ولمغرب غروب الشمس يقدر بفعلها بعد شروطها
Its commentaries
(وَ) الْوَقْتُ الْمُخْتَارُ (لِلْمَغْرِبِ) (غُرُوبٌ) أَيْ غِيَابُ جَمِيعِ قُرْصِ (الشَّمْسِ) وَهُوَ مُضَيَّقٌ (يُقَدَّرُ بِفِعْلِهَا) ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ (بَعْدَ) تَحْصِيلِ (شُرُوطِهَا) مِنْ طَهَارَتَيْ حَدَثٍ وَخَبَثٍ وَسَتْرِ عَوْرَةٍ وَاسْتِقْبَالٍ وَيُزَادُ أَذَانٌ وَإِقَامَةٌ وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ يُقَدَّرُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِمُحَصِّلِهَا التَّأْخِيرُ بِقَدْرِ ذَلِكَ
Adds nothing on this mas’ala.
(قَوْلُهُ: غُرُوبُ الشَّمْسِ) أَيْ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ أَيْ مِنْ مَغِيبِ جَمِيعِ قُرْصِهَا إلَى انْتِهَاءِ وَقْتِ تَحْصِيلِهَا وَشُرُوطِهَا فَقَوْلُهُ بِقَدْرِ حَالِ إشَارَةً إلَى انْتِهَاءِ الْوَقْتِ وَغُرُوبِ جَمِيعِ الْقُرْصِ هُوَ الْغُرُوبُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ جَوَازُ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ وَجَوَازُ الْفِطْرِ لِلصَّائِمِ
وَأَمَّا الْغُرُوبُ الْمِيقَاتِيُّ فَهُوَ مَغِيبُ مَرْكَزِ الْقُرْصِ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ تَحْدِيدُ قَدْرِ اللَّيْلِ وَأَحْكَامٌ أُخَرُ تُذْكَرُ فِي الْمِيقَاتِ وَالْغُرُوبُ الْمِيقَاتِيُّ قَبْلَ الشَّرْعِيِّ بِنِصْفِ دَرَجَةٍ
(قَوْلُهُ: مِنْ طَهَارَتَيْ حَدَثٍ وَخَبَثٍ) أَيْ مِنْ طَهَارَةِ حَدَثٍ أَصْغَرَ إنْ كَانَ غَيْرَ جُنُبٍ وَأَكْبَرَ إنْ كَانَ جُنُبًا مَائِيَّةً إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ التَّيَمُّمِ وَتُرَابِيَّةً إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهِ فَإِنْ كَانَ مُتَوَضِّئًا مُغْتَسِلًا قَدَّرَ لَهُ مِقْدَارَ الْكُبْرَى وَإِنْ كَانَ مُغْتَسِلًا غَيْرَ مُتَوَضِّئٍ قَدَّرَ لَهُ مِقْدَارَ الصُّغْرَى قَالَ شَيْخُنَا وَعَلَيْهِ فَالْوَقْتُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ هَذَا مَا يُفِيدُهُ النَّظَرُ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ لَكِنَّ الَّذِي يُفِيدُهُ كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ وَالْأَبِيِّ اعْتِبَارَ مِقْدَارِ الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى مُطْلَقًا كَانَ مُحْدِثًا حَدَثًا أَصْغَرَ أَوْ أَكْبَرَ كَانَ فَرْضُهُ الْوُضُوءُ أَوْ الْغُسْلُ أَوْ التَّيَمُّمُ وَعَلَيْهِ فَالْوَقْتُ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُصَلِّينَ قَالَ شَيْخُنَا وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنْ اعْتِبَارِ طَهَارَةِ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الْمُعْتَادِ لِغَالِبِ النَّاسِ فَلَا يُعْتَبَرُ تَطْوِيلُ مُوَسْوِسٍ وَلَا تَخْفِيفُ مُسْرِعٍ نَادِرٍ كَذَا اسْتَظْهَرَهُ ح
(قَوْلُهُ: وَسِتْرُ عَوْرَةٍ) أَيْ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَطْلُوبُ شَرْعًا. .
(تَنْبِيهٌ) مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ الْمُخْتَارِ بِالنِّسْبَةِ لِلِابْتِدَاءِ لِجَوَازِ التَّطْوِيلِ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهَا لِمَغِيبِ الشَّفَقِ لَا بَعْدَهُ وَبِالنِّسْبَةِ لِلْمُقِيمِ
وَأَمَّا الْمُسَافِرُونَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَمُدُّوا أَيْ يَسِيرُوا بَعْدَ الْغُرُوبِ الْمِيلَ وَنَحْوِهِ ثُمَّ يَنْزِلُونَ وَيُصَلُّونَ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَقَيَّدَ ذَلِكَ بْن وَغَيْرُهُ بِمَا إذَا كَانَ الْمَدُّ لِغَرَضٍ كَمَنْهَلٍ وَإِلَّا صَلُّوا أَوَّلَ الْوَقْتِ وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ مِنْ أَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ ضَيِّقٌ يُقَدَّرُ بِفِعْلِهَا بَعْدَ تَحْصِيلِ شُرُوطِهَا وَرَوَى غَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ امْتِدَادَ وَقْتِ الْمَغْرِبِ الْمُخْتَارِ لِلشَّفَقِ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَالرَّجْرَاجِيُّ وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَلَكِنَّ الْحَقَّ أَنَّ الْقَوْلَ بِالِامْتِدَادِ ضَعِيفٌ وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَوْعُ قُوَّةٍ
وَالْمُعْتَمَدُ مَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ
ص (وَلِلْمَغْرِبِ غُرُوبُ الشَّمْسِ تُقَدَّرُ بِفِعْلِهَا بَعْدَ شُرُوطِهِمَا) .
ش لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ وَقْتِ الْعَصْرِ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى بَيَانِ وَقْتِ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِكَوْنِهَا تَقَعُ عِنْدَ الْغُرُوبِ وَتُسَمَّى صَلَاةَ الشَّاهِدِ وَاخْتُلِفَ فِي وَجْهِ تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ فَقِيلَ: لِأَنَّ الْمُسَافِرَ لَا يَقْصُرُهَا وَيُصَلِّيهَا كَصَلَاةِ الشَّاهِدِ وَهُوَ الْحَاضِرُ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ نَقَلَهُ عَنْهُ فِي النَّوَادِرِ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ فِي الرِّسَالَةِ وَنَقَضَهُ الْفَاكِهَانِيُّ بِالصُّبْحِ (قُلْتُ:)
وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ وَجْهَ التَّسْمِيَةِ لَا يَلْزَمُ اطِّرَادُهُ،
وَقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ نَجْمًا يَطْلُعُ عِنْدَ الْغُرُوبِ يُسَمَّى الشَّاهِدَ وَذَكَرَ الْجُزُولِيُّ فِي ذَلِكَ حَدِيثًا «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَ الْعَصْرَ ثُمَّ قَالَ: لَا صَلَاةَ بَعْدَهَا حَتَّى يَطْلُعَ الشَّاهِدُ» وَذَكَرَ ابْنُ نَاجِي عَنْ التُّونُسِيِّ أَنَّهُ قَالَ الَّذِي جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الشَّاهِدَ النَّجْمُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِمَّا قَالَهُ مَالِكٌ،
وَقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَنْ حَضَرَهَا يُصَلِّيهَا، وَلَا يَنْتَظِرُ مَنْ غَابَ،
وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا عِشَاءً فَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَنَصُّهُ:«لَا تَغْلِبَنَّكُمْ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ الْمَغْرِبِ قَالَ وَتَقُولُ الْأَعْرَابُ هِيَ الْعِشَاءُ»
وَقَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ: وَلَا يُقَالُ: لَهَا عِشَاءٌ لَا لُغَةً، وَلَا شَرْعًا، وَقَدْ جَاءَ النَّهْيُ فِي الصَّحِيحِ عَنْ تَسْمِيَتِهَا عِشَاءً انْتَهَى. لَكِنْ نَقَلَ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ الْمُنِيرِ الْمَالِكِيِّ أَنَّهُ إنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِلِالْتِبَاسِ بِالصَّلَاةِ الْأُخْرَى فَلَا يُكْرَهُ أَنْ تُسَمَّى بِالْعِشَاءِ الْأُولَى قَالَ وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ غَيْرِهِ أَنَّهُ لَا يُقَالُ لِلْمَغْرِبِ الْعِشَاءُ الْأُولَى وَيَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ خَاصٍّ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْمُنِيرِ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْكَرَاهَةِ وَذَكَرَ الْجُزُولِيُّ عَنْ ابْنِ حَاتِمٍ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ عَنْ التَّنْبِيهَاتِ أَنَّهَا لَا تُسَمَّى عِشَاءً لَا لُغَةً وَلَا شَرْعًا قَالَ لَكِنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ بِالْحَدِيثِ «إذَا حَضَرَ الْعِشَاءُ وَالْعَشَاءُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ» قَالَ: وَهَذَا إنَّمَا هُوَ فِي الْمَغْرِبِ انْتَهَى. (قُلْتُ:) هَذَا الْحَدِيثُ قَالَ السَّخَاوِيُّ فِي الْمَقَاصِدِ الْحَسَنَةِ قَالَ الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ لَا أَصْلَ لَهُ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ بِهَذَا اللَّفْظِ وَأَصْلُ الْحَدِيثِ فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ بِلَفْظِ «إذَا وُضِعَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتْ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ» انْتَهَى.
