ثُمَّ التَّرَاوِيحُ وَهِيَ عِشْرُونَ رَكْعَةً يَقُومُ بِهَا فِي رَمَضَانَ الْعُمْدَةِ وَفِي جَمَاعَةٍ وَيُوتِرُ بَعْدَهَا فِي الْجَمَاعَةِ الْقَلَمِ الْبَقَرَةِ الْأَنْعَامِ
Its commentaries
مسألة: (ثم التراوِيحُ، وهي عِشْرُونَ رَكْعَة، يَقُومُ بها في رمضانَ في جَماعَةٍ، ويُوتِرُ بعدَها في الجَماعَةِ) التراوِيحُ سُنة مُؤكدَة، سَنَّها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، قال أبو هُرَيرة: كان رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يرغبُ في قِيامِ رمضانَ، مِن غيرِ أن يَأمُرَهم فيه بعَزِيمةٍ، فيقولُ:«مَنْ قامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». وعن عائشةَ: صلَّى رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في المَسْجدِ ذاتَ لَيْلَةٍ، فصَلَّى بصَلاتِه ناسٌ، ثم صلَّى في القابِلَةِ، وكثُر النّاسُ، ثم اجْتَمَعُوا مِن الليْلَةِ الثالِثَةِ والرابِعةِ ، فلم يَخْرُجْ إليهم رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فلَمّا أصْبَحَ، قال:«قَدْ رَأيْتُ الذِي صَنَعْتُمْ، فَلَمْ يَمْنَعْني مِنَ الخُرُوجِ إلَيْكمْ إلَّا أني خَشِيتُ أنْ تُفْرَضَ عَليْكُمْ».
وذلك في رمضانَ. رواهما مسلم . وعن أبي ذَر، قال: صُمْنا مع رسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- رمضانَ، فلم يَقُمْ بنا شيئًا مِن الشهْرِ، حتَّى بَقِيَ سبْعٌ، فقامَ بنا حتَّى ذهَب ثلث الليْل، فلَمّا كانتِ السّادِسةُ لم يَقُمْ بنا، فلما كانتِ الخامِسَةُ قامِ بنا حتَّى ذَهَب شَطْرُ الليْلِ، فقلتُ: يَا رسولَ الله، لو نَفَلْتَنا قِيام هذه اللَّيْلَة؟ قال: فقال: «إن الرَّجُل إذا صَلى مَعَ الإمَامِ حَتَّى يَنْصَرِف، حسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ».
قال: فلَما كانتِ الرّابِعَةُ لم يَقُمْ، فلَما كانتِ الثّالِثَةُ جَمَع أهْلَه ونِساءَه والنّاسَ، فقامَ بنا حتَّى خَشِينا أن يَفُوتَنا الفَلاحُ.
قال: قلتُ: وما الفَلاحُ؟ قال: السَّحُورُ. ثم لم يَقمْ بنا بَقيَّة الشهْرِ. رَواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، واللفْظُ له، وابن ماجه، والنَّسائِي، والترمِذِي ،
وقال: حديث حسن صحيح. وعن أبي هُرَيْرَةَ، قال: خَرَج رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فإذا النَّاسُ [في رمضانَ] يُصَلون في ناحِيَة المَسْجِدِ، فقال:«مَا هؤلَاءِ؟» فقيل: هؤلاءِ أناس ليس معهم قرْآن، وأبي بنُ كَعب يُصَلى بهم، [وهم] يُصَلون بصَلاِته. فقال النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «أصابُوا، وَنِعْمَ مَا صَنَعُوا». رَواه أبو داودَ ،
وقال: يروِيه مسلمُ بنُ خالِدٍ، وهو ضَعِيفٌ. حتَّى كان زَمَنُ عُمَرَ، رَضىَ الله عنه، فجَمَعَ النَّاسَ على أبيّ بْن كَعْب. فرَوَى عبدُ الرحمنِ بنُ عبد القارِيُّ ، قال: خَرَجْتُ مع عُمَرَ لَيْلَةً في رمضانَ،
فإذا النَّاسُ أوْزاعٌ مُتَفرقُون، يُصَلى الرجلُ لنَفْسِه، ويُصَلِّي الرجُلُ فيُصَلي بصَلاِته الرهْطُ، فقال عُمَرُ: إنِّي أرَى لو جَمَعْتُ هؤلاءِ على قارِئٍ واحِدٍ، لكان أمْثَلَ. ثم عَزَم فجَمَعَهم على أبيِّ بنِ كَعْبٍ، قال: ثم خَرَجْتُ معه لَيْلَةً أخْرَى والنَّاسُ يُصَلون بصَلاةِ قارِئِهم، فقال: نِعْمَتِ البِدْعَةُ هذه، والتي يَنامُون عنها أفْضَلُ مِن التي يَقُومُون. يريدُ آخِرَ اللَّيْلِ. وكان النَّاسُ يَقُومُون أولَه. أخْرَجَه البُخارِيُّ .
