسِّلْعَةِ يأْخُذُها مِن مالِ المُفْلِسِ بغيرِ رِضاه. وخرَّجه فى «المُحَرَّرِ» وغيرِه، مِن تَنْفيذِ الوَصِىِّ الوَصِيَّةَ ممَّا فى يَدِه إذا كتَمَ الوَرَثَةُ بعْضَ التَّرِكَةِ. قال الزَّرْكَشِىُّ: وهو أظْهَرُ فى التَّخْريجِ. فعلى هذا، إنْ قَدَرَ على جِنْسِ حقِّه، أخَذَ بقَدْرِه، وإلَّا قوَّمَه وأخذَ بقَدْرِه مُتَحَرِّيًا للعَدْلِ فى ذلك، لحديثِ [رسُولِ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلَّم لهِنْدٍ زَوْجِ أبى سُفْيانَ، رَضِىَ اللهُ عنهما]: «خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بالمَعْرُوفِ»؛
ولقَوْلِه عليه أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ:«الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ ومَحْلُوبٌ». وجزَم به فى «الهِدايةِ»، و «المُحَرَّرِ»، وغيرِهما. وذكَرَ فى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الواضِحِ»، أنَّه لا يأْخُذُ إلَّا مِن جِنْسِ حقِّه. وهما احْتِمالان فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، مُطْلَقانِ. قال فى «القَواعِدِ الأُصُولِيَّةِ»: وخرَّج بعْضُ أصحابِنا الجوازَ، رِوايةً عن الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، مِن جَوازِ أخْذِ الزَّوْجَةِ مِن مالِ زوْجِها نَفَقَتَها ونَفَقَةَ وَلَدِهَا بالمَعْروفِ، وقد نصَّ الإِمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ، على . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . .
التَّفْريقِ بينَهما، فلا يصِحُّ التَّخْريجُ.
وأشارَ إلى الفَرْقِ بأنَّ المَرْأة تأْخُذُ مِن بَيْتِ زَوْجِها. يعْنِى، أنَ لها يَدًا وسُلْطانًا على ذلك، وسبَبُ النَّفَقَةِ ثابِتٌ وهو الزَّوْجِيَّةُ، فلا تُنْسَبُ بالأَخْذِ إلى خِيانَةٍ؛ ولذلك أباحَ فى رِوايةٍ عنه أخْذَ الضَّيْفِ مِن مالِ مَن نزَلَ به ولم يَقْرِه بقَدْرِ قِراه.
ومتى ظَهَرَ السَّبَبُ، لم يُنْسَبِ الآخِذُ إلى خِيانَةٍ.
وعكَسَ ذلك بعْضُ الأصحابِ، وقال: إذا ظَهَرَ السَّبَبُ، لم يَجُزِ الأخْذُ بغيرِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إذْنٍ؛ لإِمْكانِ إقامَةِ البَيِّنَةِ عليه،
بخِلافِ ما إذا خَفِىَ. وقد ذكَرَ المُصَنِّف، والشَّارِحُ فى ذلك أرْبَعَةَ فُروقٍ.
فائدة: قال القاضى أبو يَعْلَى، فى قَوْلِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - لهِنْدٍ : «خُذِى ما يَكْفِيكِ ووَلَدِكِ بالمَعْرُوفِ»: هو حُكْمٌ لا فُتْيا. واخْتَلَفَ كلامُ المُصَنِّفِ فيه؛ فَتارَةً قطَع بأنَّه حُكْمٌ، وتارَةً قطَع بأَنَّه فُتْيا. قال الزَّرْكَشِىُّ: والصَّوابُ أنَّه فُتْيا.
تنبيهات؛ أحدُها، حيثُ جوَّزْنا الأخْذَ بغيرِ إذْنٍ، فيَكونُ فى الباطِنِ. قالَه فى «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهما. وظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا، جَوازُ الأخْذِ ظاهِرًا وباطِنًا. والأصولُ التى خرَّج عليها أبو الخَطَّابِ، والمُصَنِّفُ، وغيرُهما، مِن حديثِ هِنْدٍ، وحَلْبِ الرَّهْنِ ورُكُوبِه، تَشْهَدُ لذلك، والأُصولُ التى خرَّج عليها صاحِبُ «المُحَرَّرِ» تقتَضِى ما قالَه.