(قُلْتُ:) هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ أَيْضًا «إذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ» لَكِنْ ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ بِاللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْجُزُولِيُّ وَقَالَ الْعَشَاءُ بِالْفَتْحِ الطَّعَامُ وَأَرَادَ بِالْعِشَاءِ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ؛ لِأَنَّهَا وَقْتُ الْإِفْطَارِ وَلِضِيقِ وَقْتِهَا انْتَهَى.
(قُلْتُ:) وَلَا يُحْتَجُّ لِتَسْمِيَتِهَا عِشَاءً بِقَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَنَوْمُهُ رَاكِبًا قَدْرَ مَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ طُوِّلَ وَوَقَعَ ذَلِكَ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّغْلِيبِ وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ، وَلَا يَتَنَاوَلُ النَّهْيُ تَسْمِيَتَهَا عِشَاءً عَلَى التَّغْلِيبِ كَمَا إذَا قَالَ صَلَّيْتُ الْعِشَاءَيْنِ انْتَهَى.
(فَصْلٌ) وَلَا خِلَافَ أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِهَا غُرُوبُ الشَّمْسِ وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِعْلُهَا قَبْلَ الْغُرُوبِ بِحَالٍ وَالْمُرَادُ بِالْغُرُوبِ غُرُوبُ قُرْصِ الشَّمْسِ جَمِيعِهِ بِحَيْثُ لَا يُرَى مِنْهُ شَيْءٌ لَا مِنْ سَهْلٍ، وَلَا مِنْ جَبَلٍ فَإِنَّهَا قَدْ تَغِيبُ عَمَّنْ فِي الْأَرْضِ وَتُرَى مِنْ رُءُوسِ الْجِبَالِ قَالَ سَنَدٌ الْغُرُوبُ أَنْ تَغْرُبَ آخِرُ دُورِ الشَّمْسِ فِي الْعَيْنِ الْحَمِئَةِ وَيُقْبِلَ سَوَادُ اللَّيْلِ مِنْ الْمَشْرِقِ انْتَهَى. وَهَذَا يُشِيرُ إلَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْغُرُوبَ الشَّرْعِيَّ هُوَ غُرُوبُ جَمِيعِ قُرْصِ الشَّمْسِ، وَالْغُرُوبُ عِنْدَ أَهْلِ الْمِيقَاتِ غُرُوبُ مَرْكَزِ الشَّمْسِ.
وَتَقَدَّمَ أَنَّ الشَّرْعِيَّ يَحْصُلُ بَعْدَ الْفَلَكِيِّ بِنَحْوِ نِصْفِ دَرَجَةٍ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَمْكِينٍ بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى يَتَحَقَّقَ الْوَقْتُ بِإِقْبَالِ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ مِنْ الْمَشْرِقِ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ إذَا غَابَ قُرْصُ الشَّمْسِ بِمَوْضِعٍ لَا جِبَالَ فِيهِ
فَأَمَّا مَوْضِعٌ تَغْرُبُ فِيهِ خَلْفَ جِبَالٍ فَيُنْظَرُ إلَى جِهَةِ الْمَشْرِقِ فَإِذَا طَلَعَتْ الظُّلْمَةُ كَانَ دَلِيلًا عَلَى مَغِيبِ الشَّمْسِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْجَوَاهِرِ وَالْمُرَاعَى غَيْبُوبَةُ جُرْمِهَا وَقُرْصِهَا دُونَ أَثَرِهَا وَشُعَاعِهَا وَقَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: وَلَا عِبْرَةَ بِمَغِيبِ قُرْصِهَا عَمَّنْ فِي الْأَرْضِ حَتَّى تَغِيبَ عَمَّنْ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ
وَالْمُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ إقْبَالُ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» ، وَلَا عِبْرَةَ بِأَثَرِهَا وَهُوَ الْحُمْرَةُ فَإِنَّ ذَلِكَ يَتَأَخَّرُ انْتَهَى. فَلَا يَضُرُّ بَقَاءُ شُعَاعِهَا فِي الْجِدَارَاتِ خِلَافًا لِلْمَاوَرْدِيِّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ فَإِنَّهُ اشْتَرَطَ سُقُوطَهُ وَهُوَ الضَّوْءُ الْمُسْتَعْلِي كَالْمُتَّصِلِ بِهَا قَالَ الدَّمِيرِيُّ: وَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى خِلَافِ دَعْوَاهُ.
ص (تُقَدَّرُ بِفِعْلِهَا بَعْدَ شُرُوطِهَا) ش: يَعْنِي أَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ غَيْرُ مُمْتَدٍّ بَلْ يُقَدَّرُ بِمَا يَسَعُ فِعْلَهَا بَعْدَ شُرُوطِهَا وَاخْتُلِفَ هَلْ وَقْتُهَا مُتَّحِدٌ، أَوْ مُمْتَدٌّ إلَى غُرُوبِ الشَّفَقِ الْأَحْمَرِ رِوَايَتَانِ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ رِوَايَةُ الِاتِّحَادِ أَشْهَرُ
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ فِي الِاسْتِذْكَارِ الِاتِّحَادُ هُوَ الْمَشْهُورُ انْتَهَى.
وَقَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ: إنَّهُ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَرَوَاهُ الْبَغْدَادِيُّونَ عَنْ مَالِكٍ
وَقَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: إنَّهُ رِوَايَةُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَقَوْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ وَعَزَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ لِلْمَشْهُورِ وَدَلِيلُهُ مَا فِي حَدِيثِ إمَامَةِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ صَلَّى بِهِ الْمَغْرِبَ فِي الْيَوْمَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ» ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى أَنَّ وَقْتَهَا مُمْتَدٌّ وَهِيَ مَذْهَبُهُ فِي الْمُوَطَّإِ قَالَ فِيهَا إذَا ذَهَبَتْ الْحُمْرَةُ فَقَدْ وَجَبَتْ الْعِشَاءُ وَخَرَجْتُ مِنْ وَقْتِ الْمَغْرِب
قَالَ فِي الطِّرَازِ وَكَذَلِكَ قَالَ أَشْهَبُ فِي مُدَوَّنَتِهِ: يَجُوزُ لِمَنْ كَانَ فِي الْحَضَرِ أَنْ يُؤَخِّرَ الْمَغْرِبَ إلَى أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ ثُمَّ يُصَلِّيهَا وَآخَرُ يُصَلِّي الْعِشَاءَ إذَا غَابَ الشَّفَقُ يَكُونُ وَقْتًا مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا كَمَا يَشْتَرِكُ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ فِي أَوَّلِ الْقَامَةِ الثَّانِيَةِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْبَاجِيِّ وَقَدْ وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَا يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ فِي الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ قَرْيَةٍ يُرِيدُ قَرْيَةً أُخْرَى وَهُوَ غَيْرُ مُسَافِرٍ وَعَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ فَتَغِيبُ الشَّمْسُ، وَلَا مَاءَ مَعَهُ قَالَ إنْ طَمِعَ بِإِدْرَاكِ الْمَاءِ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ لَمْ يَتَيَمَّمْ وَأَخَّرَ الصَّلَاةَ،
وَإِنْ لَمْ يَطْمَعْ بِهِ تَيَمَّمَ وَعَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ أَكْثَرُ النَّاسِ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَقْتُ الْمَغْرِبِ إلَى أَنْ تَغِيبَ حُمْرَةُ الشَّفَقِ وَفِي الْبُخَارِيِّ:«إذَا قُرِّبَ الْعَشَاءُ وَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَابْدَءُوا بِهِ قَبْل أَنْ تُصَلُّوا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ» فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ وَقْتَهَا مُتَّسِعٌ، وَلِأَنَّهَا يُجْمَعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ وَهَذِهِ إمَارَةُ اتِّصَالِ وَقْتَيْهِمَا كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَمَا لَا يَتَّصِلُ وَقْتَاهُمَا لَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا كَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالصُّبْحِ وَالظُّهْرِ انْتَهَى بِاخْتِصَارِ.
