الشَّرْطُ الْخَامِسُ الِاسْتِطَاعَةُ وَلِلَّهِ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ وَهُوَ أَنْ يَمْلِكَ زَادًا وَرَاحِلَةً صَالِحَةً لِمِثْلِهِ بِآلَتِهَا الصَّالِحَةِ لِمِثْلِهِ أَوْ فَاضِلًا عَمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ وَقَضَاءِ دَيْنِهِ وَمُؤْنَتِهِ وَمُؤْنَةِ عِيَالِهِ عَلَى الدَّوَامِ
Its commentaries
فصل: ولا تَخْرُجُ إلى الحَجَّ في عِدَّةِ الوَفاةِ. نَصَّ عليه. ولها الخُرُوجُ إذا كانَتْ مَبْتُوتَةً؛ لأنَّ المَبِيتَ ولُزُومَ مَنْزِلِها واجِبٌ في عِدَّةِ الوَفاةِ دُون المَبْتُوتَةِ، فإنَّه لا يَجبُ عليها ذلك، وقُدِّمَ على الحَجَّ؛ لأنَّه يَفُوتُ.
وأمّا الرَّجْعيَّةُ فحُكْمُها حُكْمُ الزَّوْجَةِ،
فإن خَرَجَتْ للحَجِّ فَتُوُفِّىَ زَوْجُها في الطَّرِيقِ، فسَنَذْكُر ذلك في العِدَدِ، إن شاء اللهُ تعالى، واللهُ أعْلَمُ.
وإن لم تَكْمُل شُرُوطُه، فله مَنْعُها مِن المُضِىِّ إليه والشُّرُوعِ فيه؛ لأنَّه يُفوِّتُ حَقِّه بما ليس بواجِبٍ عليها، فمَلَكَ مَنْعَها منه، كصومِ التَّطَوُّعِ.
فصل: فإن أَحْرَمَتْ بالحَجِّ الواجِبِ عليها، لم يَكُنْ له مَنْعُها،
وكذلك إن أحْرَمَتْ بالعُمْرَةِ الواجِبَةِ، ولا تَحْلِيلُها إذا أحْرَمَتْ بها في قولِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم النَّخَعِيُّ، وإسْحاقُ، وأصْحاب الرَّأْىِ. وبه قال الشافعىُّ أصَحِّ قوْلَيْه،
وقال في الآخَرِ: له مَنْعُها. لأنَّ الحَجَّ عندَه على التَّراخِى، فلا يَتَعَيَّنُ في هذا العام.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ الحَجَّ الواجِبَ يَتَعَيَّن بالشُّرُوعِ فيه، فصارَ كالصلاةِ إذا أحْرَمَتْ بها في أوَّلِ وَقتِها، وقَضاءِ رَمضانَ إذا شَرَعَتْ فيه، ولأنَّ حَقَّ الزَّوْجِ مُسْتَمِرٌّ على الدَّوَامِ،
فلو مَلَك مَنْعَها في هذا العامِ، مَلَكَه في كلِّ عامٍ، فيُفْضِى إلى إسْقاطِ أحَدِ أرْكانِ الإِسْلامِ.
فصل: فإن أحْرَمَتْ بواجِبٍ، فحَلَفَ عليها زَوْجُها بالطَّلاقِ الثَّلاثِ أن لا تَحُجَّ العامَ، فليس لها أن تَحِلَّ؛ لأنَّ الطَّلاقَ مُباحٌ، وليس لها تَرْكُ الفَضِيلَةِ لأجْلِه. ونَقَل مُهَنّا، من أحمدَ، أنَّه سُئِل عن هذه المَسْألةِ، فقالَ: قال عَطاءٌ: الطَّلاقُ هَلاكٌ، وهي بمَنْزِلَةِ المُحْصَرِ. فاحْتَجَّ بقولِ عَطاءٍ، فلَعَلَّه ذَهَب إليه؛ لأنَّ ضَرَرَ الطَّلاقِ عَظيمٌ؛ لِما فيه مِن خُرُوجِها مِن بَيْتِها، ومُفارَقَةِ زَوْجِها ووَلَدِها، وقد يَكُونُ ذلك أعْظَمَ مِن ذَهابِ مالِها، ولذلك سَمّاه عَطاءٌ هَلاكًا.
ولأنَّه لو مَنَعَها عَدُوٌّ مِن الحَجِّ إلَّا أن تَدْفَعَ إليه مالَها، كان ذلك حَصْرًا، فهذا أوْلَى.
فصل: وليس للوالِدِ مَنْعُ وَلَدِه مِن حَجِّ الفَرْضِ والنَّذْرِ، ولا تَحْلِيلُه مِن إحْرامِه، وليس للوَلَدِ طاعَتُه في تَرْكِه؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:«لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ تَعَالَى».
فأمّا التَّطَوُّعُ فله مَنْعُه مِن الخُرُوجِ إليه ؛ لأنَّ له مَنْعَه مِن الغزْوِ، وهو مِن فرُوضِ الكِفاياتِ، فالتَّطَوُّعُ أوْلَى.
فإن أحْرَمَ بغيرِ إذْنِه، لم يَمْلِكْ تَحْلِيلَه؛ لأنَّه وَجَب بالدُّخُولِ فيه، فصارَ كالواجِبِ ابْتِداءً، أو كالنَّذْرِ.
فصل: فإن أحْرَمَتِ المرأةُ بحَجَّةِ النَّذْرِ بغيرِ إذْنٍ، فهل لزَوْجِها مَنْعُها؟ على رِوايَتَيْن، حَكاهما القاضي أبو الحسينِ؛ إحْداهما، ليس له مَنْعُها، كحَجَّةِ الإِسْلامِ. والثّانِيَة، له مَنْعُها؛ لأنَّه وَجَب عليها بإيجابِها، أشْبَهَ حَجَّ التَّطَوُّعِ إذْا أحْرَمَتْ به. فصل: (الشَّرْطُ الخامِسُ، الاسْتِطاعَةُ؛ وهي أن يَمْلِكَ زادًا وراحِلَةً صَالِحَةً لِمثْلِه بآلَتِها الصّالِحَةِ لمِثْلِه، أو ما يَقْدِرُ به على تَحْصِيلِ ذلك، فاضِلًا عَمّا يَحْتاجُ إليه مِن مَسْكَنٍ، وخادِمٍ، وقَضاءِ دَيْنِه، ومُؤْنَتِه ومُؤْنَةِ عِيالِه على الدَّوامِ) الاسْتِطاعَةُ المُشْتَرَطَةُ لوُجُوبِ الحَجِّ والعُمْرَةِ مِلْكُ الزادِ والراحِلَةِ.
