ومن وجد لقطة عرفها سنة، في الأسواق، وأبواب المساجد.
Its commentaries
باب اللقطة]
ش: حكي عن الخليل - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (اللقطة) بضم اللام، وفتح القاف، الكثير الالتقاط، وبسكون القاف ما يلتقط. قال أبو منصور: وهو قياس اللغة.
وقال الأصمعي، وابن الأعرابي والفراء: هي بفتح القاف اسم للمال الملقوط أيضا. ويقال فيه أيضا: «لقاطة» بضم اللام «ولقطة» بفتح اللام والقاف، وهي في الاصطلاح: المال الضائع عن ربه، يلتقطه غيره.
٢١٨٦ - والأصل فيها ما روى زيد بن خالد الجهني قال: سئل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن لقطة الذهب، فقال: «اعرف وكاءها، وعفاصها، ثم عرفها سنة، فإن لم تعرف فاستنفقها، ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يوما من الدهر فادفعها إليه» وسأله عن ضالة الإبل فقال: «ما لك ولها، دعها فإن معها حذاؤها وسقاؤها، ترد الماء، وتأكل الشجر، حتى يجدها ربها» وسأله عن الشاة فقال: «خذها، فإنما هي لك، أو لأخيك أو للذئب» متفق عليه في أحاديث أخر.
والله أعلم. [مدة ومكان تعريف اللقطة] قال: ومن وجد لقطة عرفها سنة، في الأسواق، وأبواب المساجد. ش: من وجد لقطة وجب عليه تعريفها،
وإن لم يرد تملكها، لما تقدم من حديث زيد بن خالد.
٢١٨٧ - وفي رواية عنه «لا يؤوي الضالة إلا ضال ما لم يعرفها» رواه أحمد، ومسلم، وقدر التعريف سنة [للحديث] .
وظاهر كلام الخرقي أن السنة تلي الالتقاط، وتكون متوالية، وهو صحيح، لظاهر الأمر، إذ مقتضاه الفور على قاعدتنا، ولأن صاحبها يطلبها عقب ضياعها،
فإذا عرفت إذا كان أقرب إلى وصولها إليه،
بخلاف ما لو تأخر ذلك،
فلو ترك التعريف بعض الحول أثم، وعرف بقيته، لقوله: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» [وإن تركه جميع الحول سقط على المنصوص، لسقوط حكمة التعريف، وهو تطلع المالك لها في الحول الأول،
وقيل: لا يسقط. ٢١٨٨ - نظرا لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» ] وهنا قد استطاع التعريف على وجه ناقص، فوجب عليه. انتهى، (ومحل التعريف) محل وجدانها، إن أمكن،
وفي الأسواق، وأبواب المساجد، في أدبار الصلوات، ونحو ذلك من مجامع الناس، لأن المقصود من التعريف إظهار ربها عليها، وهذه الأماكن مظنة ذلك،
بخلاف غيرها.
٢١٨٩ - ولا تعرف في المسجد، للنهي عن ذلك، ووقته النهار، وقد يفهم هذا من قوله: في الأسواق، وأبواب المساجد. وصفته أن يقول: من ضاع منه شيء، أو نفقة، أو ذهب، ونحو ذلك، ولا يذكر الصفة. وظاهر كلام الخرقي أنه يعرف القليل والكثير، وهو ظاهر إطلاق الحديث، ويستثنى من ذلك اليسير، الذي لا تتبعه النفس، كالتمرة، والكسرة، والسوط، ونحو ذلك، فإنه لا يجب تعريفه، ولواجده الانتفاع به.
٢١٩٠ - لما روى جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «رخص لنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في العصا، والسوط، والحبل، وأشباهه، يلتقطه الرجل ينتفع به» . [رواه أبو داود] .
٢١٩١ - وفي الصحيحين أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مر بتمرة في الطريق، فقال: «لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها» ، والمعروف تقييد اليسير بما لا تتبعه نفوس أوساط الناس كما مثلنا، ونص أحمد - في رواية أبي بكر بن صدقة - على أنه يعرف الدرهم،
وقال ابن عقيل في التذكرة: لا يجب تعريف الدانق ونحوه. وحمله في التلخيص على دانق الذهب، نظرا لعرف العراق، ولأبي محمد في الكافي احتمال بأن اليسير دون ثلاثة دراهم؛ لأنه تافه.