وَدَلِيلُ هَذَا الْقَوْلِ مَا وَقَعَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ فِي حَدِيثِ السَّائِلِ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ صَلَّاهَا فِي الْأَوَّلِ حِينَ غَابَ الشَّمْسُ وَفِي الثَّانِي عِنْدَ سُقُوطِ الشَّفَقِ
وَفِي رِوَايَةٍ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ
وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ:«إذَا صَلَّيْتُمْ الْمَغْرِبَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إلَى أَنْ يَسْقُطَ الشَّفَقُ»
وَفِي رِوَايَةٍ وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَسْقُطْ ثَوْرُ الشَّفَقِ وَقَوْلُهُ ثَوْرُ الشَّفَقِ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ: ثَوَرَانُهُ وَانْتِشَارُهُ
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد فَوْرُ بِالْفَاءِ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ وَلَفْظُ الْمُدَوَّنَةِ وَالْمُغْرِبِ إذَا غَابَتْ الشَّمْسُ لِلْمُقِيمِينَ،
وَأَمَّا الْمُسَافِرُونَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَمُدُّوا الْمَيْلَ وَنَحْوَهُ ثُمَّ يَنْزِلُوا وَيُصَلُّوا فَأَخَذَ بَعْضُ الشُّيُوخِ مِنْ هَذَا أَنَّ وَقْتَهَا مُمْتَدٌّ وَأَخَذَ أَيْضًا مِنْ مَسْأَلَةِ الْمُتَيَمِّمِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَأَخَذَ أَيْضًا مِنْ تَأْخِيرِهَا لِلْجَمْعِ لَيْلَةَ الْمَطَرِ وَمِنْ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ لِلْمُسَافِرِ وَيَجْمَعُ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ بِمِقْدَارِ مَا تَكُونُ الْمَغْرِبُ فِي آخِرِ وَقْتِهَا قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ وَالْعِشَاءُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا بَعْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ فَهَذِهِ أَرْبَعُ مَوَاضِعَ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ أُخِذَ مِنْهَا أَنَّ وَقْتَهَا مُمْتَدٌّ، وَرَدَّ الْأَخْذَ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى بِأَنَّ التَّأْخِيرَ لِلْمُسَافِرِ مِنْ بَابِ الْأَعْذَارِ وَالرُّخَصِ كَالْقَصْرِ وَالْفِطْرِ وَهُوَ خَارِجٌ مِنْ هَذَا الْبَابِ قَالَهُ فِي التَّلْقِينِ.
(قُلْتُ:) وَنَحْوُهُ لِلشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الصَّغِيرِ قَالَ: وَكَذَلِكَ التَّأْخِيرُ لَيْلَةَ الْجَمْعِ إنَّمَا هُوَ لِلْعُذْرِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ نَاجِي وَقَالَ: الصَّوَابُ أَنَّ الْإِقَامَةَ مِنْ هُنَا وَاضِحَةٌ يَعْنِي مَسْأَلَةَ الْمُسَافِرِ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) وَأَمَّا مَسْأَلَةُ التَّيَمُّمِ فَالْأَخْذُ مِنْهَا قَوْلِيٌّ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ لِأَجْلِ إدْرَاكِ الْمَاءِ وَيُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ إذَا خِيفَ خُرُوجُ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّمَا أَجَازَ تَأْخِيرَهَا لِلشَّفَقِ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ لِقُوَّةِ الْقَوْلِ بِالِامْتِدَادِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي عَارِضَتِهِ: إنَّ الْقَوْلَ بِالِامْتِدَادِ هُوَ الصَّحِيحُ
وَقَالَ فِي أَحْكَامِهِ إنَّهُ هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَقَوْلِهِ الَّذِي فِي مُوَطَّئِهِ الَّذِي قَرَأَهُ طُولَ عُمْرَهُ وَأَمْلَاهُ حَيَاتَهُ انْتَهَى.
وَقَالَ الرَّجْرَاجِيُّ: إنَّهُ الْمَشْهُورُ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّإِ وَالْمُدَوَّنَةِ وَذَكَرَ لَفْظَ الْمُوَطَّإِ السَّابِقَ وَذَكَرَ مَسْأَلَةَ التَّيَمُّمِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَذَكَرَ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا قَوْلَهُ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ: إنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى الْجَنَائِزِ إذَا اصْفَرَّتْ الشَّمْسُ فَإِذَا غَرَبَتْ فَإِنْ شَاءَ بَدَأَ بِالْجِنَازَةِ، أَوْ بِالْمَغْرِبِ، وَقَوْلَهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ: إنَّهُ إذَا طَافَ بَعْدَ الْعَصْرِ لَا يَرْكَعُ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَإِذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ فَهُوَ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ بَدَأَ بِالْمَغْرِبِ، أَوْ بِرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَعَلَى الِاتِّحَادِ قَالَ صَاحِبُ التَّلْقِينِ وَابْنُ شَاسٍ يُقَدِّرُ آخِرَهُ بِالْفَرَاغِ مِنْهَا،
وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ قَدْرُ مَا تَوَقَّعَ فِيهِ بَعْدَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَلِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ يُرَاعَى مِقْدَارُ الطَّهَارَةِ وَالسَّتْرِ، وَاقْتَصَرَ مُصَنِّفُ الْإِرْشَادِ عَلَى هَذَا الَّذِي نَسَبَهُ ابْنُ رَاشِدٍ لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ فَقَالَ مُقَدَّرٌ بِفِعْلِهَا بَعْدَ تَحْصِيلِ شُرُوطِهَا وَقَالَ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ مَعْنَى الِاتِّحَادِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - قُدْرُ مَا يَتَوَضَّأُ فِيهِ وَيُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ خَلِيلٌ وَقَوْلُ مَنْ قَالَ بِاعْتِبَارِ الطَّهَارَةِ هُوَ الظَّاهِرُ لِقَوْلِهِمْ إنَّ الْمَغْرِبَ تَقْدِيمُهَا أَفْضَلُ مَعَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ وَاحِدٌ، وَلَا يُمْكِنُ فَهْمُهُ عَلَى مَعْنَى أَنَّ تَقْدِيمَ الشُّرُوطِ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ أَفْضَلُ مِنْ تَأْخِيرِهَا بَعْدَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، انْتَهَى.
(قُلْتُ:) وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ رَاشِدٍ أَنَّهُ نَسَبَهُ لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَأَنَّ صَاحِبَ الْإِرْشَادِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْعَارِضَةِ وَنَسَبَهُ لِمَالِكٍ وَنَصُّهُ وَاخْتُلِفَ فِي آخِرِ وَقْتِهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: (الْأَوَّلُ) وَقْتُهَا مُقَدَّر بِفِعْلِ الطَّهَارَةِ وَلُبْسِ الثِّيَابِ وَالْآذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَثَلَاثِ رَكَعَاتٍ قَالَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِمَا.
(الثَّانِي) آخِرُ وَقْتِهَا بِمِقْدَارِ الْوَقْتِ الْأَوَّلِ مِنْ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ
وَأَشَارَ إلَيْهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ حِينَ قَالَ لَا بَأْسَ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَمُدَّ الْمِيلَ وَنَحْوه.
(الثَّالِثُ) آخِرُ وَقْتِهَا إذَا غَابَ الشَّفَقُ قَالَهُ فِي الْمُوَطَّإِ وَهُوَ الصَّحِيحُ.
