وهو سنّةٌ
Its commentaries
(قَوْلُهُ: وَهُوَ سُنَّةٌ، وَعِنْدَ التَّوَقَانِ وَاجِبٌ) بَيَانٌ لِصِفَتِهِ
أَمَّا الْأَوَّلُ فَالْمُرَادُ بِهِ السُّنَّةُ الْمُؤَكَّدَةُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَهُوَ مَحْمَلُ مَنْ أَطْلَقَ الِاسْتِحْبَابَ، وَكَثِيرًا مَا يُتَسَاهَلُ فِي إطْلَاقِ الْمُسْتَحَبِّ عَلَى السُّنَّةِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَصَرَّحَ فِي الْمُحِيطِ أَيْضًا بِأَنَّهَا مُؤَكَّدَةٌ،
وَمُقْتَضَاهُ الْإِثْمُ لَوْ لَمْ يَتَزَوَّجْ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ تَرْكَ الْمُؤَكَّدَةِ مُؤَثِّمٌ كَمَا عُلِمَ فِي الصَّلَاةِ.
وَأَفَادَ بِذِكْرِ وُجُوبِهِ حَالَةَ التَّوَقَانِ أَنَّ مَحَلَّ الْأَوَّلِ حَالَةُ الِاعْتِدَالِ كَمَا فِي الْمَجْمَعِ وَالْمُرَادُ بِهَا حَالَةُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْوَطْءِ وَالْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ مَعَ عَدَمِ الْخَوْفِ مِنْ الزِّنَا وَالْجَوْرِ وَتَرْكِ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ
فَلَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ أَوْ خَافَ وَاحِدًا مِنْ الثَّلَاثَةِ فَلَيْسَ مُعْتَدِلًا فَلَا يَكُونُ سُنَّةً فِي حَقِّهِ كَمَا أَفَادَهُ فِي الْبَدَائِعِ وَدَلِيلُ السُّنِّيَّةِ حَالَةَ الِاعْتِدَالِ الِاقْتِدَاءُ بِحَالِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي نَفْسِهِ وَرَدُّهُ عَلَى مَنْ أَرَادَ مِنْ أُمَّتِهِ التَّخَلِّيَ لِلْعِبَادَةِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ رَدًّا بَلِيغًا بِقَوْلِهِ «فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» كَمَا أَوْضَحَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالتَّوَقَانُ مَصْدَرُ تَاقَتْ نَفْسُهُ إلَى كَذَا إذَا اشْتَاقَتْ مِنْ بَابِ طَلَبَ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَالْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَخَافُ مِنْهُ الْوُقُوعَ فِي الزِّنَا لَوْ لَمْ يَتَزَوَّجْ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ الِاشْتِيَاقِ إلَى الْجِمَاعِ الْخَوْفُ الْمَذْكُورُ، وَأَرَادَ بِالْوَاجِبِ اللَّازِمَ فَيَشْمَلُ الْفَرْضَ وَالْوَاجِبَ الِاصْطِلَاحِيَّ فَإِنَّا قَدَّمْنَا أَنَّهُ فَرْضٌ وَوَاجِبٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ كَمَا فِي الْمَجْمَعِ؛
لِأَنَّ الْجَوْرَ حَرَامٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ شَخْصٍ، وَلَيْسَ هُوَ مُخْتَصًّا بِالنِّكَاحِ حَتَّى يُجْعَلَ مِنْ أَحْكَامِهِ وَصِفَتِهِ وَالْجَوْرُ الظُّلْمُ يُقَالُ جَارَ أَيْ ظَلَمَ، وَأَفَادَ بِالسُّنِّيَّةِ أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِهِ أَفْضَلُ مِنْ التَّخَلِّي لِنَوَافِلِ الْعِبَادَاتِ وَلِذَا
قَالَ: فِي الْمَجْمَعِ وَنُفَضِّلُهُ عَلَى التَّخَلِّي لِلنَّوَافِلِ وَاسْتَدَلَّ لَهُ فِي الْبَدَائِعِ بِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ أَنَّ السُّنَنَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى النَّوَافِلِ بِالْإِجْمَاعِ.