٢١٩٢ - بدليل قول عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: كانوا لا يقطعون في الشيء التافه. وعموم «من» يشمل الذمي، وصرح به غيره، لعموم من وجد لقطة ولأنه أهل للتكسب، فيصح التقاطه، كاحتطابه ونحو ذلك، ثم قال أبو محمد: إنه يضم إليه أمين في التعريف والحفظ، وأكثر الأصحاب لم يتعرضوا لذلك، وجعله ابن حمدان على القول بضم الأمين إلى الفاسق، (ويشمل) الفاسق أيضا، وهو صحيح لما تقدم، وهل يضم إليه أمين؟
فيه وجهان: (أحدهما) - وهو ظاهر كلام القاضي في الجامع، والشريف وأبي الخطاب في خلافيهما، والشيرازي - لا، لأهليته للحفظ، بدليل إيداعه (والثاني) - واختاره القاضي في المجرد، وابن البنا، وبه قطع أبو البركات، وأبو محمد في كتابيه الكبيرين - نعم، حفظا لمال الغائب، ثم قال القاضي: يكون الأمين هو المباشر للتعريف، لاتهام الفاسق، فربما قصر. (ويشمل) أيضا الرقيق، وهو صحيح،
فإن كان مكاتبا فحكمه حكم الحر،
وإن كان قنا صح التقاطه على المذهب،
(وعنه) لا يصح إلا بإذن سيده، فعلى المذهب يصح تعريفه،
ثم إن تلفت في حول التعريف بلا تفريط فلا شيء عليه،
وأن تلفت بتفريطه، أو أتلفها ضمنها في رقبته لجنايته،
وإن مضى حول التعريف هل يملكها؟
قال في التلخيص: قال أصحابنا: يخرج على الروايتين في ملك العبد. وهذا مقتضى كلام أبي البركات، قال صاحب التلخيص: وعلى ما بينت أن الروايتين فيما إذا ملكه السيد، لا يملك هنا بحال. وقطع أبو محمد في الكافي والمغني أن السيد يملك بمضي الحول،
فإما أنه نظر إلى ما قال صاحب التلخيص،
وإما أنه فرع على المذهب،
ثم إن صاحب المحرر قال: إن ملك وتلفت ضمنها في ذمته،
وإن لم يملك ضمنها في رقبته،
وقال في التلخيص: إنه يضمنها في ذمته، نص عليه. قال: لأنها للسيد، أو للعبد مضمونة في ذمته.
وكذا قال طائفة من الأصحاب، منهم أبو محمد في المقنع، وهذا متوجه إن قلنا: إن العبد يملك،
أما إن قلنا: إن الملك للسيد - كما صرح به أبو محمد، واقتضاه كلام صاحب التلخيص وغيره - فالجناية على مال السيد، فلا تتعلق لا بذمته، ولا برقبته، بل الذي ينبغي أن تتعلق بذمة السيد،
وإن قيل: إن لعبد لم يملك ولا السيد، تعين التعلق برقبته كجناياته، وهذه تحتاج إلى زيادة تحقيق، ولها فروع أخر ليس هذا موضعها، وحكم أم الولد والمعلق عتقها بصفة حكم القن. والله أعلم.