(الرَّابِعُ) آخِرُ وَقْتِهَا بِمِقْدَارِ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ بَعْدَ الشَّفَقِ قَالَهُ أَشْهَبُ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي كَوْنِ آخِرِ وَقْتِهَا آخِرَ مَا يَسَعُهَا بِغُسْلِهَا، أَوْ بِمَا لَمْ يَغِبْ الشَّفَقُ، ثَالِثَهَا مَا يَسَعُهَا بَعْدَ مَغِيبِهِ وَهُوَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعِشَاءِ فَيَشْتَرِكَانِ. الْأَوَّلُ الْمَشْهُورُ،
وَالثَّانِي لِابْنِ مَسْلَمَةَ وَأَخَذَهُ أَبُو عُمَرَ وَاللَّخْمِيُّ وَالْمَازِرِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ مِنْ قَوْل الْمُوَطَّإِ إذَا غَابَ الشَّفَقُ خَرَجَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ وَدَخَلَ وَقْتُ الْعِشَاءِ وَأَخَذَهُ الْبَاجِيُّ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ،
وَالثَّالِثُ حَكَاهُ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ أَشْهَبَ وَلَمْ يَحْكِ الْبَاجِيُّ فِي الِامْتِدَادِ غَيْرَهُ وَاعْتِبَارُ مَا يَسَعُهَا بِغُسْلِهَا لَازِمٌ لِوُجُوبِهِ وَعَدَمِهِ قَبْلَ وَقْتِهَا وَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى امْتِنَاعِ التَّكْلِيفِ بِوَقْتٍ مَا لَا يَسْعَهُ وَبِهِ يُفْهَمُ قَوْلُ الْمَازِرِيِّ فَاعِلُهَا أَثَرَ الْغُرُوبِ وَالْمُتَوَانِي قَلِيلًا كِلَاهُمَا أَدَّاهَا فِي وَقْتِهَا وَرَوَاهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ مُصَرِّحًا بِاعْتِبَارِ قَدْرِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَلُبْسِ الثِّيَابِ مَعَهُ انْتَهَى بِلَفْظِهِ الْأَغَرّ، وَالْأَقْوَالُ لِلْبَيَانِ، وَقَوْلُهُ وَعَدَمُهُ قَبْلَ وَقْتِهَا يَعْنِي عَدَمَ وُجُوبِ الْغُسْلِ لَهَا قَبْلَ وَقْتِهَا فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلَ بِالِاتِّحَادِ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ قَدْرِ مَا يَسَعُ الْغُسْلَ وَالْوُضُوءَ وَلُبْسَ الثِّيَابِ وَالْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ وَثَلَاثَ رَكَعَاتٍ فِي حَقِّ كُلِّ مُصَلٍّ فَمَنْ كَانَ مُحَصِّلًا لِهَذِهِ الْأُمُورِ فَالْأَفْضَلُ لَهُ تَقْدِيمُهَا إثْرِ الْغُرُوبِ،
وَلَوْ تَوَانَى بِهَا قَلِيلًا مَعَ تَحْصِيلِهِ لِشُرُوطِهَا إلَى مِقْدَارِ مَا يَسَعُ هَذِهِ الْأُمُورَ لَمْ يَأْثَمْ وَكَانَ مُؤَدِّيًا لَهَا فِي وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مُحَصِّلًا لِلشُّرُوطِ فَأَمْرُهُ ظَاهِرٌ.
(قُلْتُ:) يَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ مَعَ اعْتِبَارِ مَا تَقَدَّمَ قَدْرُ مَا لَا يَسَعُ الِاسْتِبْرَاءَ الْمُعْتَادَ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ أَيْضًا وَالْقَوْلُ الثَّانِي الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْعَارِضَةِ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ فَإِنَّهُ قَالَ إذَا قُلْنَا بِالِاتِّحَادِ فَمَا حَدُّهُ؟ اخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَلَى وَجْهَيْنِ فَذَكَرَ الْقَوْلَ بِاعْتِبَارِ الطَّهَارَةِ وَاللُّبْسِ وَالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَثَلَاثِ رَكَعَاتٍ ثُمَّ قَالَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ جَمِيعُ وَقْتِهَا بِمَنْزِلَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ مِنْ كُلِّ صَلَاةٍ مِنْ غَيْرِ حَدٍّ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: إذَا قُلْنَا بِعَدَمِ الِامْتِدَادِ فَمَا حَدُّهُ؟ فَعِنْدَنَا مَا تَقَدَّمَ، وَلِلشَّافِعِيَّةِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا اعْتِبَارُ مَا تَقَدَّمَ وَثَانِيهمَا أَنَّهُ غَيْرُ مَحْدُودٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَاَلَّذِي قَدَّمَهُ أَنَّ وَقْتَهَا مِنْ غُرُوبِ قُرْصِ الشَّمْسِ إلَى حِينِ الْفَرَاغِ لِلْمُقِيمِينَ وَيَمُدُّ الْمُسَافِرُ الْمَيْلَ وَنَحْوَهُ وَكَلَامُهُ يُوهِمُ عَدَمَ اعْتِبَارِ الطَّهَارَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) تَقَدَّمَ عَنْ صَاحِبِ الطِّرَازِ أَنَّ رِوَايَةَ الِاتِّحَادِ هِيَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُقِيمِ دُونَ الْمُسَافِرِ قَالَ فِيهَا وَالْمَغْرِبُ إذَا غَابَتْ الشَّمْسُ،
وَأَمَّا الْمُسَافِرُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَمُدَّ الْمَيْلَ وَنَحْوَهُ انْتَهَى.
(الثَّانِي) قَالَ فِي الطِّرَازِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ الْمُتَقَدِّمِينَ لِلشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ الَّذِي قُلْنَا فِي وَقْتِ الِافْتِتَاحِ
أَمَّا وَقْتُ اسْتِمْدَادِهَا فَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ اسْتِدَامَتِهَا إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ فِي الْمُوَطَّإِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ وَالطُّورِ وَأَنَّهُ قَرَأَ فِيهَا وَالْمُرْسَلَاتِ» ، وَهَذَا مِمَّا يُقَوِّي الْقَوْلَ بِأَنَّ وَقْتَهَا فِي الِاخْتِيَارِ إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ تَطْوِيلُ الْقِرَاءَةِ إلَى مَا بَعْدَ الشَّفَقِ إجْمَاعًا
وَيَجُوزُ مَا دَامَ الشَّفَقُ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وَقْتًا لَهَا فِي الِاخْتِيَارِ لَمَا جَازَ كَمَا بَعْدَ الشَّفَقِ انْتَهَى.
وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لِلشَّافِعِيَّةِ وَأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِلْمَذْهَبِ أَعْنِي أَنَّ الْوَقْتَ الْمَذْكُورَ إنَّمَا هُوَ فِي الدُّخُولِ فِيهَا،
وَأَمَّا امْتِدَادُهَا فَيَجُوزُ إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ فِي الذَّخِيرَةِ كَمَا ذَكَرْنَا وَنَقَلَهُ التِّلِمْسَانِيُّ فِي شَرْحِ الْجَلَّابِ عَلَى وَجْهٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ فَإِنَّهُ
قَالَ: فَرْعٌ: إذَا قُلْنَا: إنَّ الْمَغْرِبَ لَيْسَ لَهَا إلَّا وَقْتٌ وَاحِدٌ فَمَا حَدُّهُ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَلَى وَجْهَيْنِ وَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُمْ ثُمَّ قَالَ وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ هُوَ وَقْتٌ مُضَيَّقٌ غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِالْفِرَاعِ مِنْهَا فِي حَقِّ كُلِّ مُكَلَّفٍ قَالَ سَنَدٌ
أَمَّا وَقْتُ الِافْتِتَاحِ فَإِنَّهُ مُضَيَّقٌ،
وَأَمَّا اسْتِدَامَتُهَا فَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ اسْتِدَامَتِهَا إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ
ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ كَلَامِهِ، وَكَذَلِكَ نَقَلَهُ ابْنُ رَاشِدٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ فَتَأَمَّلْهُ. وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّطْوِيلُ فِي قِرَاءَةِ غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا الْمُخْتَارُ غَيْرَ أَنَّ فِي كَلَامِهِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ إجْمَاعًا وَحَكَى الشَّافِعِيَّةُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا.