الثَّانى، مفْهومُ قولِه: ولم يُمْكِنْه أخْذُه بالْحاكمِ. أنَّه إذا قَدَرَ على أخْذِه بالحاكمِ، لم يَجُزْ له أخْذُ قَدْرِ حقِّه إذا قَدَرَ عليه. وهو صحيحٌ. وهو المذهبُ.
وعنه، فى الضَّيْفِ، يأْخُذُ وإنْ قَدَرَ على أخْذِه بالحاكمِ. [وظاهِرُ «الواضِحِ»، يأْخُذُ الضَّيْفُ وغيرُه وإنْ قَدَرَ على أخْذِه بالحاكمِ] . قال فى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الفُروعِ»: [وهو] ظاهِرُ ما خرَّجه أبو الخَطَّابِ فى نفَقَةِ الزَّوْجَةِ، «والرَّهْنُ مَرْكُوبٌ ومَحْلُوبٌ»، وأخْذِ سِلْعَتِه مِن المُفْلِسِ. واخْتارَ الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، جَوازَ الأخْذِ ولو قَدَرَ على أخْذِه بالحاكمِ، فى الحق الثَّابِتِ بإقْرار أو بَيِّنَةٍ، أو كان سَبَبُ الحقِّ ظاهِرًا. قال فى «الفُروعِ»: وهو ظاهِرُ كلامِ ابنِ شِهَابٍ وغيرِه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . .
الثَّالثُ، مَحَلُّ الخِلافِ فى هذه المَسْألَةِ، إذا لم يَكُنِ الحقُّ الذى فى ذِمَّتِه قد أخَذَه قَهْرًا،
فأمَّا إنْ كانَ قد غصَبَ مالَه، فيَجُوزُ له الأخْذُ بقَدْرِ حقِّه. ذكَرَه الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، وغيرُه.
وقال: ليسَ هذا مِن هذا البابِ.
وقال فى «الفُنونِ»: مَن شَهِدَتْ له بَيِّنَةٌ بمالٍ - لا عندَ حاكمٍ- أخَذَه.
وقيلَ: لا، كقَوَدٍ، فى الأصحِّ. ومَحَل الخِلافِ أيضًا، إذا كانَ عَيْنُ مالِه قد تعَذَّرَ أخْذُه،
فأمَّا إنْ قَدَرَ على عَيْنِ مالِه، أخَذَه قَهْرًا. زادَ فى «التَّرْغيبِ»، ما لم يُفْضِ إلى فِتْنَةٍ.
قال: ولو كانَ لكُلِّ واحدٍ منهما على الآخَرِ دَيْنٌ مِن غيرِ جنْسِه، فجَحَدَ أحدُهما، فليسَ للآخَرِ أنْ يَجْحَدَ، وَجْهًا واحدًا؛ لأنَّهَ كَبَيْعِ دَيْنٍ بدَيْنٍ؛ لا يجوزُ،
ولو رَضِيا. انتهى.
[فائدة: لو كانَ له دَيْنٌ على شَخصٍ، فجَحَدَه، جازَ له أخْذُ قَدْرِ حقِّه،
ولو مِن غيرِ جِنْسِه. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. وهو مِن «المُفْرَداتِ».
قال ناظِمُها:
ومعْ جُحُودِ الدَّيْنِ لا بالظَّفَرِ ... يُؤْخَذُ مِن جِنْسِه فى الأشْهَرِ] وَحُكْمُ الحَاكِمِ لا يُزِيلُ الشَّىْءَ عَنْ صِفَتِهِ فِى البَاطِنِ. وَذَكَرَ ابْنُ أَبِى مُوسَى عَنْهُ رِوَايَةً، أَنَّهُ يُزِيلُ العُقُودَ وَالفُسُوخَ. وحُكْمُ الْحَاكِمِ لا يُزِيلُ الشَّىْءَ عَن صِفَتِه فى الباطِنِ- وهو المذهبُ.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ- وذكَرَ ابْنُ أبِى مُوسَى رِوايَةً عنه، أنَّه يُزِيلُ الْعُقُودَ وَالْفُسُوخَ. وذكَرَها أبو الخَطَّابِ. قال فى «الفُروعِ»: وحُكِىَ عنه، يُحِيلُه فى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَقْدٍ وفَسْخٍ مُطْلَقًا. وأطْلَقَهما فى «الوَسِيلَةِ». قال الإِمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ: الأَهْلُ أكثرُ مِن المالِ.