الثَّانِي أَنَّهُ أَوْعَدَ عَلَى تَرْكِ السُّنَّةِ، وَلَا وَعِيدَ عَلَى تَرْكِ النَّوَافِلِ. الثَّالِثُ أَنَّهُ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَوَاظَبَ عَلَيْهِ وَثَبَتَ عَلَيْهِ بِحَيْثُ لَمْ يَخْلُ عَنْهُ بَلْ كَانَ يَزِيدُ عَلَيْهِ،
وَلَوْ كَانَ التَّخَلِّي لِلنَّوَافِلِ أَفْضَلَ لَفَعَلَهُ،
وَإِذَا ثَبَتَ أَفْضَلِيَّتُهُ فِي حَقِّهِ ثَبَتَتْ فِي حَقِّ أُمَّتِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الشَّرَائِعِ هُوَ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ بِدَلِيلٍ. وَالرَّابِعُ أَنَّهُ سَبَبٌ مُوصِلٌ إلَى مَا هُوَ مُفَضَّلٌ عَلَى النَّوَافِلِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِصِيَانَةِ النَّفْسِ عَنْ الْفَاحِشَةِ وَلِصِيَانَةِ نَفْسِهَا عَنْ الْهَلَاكِ بِالنَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى وَاللِّبَاسِ وَلِحُصُولِ الْوَلَدِ الْمُوَحِّدِ،
وَأَمَّا مَدْحُهُ تَعَالَى يَحْيَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِكَوْنِهِ سَيِّدًا وَحَصُورًا، وَهُوَ مَنْ لَا يَأْتِي النِّسَاءَ مَعَ الْقُدْرَةِ فَهُوَ فِي شَرِيعَتِهِمْ لَا فِي شَرِيعَتِنَا. اهـ.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِكَوْنِهِ سُنَّةً أَوْ وَاجِبًا إلَى اسْتِحْبَابِ مُبَاشَرَةِ عَقْدِ النِّكَاحِ فِي الْمَسْجِدِ لِكَوْنِهِ عِبَادَةً وَصَرَّحُوا بِاسْتِحْبَابِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاخْتَلَفُوا فِي كَرَاهِيَةِ الزِّفَافِ
وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ إلَّا إذَا اشْتَمَلَ عَلَى مَفْسَدَةٍ دِينِيَّةٍ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ وَاجْعَلُوهُ فِي الْمَسَاجِدِ وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفُوفِ» كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ،
وَفِي الذَّخِيرَةِ ضَرْبُ الدُّفِّ فِي الْعُرْسِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَمَحَلُّهُ مَا لَا جَلَاجِلَ لَهُ
أَمَّا مَا لَهُ جَلَاجِلُ فَمَكْرُوهٌ،
وَكَذَا اخْتَلَفُوا فِي الْغِنَاءِ فِي الْعُرْسِ وَالْوَلِيمَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بِعَدَمِ كَرَاهَتِهِ كَضَرْبِ الدُّفِّ. اهـ.
