وإذا حبلت ممن يلحق نسب ولدها به فثاب لها لبن، فأرضعت به طفلا خمس رضعات متفرقات في حولين، حرمت عليه وبناتها من أبي هذا الحمل ومن غيره، وبنات أبي هذا الحمل منها ومن غيرها،
Its commentaries
قال: وإذا حبلت ممن يلحق نسب ولدها به فثاب لها لبن، فأرضعت به طفلا خمس رضعات متفرقات في حولين، حرمت عليه وبناتها من أبي هذا الحمل ومن غيره، وبنات أبي هذا الحمل منها ومن غيرها، فإن أرضعت صبية فقد صارت ابنة لها ولزوجها، لأن اللبن من الحمل الذي هو منه.
ش: أما تحريم المرضعة المذكورة على الطفل فبنص الكتاب، قال سبحانه: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ} [النساء: ٢٣]
وأما تحريم بناتها على الطفل من أبي الحمل ومن غيره، فلأنهن أخواته، وقد قال سبحانه: {وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} [النساء: ٢٣]
وأما تحريم بنات أبي هذا الحمل من المرضعة ومن غيرها عليه، فبناء على أن الحرمة تنتشر من قبل الرجل، كما تنتشر من قبل المرأة، وقد تقدمت هذه المسألة في قوله: ولبن الفحل محرم.
وأما صيرورة الصبية المرضعة منها بنتا لها فإجماع.
٢٨٥٢ - وقد دل عليه قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»
وأما صيرورة المرضعة بنتا لزوج المرضعة، فلما علل به الخرقي، من أن اللبن من الحمل الذي هو منه، وهو يلتفت إلى ما تقدم من أن لبن الفحل محرم،
وقول الخرقي: وإذا حبلت. يحترز مما إذا ثاب اللبن من غير حمل، فإنه لا ينشر الحرمة، وهو المنصوص
والمختار للقاضي وعامة أصحابه من الروايتين، لأنه لبن لم تجر العادة به لتغذية الطفل، أشبه لبن الرجل، وحكي عن أحمد رواية أخرى أنه ينشر الحرمة، وصححها أبو محمد في الكتاب الكبير، ولم يثبتها في الصغير، بل قال: الظاهر أنها قول ابن حامد. وهي مشعرة بظاهر إطلاق {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ} [النساء: ٢٣] وقول الخرقي: ممن يلحق نسب ولدها به. يحترز به عمن لم يلحقه النسب، كالزاني والملاعن،
فإن الحرمة لا تنتشر إليهما، وهو قول ابن حامد، إذ التحريم
فرع لحرمة الأبوة، وحرمة الأبوة لم تثبت، فكذلك ما هو
فرع لها، واختار أبو بكر أن الحرمة تنتشر إليهم، إذ هو رضاع نشر الحرمة إلى المرضعة، فنشرها إلى الواطئ لضرورة الاتفاق،
وفي المذهب (قول ثالث) تنتشر الحرمة إلى الزاني، لأنه ولده ظاهرا، دون الملاعن، لانتفائه عنه ظاهرا وحكما، وقوله: فثاب لها لبن. أي اجتمع. وقوله: فأرضعت به طفلا خمس رضعات، بناء على مختاره من أن التحريم إنما يتعلق بالخمس، وقوله: متفرقات. بناء على أنه لا بد من عدد الرضعات، وأنه لا يكتفى بالمص من غير مفارقة الثدي، وهو المشهور، وعن ابن أبي موسى: حد الرضعة أن يمتص ثم يمسك عن الامتصاص لنفس أو غيره، سواء خرج الثدي من فيه، أو لم يخرج، وكلام الخرقي يقتضي أنه متى وجد التفرق كفى،
وإن كان بغير اختياره، وقد تقدم ذلك، وقوله: في حولين. يحترز به عما بعد الحولين، فإنه لا يؤثر، ولا ريب في ذلك عندنا.
٢٨٥٣ - لما روي «عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: دخل علي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعندي رجل، فقال: «يا عائشة من هذا؟ فقلت: أخي من الرضاعة، فقال: «يا عائشة انظرن من إخوانكن، فإنما الرضاعة من المجاعة» » متفق عليه.