وقال فى «الفُنونِ»: إنَّ حَنْبَلِيًّا نَصَرَها، فاعْتَبَرَها باللِّعانِ.
وعنه، يُزِيلُه فى مُخْتَلَفٍ فيه قبلَ الحُكْمِ. قطَع به فى «الواضِحِ» وغيرِه. قال فى «المُحَرَّرِ»: وحُكْمُ الحاكمِ لا يُحِيلُ الشَّئَ عن صِفَتِه فى الباطِنِ، إلَّا فى أَمْرٍ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُخْتَلَفٍ فيه قبلَ الحُكْمِ؛ فإنَّه على رِوايتَيْن. قال فى «الرِّعايتَيْن»،
بعدَ أنْ حكَى الرِّوايتَيْن فى الأولِ: وقيلَ: هما فى أمْرٍ مُخْتَلَفٍ فيه قبلَ الحُكْمِ. فعلى هذه الرِّوايةِ، لو حَكَمَ حَنَفِىٌّ لحَنْبَلِىٍّ أو لشافِعِىٍّ بشُفْعَةِ جِوارٍ، فَوَجهان. وأَطْلَقهما فى «الفُروعِ».
ومَن حكَمَ لمُجْتَهِدٍ، أو عليه بما يُخالِفُ اجْتِهادَه، عَمِلَ باطِنًا بالحُكْمِ. ذكَره القاضى.
وقيلَ: باجْتِهادِه. وإنْ باعَ حَنْبَلِىٌّ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ، فحكَمَ بِصحَّتِه شافِعِىٌّ، نَفَذَ عندَ أصحابِنا خِلافًا لأبى الخَطَّابِ. قال ابنُ نَصْرِ اللهِ فى «حَواشِيه»: قولُ أبى الخَطَّابِ أَظْهَرُ؛ إذْ كيفَ يحكُمُ له بما لا يَسْتَحِلُّه، فإنَّه إنْ كانَ مُجْتَهِدًا، لَزِمَه العَمَلُ باجْتِهادِه،
وإنْ كانَ مُقَلِّدًا، لَزِمَه العَمَلُ بقَوْلِ مَن قلَّده؛ فكيفَ يَلْزَمُه شئٌ ولا يلْتَزِمُه، فيَجْتَمِعَ الضِّدَّان، إلَّا أنْ يُرادَ، يَلْزَمُه الانْقِيادُ للحُكْمِ ظاهِرًا، والعَمَلُ بضِدِّه باطِنًا، كالمَرْأةِ التى تَعْتَقِدُ أنَّها مُحَرَّمَة على زَوْجِها، وهو يُنْكِرُ ذلك. لكِنْ فى جَوازِ إقْدامِ الحاكمِ على الحُكْمِ بذلك، لمَن . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . .
يَعْتَقِدُ تحْرِيمَه، نظَرٌ؛ لأنَّه إلْزامٌ له بفِعْلٍ مُحَرَّمٍ، لاسِيَّما على قَوْلِ مَن يقولُ: كلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ. انتهى.
فوائد؛ الأُولَى، قال فى «الانْتِصارِ»: متى عَلِمَ البَيِّنَةَ كاذِبَةً، لم يُنْفِذْ.
وإنْ باعَ مالَه فى دَيْن ثَبَتَ ببَيِّنَةِ زُورٍ، ففى نُفُوذِه مَنْعٌ وتَسْلِيمٌ.
وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: هل يُباحُ له بالحُكْمِ ما اعْتَقَدَ تحْرِيمَه قبلَ الحُكْمِ؟ فيه رِوايَتان. وفى حِلِّ ما أخَذَه وغيرِه بتَأْوِيلٍ، أو مع جَهْلِه، رِوايَتان .
وإنْ رجَع المُتَأَوِّلُ، فاعْتَقَدَ التَّحْريمَ، رِوايَتان؛ بِناءً على ثُبوتِ الحُكْمِ قبلَ بُلوغِ الخِطابِ. قال: أصَحُّهما حِلُّه، كالحَرْبِىِّ بعدَ إسْلامِه وأوْلَى. وجعَل مِن ذلك، وَضْعَ طاهِرٍ فى اعْتِقادِه فى مائعٍ لغيرِه. قال فى «الفُروعِ»: وفيه نظَرٌ. وذكَر جماعَةٌ، إنْ أسْلَمَ بدارِ الحَرْبِ، وعامَلَ برِبًا جاهِلًا، ردَّه.