وَفِي فَتَاوَى الْعَلَّامِيِّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ نُدِبَ لَهُ أَنْ يَسْتَدِينَ لَهُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ضَامِنٌ لَهُ الْأَدَاءَ فَلَا يَخَافُ الْفَقْرَ إذَا كَانَ مِنْ نِيَّتِهِ التَّحْصِينُ وَالتَّعَفُّفُ وَيَتَزَوَّجُ امْرَأَةً صَالِحَةً مَعْرُوفَةَ النَّسَبِ وَالْحَسَبِ وَالدِّيَانَةِ فَإِنَّ الْعِرْقَ نَزَّاعٌ وَيَجْتَنِبُ الْمَرْأَةَ الْحَسْنَاءَ فِي مَنْبَتِ السُّوءِ، وَلَا يَتَزَوَّجُ امْرَأَةً لَحَسِبَهَا، وَعِزِّهَا، وَمَالِهَا وَجَمَالِهَا فَإِنْ تَزَوَّجَهَا لِذَلِكَ لَا يُزَادُ بِهِ إلَّا ذُلًّا، وَفَقْرًا وَدَنَاءَةً وَيَتَزَوَّجُ مَنْ هِيَ فَوْقَهُ فِي الْخُلُقِ وَالْأَدَبِ وَالْوَرَعِ وَالْجَمَالِ وَدُونَهُ فِي الْعِزِّ وَالْحِرْفَةِ وَالْحَسَبِ وَالْمَالِ وَالسِّنِّ وَالْقَامَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَيْسَرُ مِنْ الْحَقَارَةِ وَالْفِتْنَةِ، وَيَخْتَارُ أَيْسَرَ النِّسَاءِ خُطْبَةً، وَمُؤْنَةً وَنِكَاحُ الْبِكْرِ أَحْسَنُ لِلْحَدِيثِ «عَلَيْكُمْ بِالْأَبْكَارِ فَإِنَّهُنَّ أَعْذَبُ أَفْوَاهًا، وَأَنْقَى أَرْحَامًا، وَأَرْضَى بِالْيَسِيرِ» ، وَلَا يَتَزَوَّجُ طَوِيلَةً مَهْزُولَةً، وَلَا قَصِيرَةً ذَمِيمَةً، وَلَا مُكْثِرَةً، وَلَا سَيِّئَةَ الْخُلُقِ، وَلَا ذَاتَ الْوَلَدِ، وَلَا مُسِنَّةً لِلْحَدِيثِ «سَوْدَاءُ وَلُودٌ خَيْرٌ مِنْ حَسْنَاءَ عَقِيمٍ» ، وَلَا يَتَزَوَّجُ الْأَمَةَ مَعَ طَوْلِ الْحُرَّةِ، وَلَا حُرَّةً بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا لِعَدَمِ الْجَوَازِ عِنْدَ الْبَعْضِ، وَلَا زَانِيَةً.
وَالْمَرْأَةُ تَخْتَارُ الزَّوْجَ الدَّيِّنَ الْحَسَنَ الْخُلُقِ الْجَوَادَ الْمُوسِرَ، وَلَا تَتَزَوَّجُ فَاسِقًا، وَلَا يُزَوِّجُ ابْنَتَهُ الشَّابَّةَ شَيْخًا كَبِيرًا، وَلَا رَجُلًا دَمِيمًا وَيُزَوِّجُهَا كُفُؤًا فَإِذَا خَطَبَهَا الْكُفُؤُ لَا يُؤَخِّرُهَا، وَهُوَ كُلُّ مُسْلِمٍ تَقِيٍّ وَتَحْلِيَةُ الْبَنَاتِ بِالْحُلِيِّ وَالْحُلَلِ لِيُرَغِّبَ فِيهِنَّ الرِّجَالَ سُنَّةٌ وَنَظَرُهُ إلَى مَخْطُوبَتِهِ قَبْلَ النِّكَاحِ سُنَّةٌ فَإِنَّهُ دَاعِيَةٌ لِلْأُلْفَةِ، وَلَا يَخْطُبُ مَخْطُوبَةَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ جَفَاءٌ وَخِيَانَةٌ وَتَمَامُهُ فِي الْفَصْلِ الْخَامِسِ وَالثَّلَاثِينَ مِنْهَا،
وَفِي الْمُجْتَبَى يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ النِّكَاحُ ظَاهِرًا،
وَأَنْ يَكُونَ قَبْلَهُ خُطْبَةٌ، وَأَنْ يَكُونَ عَقْدُهُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ،
وَأَنْ يَتَوَلَّى عَقْدَهُ وَلِيٌّ رَشِيدٌ،
وَأَنْ يَكُونَ بِشُهُودٍ عُدُولٍ مِنْهَا.