وبه قال الحسنُ، ومجاهِدٌ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ. قال التِّرْمِذِىُّ : والعَمَلُ عليه عندَ أهْلِ العِلْمِ.
وقال عِكْرِمَةُ: هي الصِّحَّةُ. وقال الضَّحَّاكُ: إن كان شابًّا فلْيُؤاجِرْ نفْسَه بأكْلِه وعَقِبِه، حتَّى يَقْضِىَ نُسُكَه. وعن مالكٍ، إن كان يُمْكِنُه المَشْىُ، وعادَتُه سُؤالُ النّاسِ، لَزِمَه الحَجُّ؛ لأنَّ هذه الاسْتِطاعَةَ في حَقِّه، فهو كواجِدِ الزادِ والراحِلَةِ. ولَنا، أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَسَّرَ الاسْتِطاعَةَ بالزّادِ والراحِلَةِ، فوَجَبَ الرُّجُوعُ إلى تَفْسِيرِه، فرَوَى الدَّارَقُطْنِىُّ ، بإسْنادِه عن جابِرٍ، وعبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، وعبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو، وأنَسٍ، وعائِشَةَ، رَضِىَ اللهُ عنهم، أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِلَ: ما السَّبِيلُ؟
قال:«الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ». وروَى ابنُ عُمَرَ، قال: جاء رجلٌ إلى النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسولَ اللهِ، ما يُوجِبُ الحَجَّ؟ قال:«الزَّاد وَالرَّاحِلَةُ». رَواه التِّرْمِذِىُّ ،
وقال: حديثٌ حسنٌ. وروَى الإِمامُ أحمد ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن يُونُسَ، عن الحسنِ، قال: لَمّا نَزَلَتْ هذه الآيَةُ: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا}. قال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، ما السَّبِيلُ؟ قال:«الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ». ولأنَّها عِبادَةٌ تَتَعَلَّقُ بقَطْعِ مسافَةٍ بَعِيدَةٍ، فاشْتُرِطَ لوُجُوبِها الزَّادُ والرَّاحِلَةُ، كالجِهادِ. وما ذَكَرُوه ليس باسْتِطاعَةٍ، فإنَّه شاقٌّ وإن كان عادَةً. والاعْتِبارُ بعُمُومِ الأحْوالِ دُونَ خُصُوصِها، كما أنَّ رُخَصَ السَّفَرِ تَعُمُّ مَن يَشُقُّ عليه ومَن لا يَشُقُّ عليه.
وكذلك مَن كان له ما يَقْدِرُ به على تَحْصِيلِ الزَّادِ والرَّاحِلَةِ بالشُّرُوطِ المَذْكُورَةِ؛ لأنَّه في مَعْنَى مِلْك الزَّادِ والرَّاحِلَةِ. ولأنَّ القُدْرَةَ على ما تَحْصُلُ به الرَّقَبَةُ في الكَفّارَةِ كمِلْكِ الرَّقَبَةِ، فكذلك هَهُنا.
فصل: ويَخْتَصُّ اشْتِراطُ الرَّاحِلَةِ بالبَعِيدِ الذي بينَه وبينَ البَيْتِ مَسافَةُ القَصْرِ،
فأمّا القَرِيبُ الذي يُمْكِنُه المَشْىُ، فلا يُعْتَبَرُ وُجُودُ الراحِلَةِ في حَقِّه؛ لأنَّها مَسافَةٌ قرِيبَةٌ، يُمْكِنُه السَّعْىُ إليها، فلزِمَة، كالسَّعْىِ إلى الجُمُعَةِ،
وإن كان مِمَّنْ لا يُمْكِنُه المَشْىُ، كالشَّيْخِ الكَبِيرِ، اعْتُبِرَ وُجُودُ الحُمُولَةِ في حَقِّه، لأنَّه عاجِزٌ عن المَشْىِ إليه ، أشْبَهَ البَعِيدَ.
وأمّا الزّادُ، فلا بُدَّ منه،
فإن لم يَجِدْ زَادًا، ولا قَدَر على كَسْبِه، لم يَلْزَمْه الحَجُّ. فصل: والزّادُ الذي تُشْتَرَطُ القُدْرَةُ عليه، هو ما يَحْتاجُ إليه في ذَهابِه ورُجُوعِه، مِن مَأْكُولٍ ومَشْرُوبٍ وكُسْوَةٍ،
فإن كان يَمْلِكُه، أو وَجَدَه يُباعُ بثَمَنِ المثْلِ في الغَلاءِ والرُّخْصِ، أو بزِيادَةٍ يَسِيرَةٍ لا تُجْحِفُ بمالِه، لَزِمَه شِراؤه،
وإن كانَتْ تُجْحِفُ به لم يَلْزَمْه، كما قُلْنا في شِراءِ الماءِ للوُضُوءِ.
وإذا كان يَجِدُ الزّادَ في كلِّ مَنْزِلٍ، لم يَلْزَمْه حَمْلُه،
وإن لم يَجِدْه كذلك، لَزِمَه حَمْلُه،
وأمّا الماءُ وعَلَفُ البَهائِمِ فسَنَذْكُرُه، إن شاء اللهُ تعالى.
فصل: ويُشْتَرَطُ أن يَجِدَ راحِلَةً تَصْلُحُ لمِثْلِه؛
إمّا بشِراءٍ أو كِراءٍ، لذَهابِه ورُجُوعِه، ويَجِدَ ما يَحْتاجُ إليه مِن آلتِها التى تَصْلُحُ لِمثْلِه،
فإن كان مِمَّن يَكْفِيه الرَّحْلُ والقَتَبُ، ولا يَخْشَى السُّقُوطَ، اكْتَفَى بذلك.