وقال فى «الانْتِصارِ»: ويُحَدُّ لِزِنًى.
الثَّانيةُ، مَن حُكِمَ له- ببَيِّنَةِ زُورٍ- بزَوْجِيَّةِ امْرَأةٍ، حلَّتْ له حُكْمًا،
فإنْ وَطِئَ مع العِلْمِ، فكَزِنًى. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وقيل: لا حَدَّ. ويصِحُّ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نِكاحُها لغيرِه، خِلافًا للمُصَنِّفِ. وإنْ حكَمَ بطَلاقِها ثَلاثًا بشُهودِ زُورٍ، فهى زَوْجَتُه باطِنًا،
ويُكْرَهُ له اجْتِماعُه بها ظاهِرًا، خَوْفًا مِن مَكْرُوهٍ يَنالُه،
ولا يصِحُّ نِكاحُها غيرَه ممَّن يعْلَمُ الحالَ. ذكَره الأصحابُ، ونَقَلَه أحمدُ بنُ الحَسَنِ. قال المُصَنِّفُ فى «المُغْنِى»: إنِ انْفَسَخ باطِنًا، جازَ.
وكذا قال فى «عُيونِ المَسائلِ»، على الرِّوايةِ الثَّالثةِ: تَحِلُّ للزوْجِ الثانى، وتَحْرُمُ على الأوَّلِ بهذا الحُكْمِ ظاهِرًا وباطِنًا.
الثَّالثةُ، لو رَدَّ الحاكِمُ شَهَادَةَ واحِدٍ برَمَضَانَ، لم يُؤَثِّرْ، كمِلْكٍ مُطْلَقٍ، وأَوْلَى؛ لأنَّه لا مَدْخَلَ لحُكْمِه فى عِبادَةٍ ووَقْتٍ، وإنَّما هو فَتْوَى، فلا يقالُ: حكَمَ بكَذِبِه، أو بأنَّه لم يَرَه.
ولو سلَّمَ أنَّ له مَدْخَلًا، فهو مَحْكُومٌ به فى حقِّه مِن رَمَضَانَ، فلم يُغَيِّرْه حُكْمٌ، ولم تُؤَثِّرْ شُبْهَةٌ؛ لأنَّ الحُكْمَ يُغيِّرُ إذا اعْتَقَدَ المَحْكومُ عليه أنَّه حُكْمٌ، وهذا يُعْتَقَدُ خَطَؤُه؛ كمُنْكِرَةٍ نِكاحَ مُدَّعٍ تتَيَقَّنُه، فشَهِدَ له فاسِقان، فرُدَّا. ذكَره فى «الانْتِصارِ».
وقال المُصَنِّفُ فى «المُغْنِى»: رَدُّه ليسَ بحُكْم هنا؛ لتَوقفِه فى العَدالَةِ. ولهذا لو ثَبَتَ، حَكَمَ. قال الشيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: أُمورُ الدِّينِ والعِباداتِ المُشْتَرَكَةِ بين المُسْلِمين لا يحْكُمُ فيها إلَّا اللهُ ورَسُولُه إجْماعًا. وذكَرَه القرافِىُّ. قال فى «الفُروعِ»: فدَلَّ أنَّ إثْباتَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . .
سبَبِ الحُكْمِ كرُؤْيَةِ الهلالِ، والزَّوالِ، ليسَ بحُكْمٍ،
فمَن لم يَرَه سَبَبًا، لم يَلْزَمْه شئٌ. وعلى ما ذكَرَ الشَيْخُ [تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ]، وغيرُه فى رُؤْيَةِ الهِلالِ، أنَّه حُكْمٌ.
وقال القاضى فى «الخِلافِ»: يجوزُ أنْ يَختَصَّ الواحِدُ برُؤْيَةٍ، كالبَعْضَ.
الرَّابعةُ، لو رُفِعَ إليه حُكْمٌ فى مُخْتَلَفٍ فيه، لا يَلْزَمُه نَقْضُه ليُنْفِذَه، لَزِمَه تَنْفِيذُه. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. قال فى «الفُروعِ»: لَزِمَه فى الأصحِّ.