(قَوْلُهُ: أَمَّا الْأَوَّلُ فَالْمُرَادُ بِهِ السُّنَّةُ الْمُؤَكَّدَةُ عَلَى الْأَصَحِّ)
قَالَ فِي النَّهْرِ: وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: إنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ،
وَقِيلَ بَلْ وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ،
وَقِيلَ عَلَى التَّعْيِينِ وَيَنْبَغِي تَرْجِيحُهُ لِثُبُوتِ الْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهِ وَالْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ رَغِبَ عَنْهُ. اهـ.
وَهُوَ وَجِيهٌ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالسُّنِّيَّةِ لِمَا مَرَّ فِي بَابِ الْإِمَامَةِ مِنْ تَصْرِيحِ صَاحِبِ الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْقَوْلِ بِوُجُوبِ الْجَمَاعَةِ وَسُنِّيَّتِهَا بِأَنَّهُ اخْتِلَافٌ فِي الْعِبَارَةِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ الْمُؤَكَّدَةَ وَالْوَاجِبَ سَوَاءٌ. اهـ. تَأَمَّلْ.
وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ كَوْنَ الْوُجُوبِ عِنْدَ التَّوَقَانِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ يَخْتَلِفُ فَإِذَا خَافَ الْوُقُوعَ فِي الْحَرَامِ وَتَرَكَهُ يَكُونُ إثْمُهُ أَشَدَّ مِنْ تَرْكِهِ عِنْدَ عَدَمِ التَّوَقَانِ.
(قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَخَافَ مِنْهُ الْوُقُوعَ فِي الزِّنَا) أَيْ الْخَوْفُ بِمَعْنَيَيْهِ السَّابِقَيْنِ لِحَمْلِهِ الْوَاجِبَ عَلَى مَا يَشْمَلُ الْفَرْضَ.
بقوله: (وهو) أي: النكاح (سنة) مؤكدة على الأصح يعني: حالة الاعتدال بدليل جعل التوقان مقابلاً، وهو القدرة على المهر والنفقة والوطء مع عدم الخوف من الزنا والجور وترك الفرائض والسنن،
وقال بعض مشايخنا: إنه فرض كفاية
وقيل: بل واجب على الكفاية
وقيل: على التعيين وينبغي ترجيحه لثبوت المواظبة عليه، والإنكار على من رغب عنه ولهذا يضعف القول باستحبابه جداً، لكن في (الفتح) كثيراً ما تساهل في إطلاقه على السنة.
(وَهُوَ سُنَّةٌ وَعِنْدَ التَّوَقَانِ وَاجِبٌ) أَيْ النِّكَاحُ سُنَّةٌ وَعِنْدَ شِدَّةِ الِاشْتِيَاقِ وَاجِبٌ لِيُمْكِنَهُ التَّحَرُّزُ عَنْ الْوُقُوعِ فِي الزِّنَا؛ لِأَنَّ تَرْكَ الزِّنَا وَاجِبٌ وَمَا لَا يُتَوَصَّلُ إلَى الْوَاجِبِ إلَّا بِهِ يَكُونُ وَاجِبًا كَوُجُوبِهِ، وَعِنْدَ عَدَمِ التَّوَقَانِ سُنَّةٌ حَتَّى كَانَ الِاشْتِغَالَ بِهِ أَفْضَلَ مِنْ التَّخَلِّي لِلْعِبَادَةِ النَّفَلُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هُوَ يَقُولُ إنَّ النِّكَاحَ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ حَتَّى صَحَّ مِنْ الْكَافِرِ وَالْعِبَادَةُ أَوْلَى مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِلَّهِ تَعَالَى وَشَرَعَ الْمُعَامَلَاتِ لِلْعِبَادِ وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ كَانَ عَلَى دِينِي وَدِينِ دَاوُد وَسُلَيْمَانَ وَإِبْرَاهِيمَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَيْهِ سَبِيلًا فَلْيُجَاهِدْ فِي سَبِيلِ» اللَّهِ فَجَعَلَ النِّكَاحَ مِنْ الدِّينِ، وَقَدَّمَهُ عَلَى الْجِهَادِ وَاخْتَارَ لِنَفْسِهِ الِاشْتِغَالَ بِهِ فَثَبَتَ أَنَّهُ أَفْضَلُ وَقَدْ «هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَتَخَلَّوْا لِلْعِبَادَةِ وَيُطَلِّقُوا نِسَاءَهُمْ فَرَدَّ عَلَيْهِمْ وَقَالَ تَنَاكَحُوا تَوَالَدُوا تَكَاثَرُوا فَإِنِّي أُبَاهَى بِكُمْ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» هَذَا أَمْرٌ وَقَدْ عُرِفَ مُقْتَضَاهُ فِي مَوْضِعِهِ وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «النِّكَاحُ سُنَّتِي فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» وَلِأَنَّ فِيهِ انْتِظَامَ الْمَصَالِحِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ؛
إذْ لَا يَتَهَيَّأُ إلَّا بِمَصَالِحِ الْبَدَنِ، وَهِيَ تَتَعَلَّقُ بِخَارِجِ الْبَيْتِ وَدَاخِلِهِ فَكُلٌّ مِنْهُمَا يَقُومُ بِالْوَاحِدِ، وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ اسْتِنَانٌ بِسُنَّةِ النَّبِيِّ الْمَوْصُوفِ بِالْخُلُقِ الْعَظِيمِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَإِنْ تَحَمُّلَ سُوءِ الْخُلُقِ مِنْ أَخْلَاقِ الْأَبْرَارِ، وَفِيهِ انْضِمَامُ الذَّكَرِ إلَى الْأُنْثَى غَايَةَ الِانْضِمَامِ إذْ لَا بَقَاءَ لِهَذَا الْعَقْدِ إلَّا بِالِالْتِئَامِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} وَهَذِهِ الْوُجُوهُ يُتَرَجَّحُ بِهَا عَلَى التَّخَلِّي لِلنَّوَافِلِ فَإِنْ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - مَدَحَ يَحْيَى بِكَوْنِهِ سَيِّدًا وَحَصُورًا وَهُوَ مَنْ لَا يَأْتِيَ النِّسَاءَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ
فَلَوْ كَانَ الِاشْتِغَالُ بِهِ أَفْضَلَ لَمَا اسْتَحَقَّ الْمَدْحَ بِتَرْكِهِ قُلْنَا: نَحْنُ لَا نُنْكِرُ فَضْلَ التَّخَلِّي لِلْعِبَادَةِ وَاسْتِحْقَاقِ الْمَدْحِ بِهِ، وَلَكِنْ نَقُولُ: الِاشْتِغَالُ بِالنِّكَاحِ أَفْضَلُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ فِي شَرِيعَتِهِمْ ثُمَّ نُسِخَ فِي شَرِيعَتِنَا فَصَارَتْ الْعِشْرَةُ أَفْضَلَ مِنْ الْعُزْلَةِ كَمَا نُسِخَتْ الرَّهْبَانِيَّةُ وَالْخِصَاءُ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ: النِّكَاحُ سُنَّةٌ) أَيْ حَالَةَ الِاعْتِدَالِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَعِنْدَ عَدَمِ التَّوَقَانِ سُنَّةٌ)
قَالَ الْكَمَالُ: وَأَمَّا فِي حَالَةِ الِاعْتِدَالِ فَدَاوُد وَأَتْبَاعُهُ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ عَلَى أَنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى الْقَادِرِ عَلَى الْوَطْءِ وَالْإِنْفَاقِ، وَاخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا، فَقِيلَ: فَرْضُ كِفَايَةٍ،
وَقِيلَ: وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَقِيلَ: مُسْتَحَبٌّ