٢٨٥٤ - وعن أم سلمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يحرم الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام» رواه الترمذي وصححه.
٢٨٥٥ - وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا رضاع إلا ما فارق الحولين» رواه الدارقطني.
٢٨٥٦ - وعن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لا رضاعة إلا ما كان في الحولين. رواه أبو داود.
٢٨٥٧ - وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: لا رضاعة لكبير.
٢٨٥٨ - وعن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: لا رضاعة إلا لمن أرضع في الصغر. رواهما مالك في الموطأ.
٢٨٥٩ - وبهذا يتخصص ما روي «عن زينب بنت أم سلمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، قالت: قالت أم سلمة لعائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: إنه يدخل عليك الغلام الأيفع الذي ما أحب أن يدخل علي. فقالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أما لك في رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أسوة حسنة، وقالت: إن امرأة أبي حذيفة قالت: يا رسول الله إن سالما يدخل على وهو رجل، وفي نفس أبي حذيفة منه شيء، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أرضعيه حتى يدخل عليك» » رواه أحمد ومسلم، وفي رواية عن زينب، عن أمها أم سلمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، قالت: أبى سائر أزواج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يدخلن أحدا عليهن بتلك الرضاعة، وقلن لعائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: ما نرى هذا إلا رخصة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لسالم خاصة، فما هو بداخل علينا أحد بهذه الرضاعة ولا رائينا. رواه أحمد، ومسلم، والنسائي.
(تنبيه) : الأيفع.
[مَسْأَلَةٌ حَلَبَتْ مِمَّنْ يَلْحَقُ نَسَبُ وَلَدِهَا بِهِ فَثَابَ لَهَا لَبَنٌ فَأَرْضَعَتْ بِهِ طِفْلًا] (٦٤٢١) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا حَلَبَتْ مِمَّنْ يَلْحَقُ نَسَبُ وَلَدِهَا بِهِ، فَثَابَ لَهَا لَبَنٌ، فَأَرْضَعَتْ بِهِ طِفْلًا خَمْسَ رَضَعَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ، فِي حَوْلَيْنِ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِ، وَبَنَاتُهَا مِنْ أَبِي هَذَا الْحَمْلِ، وَمِنْ غَيْرِهِ، وَبَنَاتُ أَبِي هَذَا الْحَمْلِ مِنْهَا وَمِنْ غَيْرِهَا. وَإِنْ أَرْضَعَتْ صَبِيَّةً، فَقَدْ صَارَتْ ابْنَةً لَهَا وَلِزَوْجِهَا؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ مِنْ الْحَمْلِ الَّذِي هُوَ مِنْهُ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا حَمَلَتْ مِنْ رَجُلٍ وَثَابَ لَهَا لَبَنٌ فَأَرْضَعَتْ بِهِ طِفْلًا رَضَاعًا مُحَرِّمًا، صَارَ الطِّفْلُ الْمُرْتَضِعُ ابْنًا لِلْمُرْضِعَةِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَصَارَ أَيْضًا ابْنًا لِمَنْ يُنْسَبُ الْحَمْلُ إلَيْهِ، فَصَارَ فِي التَّحْرِيمِ وَإِبَاحَةِ الْخَلْوَةِ ابْنًا لَهُمَا، وَأَوْلَادُهُ مِنْ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ أَوْلَادَ أَوْلَادِهِمَا،
وَإِنْ نَزَلَتْ دَرَجَتُهُمْ، وَجَمِيعُ أَوْلَادِ الْمُرْضِعَةِ مِنْ زَوْجِهَا وَمِنْ غَيْرِهِ، وَجَمِيعُ أَوْلَادِ الرَّجُلِ الَّذِي انْتَسَبَ الْحَمْلُ إلَيْهِ مِنْ الْمُرْضِعَةِ وَمِنْ غَيْرِهَا، إخْوَةَ الْمُرْتَضِعِ، وَأَخَوَاتِهِ، وَأَوْلَادُ أَوْلَادِهَا أَوْلَادَ إخْوَتِهِ وَأَخَوَاتِهِ،
وَإِنْ نَزَلَتْ دَرَجَتُهُمْ، وَأُمُّ الْمُرْضِعَةِ جَدَّتَهُ وَأَبُوهَا جَدَّهُ، وَإِخْوَتُهَا أَخْوَالَهُ، وَأَخَوَاتُهَا خَالَاتِهِ، وَأَبُو الرَّجُلِ جَدَّهُ، وَأُمُّهُ جَدَّتَهُ، وَإِخْوَتُهُ أَعْمَامَهُ، وَأَخَوَاتُهُ عَمَّاتُهُ، وَجَمِيعُ أَقَارِبِهِمَا يَنْتَسِبُونَ إلَى الْمُرْتَضِعِ كَمَا يَنْتَسِبُونَ إلَى وَلَدِهِمَا مِنْ النَّسَبِ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ الَّذِي ثَابَ لِلْمَرْأَةِ مَخْلُوقٌ مِنْ مَاءِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، فَنَشَرَ التَّحْرِيمَ إلَيْهِمَا، وَنَشَرَ الْحُرْمَةَ إلَى الرَّجُلِ وَإِلَى أَقَارِبِهِ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى لَبَنَ الْفَحْلِ.
وَفِي التَّحْرِيمِ بِهِ اخْتِلَافٌ، ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ مَا يَحْرُمُ نِكَاحُهُ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُ، وَالْحُجَّةُ الْقَاطِعَةُ فِيهِ، مَا رَوَتْ عَائِشَةُ «، أَنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ، اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ، فَقُلْت: وَاَللَّهِ لَا آذَنُ لَهُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي الْقُعَيْسِ. فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَتُهُ. قَالَ: ائْذَنِي لَهُ، فَإِنَّهُ عَمُّك، تَرِبَتْ يَمِينُك. قَالَ عُرْوَةُ: فَبِذَلِكَ كَانَتْ عَائِشَةُ تَأْخُذُ بِقَوْلِ: حَرِّمُوا مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ رَجُلِ تَزَوَّجَ امْرَأَتَيْنِ، فَأَرْضَعَتْ إحْدَاهُمَا جَارِيَةً، وَالْأُخْرَى غُلَامًا، هَلْ يَتَزَوَّجُ الْغُلَامُ الْجَارِيَةَ؟ فَقَالَ: لَا، اللِّقَاحُ وَاحِدٌ. قَالَ مَالِكٌ: اُخْتُلِفَ قَدِيمًا فِي الرَّضَاعَةِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ، وَنَزَلَ بِرِجَالِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي أَزْوَاجِهِمْ؛ مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ، وَابْنُ أَبِي حَبِيبَةَ، فَاسْتَفْتَوْا فِي ذَلِكَ، فَاخْتُلِفَ عَلَيْهِمْ، فَفَارَقُوا زَوْجَاتِهِمْ.
فَأَمَّا الْمُرْتَضِعُ، فَإِنَّ الْحُرْمَةَ تَنْتَشِرُ إلَيْهِ وَإِلَى أَوْلَادِهِ وَإِنْ نَزَلُوا، وَلَا تَنْتَشِرُ إلَى مَنْ فِي دَرَجَتِهِ مِنْ إخْوَتِهِ وَأَخَوَاتِهِ، وَلَا إلَى أَعْلَى مِنْهُ، كَأَبِيهِ وَأُمِّهِ وَأَعْمَامِهِ وَعَمَّاتِهِ وَأَخْوَالِهِ وَخَالَاتِهِ وَأَجْدَادِهِ وَجَدَّاتِهِ، فَلَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُرْضِعَةِ نِكَاحُ أَبِي الطِّفْلِ الْمُرْتَضِعِ، وَلَا أَخِيهِ، وَلَا عَمِّهِ، وَلَا خَالِهِ،
وَلَا يَحْرُمُ عَلَى زَوْجِهَا نِكَاحُ أُمِّ الطِّفْلِ الْمُرْتَضِعِ، وَلَا أُخْتِهِ، وَلَا عَمَّتِهِ، وَلَا خَالَتِهِ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَوْلَادُ الْمُرْضِعَةِ، وَأَوْلَادُ زَوْجِهَا إخْوَةَ الطِّفْلِ الْمُرْتَضِعِ وَأَخَوَاتِهِ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ أُخْتَ أُخْتِهِ مِنْ الرَّضَاعِ، لَيْسَ بَيْنهمَا رَضَاعٌ وَلَا نَسَبٌ، وَإِنَّمَا الرَّضَاعُ بَيْن الْجَارِيَةِ وَأُخْتِهِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ مِنْ شَرْطِ تَحْرِيمِ الرَّضَاعِ أَنْ يَكُونَ فِي الْحَوْلَيْنِ. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. وَأَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سِوَى عَائِشَةَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّعْبِيُّ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَرِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ، وَرُوِيَ عَنْهُ، إنْ زَادَ شَهْرًا جَازَ، وَرُوِيَ شَهْرَانِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُحَرِّمُ الرَّضَاعُ فِي ثَلَاثِينَ شَهْرًا؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ:{وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا} . وَلَمْ يُرِدْ بِالْحَمْلِ حَمْلَ الْأَحْشَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ سَنَتَيْنِ فَعُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ الْحَمْلَ فِي الْفِصَالِ.