وإن كان مِمَّن لم تَجْرِ عادَتُه بذلك، أو يَخْشَى السُّقُوطَ عنهما، اعْتُبِر وجُودُ مَحْمِلٍ وما أشْبَهَه، ممّا لا يُخْشى سُقُوطُه عنه، ولا مَشَقَّةَ فيها؛ لأنَّ اعْتِبارَ الرَّاحِلَةِ في حَقِّ القادِرِ على المَشْىِ، إنَّما كان لدَفْعِ المَشَقَّةِ، فيَجِبُ أن يُعْتَبَرَ هَهُنا ما تَنْدَفعُ به المَشَقَّةُ،
وإن كان مِمَّن لا يَقْدِرُ على خِدْمَةِ نَفْسِه والقِيامِ بأمْرِه، اعْتُبِرَتِ القدْرَة على مَن يَخدِمُه؛ لأنَّه مِن سَبِيلِه.
فصل: ويُعْتَبَرُ أن يَكُونَ هذا فاضِلًا عمّا يَحْتاجُ إليه لنَفَقَةِ عِيالِه الذين تَلْزَمُه مُؤْنَتُهُم، في مُضِيِّه ورُجُوعِه؛ لأنَّ النَّفَقَةَ تَتَعَلَّقُ بها حُقُوقُ الآدَمِيِّين، وهم أحْوَجُ، وحَقُّهُم آكَدُ. وقد روَى عبدُ اللهِ بنُ عَمْرو، عن النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال:«كَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أن يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ». رَواه أبو داودَ .
وأن يَكُونَ فاضِلاً عمّا يَحْتاجُ هو وأهْلُه إليه، مِن مَسْكَنٍ وخادِمٍ وما لا بُدَّ منه،
وأن يَكُونَ فاضِلًا عن قَضاءِ دَيْنِه؛ لأنَّ قَضاءَ الدِّيْنِ مِن حوائِجِه الأصْلِيَّةِ، ويَتَعَلَّقُ به حُقُوقُ الآدَمِيِّين، فهو آكَدُ،
وكذلك مَنْعُ الزكاةِ مع تَعَلُّقِ حُقُوقِ الفُقَراءِ بها، وحاجَتِهم إليها، فالحَجُّ الذي هو خالِصُ حَقِّ الله تِعالى أوْلَى، وسَواءٌ كان الدَّيْنُ لآدَمِىًّ مُعَيَّنٍ، أو مِن حُقُوقِ اللهِ تعالى، كزكاةٍ في ذِمَّتِه، أو كفّاراتٍ ونحْوِها.
وإنِ احْتاجَ إلى النِّكاحِ، وخاف على نَفْسِه العَنَتَ، قَدَّمَ التَّزْوِيجَ؛ لأنَّه واجِبٌ عليه، لا غِنًى به عنه، فهو كنَفَقَتِه،
وإن لم يَخَفْ قَدَّمَ الحَجَّ؛ لأنَّ النِّكاحَ تَطَوُّعٌ، فلا يُقَدَّمُ على الحَجِّ الواجِب.
وإن حَجَّ مَن تَلْزَمُه هذه الحُقُوقُ وضَيَّعَها، صَحَّ حَجُّه؛ لأنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بذِمَّتِه، فلا تَمْنَعُ صِحَّةَ حَجِّهِ.
فصل: ومَن له دارٌ يَسْكُنُها، أو يَسْكُنُها عِيالُه، أو يَحْتاجُ إلى أُجْرَتِها لنَفَقَةِ نَفْسِه أو عِيالِه، أو بِضاعَةٌ متى نَقَصَها اخْتَلَّ رِبْحُها، فلم تَكْفِهِم، أو سائِمَةٌ يَحْتاجُون إليها، لم يَلْزَمْه الحَجُّ؛ لِما ذَكَرْنا.
وإن كان له مِن ذلك شَئٌ فاضِلٌ عن حاجَتِه لَزِمَه بَيْعُه في الحَجِّ.
فإن كان له مَسْكَنٌ واسِعٌ يَفْضُلُ عن حاجَتِه، وأمْكَنَه بَيْعُه وشِراءُ ما يَكْفِيه، ويَفْضُلُ قَدْرُ ما يَحُجُّ به، لَزِمَه.
وإن كانَتْ له كُتُبٌ يَحْتاجُ إليها، لم يَلْزَمْه بَيْعُها في الحَجَّ، وإلَّا لَزِمَه.
وإن كان له بكتابٍ نُسْخَتان، يَسْتَغْنِى بإحْدَاهما، باعَ الأُخْرَى.
وإن كان له دَيْنٌ على مَلِئٍ باذلٍ له يَكْفِيه في الحَجِّ، لَزِمَه؛ لأنَّه قادِرٌ،
وإن كان على مُعْسِرٍ، أو تَعَذَّرَ اسْتِيفاؤه لم يَلْزَمْه.
فصل: فإن تَكَلَّفَ الحَجَّ مَن لا يَلْزَمُه، وأمْكَنَه ذلك مِن غيرِ ضرَرٍ يَلْحَقُ بغيرِه، مثلَ مَن [يَمْشِى و] يَكْتَسِبُ بصِناعَةٍ كالخَرْزِ، أو مُعاوَنَةِ مَن ينفِقُ عليه، أو يُكْتَرَى لزادِه ولا يَسْألُ النّاسَ، اسْتُحِبَّ له الحَجُّ؛ لقولِ اللهِ تعالى:{يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ}. فقَدَّمَ ذِكْرَ الرِّجالِ. ولأنَّ فيه مُبالَغةً في طاعَةِ اللهِ، وخُرُوجًا مِن الخِلافِ.