فصل: وعَدَدُها عِشْرُون رَكْعَةً. وبه قال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعي.
وقال مالكٌ: سِتٌّ وثَلاثون. وزَعَم أنَّه الأمْرُ القَدِيم، وتَعَلق بفِعلِ أهلِ المَدِينَةِ؛
فإن صالِحًا مَوْلَى التَّوْأمَةِ، قال: أدْرَكْتُ النَّاسَ يَقومُون بإحْدَى وأرْبَعِين رَكْعَةً! يُوتِرُون منها بخَمسٍ. ولَنا، أن عُمَر، رَضِيَ الله عنه، لَما جَمَع النَّاسَ على أبيِّ بنِ كعْبٍ، فكان يصَلِّي بهم عِشْرِين رَكْعَة. وروَى السّائبُ بنُ يزِيدَ نحْوَه . وروَى مالك مثل ذلك ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ، قال: كان النَّاسُ يَقُومُون في زَمَنِ عُمَرَ ابنِ الخطابِ في رمضانَ بثَلاثٍ وعِشْرِينَ رَكْعَةً. وعن أبي عبدِ الرحمنِ السلَمِي، عن علي، رَضِيَ الله عنه، أنَّه أمَرَ رجلًا يُصَلّى بهم في رمضانَ عِشْرِين رَكْعَة .
وهذا كالإجْماعِ. وأمّا ما روَى صالِح،
فإن صالِحًا ضَعِيفٌ، ثمَّ لا نَدْرِي مَن النّاسُ الذين أخْبَرَ عنهم؟ وليس ذلك بحُحةٍ. ثم لو ثَبَت أن أهل المَدِينَةِ كلهم فَعَلُوه، لكان ما فَعَلَه عُمَرُ وعليٌّ، وأجْمَعَ عليه الصحابَةُ في عَصْرِهم، أوْلَى بالاتباعِ. قال بعضُ أهلِ العلمِ: إنما فَعَل هذا أهلُ المَدِينَةِ؛ لأنهم أرادُوا مُساواةَ أهلِ مَكةَ،
فإن أهلَ مَكَّةَ يَطوفُون سَبْعًا بينَ كلِّ تَرْوِيحَتَيْن، فجَعَلَ أهلُ المَدِينَةِ مَكانَ [كلِّ سَبْعٍ] أرْبَعَ رَكَعاتٍ، واتِّباعُ أصحابِ رسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أحَقُّ وأوْلَى.
فصل: والأفْضَلُ فِعْلُها في الجَماعَةِ. نصَّ عليه، في رِوايَة يُوسُفَ ابن موسى. ويُوتِرُ بعدَها في الجَماعَةِ، لِما ذَكَرْنا مِن حَدِيثِ يَزِيدَ بنِ رُومانَ. قال أحمدُ: كان جابرٌ، وعلي، وعبدُ الله يُصَلونَها في الجَماعَةِ. وبهذا قال المُزَنِي، وابنُ عبدِ الحَكَمِ، وجَماعَة مِن الحَنَفِية.