وجزَم به فى «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى»، و «المُنَوِّرِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، وغيرِهم. قال فى «الرِّعايةِ الكُبْرى»: لَزِمَه ذلك.
قلتُ: مع عدَمِ نَصَّ يُعَارِضُه.
وقيل: لا يَلْزَمُه. وقيل: يَحْرُمُ تنْفِيذُه إنْ لم يَرَه.
وكذا الحُكْمُ لو كان نفْسُ الحُكْمِ مُخْتَلَفًا فيه، كحُكْمِه بعِلْمِه، ونُكُولِه، وشاهِدٍ ويَمِينٍ. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. قدَّمه فى «الفُروعِ».
وقال فى «المُحَرَّرِ»: فإنْ كانَ المُخْتَلَفُ فيه نفْسَ الحُكْمِ، لم يَلْزَمْه تنْفِيذُه، إلَّا أنْ يحْكُمَ به حاكِمٌ آخَرُ قبلَه. وجزَم به فى «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «المُنَوِّرِ»، وغيرِهم. قال ابنُ نَصْرِ اللهِ فى «حَواشِى الفُروعِ»: الحُكْمُ بالنُّكولِ، والشَّاهدِ واليَمينِ هو المذهبُ، فكيفَ لا يَلْزَمُه تنْفِيذُه على قولِ «المُحَرَّرِ»؟ إذْ لو كان أصْلُ الدَّعْوى عندَه، لَزِمَه الحكْمُ بها، وإنَّما يتوَجَّهُ ذلك- وهو عدَمُ لُزومِ التَّنْفيذِ لحُكْم مُخْتَلَفٍ فيه-[إذا كانَ الحاكمُ الذى رُفِعَ إليه الحُكْمُ المُخْتَلَفُ فيه] لا .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يرَى صِحَّةَ الحكْمِ، كالحُكْمِ بعِلْمِه؛ لأنَّ التَّنْفيذَ يتَضَمَّنُ الحُكْمَ بصِحَّةِ الحكْمِ المُنَفَّذِ؛
وإذا كانَ لا يرَى صِحَّتَه، لم يَلْزَمْه الحكْمُ بصِحَّتِه. انتهى.
وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: إذا صادَفَ حُكْمُه مُخْتَلَفًا فيه لم يعْلَمْه، ولم يَحْكُمْ فيه، جازَ نقْضُه.
الخامسةُ، قال شارِحُ «المُحَرَّرِ» هنا: نفْسُ الحُكْمِ فى شئٍ لا يكونُ حُكْمًا بصِحَّةِ الحُكْمِ فيه، لكِنْ لو نفَّذَه حاكِمٌ آخَرُ، لَزِمَه إنْفاذُه؛ لأنَّ الحُكْمَ المُخْتَلَفَ فيه صارَ محْكومًا به، فلَزِمَ تنْفِيذُه كغيرِه. قال شيْخُنا الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ ابنُ قندسٍ البَعْلِىُّ، رَحِمَه اللهُ: قد فُهِمَ مِن كلامِ الشَّارِحِ أنَّ الإِنْفَاذَ حُكْمٌ؛ لأنَّه قال: لو نفَّذَه حاكمٌ آخَرُ، لَزِمَه تنْفيذُه؛ لأنَّ الحُكْمَ المُخْتَلَفَ فيه صارَ محْكومًا به، وإنَّما صارَ محْكومًا به بالتَّنْفيذِ؛
لأنَّه لم يحْكُمْ به، وإنَّما نفَّذَه.
فَجَعَلَ التَّنْفيذَ حُكْمًا. وكذلك فسَّر التَّنْفيذَ بالحُكْمِ فى «شَرْحِ المُقْنِعِ الكَبِير»؛ فإنَّه قال عندَ قولِ المُصَنِّفِ: فهل يُنْفِذُه؛ على رِوايتَيْن؛ إحْداهما، يُنْفِذُه. وعللَه بأنَّه حُكْمُ حاكمٍ لم يعْلَمْه، فلم يَجُزْ إنْفاذُه إلَّا ببيِّنَةٍ. والرِّوايةُ الثَّانيةُ، يحْكُمُ به. ففَسَّرَ رِوايةَ التَّنْفيذِ بالحُكْمِ. لكِنْ قال فى مسْأَلَةِ ما إذا ادَّعَى أنَّ الحاكِمَ حكَمَ له بحقٍّ، فذَكَرَ الحاكمُ حُكْمَه: أَمْضاه، وأَلْزَمَ خَصْمَه بما حكَمَ به عليه. وليسَ هذا حُكْمًا بالعِلْمِ، وإنَّما هو إمْضاءٌ لحُكْمِه السَّابقِ.