وَقِيلَ: سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَهُوَ مَحْمَلُ قَوْلِ مَنْ أَطْلَقَ الِاسْتِحْبَابَ وَكَثِيرًا مَا يُتَسَامَحُ فِي إطْلَاقِ الْمُسْتَحَبِّ عَلَى السُّنَّةِ اهـ مَعَ اخْتِصَارِ قَوْلِهِ
وَقِيلَ وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ أَيْ
وَقِيلَ وَاجِبُ عَيْنٍ كَالْوِتْرِ وَالْأُضْحِيَّةِ. اهـ. غَايَةٌ
(قَوْلُهُ: هُوَ يَقُولُ إلَخْ) أَيْ لِأَنَّهُ إيجَابٌ وَقَبُولٌ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ. اهـ. غَايَةٌ
(قَوْلُهُ: فَلْيَتَزَوَّجْ) أَمَرَ بِهِ وَهُوَ لِلْوُجُوبِ. اهـ. غَايَةٌ
(قَوْلُهُ: فَلْيُجَاهِدْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ذَكَرَهُ فِي الْفِرْدَوْسِ وَصَحَّحَهُ. اهـ. غَايَةٌ
(قَوْلُهُ: وَقَدَّمَهُ عَلَى الْجِهَادِ) أَيْ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْجِهَادَ أَفْضَلُ مِنْ النَّافِلَةِ فَمَا كَانَ مُقَدَّمًا عَلَى الْأَفْضَلِ فَهُوَ أَفْضَلُ قَطْعًا. اهـ. غَايَةٌ
(قَوْلُهُ: فَثَبَتَ أَنَّهُ أَفْضَلُ) قَالَ شَمْسُ الدِّينِ سِبْطُ بْنِ الْجَوْزِيِّ فِي إيثَارِ الْإِنْصَافِ وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ
قُلْت: ذَكَرَ الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ قَوْلَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ. اهـ. غَايَةٌ
(قَوْلُهُ: وَفِيهِ انْضِمَامُ الذَّكَرِ إلَى الْأُنْثَى) أَيْ وَبِهِ يَحْصُلُ الْإِعْفَافُ اهـ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ الْكَمَالُ: وَيُسْتَحَبُّ مُبَاشَرَةُ عَقْدِ النِّكَاحِ فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ،
وَكَذَا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاخْتَلَفُوا فِي كَرَاهَةِ الزِّفَافِ
وَالْمُخْتَارُ لَا يُكْرَهُ إذَا لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى مَفْسَدَةٍ دِينِيَّةٍ وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَعْلِنُوا النِّكَاحَ وَاجْعَلُوهُ فِي الْمَسَاجِدِ وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفِّ» وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْهَا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ «زَفَفْنَا امْرَأَةً إلَى رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَا عَائِشَةُ أَمَا يَكُونُ مَعَهُمْ لَهْوٌ فَإِنَّ الْأَنْصَارَ يُعْجِبُهُمْ اللَّهْوُ» وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «فَصْلُ مَا بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ الدُّفُّ وَالصَّوْتُ» وَقَالَ الْفُقَهَاءُ: الْمُرَادُ بِالدُّفِّ مَا لَا جَلَاجِلَ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ.
(قَوْلُهُ: كَمَا نُسِخَتْ الرَّهْبَانِيَّةُ وَالْخِصَاءُ) الْخِصَاءُ هُوَ الِاعْتِزَالُ عَنْ النِّسَاءِ كَمَا يَفْعَلُهُ الرُّهْبَانُ كَأَنَّهُ خِصَاءٌ مَعْنًى اهـ مِنْ خَطِّ الشَّارِحِ
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.