وقال مالك، والشافعي: قيامُ رمضانَ لمَن قَوِيَ في البَيْتِ أَحَبُّ إلينا؛ لِما روى زيدُ بن ثابِتٍ، قال: احْتَجَرَ رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- حُجيرَة بخَصَفَةٍ أو حَصِيرٍ ، فخَرَجَ رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلِّي فيها. قال: فتَتَبعَ إليه رِجال، وجاءوا يصَلون بصَلاِته، قال : ثم جاءوا لَيْلَةً فحضرُوا، وأبطَأ رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- عنهم، فلم يَخْرُجْ إليهم، فرَفَعوا أصْواتَهم، وحَصبُوا البابَ، فخَرَجَ إليهم رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- مُغْضَبًا، فقال لهم : «مَا زَالَ بِكُمْ صَنِيعُكُمْ حَتَّى ظَنَنْتُ أنَّه سَيُكْتَبُ عَلَيْكمْ، فَعَلَيْكُمْ بِالصَّلاةِ في بُيُوتِكُمْ، فَإنَّ خَير صَلَاةِ الْمَرْءِ في بَيتهِ، إلَّا المَكتُوبَةَ».
رَواه مسلمٌ . ولَنا، إجْماعُ الصحابَةِ على ذلك، وجَمْعُ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أهلَه وأصحابَه في حَدِيثِ أبي ذرٍّ، وقولُه:«إن الرجُلَ إذا صلَّى معَ الإمَامِ حَتَّى يَنْصَرِف حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ». وهذا خاصٌّ في قِيامِ رمضانَ، فيُقَدَّمُ على عُمومِ ما احْتَجُّوا به، وقولُ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لهم ذلك مُعَلَّلٌ بخَشْيَةِ فَرْضِه عليهم، ولهذا تَرَك القِيامَ بهم مُعَلِّلًا بذلك، أو خَشْيَةَ أن يَتَّخِذها النَّاس فَرْضًا، وقد أُمِن هذا بعدَه.
فصل: قال أحمدُ: يَقْرَأُ بالقَوْمِ في شَهْرِ رمضانَ ما يَخِفُّ عليهم، ولا يَشُقُّ، لا سِيَّما في اللَّيالِي القِصارِ.
وقال القاضي: لا يُسْتَحَب النقصانُ عن خَتْمَةٍ في الشَّهْرِ؛ ليَسْمَعَ النّاس جَمِيعَ القُرآنِ، ولا يزيدُ على خَتْمَةٍ؛ كَراهِيَة المَشَقةِ على مَن خَلْفَه. قال الشيخُ ، رَحِمَه اللهُ: والتَّقْدِيرُ بحالِ النَّاس أوْلَى؛ فإنَّه لو اتَّفَقَ جَماعَة يَرْضَوْن بالتطْوِيلِ ويَخْتارُونَه، كان أفْضَلَ، كما جاء في حَدِيثِ أبي ذَرٍّ، قال: فقُمْنا مع النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- حتَّى خَشِينا أن يَفُوتَنا الفَلاحُ. يعني السَّحُورَ. وعن السائِبِ بنِ يَزيدَ، قال: كانوا يَقُومُون على عهدِ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ، رَضىَ الله عنه، في شَهْرِ رمضانَ بعِشْرِين رَكْعة، وكانوا يقُومُون بالمائتيْن، وكانوا يَتَوَكئُون على عِصِيِّهم في عهدِ عُثْمانَ، رَضِيَ اللهُ عنه، مِن شدةِ القِيامِ.
رَواه البَيْهَقي . وعن أبي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ قال: دعا عُمَرُ بنُ الخطَابِ بثَلَاثةِ قُراء فاسْتَقْرَأهم، فأمَرَ أسْرَعَهم قِراءةً أن يَقْرأ للنَّاس بثلاِثين آية، وأوْسَطهم أن يَقْرا خَمْسًا وعِشْرِين آية، وأمَرَ أبطَأَهم أن يَقْرأ عِشْرِينَ آيةً. رَواه البَيْهَقِي . وكان السَّلَفُ يَستَعْجلُون خدَمَهم بالطعامِ؛ مخافَةَ طُلُوعِ الفَجْرِ.