وَقَالَ زُفَرُ: مُدَّةُ الرَّضَاعِ ثَلَاثُ سِنِينَ. وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَرَى رَضَاعَةَ الْكَبِيرِ تُحَرِّمُ. وَيُرْوَى هَذَا عَنْ عَطَاءٍ وَاللَّيْثِ، وَدَاوُد؛ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّا كُنَّا نَرَى سَالِمًا وَلَدًا، فَكَانَ يَأْوِي مَعِي وَمَعَ أَبِي حُذَيْفَةَ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ، وَيَرَانِي فَضْلًا، وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ مَا قَدْ عَلِمْت فَكَيْفَ تَرَى فِيهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَرْضِعِيهِ. فَأَرْضَعَتْهُ خَمْسَ رَضَعَاتٍ، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ وَلَدِهَا. فَبِذَلِكَ كَانَتْ عَائِشَةُ تَأْخُذُ، تَأْمُرُ بَنَاتِ أَخَوَاتِهَا، وَبَنَاتِ إخْوَتِهَا يُرْضِعْنَ مَنْ أَحَبَّتْ عَائِشَةُ أَنْ يَرَاهَا، وَيَدْخُلَ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا خَمْسَ رَضَعَاتٍ، وَأَبَتْ ذَلِكَ أُمُّ سَلَمَةَ، وَسَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ، حَتَّى يَرْضَعَ فِي الْمَهْدِ، وَقُلْنَ لِعَائِشَةَ: وَاَللَّهِ مَا نَدْرِي، لَعَلَّهَا رُخْصَةٌ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِسَالِمٍ دُونَ النَّاسِ» .
رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَأَبُو دَاوُد، وَغَيْرُهُمَا. وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى:{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} . فَجَعَلَ تَمَامَ الرَّضَاعَةِ حَوْلَيْنِ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا حُكْمَ لَهَا بَعْدَهُمَا. وَعَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا رَجُلٌ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اُنْظُرْنَ مَنْ إخْوَانُكُنَّ، فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنْ الْمَجَاعَةِ» الشَّافِعِيُّ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يُحَرِّمُ مِنْ الرَّضَاعِ، إلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ، وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ» . أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ،
وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَعِنْدَ هَذَا يَتَعَيَّنُ حَمْلُ خَبَرِ أَبِي حُذَيْفَة عَلَى أَنَّهُ خَاصٌّ لَهُ دُونَ النَّاسِ، كَمَا قَالَ سَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، تَحَكُّمٌ يُخَالِفُ ظَاهِرَ الْكِتَابِ وَقَوْلَ الصَّحَابَةِ، فَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَمْلِ حَمْلُ الْبَطْنِ. وَبِهِ اسْتَدَلَّ عَلِيٌّ أَنَّ أَقَلَّ مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى:{وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} .