وإن كان يَسْألُ النَّاسَ، كُرِهَ الحَجُّ له؛ لأنَّه يُضَيِّقُ على النّاسِ، ويَحْصُلُ كَلًّا عليهم في الْتِزامِ ما لا يَلْزَمُه. وسُئِلَ أحمدُ عمَّن يدْخُلُ البادِيَةَ بلا زادٍ ولا راحِلَةٍ؟ فقالَ: لا أُحِبُّ له ذلك، هذا يَتَوَكَّلُ على أزْوادِ النّاسِ.
١١٣٨ -
١ - فَصْلٌ: لَا يَجُوزُ لِوَالِدٍ مَنْعُ وَلَدِهِ مِنْ حَجٍّ وَاجِبٍ، وَلَا تَحْلِيلُهُ إِنْ أَحْرَمَ بِهِ، وَلَيْسَ لِلْوَلَدِ طَاعَتُهُ فِي تَرْكِهِ،
فَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا، فَلَهُ مَنْعُهُ كَالْجِهَادِ فَإِنْ أَحْرَمَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، لَمْ يَمْلِكْ تَحْلِيلَهُ؛ لِوُجُوبِهِ بِشُرُوعِهِ فِيهِ، فَصَارَ كَالْوَاجِبِ ابْتِدَاءً،
وَكَذَا لَيْسَ لِوَلِيِّ سَفِيهٍ مَنْعُهُ مِنْ حَجِّ الْفَرْضِ، وَلَا تَحْلِيلُهُ مِنْهُ، وَيَدْفَعُ نَفَقَتَهُ إِلَى سَفِيهٍ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِهِ،
فَإِنْ أَحْرَمَ بِنَفْلٍ، وَزَادَتْ نَفَقَتُهُ عَلَى نَفَقَتِهِ الْحَضَرَ وَلَمْ يَكْتَسِبْهَا، فَالْأَصَحُّ لَهُ مَنْعُهُ وَتَحْلِيلُهُ بِصَوْمٍ، وَإِلَّا فَلَا،
فَإِنْ مَنَعَهُ وَأَحْرَمَ، فَهُوَ كَمَنْ ضَاعَتْ نَفَقَتُهُ.
فَرْعٌ: حُكْمُ الْعُمْرَةِ الْوَاجِبَةِ كَالْحَجِّ الْمَفْرُوضِ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَهَلْ يُلْحَقُ الْمَنْذُورُ بِهِ فَلَا يَمْلِكُ مَنْعَهَا أَوْ لَا كَالتَّطَوُّعِ؛ فِيهِ رِوَايَتَانِ حَكَاهُمَا أَبُو الْحُسَيْنِ.
وَقِيلَ: يُفَرَّقُ بَيْنَ الْمُعَيَّنِ وَغَيْرِهِ. [الِاسْتِطَاعَةُ مِنْ شُرُوطِ الْحَجِّ] فَصْلٌ (الشَّرْطُ الْخَامِسُ الِاسْتِطَاعَةُ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا} وَلِأَنَّ الْخِطَابَ إِنَّمَا هُوَ لِلْمُسْتَطِيعِ؛ لِأَنَّ " مَنْ " بَدَلٌ مِنَ " النَّاسِ " فَتَقْدِيرُهُ (وَلِلَّهِ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ) لِانْتِفَاءِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ شَرْعًا وَعَقْلًا، (وَهُوَ أَنْ يَمْلِكَ زَادًا وَرَاحِلَةً) نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ:«جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: مَا يُوجِبُ الْحَجَّ؛ قَالَ: الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ الْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَعَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنِ السَّبِيلِ فَقَالَ:" الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ»
وَكَذَا. رَوَاهُ جَابِرٌ، وَابْنُ عُمَرَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَعَائِشَةُ عَنْهُ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِقَطْعِ مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ فَكَانَ ذَلِكَ شَرْطًا كَالْجِهَادِ، وَلَيْسَ هُوَ شَرْطًا فِي الصِّحَّةِ، وَالْإِجْزَاءِ فَإِنَّ خَلْقًا مِنَ الصَّحَابَةِ حَجُّوا، وَلَا شَيْءَ لَهُمْ، وَلَمْ يُؤْمَرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِالْإِعَادَةِ، وَلِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ إِنَّمَا شُرِطَتْ لِلْوُصُولِ فَإِذَا وَصَلَ وَفَعَلَ، أَجْزَأَهُ كَالْمَرِيضِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ وَأَمْكَنَهُ الْمَشْيُ وَالتَّكَسُّبُ بِالصَّنْعَةِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ. وَاعْتَبَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ لِمَنْ يَحْتَاجُهُمَا،
وَفِي " الرِّعَايَةِ " وَقِيلَ: مَنْ قَدَرَ أَنْ يَمْشِيَ عَنْ مَكَّةَ مَسَافَةَ الْقَصْرِ، لَزِمَهُ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَطِيعٌ فَإِنْ كَانَ عَادَتَهُ السُّؤَالُ، وَالْعَادَةُ إِعْطَاؤُهُ فَلِلْمَالِكِيَّةِ قَوْلَانِ، وَعِنْدَنَا يُكْرَهُ لِمَنْ حِرْفَتُهُ السُّؤَالُ، قَالَ أَحْمَدُ فِيمَنْ يَدْخُلُ الْبَادِيَةَ بِلَا زَادٍ وَلَا رَاحِلَةٍ: لَا أُحِبُّ لَهُ ذَلِكَ، يَتَوَكَّلُ عَلَى أَزْوَادِ النَّاسِ. وَيُعْتَبَرُ الزَّادُ مُطْلَقًا إِنِ احْتَاجَ إِلَيْهِ، وَكَوْنُهُ مِلْكَهُ،
فَلَوْ وَجَدَهُ فِي الْمَنَازِلِ لَمْ يَلْزَمْهُ حَمْلُهُ، وَإِلَّا لَزِمَهُ سَوَاءٌ وَجَدَهُ بِثَمَنِ مِثْلِهِ أَوْ بِزِيَادَةٍ كَمَاءِ الْوُضُوءِ، وَالْقُدْرَةِ عَلَى وِعَاءِ الزَّادِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ.