(ثُمَّ التَّرَاوِيحُ) : سُمِّيَتْ بِهِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَجْلِسُونَ بَيْنَ كُلِّ أَرْبَعٍ يَسْتَرِيحُونَ،
وَقِيلَ: لِأَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْمُرَاوَحَةِ؛ وَهِيَ التَّكْرَارُ فِي الْفِعْلِ؛ وَهِيَ سُنَّةٌ سَنَّهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَيْسَتْ مُحْدَثَةً لِعُمَرَ؛ وَهِيَ مِنْ أَعْلَامِ الدِّينِ الظَّاهِرَةِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: تَجِبُ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّاهَا بِأَصْحَابِهِ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ تَرَكَهَا خَشْيَةَ أَنْ تُفْتَرَضَ» . (وَهِيَ عِشْرُونَ رَكْعَةً) : فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ فِي زَمَنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي رَمَضَانَ بِثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ رَكْعَةً، وَالسِّرُّ فِيهِ أَنَّ الرَّاتِبَةَ عَشْرٌ، فَضُوعِفَتْ فِي رَمَضَانَ؛
لِأَنَّهُ وَقْتُ جِدٍّ وَتَشْمِيرٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ: سِتٌّ وَثَلَاثُونَ، وَزَعَمَ أَنَّهُ الْأَمْرُ الْقَدِيمُ، وَتَعَلَّقَ بِفِعْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ عَنْهُمْ أَنَّهَا إِحْدَى وَأَرْبَعُونَ رَكْعَةً، وَاخْتَارَهُ إِسْحَاقُ.
وَقَالَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ: أَمَرَ عُمَرُ أُبَيًّا، وَتَمِيمًا أَنْ يَقُومَا بِالنَّاسِ بِإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً. رَوَاهُ مَالِكٌ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: رُوِيَ فِي هَذَا أَلْوَانٌ، وَلَمْ يَقْضِ فِيهِ بِشَيْءٍ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: رَأَيْتُ أَبِي يُصَلِّي فِي رَمَضَانَ مَا لَا أُحْصِي.
وَقَالَ أَيْضًا: لَا بَأْسَ بِالزِّيَادَةِ عَلَى عِشْرِينَ رَكْعَةً، وَحَكَاهُ فِي " الرِّعَايَةِ " قَوْلًا (يَقُومُ بِهَا فِي رَمَضَانَ) بَعْدَ سُنَّةِ الْعِشَاءِ، وَقَبْلَ الْوَتْرِ،
وَعَنْهُ: أَوْ بَعْدَ الْعِشَاءِ، جَزَمَ بِهِ فِي (الْعُمْدَةِ) لَا قَبْلَهَا، وَخَالَفَ فِيهِ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَفْتَى بِهِ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا لِأَنَّهَا مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَشَنَّعَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَلَيْهِ، وَنَسَبَهُ إِلَى الْبِدْعَةِ، وَلَا تَكْفِيهَا نِيَّةٌ وَاحِدَةٌ فِي الْأَصَحِّ. (وَفِي جَمَاعَةٍ وَيُوتِرُ بَعْدَهَا فِي الْجَمَاعَةِ) نَصَّ عَلَيْهِ.
قَالَ أَحْمَدُ: كَانَ عَلِيٌّ، وَجَابِرٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ يُصَلُّونَهَا فِي الْجَمَاعَةِ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يَجْعَلُ لِلرِّجَالِ إِمَامًا، وَلِلنِّسَاءِ إِمَامًا،
وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ أَهْلَهُ، وَأَصْحَابَهُ، وَقَالَ: إِنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَفُهِمَ مِنْهُ: أَنَّ وَقْتَهَا مُمْتَدٌّ إِلَى الْفَجْرِ الثَّانِي،
وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ، وَجَزَمَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَغَيْرِهِ أَنَّ السُّنَّةَ الْمَأْثُورَةَ فِعْلُهَا جَمَاعَةً فِي الْمَسَاجِدِ، وَفِعْلُهَا أَوَّلَ اللَّيْلِ أَحَبُّ إِلَى أَحْمَدَ.
لَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُ، أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِتَأْخِيرِهَا بِمَكَّةَ، وَشَمِلَ كَلَامُهُ مَا إِذَا كَانَ أَوَّلَهُ غَيْمٌ وَقُلْنَا بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهَا تُفْعَلُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَالسَّامِرِيُّ، وَاخْتَارَ أَبُو حَفْصٍ لَا؛ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، قَالَهُ فِي " التَّلْخِيصِ ".