[مَسْأَلَة مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً عَرَّفَهَا سَنَةُ فِي الْأَسْوَاقِ وَأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ الْفَصْل الْأَوَّل فِي وُجُوبِ تَّعْرِيفِ اللُّقَطَة] مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَمَنْ وَجَدَ لُقَطَةً، عَرَّفَهَا سَنَةً فِي الْأَسْوَاقِ وَأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ فِي التَّعْرِيفِ سِتَّةَ فُصُولٍ فِي وُجُوبِهِ، وَقَدْرِهِ وَزَمَانِهِ، وَمَكَانِهِ وَكَيْفِيَّتِهِ،
وَمَنْ يَتَوَلَّاهُ (٤٤٩٤) أَمَّا وُجُوبُهُ، فَإِنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُلْتَقِطٍ، سَوَاءٌ أَرَادَ تَمَلُّكَهَا أَوْ حِفْظَهَا لِصَاحِبِهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَجِبُ عَلَى مَنْ أَرَادَ حِفْظَهَا لِصَاحِبِهَا وَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِهِ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ وَأُبَيُّ بْنَ كَعْبٍ، وَلَمْ يُفَرِّقْ، وَلِأَنَّ حِفْظَهَا لِصَاحِبِهَا إنَّمَا يُقَيَّدُ بِإِيصَالِهَا إلَيْهِ وَطَرِيقُهُ التَّعْرِيفُ،
أَمَّا بَقَاؤُهَا فِي يَدِ الْمُلْتَقِطِ مِنْ غَيْرِ وُصُولِهَا إلَى صَاحِبِهَا، فَهُوَ وَهَلَاكُهَا سِيَّانِ، وَلِأَنَّ إمْسَاكَهَا مِنْ غَيْرِ تَعْرِيفٍ، تَضْيِيعٌ لَهَا عَنْ صَاحِبِهَا، فَلَمْ يَجُزْ، كَرَدِّهَا إلَى مَوْضِعِهَا، أَوْ إلْقَائِهَا فِي غَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ التَّعْرِيفُ، لَمَا جَازَ الِالْتِقَاطُ؛ لِأَنَّ بَقَاءَهَا فِي مَكَانِهَا إذًا أَقْرَبُ إلَى وُصُولِهَا إلَى صَاحِبِهَا،
إمَّا بِأَنْ يَطْلُبَهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي ضَاعَتْ فِيهِ فَيَجِدَهَا،
وَإِمَّا بِأَنْ يَجِدَهَا مَنْ يَعْرِفُهَا، وَأَخْذُهُ لَهَا يُفَوِّتُ الْأَمْرَيْنِ، فَيَحْرُمُ، فَلَمَّا جَازَ الِالْتِقَاطُ وَجَبَ التَّعْرِيفُ، كَيْ لَا يَحْصُلَ هَذَا الضَّرَرُ وَلِأَنَّ التَّعْرِيفَ وَاجِبٌ عَلَى مَنْ أَرَادَ تَمَلُّكَهَا، فَكَذَلِكَ عَلَى مَنْ أَرَادَ حِفْظَهَا،
فَإِنَّ التَّمَلُّكَ غَيْرُ وَاجِبٍ، فَلَا تَجِبُ الْوَسِيلَةُ إلَيْهِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْوُجُوبُ فِي الْمَحَلِّ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، لِصِيَانَتِهَا عَنْ الضَّيَاعِ عَنْ صَاحِبِهَا، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ.
[الْفَصْلُ الثَّانِي فِي قَدْرِ تَعْرِيفِ اللُّقَطَةِ] (٤٤٩٥) الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي قَدْرِ التَّعْرِيفِ، وَذَلِكَ سَنَةٌ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ يُعَرِّفُهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ.
وَعَنْهُ ثَلَاثَةَ أَعْوَامٍ؛ لِأَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ رَوَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ بِتَعْرِيفِ مِائَةِ الدِّينَارِ ثَلَاثَةَ أَعْوَامٍ وَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ الْهَاشِمِيُّ مَا دُونَ الْخَمْسِينَ دِرْهَمًا يُعَرِّفُهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلَى سَبْعَةِ أَيَّامٍ.
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ: مَا دُونَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ يُعَرِّفُهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ فِي الدِّرْهَمِ: يُعَرِّفُهُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ.
وَقَالَ إِسْحَاقُ: مَا دُونَ الدِّينَارِ يُعَرِّفُهُ جُمُعَةً أَوْ نَحْوَهَا. وَرَوَى أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ، بِإِسْنَادِهِ، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ الْتَقَطَ دِرْهَمًا، أَوْ حَبْلًا، أَوْ شِبْهَ ذَلِكَ، فَلْيُعَرِّفْهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ كَانَ فَوْقَ ذَلِكَ، فَلْيُعَرِّفْهُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ.»