وَأَمَّا الرَّاحِلَةُ فَلَا تُشْتَرَطُ إِلَّا مَعَ الْبُعْدِ، وَهُوَ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَسَافَةُ الْقَصْرِ فَقَطْ، إِلَّا مَعَ عَجْزٍ كَشَيْخٍ كَبِيرٍ لَا يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ (صَالِحَةً لِمِثْلِهِ بِآلَتِهَا الصَّالِحَةِ لِمِثْلِهِ) عَادَةً؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ أَمْرٌ شَرْعِيٌّ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ الصَّلَاحِيَةُ كَالنَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى فِي حَقِّ الزَّوْجَةِ، فَيُعْتَبَرُ فِي الزَّادِ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْخَاصِّ إِنْ كَانَ مِنْ أَوْلَادِ التُّجَّارِ وَالْأُمَرَاءِ، أَوْ مِنَ الْخَاصَّةِ إِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ،
وَفِي الرَّاحِلَةِ وَآلَتِهَا أَنْ يَكُونَ الْجَمَلُ جَيِّدًا بِمَحَارَةٍ إِنْ كَانَ كَالْأَوَّلِ، وَإِلَّا فَلَا تُشْتَرَطُ الْمَحَارَةُ إِذَا أَمْكَنَهُ الرُّكُوبُ عَلَى الْقَتْبِ، وَلَا كَوْنُ الْجَمَلِ جَيِّدًا قَالَهُ ابْنُ الْمَنْجَا، وَفِيهِ شَيْءٌ،
فَإِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ فِي الزَّادِ يَلْزَمُهُ مُطْلَقًا لِظَاهِرِ الدَّلِيلِ وَلِئَلَّا يُفْضِي إِلَى تَرْكِ الْحَجِّ
بِخِلَافِ الرَّاحِلَةِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى خِدْمَةِ نَفْسِهِ اعْتُبِرَ مَنْ يَخْدُمُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ سَبِيلِهِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " فَظَاهِرُهُ لَوْ أَمْكَنَهُ لَزِمَهُ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ، وَكَلَامُ غَيْرِهِمَا يَقْتَضِي أَنَّهُ كَالرَّاحِلَةِ لِعَدَمِ الْفَرْقِ (أَوْ) يَمْلِكُ مَا يَقْدِرُ بِهِ عَلَى تَحْصِيلِ ذَلِكَ) أَيِ: الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الثَّمَنِ كَمِلْكِ الْمُثَمَّنِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى مَا تَحْصُلُ بِهِ الرَّقَبَةُ فِي الْكَفَّارَةِ لِمِلْكِهَا، وَيُعْتَبَرُ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ لِذَهَابِهِ وَعَوْدِهِ (فَاضِلًا عَمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ) لِأَنَّهُمَا مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ؛
لِأَنَّ الْمُفْلِسَ يَقُومُ بِهَا عَلَى غُرَمَائِهِ فَهُنَا أَوْلَى، وَيَشْتَرِيهِمَا بِنَقْدٍ بِيَدِهِ،
فَإِنْ فَضُلَ مِنْهُ مَا يَحُجُّ بِهِ، لَزِمَهُ،
فَإِنْ كَانَ الْمَسْكَنُ وَاسِعًا يَفْضُلُ عَنْ حَاجَتِهِ، وَأَمْكَنَهُ بَيْعُهُ وَشِرَاءُ مَا يَكْفِيهِ وَيَفْضُلُ مَا يَحُجُّ بِهِ، لَزِمَهُ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ فِي الْخَادِمِ وَالْكُتُبِ الَّتِي يَحْتَاجُهَا كَهُمَا،
فَإِنِ اسْتَغْنَى بِإِحْدَى نُسْخَتَيْ كِتَابٍ بَاعَ الْأُخْرَى (وَقَضَاءِ دَيْنِهِ) ؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ مَشْغُولَةٌ بِهِ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى بَرَاءَتِهَا.
وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا لِلَّهِ - تَعَالَى - أَوْ لِآدَمِيٍّ (وَمُؤْنَتِهِ) لِقَوْلِهِ: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ» ، (وَمُؤْنَةِ عِيَالِهِ) الَّذِينَ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُقَدَّمٌ عَلَى الدَّيْنِ فَلَأَنْ يُقَدَّمَ عَلَى الْحَجِّ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَلِتَأَكُّدِ حَقِّهِمْ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. (عَلَى الدَّوَامِ) وَهُوَ مَعْنَى مَا فِي " الْمُحَرَّرِ ": وَكِفَايَةٌ دَائِمَةٌ لَهُ، وَلِأَهْلِهِ، فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ قَصَدَ النَّفَقَةَ عَلَيْهِ، وَعَلَى عِيَالِهِ إِلَى أَنْ يَعُودَ وَيَبْقَى لَهُ إِذَا رَجَعَ مَا يَقُومُ بِكِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ عَائِلَتِهِ عَلَى الدَّوَامِ مِنْ عَقَارٍ، أَوْ بِضَاعَةٍ، أَوْ صِنَاعَةٍ.
جَزَمَ بِهِ فِي " الْهِدَايَةِ " وَ " مُنْتَهَى الْغَايَةِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " لِتَضَرُّرِهِ بِذَلِكَ، وَكَالْمُفْلِسِ،
وَفِي " الْكَافِي " وَ " الرَّوْضَةِ " إِلَى أَنْ يَعُودَ، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " فَيَتَوَجَّهُ أَنَّ الْمُفْلِسَ مِثْلُهُ وَأَوْلَى، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ فِي " الشَّرْحِ " إِلَى هَذَا وَهُوَ غَرِيبٌ مِنْهُ.
فَرْعٌ: إِذَا خَافَ الْعَنَتَ قَدَّمَ النِّكَاحَ عَلَيْهِ لِوُجُوبِهِ إِذَنْ، وَلِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ،
وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الْحَجُّ كَمَا لَوْ لَمْ يَخَفْهُ، وَلِأَنَّهُ أَهَمُّ الْوَاجِبَيْنِ، وَيُمْكِنُ تَحْصِيلُ مَصَالِحِهِ بَعْدَ إِحْرَازِ الْحَجِّ.
