وَكَذَلِكَ الْقَذْفُ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَثْبُتُ الْقَذْفُ
Its commentaries
مسألة: (وكذلك القَذْفُ) إذا شَهِدَ أحدُهما أنَّه قَذَفَه غُدْوَةً، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه قَذَفَه عَشِيَّةً، أو شَهِدَ أحَدُهُما أنَّه قَذَفَه بالعَرَبِيَّةِ، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه قَذَفَه بالعَجَمِيَّةِ، أو اخْتَلَفا في المَكانِ، لم يَثْبُتِ القَذْفُ؛ لأنَّ القَذْفَ في مَكانٍ غيرُ القَذْفِ في المكانِ الآخَرِ،
وكذلك الاخْتِلافُ في الزَّمانِ (وقال أبو بكرٍ: يَثْبُتُ القَذْفُ) لأنَّ المَشْهودَ به واحدٌ،
وإنِ اخْتَلَفَتِ العِبارَةُ، واخْتَلَفَ الزَّمانُ. والأوَّلُ المذهبُ.
فَصْلٌ في الشَّهادةِ على الإقْرارِ بالفِعْلِ: مثل أن يَشْهَدَ أحدُهما أنَّه أقَرَّ عندِى يومَ الخميسِ بدمشقَ أنَّه قَتَلَه، أو قَذَفَه، أو غَصَبَه كذا، أو أنَّ له في ذِمَّتِه كذا، ويَشْهَدَ الآخَرُ أنَّه أقَرَّ عندِى بهذا يومَ السبتِ بحِمْصَ، كَمَلَتْ شَهادَتُهما. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ.
وقال زُفَرُ: لا تَكْمُلُ شَهادَتُهما؛ لأنَّ كلَّ إقْرارٍ لم يَشْهَدْ به إلَّا واحدٌ، فلم تكْمُل الشَّهادةُ، كالشَّهادةِ على الفِعْلِ. ولَنا، أنَّ المُقَرَّ به واحدٌ، وقد شَهِدَ اثْنان بالإقْرارِ به، فكَمَلَتْ شَهادَتُهما، كما لو كان الإقْرارُ بهما واحدًا، وفارَقَ الشَّهادةَ على الفِعْلِ؛
فإنَّ الشَّهادةَ فيها على فِعْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْن، فنَظِيرُه مِن الِإقْرارِ أن يَشْهَدَ أحدُهما أنَّه أقَرَّ عندِى أنَّه قتَلَه يومَ الخميسِ، وشهِدَ الآخَرُ أنَّه أقَرَّ أنَّه قتَلَه يومَ الجمعةِ،
فإنَّ شَهادَتَهما لا تُقْبَلُ ههُنا. ويُحَقِّقُ ما ذكَرْناه، أنَّه لا يُمْكِنُ جَمْعُ الشُّهودِ لسَماعِ الشَّهادةِ في حَقِّ كلِّ واحدٍ، والعادةُ جارِيةٌ بطَلَبِ الشُّهودِ في أماكِنِهم، لا في جَمْعِهم إلى المشْهودِ له، فيَمْضِى إليهم في أَوْقاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ ، وأماكنَ مُخْتَلِفَةٍ، فيُشْهِدُهم على إقْرارِه.
فإن كان الإقْرارُ بفِعْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، مثلَ أن يقولَ أحدُهما: أشْهَدُ أنَّه أقَرَّ عندِى أئه قتَلَه يومَ الخميسِ.
وقال الآخَرُ: أشْهَدُ أنَّه أقَرَّ عندِى [أنَّه قَتَلَه يومَ الجُمُعَةِ. أو قال أحدُهما: أشْهَدُ أنَّه أقَر عندِى أنَّه قَذَفَه بالعَرَبيَّةِ.
وقال الآخَرُ. أشْهَدُ أنَّه أقَرَّ عندى] أنَّه قَذَفَه بالعَجَمِيَّةِ. لم تَكْمُلِ الشَّهادةُ؛ لأنَّ الذى شَهِدَ به أحدُهما غيرُ الذى شهِدَ به صاحِبُه، فلم تَكْمُلِ الشَّهادةُ، كما لو شهِدَ أحدُهما أنَّه أقَرَّ أنَّه غصَبَه دَنانِيرَ، وشهِدَ الآخَرُ أنَّه غصَبَه دَراهِمَ، لم تَكْمُلْ. وعلى قولِ أبي بكرٍ، تَكْمُلُ الشهادةُ في القَتْلِ والقَذْفِ؛ لأنَّ القَذْفَ بالعربيَّةِ أو العَجَمِيَّةِ، والقَتْلَ بالبَصْرةِ أو الكُوفِة، ليس مِن المُقْتَضِى، فلا يُعْتَبَرُ في الشَّهادةِ. والأوَّلُ أصَحُّ.