فصرَّح أنَّه ليسَ حُكْمًا، مع أنَّ رِوايةَ التَّنْفيذِ المُتَقَدِّمَةَ التى فسَّرها بالحُكْمِ، إنَّما هى إمْضاءٌ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لحُكْمِه الذى وجَدَه فى قِمَطْرِه، فهما بمَعْنًى واحدٍ. وقد ذكَرُوا فى السِّجِلِّ أنَّه لإِنْفاذِ ما ثَبَتَ عندَه والحُكْم به،
وأنَّه يكْتُبُ: وإنَّ القاضىَ أمْضاه وحكَمَ به على ما هو الواجِبُ فى مِثْلِه، ونفَّذَه، وأشْهَدَ القاضى فُلانٌ على إنْفاذِه وحُكْمِه وإمْضائِه مَن حضَرَه مِن الشُّهودِ. فذَكَرُوا الإِنْفاذَ والحُكْمَ والإِمْضاءَ، وذكَرُوا أنَّه يكْتُبُ على كلِّ نُسْخَةٍ مِن النُّسْخَتَيْن، أنَّها حُجَّةٌ فيما أنْفَذَه فيهما. فدَلَّ على أنَّ الإِنْفاذَ حُكْمٌ؛ لأنَّهم اكْتَفَوْا به عن الحُكْمِ والإِمْضاءِ، والمُرادُ الكُلُّ. انْتَهى كلامُ شيْخِنا.
وقال ابنُ نَصْرِ اللهِ فى «حَواشِى الفُروعِ»: لم يتَعَرَّضِ الأصحابُ للتَّنْفيذِ، هل هو حُكْمٌ، أمْ لا؟ والظَّاهِرُ، أنَّه ليسَ بحُكْمٍ؛ لأنَّ الحُكْمَ بالمَحْكُومِ به تحْصِيلُ الحاصِلِ، وهو مُحالٌ، وإنَّما هو عمَلٌ بالحُكْمِ وإمْضاءٌ له، كَتَنْفيذِ الوَصِيَّةِ، وإجازَةٌ له، فكأَنَّه يُجيزُ هذا المَحْكومَ به بعَيْنِه لحُرْمَةِ الحُكْمِ،
وإنْ كانَ [ذلك المَحْكومُ به مِن] جِنْسٍ غيرِ جائزٍ عندَه. انتهى.
وقال فى مَوْضِعٍ آخَرَ: لأنَّ التَّنْفيذَ يَتَضَمَّنُ الحُكْمَ بصِحَّةِ الحُكْمِ المُنَفَّذِ.
انتهى. وتقدَّم فى آخِرِ البابِ الذى قبلَه، هل الثُّبوتُ حُكْمٌ، أمْ لا؟.
السَّادسةُ، لو رفَع إليه خَصْمان عَقْدًا فاسِدًا عندَه فقطْ، وأقَرَّا بأنَّ نافِذَ الحُكْمِ حكَم بصِحَّتِه، فله إلْزامُهما ذلك ورَدُّه، والحُكْمُ بمَذْهَبِه. ذكَرَه القاضى.
واقْتَصَرَ عليه فى «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهما.
وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: قد يقالُ: قِياسُ المذهبِ، أنَّه كالبَيِّنَةِ.
ثم ذكَر أنَّه كالبَيِّنَةِ إنْ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عيَّنا الحاكِمَ.
السَّابعةُ، لو قلَّد فى صِحَّةِ نِكاحٍ، لم يُفارِقْ بتَغيُّرِ اجْتِهادِه، كحُكْمٍ.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. وقيل: بلَى، كمُجْتَهِدٍ نكَحَ ثم رأَى بُطْلانَه، فى أصحِّ الوَجْهَيْن فيه.