وَلَنَا: حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الصَّحِيحُ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ بِعَامٍ وَاحِدٍ، وَلِأَنَّ السَّنَةَ لَا تَتَأَخَّرُ عَنْهَا الْقَوَافِلُ، وَيَمْضِي فِيهَا الزَّمَانُ الَّذِي تُقْصَدُ فِيهِ الْبِلَادُ، مِنْ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَالِاعْتِدَالِ، فَصَلُحَتْ قَدْرًا كَمُدَّةِ أَجَلِ الْعَيْنِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أُبَيٍّ، فَقَدْ قَالَ الرَّاوِي: لَا أَدْرِي ثَلَاثَةَ أَعْوَام أَوْ عَامًا وَاحِدًا قَالَ أَبُو دَاوُد: شَكَّ الرَّاوِي فِي ذَلِكَ. وَحَدِيثُ يَعْلَى لَمْ يَقُلْ بِهِ قَائِلٌ عَلَى وَجْهِهِ، وَحَدِيثُ زَيْدٍ وَأُبَيُّ أَصَحُّ مِنْهُ وَأَوْلَى. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ السَّنَةُ تَلِي الِالْتِقَاطَ، وَتَكُونَ مُتَوَالِيَةً فِي نَفْسِهَا لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِتَعْرِيفِهَا حِينَ سُئِلَ عَنْهَا، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْفَوْرَ، وَلِأَنَّ الْقَصْدَ بِالتَّعْرِيفِ وُصُولُ الْخَبَرِ إلَى صَاحِبِهَا، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالتَّعْرِيفِ عَقِيبَ ضَيَاعِهَا مُتَوَالِيًا؛
لِأَنَّ صَاحِبَهَا فِي الْغَالِبِ إنَّمَا يَتَوَقَّعُهَا وَيَطْلُبُهَا عَقِيبَ ضَيَاعِهَا، فَيَجِبُ تَخْصِيصُ التَّعْرِيفِ بِهِ.
[الْفَصْلُ الثَّالِث زَمَان تَعْرِيف اللُّقَطَةِ] الْفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي زَمَانِهِ وَهُوَ النَّهَارُ دُونَ اللَّيْلِ؛ لِأَنَّ النَّهَارَ مَجْمَعُ النَّاسِ وَمُلْتَقَاهُمْ دُونَ اللَّيْلِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي وَجَدَهَا، وَالْأُسْبُوعُ أَكْثَرُ؛ لِأَنَّ الطَّلَبَ فِيهِ أَكْثَرُ،
وَلَا يَجِبُ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ مُتَوَالِيًا. وَقَدْ رَوَى الْجُوزَجَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ زَيْدٍ الْجُهَنِيِّ، قَالَ: نَزَلْنَا مُنَاخَ رَكْبٍ، فَوَجَدْت خِرْقَةً فِيهَا قَرِيبٌ مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ، فَجِئْت بِهَا إلَى عُمَرَ، فَقَالَ: عَرِّفْهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ أَمْسِكْهَا حَتَّى قَرْنِ السَّنَةِ، وَلَا يَفِدُ مِنْ رَكْبٍ إلَّا نَشَدْتهَا، وَقُلْت: الذَّهَبُ بِطَرِيقِ الشَّامِ ثُمَّ شَأْنَك بِهَا.
[الْفَصْلُ الرَّابِع مَكَان تَعْرِيف اللُّقَطَةِ] (٤٤٩٧) الْفَصْلُ الرَّابِعُ: فِي مَكَانِهِ، وَهُوَ الْأَسْوَاقُ، وَأَبْوَابُ الْمَسَاجِدِ وَالْجَوَامِعِ، فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَجْتَمِعُونَ فِيهِ، كَأَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ فِي الْمَسَاجِدِ،
وَكَذَلِكَ فِي مَجَامِعِ النَّاسِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إشَاعَةُ ذِكْرِهَا، وَإِظْهَارُهَا، لِيَظْهَرَ عَلَيْهَا صَاحِبُهَا، فَيَجِبُ تَحَرِّي مَجَامِعِ النَّاسِ، وَلَا يَنْشُدُهَا فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ لَمْ يُبْنَ لِهَذَا. وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ:«مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ، فَلْيَقُلْ: لَا رَدَّهَا اللَّهُ إلَيْك، فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا» . وَأَمَرَ عُمَرُ وَاجِدَ اللُّقَطَةِ بِتَعْرِيفِهَا عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ.
[الْفَصْلُ الْخَامِس فِيمَنْ يَتَوَلَّاهُ تَعْرِيف اللُّقَطَةِ] (٤٤٩٨) الْفَصْلُ الْخَامِسُ: فِيمَنْ يَتَوَلَّاهُ، وَلِلْمُلْتَقِطِ أَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهِ،
فَإِنْ وَجَدَ مُتَبَرِّعًا بِذَلِكَ، وَإِلَّا إنْ احْتَاجَ إلَى أَجْرٍ، فَهُوَ عَلَى الْمُلْتَقِطِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ إنْ قَصَدَ الْحِفْظَ لِصَاحِبِهَا دُونَ تَمَلُّكِهَا، رَجَعَ بِالْأَجْرِ عَلَى مَالِكِهَا.
وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ، فِيمَا لَا يُمْلَكُ بِالتَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مُؤْنَةِ إيصَالِهَا إلَى صَاحِبِهَا، فَكَانَ عَلَى مَالِكِهَا، كَأَجْرِ مَخْزَنِهَا وَرَعْيِهَا وَتَجْفِيفِهَا وَلَنَا أَنَّ هَذَا أَجْرٌ وَاجِبٌ عَلَى الْمُعَرِّفِ، فَكَانَ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ قَصَدَ تَمَلُّكَهَا، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَلِيَهُ بِنَفْسِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَجْرٌ عَلَى صَاحِبِهَا، فَكَذَلِكَ إذَا اسْتَأْجَرَ عَلَيْهِ لَا يَلْزَمُ صَاحِبَهَا شَيْءٌ، وَلِأَنَّهُ سَبَبٌ لِتَمَلُّكِهَا، فَكَانَ عَلَى الْمُلْتَقِطِ، كَمَا لَوْ قَصَدَ تَمَلُّكَهَا.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ أَعْطَى مِنْهَا شَيْئًا لِمَنْ عَرَّفَهَا، فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ دَفَعَ مِنْهَا شَيْئًا لِمَنْ حَفِظَهَا. وَقَدْ ذَكَرْنَا الدَّلِيلَ عَلَى ذَلِكَ.
[الْفَصْلُ السَّادِس كَيْفِيَّةِ تَعْرِيف اللُّقَطَةِ] (٤٤٩٩) الْفَصْلُ السَّادِسُ: فِي كَيْفِيَّةِ التَّعْرِيفِ، وَهُوَ أَنْ يَذْكُرَ جِنْسَهَا لَا غَيْرُ، فَيَقُولَ: مَنْ ضَاعَ مِنْهُ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ أَوْ دَنَانِيرُ أَوْ ثِيَابٌ. وَنَحْوُ ذَلِكَ؛ لِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِوَاجِدِ الذَّهَبِ قُلْ: الذَّهَبُ بِطَرِيقِ الشَّامِ وَلَا تَصِفْهَا لِأَنَّهُ لَوْ وَصَفَهَا لَعَلِمَ صِفَتَهَا مَنْ يَسْمَعُهَا، فَلَا تَبْقَى صِفَتُهَا دَلِيلًا عَلَى مِلْكِهَا، لِمُشَارَكَةِ غَيْرِ الْمَالِكِ فِي ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَدَّعِيَهَا بَعْضُ مِنْ سَمِعَ صِفَتَهَا، وَيَذْكُرَ صِفَتَهَا الَّتِي يَجِبُ دَفْعُهَا بِهَا، فَيَأْخُذَهَا وَهُوَ لَا يَمْلِكُهَا، فَتَضِيعَ عَلَى مَالِكِهَا.