فصل: فإن شَهِدَ أحدُهما أنَّه غَصَبَه هذا العبدَ، وشهِدَ الآخَرُ أنَّه أقَرَّ بغَصْبِه منه، كَمَلَتِ الشَّهادةُ، [وقُبِلَتْ]، وحُكِمَ بها؛ لأنَّه يجوزُ أن يكونَ الغَصْبُ الذى أقَرَّ به هو الذى شهِدَ الشَّاهِدُ به، فلم يخْتَلِفِ الفِعْلُ، وكَمَلَتِ الشَّهادةُ، كما لو شهِدَا في وَقْتَيْنِ على إقْرارِه بالغَصْبِ.
وقال القاضى: لا تَكْمُلُ الشَّهادةُ، ولا يُحْكَمُ بها. وهو تولُ الشافعىِّ؛ لأنَّه يجوزُ أن يكونَ ما أقَرَّ به غيرَ ما شهِدَ به الشَّاهِدُ. وهذا يَبْطُلُ بالشَّهادةِ على إقْرارَيْنِ، فإنَّه يجوزُ أن يكونَ ما أقَرَّ به عندَ أحدِ الشَّاهِدَيْن غيرَ ما أقَرَّ به عندَ الآخَرِ، إذا كانا في وَقْتَيْن مُخْتَلِفَيْن، ولأنَّه إذا أمْكَنَ جَعْلُ الشَّهادةِ على فِعْلٍ واحدٍ، لم تُحْمَلْ على اثْنَيْن ، كالإقْرارَيْن، وكما لو شهِدَ بالغَصْبِ اثْنان، وشهِدَ على الإقْرارِ به اثْنان.
فإن شهِدَ أحدُهما أنَّه غَصَب هذا العبدَ مِن زيدٍ، أو أنَّه أقَر بغَصْبِه منه، وشهِدَ الآخَرُ أنَّه مِلْكُ زَيْدٍ، لم تَكْمُلْ شَهادَتُهما ؛ لأنَّهما لم يَشْهَدا على شئٍ واحدٍ.
وإن شَهِدَا أنَّه أخذَه من يَدَيْه، ألْزمَه الحاكمُ رَدَّه إلى يَدَيْه؛ لأنَّ اليدَ دَليلُ المِلْكِ، فيَرُدُّه إلى يَدِه؛ لتكونَ دَلالتُها ثابتةً له. قال مُهَنَّا: سألتُ أبا عبدِ اللهِ، عن رجلٍ ادَّعَى دارًا في يَدِ رجلٍ، وأقامَ شاهِدَيْن، شهِدَ أحدُهما، قال: أشْهَدُ أنَّ هذه الدَّارَ لفُلانٍ.
وقال الآخَرُ: أشْهَدُ أنَّ هذه الدَّارَ دارُ فلانٍ. قال: شَهادَتُهما جائزةٌ.
٥٠٣٧ -
(وَكَذَلِكَ الْقَذْفُ) أَلْحَقَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا الْقَذْفَ بِالْأَفْعَالِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ لَمْ تَكْمُلْ عَلَى قَذْفِهِ، وَلِأَنَّ اخْتِلَافَ الشُّهُودِ شُبْهَةٌ وَالْحَدُّ يُدْرَأُ بِهَا (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَثْبُتُ الْقَذْفُ) لِأَنَّ الْمَشْهُودَ بِهِ وَاحِدٌ، أَشْبَهَ الْبَيْعَ وَسَائِرَ الْأَمْوَالِ.
تَنْبِيهٌ: ذَكَرَ فِي الشَّرْحِ: أَنَّهُ إِذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدِي يَوْمَ الْخَمِيسِ بِدِمَشْقَ أَنَّهُ قَتَلَهُ أَوْ قَذَفَهُ أَوْ غَصَبَهُ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدِي بِهَذَا يَوْمَ السَّبْتِ، كَمُلَتِ الْبَيِّنَةُ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ.
وَقَالَ زُفَرُ: لَا تَكْمُلُ؛ لِأَنَّ كُلَّ إِقْرَارٍ لَمْ يَشْهَدْ بِهِ إِلَّا وَاحِدٌ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الْفِعْلِ.
وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْمُقِرَّ بِهِ وَاحِدٌ، وَقَدْ شَهِدَ اثْنَانِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ فَكَمُلَتْ، كَمَا لَوْ كَانَ الْإِقْرَارُ بِهِ وَاحِدًا، وَفَارَقَ الشَّهَادَةَ عَلَى الْفِعْلِ،
فَإِنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى فِعْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَنَظِيرُهُ فِي الْإِقْرَارِ أَنْ يَشْهَدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدِي قَتْلَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَالْآخَرُ: أَنَّهُ قَتَلَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، لَمْ تَكْمُلِ الْبَيِّنَةُ؛ لِأَنَّ الَّذِي شَهِدَ بِهِ أَحَدُهُمَا غَيْرُ الَّذِي شَهِدَ بِهِ الْآخَرُ، كَمَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَهُ دَنَانِيرَ، وَالْآخَرُ دَرَاهِمَ،
ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّهَا تَكْمُلُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الْمُقْتَضَى، فَلَا يُعْتَبَرُ فِي الشَّهَادَةِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
قُلْتُ: وَعَلَى عَدَمِ الْجَمْعِ، لِمُدَّعِي الْقَتْلِ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ أَحَدِهِمَا وَيَأْخُذَ الدِّيَةَ.
وَمَتَى جَمَعْنَا مَعَ اخْتِلَافِ الْوَقْتِ فِي قَتْلٍ أَوْ طَلَاقٍ فَالْعِدَّةُ وَالْإِرْثُ يَلِي آخِرَ الْمُدَّتَيْنِ
وكَذلك القَذْفُ. يعْنِى أنَّ البَيِّنَةَ لا تَكْمُلُ إذا اخْتَلَفَ الشَّاهِدان فى وَقْتِ قَذْفِه. وهو الصَّحيحُ مِن المذهبِ. وعليه جماهيرُ الأصحابِ. قال فى «المُحَرَّرِ»: حُكْمُه حكمُ النِّكاحِ عندَ أكثرِ أصحابِنا. وجزَم به فى «الوَجِيزِ» وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَثْبُتُ الْقَذْفُ.
وغيرِه. وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه.
وقال أبو بَكْرٍ: يَثْبُتُ القَذْفُ.
فوائد؛ الأُولَى، لو كانتِ الشَّهادةُ على الإقْرارِ بفِعْل أو غيرِه،
ولو نِكاحًا أو قَذْفًا، جُمِعَتْ. قالَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وصاحبُ «الوَجِيزِ»، وغيرُهم.
الثَّانِيةُ، لو شَهِدَ واحدٌ بالفِعْلِ، وآخَرُ على إقْرارِه، فالصَّحيحُ مِن المذهبِ أنَّ البَيِّنَةَ تُجْمَعُ. نصَّ عليه. واخْتارَه أبو بَكْرٍ، والمُصَنِّفُ فى «المُغْنِى»، فى القَسامَةِ، والشَّارِحُ فى أقْسامِ المَشْهودِ به، وصاحِبُ «المُحَرَّرِ»، وغيرُهم. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال فى «الفُروعِ»: فنَصُّه، تُجْمَعُ.
وقال القاضى: لا تُجْمَعُ. وقالَه غيرُه. وذكَرَه فى «المُحَرَّرِ» عن الأكْثَرَين.
الثَّالثةُ، لو شَهِدَ واحدٌ بعَقْدِ نِكاحٍ، أو قَتْل خَطَأٍ، وآخَرُ على إقْرارِه، لم تُجْمَعْ، وَلمُدَّعِى القَتْلِ أنْ يحْلِفَ مع أحَدِهما، ويأْخُذَ الدِّيَةَ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الرَّابعةُ، متى جمَعْنا البَيِّنةَ، مع اخْتِلافِ زمَن فى قَتْلٍ أو طَلاقٍ، فالعِدَّةُ، والإرْثُ تَلِى آخِرَ المُدَّتَيْن. جزَم به فى «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الحاوِى»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وَإنْ شهِدَ شاهِدٌ أَنَّهُ أَقَرَّ لهُ بِأَلْفٍ، وَشهِدَ آخرُ أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِأَلْفيْنِ، ثَبَتَ الْأَلْفُ، وَيَحْلِفُ عَلَى الآخَرِ مَعَ [٣٤٧ و] شَاهِدِهِ إِنْ أَحَبَّ.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.