فَلَوْ حُمِلَ عَلَى مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، لَكَانَ مُخَالِفًا لِهَذِهِ الْآيَةِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالِاعْتِبَارُ بِالْعَامَيْنِ لَا بِالْفِطَامِ،
فَلَوْ فُطِمَ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ، ثُمَّ ارْتَضَعَ فِيهِمَا، لَحَصَلَ التَّحْرِيمُ،
وَلَوْ لَمْ يُفْطَمْ حَتَّى تَجَاوَزَ الْحَوْلَيْنِ، ثُمَّ ارْتَضَعَ بَعْدَهُمَا قَبْلَ الْفِطَامِ. لَمْ يَثْبُتْ التَّحْرِيمُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، صَاحِبُ مَالِكٍ: لَوْ ارْتَضَعَ بَعْدَ الْفِطَامِ فِي الْحَوْلَيْنِ، لَمْ تُحَرِّمْ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ» .
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى:{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} . وَرُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا رَضَاعَ إلَّا مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ» . وَالْفِطَامُ مُعْتَبَرٌ بِمُدَّتِهِ لَا بِنَفْسِهِ، قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَوْ ارْتَضَعَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ بِسَاعَةٍ، لَمْ يُحَرِّمْ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَوْ شَرَعَ فِي الْخَامِسَةِ، فَحَالَ الْحَوْلُ قَبْلَ كَمَالِهَا، لَمْ يَثْبُتْ التَّحْرِيمُ.
وَلَا يَصِحُّ هَذَا؛ لِأَنَّ مَا وُجِدَ مِنْ الرَّضْعَةِ فِي الْحَوْلَيْنِ كَافٍ فِي التَّحْرِيمِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ انْفَصَلَ مِمَّا بَعْدَهُ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْقُطَ حُكْمٌ بِإِيصَالِ مَا لَا أَثَرَ لَهُ بِهِ. وَاشْتَرَطَ الْخِرَقِيِّ فِي نَشْرِ الْحُرْمَةِ بَيْنَ الْمُرْتَضِعِ وَبَيْنَ الرَّجُلِ الَّذِي ثَابَ اللَّبَنُ بِوَطْئِهِ، أَنْ يَكُونَ لَبَنَ حَمْلٍ يَنْتَسِبُ إلَى الْوَاطِئِ،
إمَّا لِكَوْنِ الْوَطْءِ فِي نِكَاحٍ أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ، أَوْ بِشُبْهَةٍ،
فَأَمَّا لَبَنُ الزَّانِي أَوْ النَّافِي لِلْوَلَدِ بِاللِّعَانِ، فَلَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ بَيْنَهُمَا، فِي مَفْهُومِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيز: تَنْتَشِرُ الْحُرْمَةُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ مَعْنَى يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ، فَاسْتَوَى فِي ذَلِكَ مُبَاحُهُ وَمَحْظُورُهُ، كَالْوَطْءِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْوَاطِئَ حَصَلَ مِنْهُ لَبَنٌ وَوَلَدٌ،
ثُمَّ إنَّ الْوَلَدَ يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَاطِئِ، كَذَلِكَ اللَّبَنُ، وَلِأَنَّهُ رَضَاعٌ يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ إلَى الْمُرْضِعَةِ، فَنَشْرِهَا إلَى الْوَاطِئِ، كَصُورَةِ الْإِجْمَاعِ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، أَنَّ التَّحْرِيمَ بَيْنَهُمَا
فَرْعٌ لِحُرْمَةِ الْأُبُوَّةِ، فَلَمَّا لَمْ تَثْبُتْ حُرْمَةُ الْأُبُوَّةِ، لَمْ يَثْبُتْ مَا هُوَ
فَرْعٌ لَهَا. وَيُفَارِقُ تَحْرِيمَ ابْنَتِهِ مِنْ الزِّنَى؛ لِأَنَّهَا مِنْ نُطْفَتِهِ حَقِيقَةً،
بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.
وَيُفَارِقُ تَحْرِيمَ الْمُصَاهَرَةِ؛
فَإِنَّ التَّحْرِيمَ ثَمَّ لَا يَقِفُ عَلَى ثُبُوتِ النَّسَبِ، وَلِهَذَا تَحْرُمُ أُمُّ زَوْجَتِهِ وَابْنَتُهَا مِنْ غَيْرِ نَسَبٍ، وَتَحْرِيمُ الرَّضَاعِ مَبْنِيٌّ عَلَى النَّسَبِ، وَلِهَذَا قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» .