أَنْوَاعٌ: يُسَنُّ أَنْ يُجْهَرَ فِيهَا،
وَفِي الْوَتْرِ بِالْقِرَاءَةِ، وَاسْتَحَبَّ أَحْمَدُ أَنْ يَبْتَدِئَ فِيهَا بِسُورَةِ (الْقَلَمِ) ثُمَّ يَسْجُدُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَقْرَأُ مِنَ (الْبَقَرَةِ) وَلَا يَزِيدُ فِيهِ عَلَى خَتْمَةٍ إِلَّا أَنْ يُوتِرُوا، وَلَا يَنْقُصَ عَنْهَا، نَصَّ عَلَيْهِ،
وَقِيلَ: يَعْتَبِرُ حَالَهُمْ، وَيَدْعُو لِخَتْمِهِ قَبْلَ رُكُوعِ آخِرِ رَكْعَةٍ مِنْهَا، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، وَيُطِيلُ الْأُولَى وَيَعِظُ بَعْدَهَا، نَصَّ عَلَى الْكُلِّ،
وَقِيلَ: يَخْتِمُ فِي الْوَتْرِ، وَيَدْعُو،
وَقِيلَ: يَدْعُو بَعْدَ كُلِّ أَرْبَعٍ كَبَعْدِهَا.
وَكَرِهَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَقَالَ: هُوَ بِدْعَةٌ، وَيَسْتَرِيحُ بَيْنَ كُلِّ أَرْبَعٍ. فَعَلَهُ السَّلَفُ، وَلَا بَأْسَ بِتَرْكِهِ، وَقِرَاءَةُ (الْأَنْعَامِ) فِي رَكْعَةٍ بِدَعَةٌ.
ثم التراويحُ. يعنِي، أنها سُنة. وهذا المذهبُ، وعليه الأصحاب، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقطَع به أكثرُهم. وقيل: بوجوبِها. حكَاه ابنُ عقيل عن أبي بَكْرٍ.
تنبيه: ظاهِرُ قولِه: ثُمَّ التراوِيح. أنَّ الوتر والسُّنَن الرواتِبَ أفْضَلُ منها. وهو . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَجْهٌ. اخْتارَه المصَنف وجماعَةٌ. وقدمه ابن رَزِين في «شرْحِه».
والصحيحُ مِنَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المذهبِ، أن التَّراوِيحَ أفْضَل منها. وعليه الجمهورُ. وتقدّم ذلك أول البابِ أَيضًا. وهي عِشْرُون رَكْعَة. هكذا قال أكثرُ الأصحابِ.
وقال في «الرعايَةِ»: عِشْرون. وقيل: أو أزْيَدُ.
قال في «الفُروعِ»، و «الفائقِ»: ولا بأسَ بالزيادَةِ. نص عليه.
وقال: روى في هذا ألوان. ولم يقْضِ فيها بشيءٍ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال الشَّيْخُ تقي الدين: كل ذلك، أو إحْدى عشرةَ، أو ثلاث عَشْرَة، حسَن، كما نصّ عليه أحمدُ، لعدَمِ التَّوْقيتِ، فيكون تكْثِيرُ الركعاتِ وتقْليلُها بحسَبِ طُولِ القيام وقصَرِه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فوائد؛ منها, لابد مِنَ النِّيَّة في أوَّل كل تسْليمَة. على الصَّحيح مِن المذهبِ.
وقيل: يكفِيها نِيةٌ واحدةٌ. وهو احْتِمال في «الرعاية». ومنها، أوّل وَقْتِها بعد صلاةِ العِشاءِ وسنَّتِها. على الصحيح مِنَ المذهبِ، وعليه الجمهورُ، وعليه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العمَلُ. وعنه، بل قبلَ السُّنة وبعد الفَرْض. نقَلها حَرْبٌ. وجزَم به في «العمْدَةِ». ويَحْتَمِله كلامه في «الوَجيزِ»؛ فإنَّه قال: وتُسَنُّ التَّراوِيح في جماعَةٍ بعدَ العِشاءِ. انتهى. وأفْتى بعضُ المتَأخرين مِنَ الأصحاب بجَوازِها قبلَ العِشاءِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّين: مَن صلَّاها قبلَ العِشاءِ، فقد سلَك سبيل المُبتدِعَةِ المُخالِفِين للسُّنَّةِ. ومنها، فعْلها أولَ الليلِ أفْضَل، أطْلَقَه في «الفُروعِ». فقال: فِعْلُها أول الليل أَحَبُّ إلى أحمدَ.