(الثَّالِثُ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِمْ مَا يَسَعُ الْغُسْلَ وَالْوُضُوءَ أَيْ: الْمُعْتَادَيْنِ فِي حَقِّ غَالِبِ النَّاسِ فَلَا يُعْتَبَرُ تَطْوِيلُ الْمُوَسْوِسِ، وَلَا تَخْفِيفُ النَّادِرِ مِنْ النَّاسِ، وَلَا يُقَالُ: إنَّ مَا يَسَعُ الْوُضُوءَ وَالْغُسْلَ وَالِاسْتِبْرَاءَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ فَمَنْ كَانَتْ عَادَتُهُ التَّطْوِيلَ فِي ذَلِكَ وَأَخَّرَهَا عَنْ الْقَدْرِ الَّذِي يَسَعُ ذَلِكَ فِي غَالِبِ النَّاسِ حَكَمْنَا بِأَنَّهُ صَلَّاهَا بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ لَكِنْ يَبْقَى النَّظَرُ فِيمَنْ عَادَتُهُ التَّطْوِيلُ فِي الِاسْتِبْرَاءِ، وَلَا يَنْقَطِعُ عَنْهُ الْبَوْلُ بِسُرْعَةٍ وَبَالَ بَعْدَ الْغُرُوبِ وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ اسْتِبْرَاؤُهُ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ الْمُخْتَارُ فَكَيْفَ يَفْعَلُ،
وَكَذَلِكَ مَنْ عَادَتُهُ التَّطْوِيلُ فِي الْغَسْلِ فِي الْوُضُوءِ فَهَلْ يُؤَخِّرُهَا،
وَلَوْ أَدَّى ذَلِكَ إلَى خُرُوجِ الْوَقْتِ الْمُقَدَّرِ الْمَذْكُورِ؟ وَهَلْ يُقَالُ: إنَّهُمْ أَوْقَعُوهَا بَعْدَ وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ، أَوْ إنَّ وَقْتَهَا مُقَدَّرٌ بِفِعْلِهَا بَعْدَ تَحْصِيلِ شُرُوطِهَا وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ كُلِّ مُكَلَّفٍ؟ وَقَدْ يُؤْخَذُ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ فِي الْجَوَاهِرِ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَقْتُهَا وَاحِدٌ مُضَيَّقٌ غَيْرُ مُمْتَدٍّ مُقَدَّرٌ آخِرُهُ بِالْفَرَاغِ مِنْهَا فِي حَقِّ كُلِّ مُكَلَّفٍ انْتَهَى. وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى مَسْأَلَةٍ أُخْرَى وَهُوَ مَنْ بَالَ وَكَانَتْ عَادَتُهُ أَنَّ اسْتِبْرَاءَهُ لَا يَنْقَطِعُ إلَّا بَعْدَ طُولٍ بِحَيْثُ يَخْرُجُ الْوَقْتُ الْمُخْتَارُ، أَوْ الضَّرُورِيُّ كَيْفَ يَفْعَلُ؟
فَهَلْ يُؤْمَرُ بِالْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ مَعَ وُجُودِهِ وَيَصِيرُ ذَلِكَ كَالسَّلَسِ أَوْ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يَنْقَطِعَ الْبَوْلُ؟ وَهَلْ الْأَوْلَى لَهُ إذَا كَانَ مَحْصُورًا وَخَافَ أَنْ يَقَعَ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ مِنْ مُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ، أَوْ يُزِيلُ عَنْهُ الضَّرُورَةَ؟
فَإِنْ وَقَعَ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: فِي الرُّعَافِ وَالنَّجَاسَةِ إذَا خَافَ خُرُوجَ الْوَقْتِ يُصَلِّي بِالنَّجَاسَةِ، وَقَالُوا: إذَا خَافَ خُرُوجَ الْوَقْتِ بِاشْتِغَالِهِ بِالْوُضُوءِ، أَوْ الْغُسْلِ تَيَمَّمَ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى حُكْمٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ السَّلَسِ
أَمَّا لَوْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ السَّلَسِ فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي إنْ كَانَ ذَلِكَ مُلَازِمًا لَهُ فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ، أَوْ تَسَاوَتْ مُلَازَمَتُهُ وَانْقِطَاعُهُ،
وَإِنْ كَانَ انْقِطَاعُهُ أَكْثَرَ فَهُوَ نَاقِضٌ عَلَى الْمَشْهُورِ خِلَافًا لِلْعِرَاقِيِّينَ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ. وَسُئِلَ عَنْهَا شَيْخُ الْمَالِكِيَّةِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ الشَّيْخُ نَاصِرُ الدِّينِ اللَّقَانِيُّ - أَدَامَ اللَّهُ النَّفْعَ بِعُلُومِهِ - فَأَجَابَ بِأَنَّهُ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يَنْقَطِعَ بَوْلُهُ،
وَلَوْ أَدَّى لِخُرُوجِ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا الِاخْتِيَارِيِّ وَالضَّرُورِيِّ وَلَا يُصَلِّيهَا مَعَ وُجُودِ الْبَوْلِ؛ لِأَنَّهُ نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ مُنَافٍ لَهُ،
وَكَذَلِكَ الشُّغْلُ بِالْأَخْبَثَيْنِ عَنْ فَرْضٍ فِي وُجُوبِ التَّأْخِيرِ،
وَلَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ الْمَذْكُورُ، وَلَا يُصَلِّي مَعَهَا فِي الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهَا مُبْطِلَةٌ لِلصَّلَاةِ مُوجِبَةٌ لِإِعَادَتِهَا أَبَدًا، نَعَمْ إذَا كَانَتْ غَيْرَ مُشْغِلَةٍ عَنْ فَرْضٍ وَجَبَ فِعْلُهَا فِي الْوَقْتِ،
وَلَا يَجُوزُ التَّأْخِيرُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ فِي الْوَقْتِ الِاخْتِيَارِيِّ وَاجِبٌ فَلَا يُتْرَكُ لِتَحْصِيلِ مَنْدُوبٍ، هَذَا مَا ظَهَرَ مِنْ أُصُولِ الْمَذْهَبِ انْتَهَى. (قُلْتُ:) وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ عِنْدِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) قَالَ فِي الطِّرَازِ إذَا قُلْنَا: إنَّ لَهَا وَقْتَيْنِ فَهَلْ تَشْتَرِكَ مَعَ الْعِشَاءِ أَوْ لَا؟
وَإِذَا قُلْنَا: بِالِاشْتِرَاكِ فَهَلْ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ بِقَدْرِ الْعِشَاءِ أَوْ بَعْدَهُ بِقَدْرِ الْمَغْرِبِ؟ وَهَلْ يُجْزِئُ تَقْدِيمُ الْعِشَاءِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ؟ وَهَلْ يَأْثَمُ بِتَأْخِيرِ الْمَغْرِبِ إلَى مَا بَعْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ؟ كُلُّ هَذَا يُخْتَلَفُ فِيهِ عَلَى قَضِيَّةٍ وَاخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ انْتَهَى. وَنَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَقَبِلَهُ
فَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْخِلَافِ فِي الِاشْتِرَاكِ وَعَدَمِهِ فَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ الْمُتَقَدِّمِ وَمِنْ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ الْمُتَقَدِّمِ، وَنَحْوُهُ لِلَّخْمِيِّ لَكِنْ لَيْسَ الْقَائِلُ بِعَدَمِ الِاشْتِرَاكِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ هُوَ الْقَوْلُ هُنَا؛ لِأَنَّ الْقَائِلَ بِعَدَمِ الِاشْتِرَاكِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ لِابْنِ حَبِيبٍ وَعَبْدِ الْمَلِكِ وَابْن الْمَوَّازِ وَابْنِ حَبِيبٍ وَيَقُولَانِ إنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ مُتَّحِدٌ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُنْسَبَ إلَيْهِمَا الْقَوْلُ بِعَدَمِ الِاشْتِرَاكِ؛ لِأَنَّا إنَّمَا فَرَّعْنَا عَلَى الْقَوْلِ بِامْتِدَادِ الْوَقْتِ،
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ كَوْنِ الْخِلَافِ إذَا قُلْنَا بِالِاشْتِرَاكِ هَلْ هُوَ قَبْلَ الْعِشَاءِ، أَوْ بَعْدَهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَوْجُودٌ فَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّ الْمَغْرِبَ تُشَارِكُ الْعِشَاءَ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ وَنَقَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ عَنْهُ أَنَّ الِاشْتِرَاكَ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ،
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: لَعَلَّ لَهُ قَوْلَيْنِ قَالَ: وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ بِمَاذَا يَقَعُ الِاشْتِرَاكُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الشَّفَقِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ سَنَدٍ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ،
وَأَمَّا تَقْدِيمُ الْعِشَاءِ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا لَا تُجْزِئُ عَلَى الْمَشْهُورِ،
وَأَمَّا هَلْ يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ؟ فَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَأْثَمُ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
(وَلِلْمَغْرِبِ غُرُوبُ الشَّمْسِ تُقَدَّرُ بِفِعْلِهَا بَعْدَ شُرُوطِهَا) فِيهَا: وَقْتُ الْمَغْرِبِ غُرُوبُ الشَّمْسِ لَا تُؤَخَّرُ. ابْنُ رُشْدٍ: إلَّا لِعُذْرٍ مِثْلِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ لِلْمَرِيضِ، وَالْمَطَرِ، وَالْمُسَافِرِ، ثُمَّ قَالَ: فَحَصَلَ الْإِجْمَاعُ أَنَّ الْمُبَادَرَةَ بِالْمَغْرِبِ عِنْدَ الْغُرُوبِ أَفْضَلُ بَهْرَامَ: قَالَ صَاحِبُ الْإِرْشَادِ: يُرَاعَى مِقْدَارُ فِعْلِهَا بَعْدَ تَحْصِيلِ شُرُوطِهَا ابْنُ عَرَفَةَ: اعْتِبَارُ مَا يَسَعُهَا بِغُسْلِهَا لَازِمٌ لِوُجُوبِهِ وَعَدَمِ وُجُوبِهِ بَلْ قَبْلَ وَقْتِهَا. وَإِجْمَاعُهُمْ عَلَى امْتِنَاعِ التَّكْلِيفِ بِمُوَقِّتٍ بِمَا لَا يَسَعُهُ وَبِاعْتِبَارِهِمْ هَذَا يُفْهَمُ قَوْلُ الْمَازِرِيِّ: فَاعِلُهَا - إثْرَ الْغُرُوبِ - وَالْمُتَوَانِي قَلِيلًا كِلَاهُمَا أَدَّاهَا فِي وَقْتِهَا.