فَأَمَّا الْمُرْضِعَةُ، فَإِنَّ الطِّفْلَ الْمُرْتَضِعَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهَا، وَمَنْسُوبٌ إلَيْهَا عِنْدَ الْجَمِيعِ.
وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ جَمِيعُ أَوْلَادِهَا، وَأَقَارِبهَا الَّذِينَ يَحْرُمُونَ عَلَى أَوْلَادِهَا، عَلَى هَذَا الْمُرْتَضِعِ، كَمَا فِي الرَّضَاعِ بِاللَّبَنِ الْمُبَاحِ.
وَإِنْ كَانَ الْمُرْتَضِعُ جَارِيَةً، حَرُمَتْ عَلَى الْمُلَاعِنِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا رَبِيبَتُهُ، فَإِنَّهَا بِنْتُ امْرَأَتِهِ مِنْ الرَّضَاعِ، وَتَحْرُمُ عَلَى الزَّانِي، عِنْدَ مَنْ يَرَى تَحْرِيمَ الْمُصَاهَرَةِ،
وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ بَنَاتُهَا وَبَنَاتُ الْمُرْتَضِعِ مِنْ الْغِلْمَانِ لِذَلِكَ.
[فَصْلٌ وَطِئَ رَجُلَانِ امْرَأَةً فَأَتَتْ بِوَلَدٍ فَأَرْضَعَتْ بِلَبَنِهِ طِفْلًا] (٦٤٢٢) فَصْلٌ: وَإِذَا وَطِئَ رَجُلَانِ امْرَأَةً، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ، فَأَرْضَعَتْ بِلَبَنِهِ طِفْلًا، صَارَ ابْنًا لِمَنْ ثَبَتَ نَسَبُ الْمَوْلُودِ مِنْهُ، سَوَاءٌ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ بِالْقَافَةِ أَوْ بِغَيْرِهَا.
وَإِنْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِهِمَا، صَارَ الْمُرْتَضِعُ ابْنًا لَهُمَا، فَالْمُرْتَضِعُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ تَبَعٌ لِلْمُنَاسِبِ، فَمَتَى لَحِقَ الْمُنَاسِبُ بِشَخْصٍ، فَالْمُرْتَضِعُ مِثْلُهُ،
وَإِنْ انْتَفَى الْمُنَاسِبُ عَنْ أَحَدِهِمَا، فَالْمُرْتَضِعُ مِثْلُهُ، لِأَنَّهُ بِلَبَنِهِ ارْتَضَعَ، وَحُرْمَتُهُ
فَرْعٌ عَلَى حُرْمَتِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ مِنْهُمَا؛ لِتَعَذُّرِ الْقَافَةِ، أَوْ لِاشْتِبَاهِهِ عَلَيْهِمْ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، حَرُمَ عَلَيْهِمَا، تَغْلِيبًا لِلْحَظْرِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنَ أَحَدِهِمَا، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَقَارِبُهُ دُونَ أَقَارِبِ الْآخَرِ، وَقَدْ اخْتَلَطَتْ أُخْتُهُ بِغَيْرِهَا، فَحَرُمَ الْجَمِيعُ، كَمَا لَوْ عَلِمَ أُخْتَهُ بِعَيْنِهَا، ثُمَّ اخْتَلَطَتْ بِأَجْنَبِيَّاتِ.
وَإِنْ انْتَفَى عَنْهُمَا جَمِيعًا، بِأَنْ تَأْتِيَ بِهِ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَطْئِهِمَا، أَوْ لِأَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ، أَوْ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَطْءِ أَحَدِهِمَا، أَوْ لِأَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ وَطْءِ الْآخَرِ، انْتَفَى الْمُرْتَضِعُ عَنْهُمَا أَيْضًا؛
فَإِنْ كَانَ الْمُرْتَضِعُ جَارِيَةً، حَرُمَتْ عَلَيْهِمَا تَحْرِيمَ الْمُصَاهَرَةِ،
وَيَحْرُمُ أَوْلَادُهَا عَلَيْهَا أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا ابْنَةُ مَوْطُوءَتهمَا، فَهِيَ رَبِيبَةٌ لَهُمَا.