[فَصْلٌ يَسِيرِ اللُّقَطَةِ وَكَثِيرهَا] (٤٥٠٠) فَصْلٌ: لَمْ يُفَرِّقْ الْخِرَقِيِّ بَيْنَ يَسِيرِ اللُّقَطَةِ وَكَثِيرِهَا. وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، إلَّا فِي الْيَسِيرِ الَّذِي لَا تَتْبَعُهُ النَّفْسُ، كَالتَّمْرَةِ وَالْكِسْرَةِ وَالْخِرْقَةِ، وَمَا لَا خَطَرَ لَهُ، فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَخْذِهِ وَالِانْتِفَاعِ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَعْرِيفٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُنْكِرْ عَلَى وَاجِدِ التَّمْرَةِ حَيْثُ أَكَلَهَا، بَلْ «قَالَ لَهُ: لَوْ لَمْ تَأْتِهَا لَأَتَتْك» . «وَرَأَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَمْرَةً فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي أَخْشَى أَنْ تَكُونَ مِنْ الصَّدَقَةِ، لَأَكَلْتُهَا»
وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي إبَاحَةِ أَخْذِ الْيَسِيرِ وَالِانْتِفَاعِ بِهِ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَطَاوُسٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَلَيْسَ عَنْ أَحْمَدَ وَأَكْثَرَ مَنْ ذَكَرْنَا تَحْدِيدُ الْيَسِيرِ الَّذِي يُبَاحُ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجِبُ تَعْرِيفُ مَا لَا يُقْطَعُ بِهِ السَّارِقُ، وَهُوَ رُبْعُ دِينَارٍ عِنْدَ مَالِكٍ، وَعَشَرَةُ دَرَاهِمَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ تَافِهٌ، فَلَا يَجِبُ تَعْرِيفُهُ، كَالْكِسْرَةِ وَالتَّمْرَةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ تَافِهٌ قَوْلُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: كَانُوا لَا يَقْطَعُونَ فِي الشَّيْءِ التَّافِهِ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أَنَّهُ وَجَدَ دِينَارًا فَتَصَرَّفَ فِيهِ. وَرَوَى الْجُوزَجَانِيُّ، عَنْ سَلْمَى بِنْتِ كَعْبٍ، قَالَتْ: وَجَدْت خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، فَسَأَلْت عَائِشَةَ عَنْهُ، فَقَالَتْ: تَمَتَّعِي بِهِ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «رَخَّصَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْعَصَا وَالسَّوْطِ وَالْحَبْلِ وَأَشْبَاهِهِ، يَلْتَقِطُهُ الرَّجُلُ يَنْتَفِعُ بِهِ» . وَالْحَبْلُ قَدْ يَكُونُ قِيمَتُهُ دَرَاهِم وَعَنْ ابْنِ مَاجَهْ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ، قَالَ: خَرَجْت مَعَ سَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَزَيْدِ بْنِ صُوحَانَ، حَتَّى إذَا كُنَّا بِالْعُذَيْبِ، الْتَقَطْت سَوْطًا، فَقَالَا لِي: أَلْقِهِ. فَأَبَيْت، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، أَتَيْت أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: أَصَبْت.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ كَالْمَذَاهِبِ الثَّلَاثَةِ. وَلَنَا عَلَى إبْطَالِ تَحْدِيدِهِ بِمَا ذَكَرُوهُ، أَنَّ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ عَامٌّ فِي كُلِّ لُقَطَةٍ، فَيَجِبُ إبْقَاؤُهُ عَلَى عُمُومِهِ، إلَّا مَا خَرَجَ مِنْهُ بِالدَّلِيلِ، وَلَمْ يَرِدْ بِمَا ذَكَرُوهُ نَصٌّ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى مَا وَرَدَ النَّصُّ بِهِ وَلِأَنَّ التَّحْدِيدَ وَالتَّقْدِيرَ لَا يُعْرَفُ بِالْقِيَاسِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ نَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ، وَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرُوهُ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ.
وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ، فَهُوَ ضَعِيفٌ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ: طُرُقُهُ كُلُّهَا مُضْطَرِبَةٌ. ثُمَّ هُوَ مُخَالِفٌ لِمَذْهَبِهِمْ وَلِسَائِرِ الْمَذَاهِبِ، فَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى وَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ غَيْرِ اللُّقَطَةِ،
إمَّا لِكَوْنِهِ مُضْطَرًّا إلَيْهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ، لَا يُدْرَى كَمْ قَدْرُ الْخَاتَمِ، ثُمَّ هُوَ قَوْلُ صَحَابِيٍّ،
وَكَذَلِكَ حَدِيثُ عَلِيٍّ، وَهُمْ لَا يَرَوْنَ ذَلِكَ حُجَّةً، وَسَائِرُ الْأَحَادِيثِ لَيْسَ فِيهَا تَقْدِيرٌ، لَكِنْ يُبَاحُ أَخْذُ مَا ذَكَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخَصَّ فِي أَخْذِهِ مِنْ السَّوْطِ وَالْعَصَا وَالْحَبْلِ، وَمَا قِيمَتُهُ كَقِيمَةِ ذَلِكَ وَقَدَّرَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ فِي كِتَابِهِ بِمَا دُونَ الْقِيرَاطِ،
وَلَا يَصِحُّ تَحْدِيدُهُ لِمَا ذَكَرْنَا.