Adds nothing on this mas’ala.
(ص) وَلِلْمَغْرِبِ غُرُوبُ الشَّمْسِ يُقَدَّرُ بِفِعْلِهَا بَعْدَ شُرُوطِهَا (ش) يَعْنِي أَنَّ ابْتِدَاءً الْمُخْتَارِ لِلْمَغْرِبِ غُرُوبُ جَمِيعِ قُرْصِ الشَّمْسِ عَمَّنْ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ فِي الْعَيْنِ الْحَمِئَةِ وَيُقْبَلُ السَّوَادُ مِنْ الْمَشْرِقِ وَلَا عِبْرَةَ بِمَغِيبِهَا عَمَّنْ فِي الْأَرْضِ خَلْفَ الْجِبَالِ بَلْ الْمُعْتَمَدُ دَلِيلًا عَلَى غَيْبُوبَتِهَا إقْبَالُ الظُّلْمَةِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» وَلَا يَضُرُّ أَثَرُ الْحُمْرَةِ وَلَا بَقَاءُ شُعَاعِهَا فِي الْجُدْرَانِ وَيَنْتَهِي مُخْتَارُ الْمَغْرِبِ بِقَدْرِ مَا يَسَعُ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ وَيَسَعُ شُرُوطَهَا مِنْ طَهَارَتَيْ خَبَثٍ وَحَدَثٍ كُبْرَى وَصُغْرَى مَائِيَّةٍ وَتُرَابِيَّةٍ وَسَتْرِ عَوْرَةٍ وَاسْتِقْبَالِ قِبْلَةٍ وَيُزَادُ عَلَى شُرُوطِهَا الْآذَانُ وَالْإِقَامَةُ
وَيَجُوزُ لِمُحَصِّلِ الشُّرُوطِ التَّأْخِيرُ بِقَدْرِ تَحْصِيلِهَا أَنْ لَوْ كَانَ غَيْرَ مُحَصِّلٍ لَهَا
وَلَوْ قَالَ وَلِلْمَغْرِبِ قَدْرُ مَا يَسَعُ فِعْلَهَا وَشُرُوطَهَا وَأَذَانًا وَإِقَامَةً بَعْدَ الْغُرُوبِ لَكَانَ أَظْهَرَ فِي إفَادَةِ أَنَّ الْمُحَصِّلَ لِلشُّرُوطِ لَهُ التَّأْخِيرُ بِقَدْرِ تَحْصِيلِهَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مُحَصِّلًا لَهَا وَأَنَّهُ يُعْتَبَرُ قَدْرُ الْآذَانِ وَالْإِقَامَةِ.
(قَوْلُهُ: فِي الْعَيْنِ الْحَمِئَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِغُرُوبٍ أَيْ غُرُوبِ جَمِيعِ الْقُرْصِ فِي الْعَيْنِ الْحَمِئَةِ أَيْ ذَاتِ الْحَمْأَةِ وَهِيَ الطِّينُ الْأَسْوَدُ أَيْ فِي رَأْيِ الْعَيْنِ وَإِلَّا فَهِيَ أَعْظَمُ مِنْ الْأَرْضِ فَهِيَ قَدْرُهَا مِائَةَ مَرَّةٍ وَسِتَّةً وَسِتِّينَ مَرَّةً وَثُلُثًا
(قَوْلُهُ: وَلَا عِبْرَةَ بِمَغِيبِهَا) أَيْ لَا يُعَوَّلُ وَلَا يُعْتَمَدُ مَنْ فِي الْأَرْضِ عَلَى مَغِيبِهَا خَلْفَ الْجِبَالِ بَلْ لَا يُعْتَمَدُ إلَّا عَلَى إقْبَالِ الظُّلْمَةِ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ
(قَوْلُهُ: مِنْ هَاهُنَا) وَأَشَارَ إلَى جِهَةِ الْمَشْرِقِ
(قَوْلُهُ: وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا)
وَأَشَارَ إلَى جِهَةِ الْمَغْرِبِ
(قَوْلُهُ: فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ) أَيْ فَقَدْ حَلَّ فِطْرُهُ
(قَوْلُهُ: حَدَثٌ كُبْرَى وَصُغْرَى) وَكَذَا التَّصْرِيحُ بِصُغْرَى وَكُبْرَى فِي كَلَامِ الْحَطَّابِ وَعِجْ فَإِذَنْ الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ أَيْ أَوْ صُغْرَى،
فَإِذَا كَانَتْ الْكُبْرَى قَائِمَةً بِهِ يُقَدَّرُ لَهُ بِحَسَبِهَا
وَكَذَلِكَ الصُّغْرَى، وَإِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ التُّرَابِ يُقَدَّرُ لَهُ بِحَسَبِ التُّرَابِ إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ مُتَوَضِّئًا مُغْتَسِلًا يُقَدَّرُ لَهُ بِمِقْدَارِ الْكُبْرَى
فَلَوْ كَانَ مُغْتَسِلًا غَيْرَ مُتَوَضِّئٍ يُقَدَّرُ لَهُ مِقْدَارُ الصُّغْرَى كَمَا قَرَّرْنَا.
(فَإِنْ قُلْت) يُقَدَّرُ لَهُ مِقْدَارُ الْكُبْرَى لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ عَلَيْهِ
(قُلْنَا) لَوْ قَدَّرْنَا لَهُ مِقْدَارَ الْكُبْرَى لَاسْتَغْنَى عَنْ مِقْدَارِ الصُّغْرَى لِانْدِرَاجِهَا فِيهِ كَيْفَ وَقَدْ صَرَّحَ بِقَوْلِهِ صُغْرَى وَكُبْرَى فَأَفَادَ أَنَّ الْمُرَادَ صُغْرَى أَوْ كُبْرَى (فَإِنْ قُلْت) بَلْ يُقَدِّرُهُمَا مَعًا لِاتِّسَاعِ الزَّمَنِ
(قُلْنَا) لَا وَجْهَ لِذَلِكَ مَعَ كَوْنِ الْكُبْرَى تُغْنِي عَنْ الصُّغْرَى فَإِذَنْ الْوَقْتُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُصَلِّينَ هَذَا مَا يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ وَمُلَخَّصُ مَا يُفِيدُهُ لَفْظُ ابْنِ عَرَفَةَ وَالْأَبِيِّ اعْتِبَارُ الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى مُطْلَقًا كَانَ مُحْدِثًا حَدَثًا أَصْغَرَ أَوْ أَكْبَرَ كَانَ فَرْضُهُ الْوُضُوءَ أَوْ الْغُسْلَ أَوْ التَّيَمُّمَ فَالْوَقْتُ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُصَلِّينَ، وَلَفْظُ ابْنِ عَرَفَةَ وَفِي كَوْنِ آخِرِ وَقْتِهَا آخِرَ مَا يَسَعُهُ بِغُسْلِهَا وَلَفْظُ الْأَبِيِّ وَعَلَى الْمَشْهُورِ أَنَّهُ لَا يَمْتَدُّ فَيُزَادُ عَلَى قَدْرِ مَا يَسَعُهَا مِقْدَارُ الْغُسْلِ لِأَنَّ الْغُسْلَ وَاجِبٌ وَلَا يَجِبُ قَبْلَ الْوَقْتِ اهـ.