[فَصْلٌ ارْتَضَعَ اثْنَانِ مِنْ لَبَنِ بَهِيمَةٍ] (٦٤٢٣) فَصْلٌ: وَلَا تَنْتَشِرُ الْحُرْمَةُ بِغَيْرِ لَبَنِ الْآدَمِيَّةِ بِحَالٍ،
فَلَوْ ارْتَضَعَ اثْنَانِ مِنْ لَبَنِ بَهِيمَةٍ، لَمْ يَصِيرَا أَخَوَيْنِ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَلَوْ ارْتَضَعَا مِنْ رَجُلٍ، لَمْ يَصِيرَا أَخَوَيْنِ، وَلَمْ تَنْتَشِرْ الْحُرْمَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا، فِي قَوْل عَامَّتِهِمْ.
وَقَالَ الْكَرَابِيسِيُّ: يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ؛ لِأَنَّهُ لَبَنُ آدَمِيٍّ، أَشْبَهَ لَبَنَ الْآدَمِيَّةِ. وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ، أَنَّهُمَا إذَا ارْتَضَعَا مِنْ لَبَنِ بَهِيمَةٍ، صَارَا أَخَوَيْنِ. وَلَيْسَ بِصَحِيحِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمُ الْأُمُومَةِ، فَلَا يَثْبُتُ بِهِ تَحْرِيمُ الْأُخُوَّةِ، لِأَنَّ الْأُخُوَّةَ
فَرْعٌ عَلَى الْأُمُومَةِ، وَكَذَلِكَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمُ الْأُبُوَّةِ لِذَلِكَ، وَلِأَنَّ هَذَا اللَّبَنَ لَمْ يُخْلَقْ لِغِذَاءِ الْمَوْلُودِ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ التَّحْرِيمُ، كَسَائِرِ الطَّعَامِ.
فَإِنْ ثَابَ لِخُنْثَى مُشْكِلٍ لَبَنٌ، لَمْ يَثْبُتْ بِهِ التَّحْرِيمُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ امْرَأَةً، فَلَا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ مَعَ الشَّكِّ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ:: يَقِفُ الْأَمْرُ حَتَّى يَنْكَشِفَ أَمْرُ الْخُنْثَى. فَعَلَى قَوْلِهِ يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ، إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ كَوْنُهُ رَجُلًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ كَوْنَهُ مُحَرِّمًا.
(٦٤٢٤) فَصْلٌ: وَإِنْ ثَابَ لَامْرَأَةٍ لَبَنٌ مِنْ غَيْرِ وَطْءٍ، فَأَرْضَعَتْ بِهِ طِفْلًا، نَشَرَ الْحُرْمَةَ، فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَكُلِّ مَنْ يَحْفَظُ عَنْهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:{وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ} . وَلِأَنَّهُ لَبَنُ امْرَأَةٍ فَتَعَلَّقَ بِهِ التَّحْرِيمُ، كَمَا لَوْ ثَابَ بِوَطْءٍ، وَلِأَنَّ أَلْبَانَ النِّسَاءِ خُلِقَتْ لِغِذَاءِ الْأَطْفَالِ،
وَإِنْ كَانَ هَذَا نَادِرًا، فَجِنْسُهُ مُعْتَادٌ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ؛ لِأَنَّهُ نَادِرٌ، لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ لِتَغْذِيَةِ الْأَطْفَالِ، فَأَشْبَهَ لَبَنَ الرِّجَالِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
[فَصْلٌ لَرَجُلٍ خَمْسُ أُمَّهَاتِ أَوْلَادٍ لَهُ مِنْهُنَّ لَبَنٌ فَارْتَضَعَ طِفْلٌ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ رَضْعَةً] (٦٤٢٥) فَصْلٌ: إذَا كَانَ لَرَجُلٍ خَمْسُ أُمَّهَاتِ أَوْلَادٍ، لَهُ مِنْهُنَّ لَبَنٌ، فَارْتَضَعَ طِفْلٌ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ رَضْعَةً، لَمْ يَصِرْنَ أُمَّهَاتٍ لَهُ، وَصَارَ الْمَوْلَى أَبًا لَهُ. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ؛ لِأَنَّهُ ارْتَضَعَ مِنْ لَبَنِهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، لَا تَثْبُتُ الْأُبُوَّةُ؛ لِأَنَّهُ رَضَاعٌ لَمْ يُثْبِتْ الْأُمُومَةَ، فَلَمْ يُثْبِتْ الْأُبُوَّةَ، كَالِارْتِضَاعِ بِلَبَنِ الرَّجُلِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛
فَإِنَّ الْأُبُوَّةَ إنَّمَا تَثْبُتُ لِكَوْنِهِ رَضَعَ مِنْ لَبَنِهِ، لَا لِكَوْنِ الْمُرْضِعَةِ
أُمًّا لَهُ.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ، كَهَذَيْنِ.