وقال ابنُ تَميم. إلَّا بمكَّةَ، فلا بأسَ بتأخيرِها.
وقال في «الرعايةِ»: ولا يكْرَهُ تأخيرها بمَكةَ. وليس ذلك مُنافِيًا لِمَا في «الفروعِ». ومنها، فِعْلها في المَسْجِدِ أفْضَلُ. جزَم به في «الُمستوْعِبِ» وغيرِه.
قلتُ: وعليه العمل في كل عَصْرٍ ومِصْرٍ.
وعنه، في البَيْتِ أفْضَلُ. ذكَر فَإنْ كَانَ لَهُ تَهَجُّدٌ، جَعَلَ الْوِتر بَعْدَهُ،
فَإنْ أحَبَّ مُتَابَعَةَ الْإمَامِ، فَأوْتَرَ مَعَهُ، قَامَ إذا سَلَّمَ الْإمَامُ فَشَفَعَهَا بِأُخْرَى.
هاتَيْن الرِّوايتين الشَّيخ تقي الدين. وأطْلَقَهما في «الفُروعِ».
قلتُ: وصرَّح الأصحابُ، أنَّ صلاتها جماعةٌ أفضَلُ. ونصَّ عليه في رواية يُوسُفَ بن مُوسى ومنها، يَسْتَرِيحُ بعدَ كل أرْبَع ركَعاتٍ بجلْسَةٍ يسيرةٍ. فعله السَّلَفُ، ولا بَأسَ بترْكِه، ولا يَدْعو إذا استراحَ. على الصحيح من المذهب.
وقيل: ينْحَرِف إلى المصلين ويدْعو. وكَرِه ابن عقِيل الدعاءَ.
قال: (ثم التراويح. وهي عشرون ركعة. يقوم بها في رمضان في جماعة. ويوتر بعدها في الجماعة. فإن كان له تهجُّد جعل الوتر بعده. فإن أحب متابعة الإمام فأوتر معه قام إذا سلم الإمام فشفعها بأخرى) .
أما قول المصنف رحمه الله: ثم التراويح؛ فمعناه على نحو ما تقدم.
والأصل في تأخيرها عما تقدم ما تقدم،
وفي تقديمها على سائر النوافل توقِيتها ومشروعية الجماعة لها. وما ورد في فضلها من قوله صلى الله عليه وسلم:«من صام رمضان وقامه إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه» متفق عليه.
فإن قيل: صلاة الكسوف فُضلت على غيرها بمشروعية الجماعة فيها. وهو موجود في صلاة التراويح.
قيل: العلة المذكورة تقتضي تقديم صلاة التراويح على سائر ما ذكر. وصرح صاحب النهاية بتقديمها حتى على صلاة الكسوف. ولم أجد أحداً من الأصحاب أخر صلاة التروايح غير المصنف رحمه الله. وله أن يقول: مشروعية الجماعة فيها معارضة بمداومة النبي صلى الله عليه وسلم على السنن الراتبة وإذا ظهر تقديم السنن الراتبة ظهر تقديم البواقي عليها لأن المقدم على المقدم مقدم.
وأما كون التراويح عشرين ركعة يقوم بها في رمضان في جماعة؛ فلأن السائب بن زيد قال:«لما جمع عمر الناس على أبي بن كعب كان يصلي بهم عشرين ركعة».
وأما كون مصليها يوتر بعدها في الجماعة؛ فلما روى مالك عن يزيد بن رومان قال:«كان الناس يقومون في عهد عمر رضي الله عنه بثلاث وعشرين ركعة».
قال أحمد: يعجبني أن يصلي مع الإمام ويوتر معه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة».
وأما كونه يجعل الوتر بعد التهجد إذا كان له تهجد؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم:«اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً» متفق عليه.
وقوله:«إذا خشي أحدكم الصبح فليوتر بواحدة».
وأما كونه يشفع الوتر بأخرى إذا أحب متابعة الإمام فأوتر معه؛ فلأنها نافلة والمسنون في النوافل أن تكون مثنى.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.