١ -
الخامِسُ، الاسْتِطاعَةُ؛ وهو أن يَمْلِكَ زادًا وراحِلةً. هذا المذهبُ مِن حيثُ الجُمْلَةُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم، ونَصَّ عليه. واعْتَبَر ابنُ الجَوْزِىَّ، في «كَشْفِ المُشْكِلِ»، الزَّادَ والرَّاحِلَةَ في حقِّ مَن يحْتاجُهما،
فأمَّا مَن أمْكنَه المَشْىُ والتَّكَسُّبُ بالصَّنْعَةِ، فعليه الحَجُّ. واخْتارَه الشَّيْخُ عَبْدُ الحَلِيمِ ، ولدُ المَجْدِ، ووالِدُ الشَّيْخِ تَقِىَّ الدِّينِ، في القُدْرَةِ بالتَّكَسُّبِ،
وقال: هذا ظاهِرٌ على أصْلِنا،
فإنَّ عندَنا، يُجْبَرُ المُفْلِسُ على الكَسْبِ، ولا يُجْبَرُ على المَسْألَةِ.
قال: ولو قيلَ بوُجوبِ الحَجِّ عليه إذا كان قادِرًا على الكَسْبِ،
وإنْ بَعُدَتِ المسافَةُ، كان مُتَوجِّهًا على أصْلِنا.
وقال القاضي ما قالَه في «كَشْفِ المُشْكِلِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وزاد فقال: تُعْتَبرُ القُدْرَةُ على تحْصِيلِه بصَنْعَةٍ أو مَسْألَةٍ إذا كانتْ عادَتَه. انتهى.
وقيل: مَنْ قدَر أن يَمْشِىَ عن مَكَّةَ مسافَةَ القَصْرِ، لَزِمَه الحَجُّ والعُمْرَةُ؛ لأنَّه مُسْتَطِيعٌ، فَيدْخُلُ في الآيَةِ. ذكَرَه في «الرِّعايَةِ». فعلى المذهبِ، يُسْتَحَبُّ الحَجُّ لمَن أمْكَنَه المَشْىُ والتَّكَسُّبُ بالصَّنْعَةِ،
ويُكْرَهُ لمَن له حِرْفةُ المَسْألَةِ. قال أحمدُ: لا أُحِبُّ له ذلك. واخْتلَفَ الأصحابُ في قوْلِ أحمدَ: لا أُحِبُّ كذا. هل هو للتَّحْريمِ أو للكَراهَةِ؟ على وَجْهَيْن. على ما يأتِى في آخرِ الكِتابِ. وعلى المذهبِ في أصْلِ المَسْألَةِ، يُشْتَرطُ الزَّادُ، سَواءٌ قَرُبَتِ المَسافَةُ أو بَعُدَتْ.
قال في «الفُروعِ»: والمُرادُ، إنِ احْتاجَ إليه، ولهذا قال ابنُ عَقِيلٍ في «الفُنونِ»: الحَجُّ بَدَنِيٌّ مَحْضٌ،
ولا يجوزُ دَعْوَى أنَّ المالَ شَرْطٌ في وُجوبِه؛ لأنَّ الشَّرْطَ لا يحْصُلُ المَشْرُوطُ دُونَه، وهو المُصَحِّحُ للمَشَرُوطِ، ومَعْلُومٌ أنَّ المَكَّىَّ يَلْزَمُه، ولا مالَ له. انتهى. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويُشْترَطُ مِلْكُ الزَّادِ، فإنْ لم يكُنْ في المنازِلِ، لَزِمَه حَمْلُه،
وإنْ وَجدَه في المنازِلِ، لم يَلْزَمْه حمْلُه إنْ كان بثَمَنِ مِثْلِه،
وإنْ وَجدَه بزِيادَةٍ، ففيه طَرِيقان؛ أحدُهما، أنَّ حُكْمَه حُكْمُ شِراءِ الماءِ للوُضوءِ إذا عُدِمَ، على ما تقدَّم في بابِ التَّيَمُّمِ. وهذا هو الصَّحِيحُ مِنَ المذهبِ. قدَّمه في «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ المَجْدِ»، و «الفُروعِ».
والثَّاني، يَلْزَمُه هنا بذْلُ الزِّيادَةِ التى لا تُجْحِفُ بمالِه،
وإنْ منَعْناه في شِراءِ الماءِ للوُضوءِ. وهي طرِيقَةُ أبي الخَطَّابِ، وتَبِعَه صاحِبُ «المُسْتَوْعِبِ»، والمُصَنِّفُ في «الكَافِى»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، وغيرهم. وفرَّقُوا بينَ التَّيَمُّمِ وبينَ هذا بأَنَّ الماءَ يتَكَرَّرُ عدَمُه، والحَجُّ الْتزَمَ فيه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المشَاقَّ، فكذا الزِّيادَةُ في ثَمَنِه إذا كانتْ لا تُجْحِفُ بمالِه؛ لِئَلَّا يفُوتَ. نقلَه المَجْدُ في «شَرْحِه».
ويُشْترَطُ أيضًا، القُدْرَةُ على وِعاءِ الزَّادِ؛ لأنَّه لا بُدَّ منه.
وأمَّا الرَّاحِلَةُ، فيُشْترَطُ القُدْرَةُ عليهما مع البُعْدِ؛ وقَدْرُه مَسافَةُ القَصْرِ فقط، إلَّا مع العَجْزِ، كالشَّيْخِ الكبيرِ ونحوِه؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه.
وقال في «الكَافِى»: وإنْ عجَز عنِ المَشْىِ، وأمْكَنَه الحَبْوُ، لم يَلْزَمْه.
قال في «الفُروعِ»: وهو مُرادُ غيرِه.