[فَصْلٌ أَخَّرَ تَعْرِيفَ اللُّقَطَةِ عَنْ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ مَعَ إمْكَانِهِ] (٤٥٠١) فَصْلٌ: إذَا أَخَّرَ التَّعْرِيفَ عَنْ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ، مَعَ إمْكَانِهِ أَثِمَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِهِ فِيهِ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ.
وَقَالَ فِي حَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ:«لَا يَكْتُمُ وَلَا يُغَيِّبُ» . وَلِأَنَّ ذَلِكَ وَسِيلَةٌ إلَى أَنْ لَا يَعْرِفَهَا صَاحِبُهَا،
فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ بَعْدَ الْحَوْلِ يَيْأَسُ مِنْهَا، وَيَسْلُو عَنْهَا، وَيَتْرُكُ طَلَبِهَا. وَيَسْقُطُ التَّعْرِيفُ بِتَأْخِيرِهِ عَنْ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ، فِي الْمَنْصُوصِ عَنْ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّ حِكْمَةَ التَّعْرِيفِ لَا تَحْصُلُ بَعْدَ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ وَإِنْ تَرَكَهُ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ، عَرَّفَ بَقِيَّتَهُ. وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَسْقُطَ التَّعْرِيفُ بِتَأَخُّرِهِ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ، فَلَا يَسْقُطُ بِتَأْخِيرِهِ عَنْ وَقْتِهِ، كَالْعِبَادَاتِ وَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ. وَلِأَنَّ التَّعْرِيفَ فِي الْحَوْلِ الثَّانِي يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ عَلَى نَوْعٍ مِنْ الْقُصُورِ، فَيَجِبُ الْإِتْيَانُ بِهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»
فَعَلَى هَذَا إنْ أَخَّرَ التَّعْرِيفَ بَعْضَ الْحَوْلِ، أَتَى بِالتَّعْرِيفِ فِي بَقِيَّتِهِ، وَأَتَمَّهُ مِنْ الْحَوْلِ الثَّانِي. وَعَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ، لَا يَمْلِكُهَا بِالتَّعْرِيفِ فِيمَا عَدَا الْحَوْلَ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْمِلْكِ التَّعْرِيفُ فِي الْحَوْلِ الْأَوَّلِ، وَلَمْ يُوجَدْ. وَهَلْ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا أَوْ يَحْبِسَهَا عِنْدَهُ أَبَدًا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ دَفْعُهَا إلَى الْحَاكِمِ، كَقَوْلِنَا فِيمَا إذَا الْتَقَطَ مَا لَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهُ.
وَلَوْ تَرَكَ التَّعْرِيفَ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ، لَمْ يَمْلِكْهَا أَيْضًا بِالتَّعْرِيفِ فِيمَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ لَمْ يَكْمُلْ، وَعَدَمُ بَعْضِ الشَّرْطِ كَعَدَمِ جَمِيعِهِ، كَمَا لَوْ أَخَلَّ بِبَعْضِ الطَّهَارَةِ، أَوْ بِبَعْضِ السُّتْرَةِ فِي الصَّلَاةِ.
[فَصْلٌ تَرَكَ تَعْرِيفَ اللُّقَطَةِ فِي الْحَوْلِ الْأَوَّلِ لِعَجْزِهِ عَنْهُ] (٤٥٠٢) فَصْلٌ: وَإِنْ تَرَكَ التَّعْرِيفَ فِي الْحَوْلِ الْأَوَّلِ؛ لِعَجْزِهِ عَنْهُ، مِثْلُ أَنْ يَتْرُكَهُ لِمَرَضٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ نِسْيَانٍ وَنَحْوِهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مَا لَوْ تَرَكَهُ مَعَ إمْكَانِهِ؛ لِأَنَّ تَعْرِيفَهُ فِي الْحَوْلِ سَبَبُ الْمِلْكِ، وَالْحُكْمُ يَنْتَفِي لِانْتِفَاءِ سَبَبِهِ، سَوَاءٌ انْتَفَى لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِ عُذْرٍ.
وَالثَّانِي، أَنَّهُ يُعَرِّفُهُ فِي الْحَوْلِ الثَّانِي، وَيَمْلِكُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَخِّرْ التَّعْرِيفَ عَنْ وَقْتِ إمْكَانِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَرَّفَهُ فِي الْحَوْلِ الْأَوَّلِ.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.