وقيل: ما لم يحْكُمْ به حاكِمٌ. ولا يَلْزَمُه إعْلامُه بتَغَيُّرِه، فى أصحِّ الوَجْهَيْن.
الثَّامنةُ، لو بانَ خطَؤُه فى إتْلافٍ بمُخالَفَةِ دَليلٍ قاطِعٍ، ضَمِنَ، لا مُسْتَفْتِيه.
وفى تَضْمِينِ مُفْتٍ ليسَ أهْلًا وَجْهان. وأَطْلَقهما فى «الفُروعِ». واخْتارَ ابنُ حَمْدانَ، فى كتابه «أدَبِ المُفْتِى والمُسْتَفْتِى»، أنَّه لا ضَمانَ عليه. قال ابنُ القَيِّمِ، رَحِمَه اللَّهُ، فى «إعْلامِ المُوَقِّعِين» فى الجزء الأخيرِ: ولم أعْرِفْ هذا القَوْلَ لأحَدٍ قبلَ ابنِ حَمْدان.
ثم قال: قلتُ: خطَأُ المُفْتِى كخَطَأ الحاكمِ أو الشَّاهدِ.
التَّاسِعَةُ، لو بانَ بعدَ الحُكْمِ كُفْرُ الشُّهودِ أو فِسْقُهم، لَزِمَه نقْضُه، ويرجِعُ بالمالِ أو بدَلِه، وبدَلِ قَوَدٍ مُسْتَوْفًى على المَحْكُومِ له،
وإنْ كانَ الحُكْمُ للهِ بإتْلافٍ حِسِّىٍّ، أو بما سَرَى إليه، ضَمِنَه مُزَكُّون. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
قدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى»، وغيرِهم.
وقال القاضى وصاحِبُ «المُسْتَوْعِبِ»: يضمَنُه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحاكِمُ، كعَدَمِ مُزَكٍّ وفِسْقِه. وقيل: يضْمَنُ أيَّهما شاءَ، وقَرَارُه على مُزَكٍّ.
وعندَ أبى الخَطَّاب؛ يَضْمَنُه الشُّهودُ. وذكَر ابنُ الزَّاغُونِى، أنَّه لا يجوزُ له نقْضُ حُكْمِه بفِسْقِهما إلًّا بثبوتِه ببَيِّنَةٍ، إلَّا أنْ يكونَ حكَمَ بعِلْمِه فى عَدالَتِهما، أو بظاهرِ عَدالَةِ الإِسْلامِ. ويمَنْعُ ذلك فى المَسْألتَيْن فى إحْدَى الرِّوايتَيْن،
وإنْ جازَ فى الثَّانيةِ، احْتَمَلَ وَجْهَيْن؛
فإنْ وافَقَه المَشْهودُ له على ما ذكَرَ، ردَّ مالًا أخَذَه، ونقَضَ الحُكْمَ بنَفْسِه دُونَ الحاكمِ،
وإنْ خالَفَه فيه، غَرِمَ الحاكمُ.
وأجابَ أبو الخَطَّابِ، إذا بانَ له فِسْقُهما وَقْتَ الشَّهادَةِ، أو أنَّهما كانا كاذِبَيْن، نقَضَ الحُكْمَ الأوَّلَ، ولم يَجُزْ له تَنْفِيذُه. وأجابَ أبو الوَفَاءِ، لا يُقْبَلُ قولُه بعدَ الحُكْمِ.
وعنه، لا يُنْقَضُ بفِسْقِهم. وذكَر ابنُ رَزِينٍ [فى «شَرْحِه»] ، أنَّه الأَظْهَرُ، فلا ضَمانَ. وفى «المُسْتَوْعِب» وغيرِه، يضْمَنُ الشُّهودُ. انتهى.
وإنْ بانُوا عَبِيدًا، أو والِدًا، أو وَلَدًا، أو عَدُوًّا؛
فإنْ كانَ الحاكِمُ الذى حكَمَ به يرَى الحُكْمَ به، لم ينْقُضْ حُكْمَه،
وإنْ كانَ لا يرَى الحُكْمَ به، نقَضَه، ولم يُنْفِذْ؛ لأنَّ الحاكمَ يعْتَقِدُ بُطْلانَه. قالَه فى «الفُروعِ».