وَإِذَا قُلْنَا بِثُبُوتِ الْأُبُوَّةِ، حَرُمَتْ عَلَيْهِ الْمُرْضِعَاتُ؛ لِأَنَّهُ رَبِيبُهُنَّ، وَهُنَّ مَوْطُوءَاتُ أَبِيهِ.
وَإِنْ كَانَ لِرَجُلٍ خَمْسُ بَنَاتٍ، فَأَرْضَعْنَ طِفْلًا، كُلُّ وَاحِدَةٍ رَضْعَةً، لَمْ يَصِرْنَ أُمَّهَاتٍ لَهُ. وَهَلْ يَصِيرُ الرَّجُلُ جَدًّا لَهُ، وَأَوْلَادُهُ أَخْوَالًا لَهُ وَخَالَاتٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا: يَصِيرُ جَدًّا، وَأَخُوهُنَّ خَالًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَمَّلَ لِلْمُرْتَضِعِ خَمْسُ رَضَعَاتٍ مِنْ لَبَنِ بَنَاتِهِ أَوْ أَخَوَاتِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ مِنْ وَاحِدَةٍ. وَالْآخَرُ: لَا يَثْبُتُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ جَدًّا
فَرْعُ كَوْنِ ابْنَتِهِ أُمًّا، وَكَوْنَهُ خَالًا
فَرْعُ كَوْنِ أُخْتِهِ أُمًّا، وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ، فَلَا يَثْبُتُ الْفَرْعُ. وَهَذَا الْوَجْهُ يَتَرَجَّحُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّ الْفَرْعِيَّةَ مُتَحَقِّقَةٌ،
بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا. فَإِنْ قُلْنَا: يَصِيرُ أَخُوهُنَّ خَالًا. لَمْ تَثْبُتْ الْخُئُولَةُ فِي حَقِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْتَضِعْ مِنْ لَبَنِ أَخَوَاتِهَا خَمْسَ رَضَعَاتٍ، وَلَكِنْ يَحْتَمِلُ التَّحْرِيمَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اجْتَمَعَ مِنْ اللَّبَنِ الْمُحَرِّمِ خَمْسُ رَضَعَاتٍ.
وَلَوْ كَمَّلَ لِلطِّفْلِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ مِنْ أُمِّهِ وَأُخْتِهِ وَابْنَتِهِ وَزَوْجَتِهِ وَزَوْجَةِ أَبِيهِ، مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ رَضْعَةٌ، خُرِّجَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ. (٦٤٢٦) فَصْلٌ: إذَا كَانَ لِامْرَأَةٍ لَبَنٌ مِنْ زَوْجٍ، فَأَرْضَعَتْ طِفْلًا ثَلَاثَ رَضَعَاتٍ، وَانْقَطَعَ لَبَنُهَا، فَتَزَوَّجَتْ آخَرَ، فَصَارَ لَهَا مِنْهُ لَبَنٌ، فَأَرْضَعَتْ مِنْهُ الصَّبِيَّ رَضْعَتَيْنِ، صَارَتْ
أُمًّا لَهُ، بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْخَمْسَ مُحَرِّمَاتٌ، وَلَمْ يَصِرْ وَاحِدٌ مِنْ الزَّوْجَيْنِ أَبًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكْمِلْ عَدَدَ الرَّضَاعِ مِنْ لَبَنِهِ،
وَيَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلَيْنِ؛ لِكَوْنِهِ رَبِيبَهَا، لَا لِكَوْنِهِ وَلَدَهُمَا.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.