وَالْمُرَادُ مِنْهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنْ اعْتِبَارِ أَنَّ طَهَارَةَ الْحَدَثِ، وَالْخَبَثِ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الْمُعْتَادِ لِغَالِبِ النَّاسِ فَلَا يُعْتَبَرُ تَطْوِيلُ مُوَسْوِسٍ وَلَا تَخْفِيفُ مُسْرِعٍ لِأَنَّ ذَلِكَ نَادِرٌ كَذَا اسْتَظْهَرَ الْحَطَّابُ قَالَ عج وَيُرَاعَى قَدْرُ الِاسْتِبْرَاءِ الْمُعْتَادِ حَيْثُ اُحْتِيجَ لَهُ، فَإِنَّهُ وَاجِبٌ
ثُمَّ إنَّ مِنْ عَادَتِهِ أَنْ يَطُولَ اسْتِبْرَاؤُهُ بِحَيْثُ لَوْ بَالَ عِنْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ لَمْ يَتِمَّ اسْتِبْرَاؤُهُ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ،
فَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِأَرْكَانِ الصَّلَاةِ أَوْ بَعْضِهَا مَعَ الْحَقْنِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَبُولَ وَيَسْتَبْرِئَ وَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِالصَّلَاةِ مَعَ مُدَافَعَتِهِ الْحَدَثَ وَلَكِنْ لَا يَأْتِي مَعَ ذَلِكَ بِغَيْرِ فَرَائِضِهَا، فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ قَدْرُ الِاسْتِبْرَاءِ مَعَ حُرْمَةِ بَوْلِهِ حِينَئِذٍ اهـ.
وَمُفَادُ عج حَيْثُ قَالَ اُحْتِيجَ لَهُ أَنَّ الْوَقْتَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُكَلَّفِينَ، وَالظَّاهِرُ إسْقَاطُهَا وَأَنَّهُ مُعْتَبَرٌ وَلَوْ لَمْ يَحْتَجْ لَهُ كَمَا أَنَّ الطَّهَارَةَ مُعْتَبَرَةٌ وَلَوْ لَمْ يَحْتَجْ لَهَا.
(تَنْبِيهَاتٌ) : الْأَوَّلُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ غُرُوبُ الشَّمْسِ إلَخْ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُقِيمِينَ،
وَأَمَّا الْمُسَافِرُونَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَمُدُّوا الْمِيلَ وَنَحْوَهُ ثُمَّ يَنْزِلُونَ وَيُصَلُّونَ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ الثَّانِي مَا ذُكِرَ مِنْ وَقْتِهَا إنَّمَا هُوَ وَقْتُ افْتِتَاحِهَا لِقَوْلِ سَنَدٍ
أَمَّا وَقْتُ امْتِدَادِهَا فَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ امْتِدَادِهَا إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ وَلَا يَجُوزُ تَطْوِيلُ الْقِرَاءَةِ لِمَا بَعْدَ الشَّفَقِ إجْمَاعًا
وَيَجُوزُ مَا دَامَ الشَّفَقُ إجْمَاعًا
وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يَجُوز التَّطْوِيلُ فِي قِرَاءَةِ غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ الْمُخْتَارُ الثَّالِثُ: يُنْدَبُ تَقْدِيمُ شُرُوطِ الْمَغْرِبِ عَلَى وَقْتِهَا
(فَائِدَةٌ) إنَّمَا سُمِّيَتْ الْمَغْرِبُ مَغْرِبًا لِإِيقَاعِهَا عِنْدَ الْغُرُوبِ.
(وَ) الْوَقْتُ الْمُخْتَارُ (لِلْمَغْرِبِ غُرُوبُ) جَمِيعِ قُرْصِ (الشَّمْسِ) بِحَيْثُ لَا يَرَاهُ مَنْ كَانَ عَلَى نَحْوِ رَأْسِ جَبَلٍ عَالٍ، وَعَلَامَتُهُ لِمَنْ حُجِبَتْ عَنْهُ الشَّمْسُ بِنَحْوِ غَيْمٍ طُلُوعُ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ مِنْ الْمَشْرِقِ كَطُلُوعِ نُورِ الْفَجْرِ مِنْهُ وَالِاحْتِيَاطُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ وَالْفِطْرِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الظُّلْمَةُ قِيدَ رُمْحٍ وَهُوَ مُضَيَّقٌ (يُقَدَّرُ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ مُثَقَّلًا أَيْ وَقْتُ الْمَغْرِبِ (بِ) زَمَنِ (فِعْلِهَا) أَيْ الْمَغْرِبِ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ. (بَعْدَ) زَمَنِ تَحْصِيلِ (شُرُوطِ) صِحَّتِ (هَا) أَيْ الْمَغْرِبِ، الْأَرْبَعَةِ؛ طَهَارَةِ الْحَدَثِ وَلِلْعِشَاءِ.
مِنْ غُرُوبِ حُمْرَةِ الشَّفَقِ لِلثُّلُثِ الْأَوَّلِ وَلِلصُّبْحِ. مِنْ الْفَجْرِ الصَّادِقِ [منح الجليل] وَطَهَارَةِ الْخَبَثِ، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ الْمُغَلَّظَةِ وَالْمُخَفَّفَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ لِأَنَّهُ الْمَطْلُوبُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا، وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، وَزَمَنِ أَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، وَالْمُعْتَبَرُ مِنْ طَهَارَةِ الْحَدَثِ الْغُسْلُ،
وَلَوْ كَانَ حَدَثُهُ أَصْغَرَ أَوْ مُتَيَمِّمًا مِنْ شَخْصٍ غَيْرِ مُوَسْوَسٍ وَلَا مُسْرِعٍ جِدًّا فَلَا يَخْتَلِفُ وَقْتُهَا بِاخْتِلَافِ حَالِ الْمُصَلِّينَ أَفَادَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْآبِيُّ وَاسْتَظْهَرَهُ الْعَدَوِيُّ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلشُّرُوعِ فِيهَا
وَيَجُوزُ تَطْوِيلُ الْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ لَا بَعْدَهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُقِيمِ.
وَأَمَّا الْمُسَافِرُ فَيُرَخَّصُ لَهُ فِي سَيْرِ مِيلٍ وَنَحْوِهِ بَعْدَ الْغُرُوبِ ثُمَّ يَنْزِلُ وَيُصَلِّيهَا كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَقُيِّدَ بِكَوْنِ مَدِّهِ لِغَرَضٍ كَمَنْهَلٍ وَإِلَّا فَيُصَلِّيهَا أَوَّلَ وَقْتِهَا وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " مَنْ ضَيَّقَ وَقْتَهَا وَتَقْدِيرُهُ بِفِعْلِهَا إلَخْ، وَرَوَى غَيْرُهُ عَنْهُ امْتِدَادَ وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ لِمَغِيبِ الشَّفَقِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَالرَّجْرَاجِيُّ وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " وَلَكِنَّ الْحَقَّ أَنَّهُ ضَعِيفٌ
وَالْمُعْتَمَدُ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ " يُقَدَّرُ إلَخْ " جَوَازَ تَأْخِيرِهَا مِنْ مُحَصِّلٍ شُرُوطَهَا بِقَدْرِ زَمَنِ تَحْصِيلِهَا.
غروب الشمس يعني أن الوقت المختار للمغرب أوله غروب جميع قرص الشمس، وقوبلت نعمة البصر بالمغرب؛ لأنك تبصر ما على يمينك ويسارك وأمامك، ولا تبصر ما خلفك. يقدر بفعلها بعد شروطها يعني أن المغرب يعرف قدر وقتها المختار بفعلها مع فعل شروطها، فيُحَدُّ مختارها بقدر ما يسع ثلاث ركعات بعد الغروب، مع ما تحصل فيه شروطها من: طهارة حدث صغرى وكبرى مائية أو ترابية، وخبث، وستر عورة، واستقبال قبلة، وأذان، وإقامة بالنسبة للمقيمين.
وأما المسافرون فلا بأس أن يمدوا الميل ونحوه، ثم ينزلون ويصلون.