قوله في الرَّاحِلةِ: صالِحةً لمِثْلِه. يعْنِى، في العادَةِ؛ لاخْتِلافِ أحْوالِ النَّاس؛ لأنَّ اعْتِبارَ الرَّاحِلَةِ للقادرِ على المَشْىِ لدَفْعِ المَشَقَّةِ. قالَه المُصَنِّفُ وجاعةٌ مِنَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأصحابِ. ولم يذْكُرْه بعضُهم، لظاهرِ النَّصِّ. واعْتبرَ في «المُسْتَوْعِبِ» إمْكانَ الرُّكُوبِ، مع أنَّه قال: راحِلَةً تَصْلُحُ لمِثْلِه.
تنبيه: ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ في قوْلِه عنِ الرَّاحِلَةِ: تَصْلُحُ لمِثْلِه. أَنَّه لا يُعْتبَرُ ذلك في الزَّادِ. وهو صحيحٌ.
قال في «الفُروعِ»: وظاهِرُ كلامِهم في عادَةِ مِثْلِه في الزَّادِ، يَلْزَمُه، لظاهرِ النَّصِّ، لِئلاَّ يُفْضِىَ إلى تَرْكِ الحَجِّ،
بخِلافِ الرَّاحِلَةِ. قال: ويتَوَجَّهُ احْتِمالٌ، أنَّه كالرَّاحِلَةِ. انتهى.
قلتُ: قطَع بذلك في «الوَجِيزِ»؛ فقال: ووَجَد زادًا ومَرْكُوبًا صالِحَيْن لمِثْلِه.
وقال في «الفُروعِ»: والمُرادُ بالزَّادِ، أن لا يحْصُلَ معه ضرَرٌ لرَداءَتِه.
فائدة: إذا لم يقْدِرْ على خِدْمَةِ نفْسِه، والقِيامِ بأَمْرِه، اعْتُبِرَ مَن يخْدِمُه؛ لأنَّه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِن سَبيلِه. قالَه المُصَنِّفُ.
وقال في «الفُروعِ»: وظاهِرُه، لو أمْكنَه، لَزِمَه؛ عمَلًا بظاهرِ النَّصَّ، وكلامُ غيرِه يَقْتَضِى أنَّه كالرَّاحِلَةِ، لعدَمِ الفَرْقِ. فاضِلًا عن مُؤْنَتِه ومُؤْنَةِ عِيالِه على الدَّوامِ. اعلمْ أنَّه تُعْتبَرُ كِفايَتُه وكِفايَةُ عِيالِه إلى أن يعُودَ، بلا خِلافٍ.
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه يُعْتبَرُ أن يكونَ له إذا رجَع ما يقُومُ بكِفايَتِه وكِفايَةِ عِيالِه على الدَّوامِ، مِن عَقارٍ أو بِضاعَةٍ أو صِناعَةٍ، وعليه أكثر الأصحابِ. وهو ظاهِرُ ما جزَم به في «الهِدَايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخلاصَةِ»، و «العُمْدَةِ»، و «التَّلْخِيصِ»، و «البُلْغَةِ»، و «شَرْحِ المَجْدِ»، و «مُحَرَّرِه»، و «الإِفادَاتِ»، و «النَّظْمِ»، و «الحاوِيَيْن»، و «إدْرَاكِ الغايَةِ»، و «المنَوِّرِ»، وغيرِهم؛ . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لاقتِصارِهم عليه. وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «تَجْرِيدِ العِنايَةِ».
وقال في «الرَّوْضَةِ»، و «الكَافِى»: تُعْتَبرُ كِفايَةُ عِيالِه إلى أن يعُودَ فقط. قدَّمه في «الرِّعايتَيْن»، و «الفَائقِ». نقَل أبو طالِبٍ، يجِبُ عليه الحَجُّ إذا كان معه نفَقَةٌ تُبَلِّغُه مَكَّةَ ويَرْجِعُ، ويُخَلِّفُ نفقَةً لأهْلِه حتَّى يرْجِعَ.
تنبيه: ظاهرُ قولِه: فاضِلًا عن قَضاءِ دَيْنِه. أنَّه سَواءٌ كان حالًّا أو مُؤَجَّلًا، وسَواءٌ كان لآدَمِىًّ أو للهِ. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
وقال في «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»: وأنْ لا يكونَ عليه دَيْنٌ حالٌّ يُطالَبُ به، بحيثُ لو قَضاه لم يَقْدِرْ على كَمالِ الزَّادِ والرَّاحِلَةِ. انتهى. فظاهِرُه، أنَّه لو كان . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُؤَجَّلًا، أو كان حالًّا ولكنْ لا يُطالَبُ به، أنَّه يجِبُ عليه. ولم يذْكُرْه الأكثرُ، بل ظاهِرُ كلامِهم، عدَمُ الوُجوبِ.
فائدة: إذا خافَ العنَتَ مَن يقْدِرُ على الحَجَّ، قدَّم النِّكاحَ عليه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. نصَّ عليه، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به أكثرُهم؛ لوُجوبِه إذن. وحَكاه المَجدُ إجْماعًا، لكنْ نُوزِعَ في ادِّعاءِ الإجْماعِ.
وقيلَ: يُقدِّمُ الحَجَّ. اخْتارَه بعضُ الأصحابِ، كما لو لم يخَفْه، إجْماعًا. فاضِلًا عمَّا يَحْتَاجُ إليه مِن مَسْكَنٍ وخادِمٍ.
وكذا ما لا بُدَّ له منه.
فائدة: لو فضَل مِن ثَمَنِ ذلك ما يَحُجُّ به بعدَ شِرائِه منه ما يكْفِيه، لَزِمَه وَلَا يَصِيرُ مُسْتَطِيعًا بِبَذْلِ غَيْرِهِ بِحَالٍ، الحَجُّ. قالَه الأصحابُ.
ولو احْتاجَ إلى كُتُبِه، لم يَلْزَمْه بَيْعُها.
فلو اسْتَغْنَى بإِحْدَى النُّسْخَتَيْن بِكِتَابٍ ، باعَ الأُخْرَى. قالَه المُصَنَّفُ، والشَّارِحُ،
ومَن تَبِعَهما. وتقدَّم نظيرُه في أوَّلِ بابِ الفِطْرَةِ.