وقال ابنُ نَصْرِ اللهِ فى «حَواشِيه»: إذا حَكَمَ بشَهادَةِ شاهدٍ، ثم ارْتابَ فى شَهادَتِه، لم يَجُزْ له الرُّجوعُ فى حُكْمِه.
وقال فى مَوْضِعٍ آخَرَ: تحَرَّرَ فيما إذا كانَ لا يرَى الحُكْمَ به ثَلاَثَةُ أقوالٍ؛ لُزومُ النَّقْضِ، وجَوازُه، وعدَمُ جَوازِ نقْضِه، كما هو مُقتَضَى ما فى «الإرْشادِ». انتهى.
وقال فى «المُحَرَّرِ»: مَن حكَمَ بقَوَدٍ، أو حَدٍّ ببَيِّنَةٍ، ثم بانُوا عَبيدًا، فله نقْضُه إذا كانَ لا يرَى قَبُولَهم فيه.
قال: وكذا مُخْتَلَفٌ فيه صادَف مَا حكَمَ فيه وجَهِلَه. وتقدَّم كلامُه فى «الإِرْشادِ»، أنَّه إذا حكَمَ فى مُخْتَلَفٍ فيه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بما لا يرَاه مع عِلْمِه، لا ينْقُضُ. فعلى الأوَّلِ، إنْ شكَّ فى رَأْىِ الحاكمِ، فقد تقدَّم، إذا شكَّ هل علِمَ الحاكِمُ بالمُعارِضِ، كمَن حكَمَ ببَيِّنَةِ خارِجٍ، وجَهِلَ عِلْمَه ببَيِّنَةِ داخِلٍ، لم ينْقُضْ. قال فى «الفُروعِ»: وقد عُلِمَ ممَّا تقدَّم وممَّا ذكَرُوا فى نقْضِ حُكْمِ الحاكمِ، أنَّهَ لا يُعْتَبَرُ فى نَقْضِ حُكْمِ الحاكمِ عِلْمُ الحاكمِ بالخِلافِ، خِلافًا لمالِكٍ، رَحِمَه اللهُ تعالَى.
وإنْ قال: عَلِمْتُ وَقْتَ الحُكمِ أنَّهما فَسَقَةٌ، أو زُورٌ، وأكْرَهَنِى السُّلْطانُ على الحُكْمِ بهما. فقال ابنُ الزَّاغُونِىِّ: إنْ أضافَ فِسْقَهما إلى عِلْمِه، لم يَجُزْ له نَقْضُه،
وإنْ أضافَه إلى غيرِ عِلْمِه، افْتَقَرَ إلى بَيِّنَةٍ بالإِكْراهِ، ويَحْتَمِلُ، لا.
وقال أبو الخَطَّابِ، وأبو الوَفاءِ: إنْ قال: كُنْتُ عالِمًا بفِسْقِهما. يُقْبَلُ قولُه. قال فى «الفروعِ»: كذا وَجَدْتُه. حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م المكتب: ٤ ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: ٣٤٥٢٥٧٩ - فاكس: ٣٤٥١٧٥٦ المطبعة: ٢، ٦ ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: ٣٤٥٢٩٦٣ ص. ب: ٦٣ إمبابة يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته ..
ووفقه لمرضاته بسم الله الرحمن الرحيم [٣٣٣ ظ] بَابُ حُكْمِ كِتَابِ القَاضِى إِلَى القَاضِى بابُ حُكْمِ كِتابِ القاضى إلى القاضى يُقْبَلُ كِتَابُ القَاضِى إلَى القَاضِى فِى المَالِ، وَمَا يُقْصَدُ بِهِ
فصل [فيمن قدر على أخذ حقه] قال المصنف رحمه الله: (ومن كان له على إنسانٍ حقٌ ولم يمكنه أخذه بالحاكم وقدر له على مال لم يجز أن يأخذ قدر حقه نص عليه، واختاره عامة شيوخنا. وذهب بعضهم من المحدثين إلى جواز ذلك، فإن قدرَ على جنس حقه أخذ بقدره، وإلا قوّمه وأخذ بقدره متحرياً للعدل في ذلك لحديث هند: «خُذي ما يكفيكِ وولدكِ بالمعروف» (١) ، ولقوله عليه السلام:«الرهنُ مركوبٌ ومحلوبٌ»
Adds nothing on this mas’ala.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.