وأما من لا ينزل فلا يباح له هذا، ويصلي كل صلاة في وقتها، ويراعى أيضا قدر استبراء معتاد لمن احتاجه،
ومن عادته أن يطول استبراؤه. بحيث لو بال عند دخول الوقت لم يتم استبراؤه حتى يخرج الوقت؛ صلى إن أمكنه مدافعة الحدث،
ويحرم عليه البول حينئذ، وإلا بال واستبرأ ولو خرج الوقت؛ لأن هذا لم يكن سلسا، وإلا توضأ وصلى به إن لازم أكثر -على ما مر- ويصليها أيضا في الشغل عن فرض،
ولو خرج الوقت. وقال الناصر اللقاني: وقد سئل عمن إذا بال علم أنه لا ينقطع استبراؤه إلا بعد خروج الوقت، يؤخر الصلاة حتى ينقطع بوله ولو أدى إلى خروج الوقت: لأن البول ناقض للوضوء مناف. انظر شرح الشيخ عبد الباقي. والشغل عن غير فرض يجب فعلها معه في الوقت،
ولا يجوز التأخير؛ لأن الفعل في الاختياري واجب، فلا يترك لتحصيل مندوب. قاله الخطاب. وقوله: يقدر بفعلها بعد شروطها، هو المشهور، فقد صرح غير واحد بمشهوريته،
وقيل: يمتد للشفق. وفي الموطإ أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ فيها (بالطور (١) ) (وبالمرسلات (٢) )، وهذا يقوي القول بالامتداد.
وقال ابن العربي والرجراجي: هو الصحيح،
والمشهور من مذهب مالك. قاله الحطاب.
وفي الحديث: (إذا صليتم المغرب فإنَّه وقت إلى أن يسقط الشفق (١) )؛ وفيه أيضًا: (إذا قُرب العشاء وحضرت الصلاة فابدأوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب (٢) ) رواه البخاري.
وفي كتاب الشيخ الأمير ما نصّه: ثمَّ المقدم طعام لا يخرج الوقت كعادتهم. انتهى. وقوله: يقدر بفعلها بعد شروطها، قد مر أن لمحصل الشروط أن يؤخرها قدر ما تحصل فيه،
وفي الشبراخيتي أن المحصل لشروطها لا يقدر في حقه إلا قدر فعلها، والأول هو الظاهر؛ لأنه الذي في الحطاب، وغيره. والله سبحانه أعلم. وتسمى المغرب صلاة الشاهد لحديث: (لا صلاة بعد العصر حتى يطلع الشاهد (٣) )، أو لعدم قصر المسافر لها كما قال الشيخ أبو محمَّد، وهو منقوض بالصبح. قاله الشاذلي.
ويكره تسميتها عشاء إلا مقيدة بالأولى لخبر: (لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب (٤) ). ابن حجر: ولا يتناول النهي تسميتها عشاء على التغليب نحو: صليت العشاءين. وأصل الغروب البعد، ومنه غرُب بضم ثانية وفتحه: بعُد. وحجة المشهور أن المغرب وقته محدود بما تفعل به هي وشروطها والأذان والإقامة هُوَ: حديث جبريل المتقدم عند قول المص: لآخر القامة، وحجة القول الآخر الذي شهره ابن العربي والرجراجي ما في مسلم من قوله - صلى الله عليه وسلم -: (وقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق (٥) )، وهذا القول اختاره الباجي، وأخذه ابن عبد البر وابن رشد واللخمي والمازري من قوله في الموطإ: إذا ذهبت الحمرة فقد وجبت العشاء وخرج وقت المغرب.
قال الإمام المازري: وهو يعني حديث مسلم متأخر عن حديث جبريل: فيجب الرجوع إليه، وهو أصح سندا وقياسا على بقية الصلوات. قاله الشاذلي. في كفاية الطالب وفي النسائي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن هذه الصلاة فرضت (٦) على من كان قبلكم فضيعوها فمن حفظها كان له أجره مرتين ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد )، والشاهد النجم. قال التونسي: والذي جاء في الحديث أولى مما قاله مالك.
انتهى. يعني ما تقدم من الخلاف في سبب تسميتها صلاة الشاهد. تنبيهات: الأوّل: وقع في كتاب الشيخ الأمير خلاف ما تقدم من اعتبار الطهارة اللازمة، فإنَّه قال: والمعتبر الغسل لا وضوء وتيمم؛ لأنَّ الوقت لا يختلف باختلاف الأشخاص. انتهى. الثاني: نقل الحطاب عن ابن العربي ما نصه: واختلف في آخر وقتها على أربعة أقوال: الأَوَّلُ وقتها مقدر بفعل الطهارة، ولبس الثياب، والأذان والإقامة، وثلاث ركعات. قاله مالك. والشافعي في أحد قوليهما.
الثاني: آخر وقتها بمقدار الوقت الأوّل من سائر الصلوات،
قال بعض أصحاب الشافعي: وأشار إليه في المدونة حين قال: لا بأس أن يمد الميل ونحوه. الثالث: آخر وقتها إذا غاب الشفق، قاله في الموطإ؛ وهو الصحيح. الرَّابعُ: آخر وقتها بمقدار ثلاث ركعات بعد الشفق. قاله أشهب. انتهى. قال الحطاب: وهذا القول الثاني الذي ذكره عن بعض الشافعية ذكره صاحب الطراز، فإنَّه قال: إذا قلنا بالاتحاد يعني غير ممتد، فاختلف أصحاب الشافعي على وجهين، فذكر القول باعتبار الطهارة واللبس والأذان والإقامة وثلاث ركعات،
وقال بعضهم جميع وقتها بمنزلة أول الوقت من كل صلاة من غير حد. انتهى. ونقل نحوه عن الذخيرة، وفيه أن الاتحاد ظاهر بالنسبة للمقيمين دون المسافرين، قال فيها: والمغرب إذا غابت الشمس،
وأما المسافر فلا بأس أن يمد الميل ونحوه. وفيه أنَّه يفهم من كلام صاحب الطراز أنَّه لا يجوز التطويل في قراءة غير المغرب من الصلوات حتى يخرج وقتها المختار، غير أن في كلامه أن ذلك لا يجوز إجماعا، وحكى الشافعي في ذلك خلافا.
الثالث: قال في الرسالة: ووقت المغرب؛ وهي صلاة الشاهد؛ يعني الحاضر؛ يعني أن المسافر لا يقصرها ويصليها كصلاة الحاضر، فوقتها غروب الشمس. قال الشاذلي: تعليله منقوض بالصبح، والتعليل بأن الشمس تغرب عند طلوع نجم يسمى الشاهد أولى، لما روى النسائي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن هذه الصلاة فرضت على من كان قبلكم فضيعوها فمن حفظها كان له أجره مرتين ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد ).
والشاهد النجم. انتهى. قوله: "غروب الشمس" المراد به الغروب الشرعي؛ وهو مغيب جميع قرصها كما مر.
وأما الغروب الميقاتي فغير معتبر؛ وهو غروب مركزها، وبينهما نصف درجة؛ وهو قبل الشرعي فلابد من تمكين بعد ذلك حتى يتحقق الوقت بإقبال ظلمة الليل من المشرق،
وإذا كان المعتبر مغيب جميع قرصها فالمراد أن ذلك بحيث لا يرى منه شيء لا من سهل ولا من جبل، فإنها قد تغيب عمن في الأرض، وترى من رؤوس الجبال. قاله الإمام الحطاب.
وقال في الجواهر: والمراعى غيبوبتها )، وقرصها دون أثرها، وشعاعها وقاله ابن الحاجب. ابن فرحون: ولا عبرة بمغيب قرصها عمن في الأرض حتى تغيب عمن في رؤوس الجبال،
والمعتمد في ذلك إنما هو على إقبال ظلمة الليل من جهة المشرق لقوله عليه الصلاة والسلام: (إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا فقد أفطر الصائم (٣) ). انتهى. ولا يضر بقاء شعاعها في الجدران، خلافا للماوردي من الشافعية، فإنَّه اشترط سقوطه؛ وهو الضوء المستعلي كالمتصل بها. قال الدميري: والإجماع منعقد على خلاف دعواه. قاله الإمام الحطاب. وقوله في الحديث: أقبل الليل من هاهنا؛ يعني المشرق، وقوله: أدبر النهار من هاهنا؛
يعني المغرب. قاله الشيخ عبد الباقي. ونقل الحطاب عن ابن بشير ما نصّه: ووقت المغرب إذا غاب قرص الشمس بموضع لا جبال فيه،
فأما موضع تغرب فيه خلف جبال فينظر إلى جهة المشرق،
فإذا طلعت الظلمة كان دليلًا على مغيب الشمس. انتهى. الرَّابعُ: لم يقل المص: من غروب، فيأتي بمن كما فعل في الظهر؛ لأنَّ المغرب لا امتداد لها، وإنما وقتها غروب الشمس. قاله الشيخ إبراهيم. الخَامِسُ: اعلم أن في الساعة خمس عشرة درجة،
وفي الدرجة ستين دقيقة، وقدر الدقيقة ما يقرأ فيه الإخلاص مرة قراءة معتدلة مع البسملة، أو مقدار ما يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله مرة.
ولما فرغ من بيان وقت المغرب المختار، شرع يبين مختار العشاء،
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.