فَمَنْ كَمَلَتْ لَهُ هَذِهِ الشُّرُوطُ، وَجب عَلَيْهِ الْحَجُّ عَلَى الْفَوْرِ.
فصل [في الاستطاعة] قال المصنف رحمه الله: (الشرط الخامس: الاستطاعة. وهو: أن يملك زاداً وراحلة صالحة لمثله بآلتها الصالحة لمثله، أو ما يقدر به على تحصيل ذلك فاضلاً عما يحتاج إليه من مسكن وخادم وقضاء دينه ومؤونته ومؤونة عياله على الدوام. ولا يصير مستطيعاً ببذل غيره بحال. فمن كملت له هذه الشروط وجب عليه الحج على الفور) .
أما اشتراط الاستطاعة لوجوب الحج فلأن الله سبحانه وتعالى قال:{ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} قيّد الوجوب بالاستطاعة.
وقال صلى الله عليه وسلم:«بني الإسلام على خمس. ذكر منها: حج البيت من استطاع إليه سبيلا».
ولأن الحج عبادة يتعلق بقطعها مسافة بعيدة فاعتبر لوجوبها الاستطاعة كالجهاد.
فإن قيل: هل الاستطاعة شرط في الصحة والإجزاء؟
قيل: لا؛ لأن خَلْقاً من الصحابة حجوا ولا شيء لهم ولم يؤمروا بإعادة ذلك.
ولأن الاستطاعة إنما اشترطت للوصول فإذا وصل وفعل الأفعال المعتبرة وجب أن تصح وتجزئ عنه كما لو تكلف المريض فصلى قائماً أو سعى إلى الجمعة فصلاها.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهو أن يملك إلى آخره فبيان ماهية الاستطاعة شرعاً.
وفي الحديث عن ابن عمر قال:«جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! ما يوجب الحج؟ قال: الزاد والراحلة» رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن.
وأما اشتراط صلاحية ذلك لمثله فلأن ذلك معنى يتعلق به أمر شرعي فاعتبر فيه الصلاحية كالنفقة والسكنى في حق الزوجة. ولأن في تكليف الإنسان ما لا يصلح له ضرراً عليه.
فعلى هذا يعتبر في الزاد أن يكون من الخاص إن كان الحاج من أولاد الأمراء والتجار.
ومن الكاصة إن كان من أولاد السوقة.
وفي الراحلة وآلتها أن يكون جملاً جيداً بمحارة إن كان كالأول.
وإن كان من أولاد السوقة وهو قادر على الركوب على القتب فلا تشترط له المحارة ولا كون الجمل جيداً،
ولو كان ضعيفاً لا يمكنه الركوب على القتب اشترط في حقه ما يمكنه الركوب معه.
وأما اعتبار ملك ذلك أو القدرة على تحصيله بدراهم أو دنانير أو نحو ذلك فلأن المشترط الاستطاعة وهي حاصلة بكل واحد منهما.
وأما كون الزاد والراحلة المتقدم ذكرهما فاضلاً عما يحتاج إليه من مسكن وخادم فلأن المسكن والخادم من حوائجه الأصلية.
ولأن المفلس يقدم بذلك على غرمائه فلأن يقدم الإنسان بذلك على حجه بطريق الأولى.
وأما كونهما فاضلين عن قضاء دينه فلأن ذمته مشغولة به وبه حاجة إلى براءتها.
وأما كونهما فاضلين عن مؤونته ومؤونة عياله فلأن ذلك مقدم على الدين المقدم على الحج فلأن يقدم على الحج بطريق الأولى.
وفي الحديث:«كفى بالمرء إثماً أن يُضيّعَ من يقوت» رواه أبو داود.
وأما قول المصنف رحمه الله: على الدوام ففيه نظر وذلك أنه ذكر في المغني والكافي نفقة العيال.
وقال فيهما: إلى أن يعود.
وكذلك قال سائر الأصحاب. وطريق التصحيح أن يحمل قوله هنا على ذلك، ويمكن أن يحمل ذلك على ظاهره ويكون قد قصد النفقة عليه وعلى عياله في ذهابه وعوده وما بعد ذلك.
فإن أبا الخطاب وغيره ذكر نفقة العيال إلى أن يعود.
ثم قال: وأن يكون له إذا عاد ما يكفيه من صناعة أو تجارة أو عقار. إلا أن ظاهر كلامه في المغني يقتضي عدم اشتراط ذلك لأنه ذكر نفقة العيال والمسكن والخادم وعلل ذلك. ثم قال: وذكر أبو الخطاب أن من شرط وجوب الحج عليه أن يكون له إذا رجع ما يكفيه من تجارة أو عقار أو نحو ذلك.
فإن قيل: المعتبر في المسكن والخادم ملكهما أو استئجارهما؟
قيل: ليس في كلام المصنف رحمه الله هنا ولا في بقية كتبه ما يؤذن بذلك لكن ينبغي -والله أعلم- أن ينظر إلى حاله:
فإن كان ممن عادته اتخاذ ذلك ملكاً له لم يجب إلا أن يفضل ماله عن ثمن ذلك،
وإن كان ممن عادته اتخاذ ذلك استئجاراً لم يقف الوجوب على كونه فاضلاً عن الثمن بل يكون حكم الأجرة حكم نفقته.
وأما عدم صيرورة الإنسان مستطيعاً ببذل غيره بحال فلأن عليه فيه منة فلم يلزمه قبوله كما لو بذلت له الرقبة في الكفارة،
وإذا لم يلزمه القبول بقي على ما كان عليه من عدم القدرة على الحج فلا يصير مستطيعاً.
وأما وجوب الحج على من كملت له هذه الشروط فلما تقدم من الكتاب والسنة والإجماع أول الباب السالمة عن معارضة اشتراط الشروط المذكورة.
وأما وجوبه على الفور فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«من أراد الحج فليتعجل فإنه قد يمرض المريض وتضل الضالة وتعرض الحاجة» رواه ابن ماجة.
وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ملك زاداً وراحلة توصله إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً» رواه الترمذي.
ولأنه أحد أركان الإسلام فلم يجز تأخيره إلى غير وقت كالصيام.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.