فَيَخْرُجُ مُمْسِكَ أَنْفِهِ لِيَغْسِلَ
Its commentaries
(فَيَخْرُجُ مُمْسِكَ أَنْفِهِ) مِنْ أَعْلَاهُ وَهُوَ مَارِنُهُ لِئَلَّا يَبْقَى فِيهِ الدَّمُ إنْ أَمْسَكَهُ مِنْ أَسْفَلِهِ (لِيَغْسِلَ) الدَّمَ.
وَيَبْنِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ لَهُ بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ
Adds nothing on this mas’ala.
(قَوْلُهُ: فَيَخْرُجُ) أَيْ مِنْ هَيْئَتِهِ الْأُولَى أَوْ مِنْ مَكَانِهِ إنْ احْتَاجَ لِذَلِكَ وَلَوْ كَانَ مُتَيَمِّمًا لِأَنَّ مَا يَحْصُلُ مِنْهُ مُلْحَقٌ بِأَحْكَامِ الصَّلَاةِ فَلَا تَبْطُلُ الْمُوَالَاةُ وَلِهَذَا لَا يُكَبِّرُ إحْرَامًا إذَا رَجَعَ لِتَكْمِيلِ صَلَاتِهِ بَعْدَ الْغَسْلِ وَسَبَقَ أَنَّ وُجُودَ الْمُتَيَمِّمِ الْمَاءَ فِي الصَّلَاةِ لَا يُبْطِلُهَا
(قَوْلُهُ: مُمْسِكٌ أَنْفَهُ) هَذَا إرْشَادٌ لِأَحْسَنِ الْكَيْفِيَّاتِ الَّتِي تُعِينُ عَلَى تَقْلِيلِ النَّجَاسَةِ لِأَنَّ كَثْرَتَهَا تَمْنَعُ مِنْ الْبِنَاءِ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْبِنَاءِ بَلْ الشَّرْطُ التَّحَفُّظُ مِنْ النَّجَاسَةِ لَوْ لَمْ يُمْسِكْهُ كَمَا اخْتَارَهُ ح وِفَاقًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ الْمَسْكُ مِنْ أَعْلَى الْأَنْفِ عَلَى جِهَةِ الْأَوْلَوِيَّةِ فَقَطْ كَمَا فِي خش وَغَيْرِهِ خِلَافًا لِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ هَارُونَ مِنْ أَنَّ مَسْكَ الْأَنْفِ مِنْ أَعْلَاهُ شَرْطٌ فِي الْبِنَاءِ وَذَلِكَ لِأَنَّ دَاخِلَ الْأَنْفِ حُكْمُهُ حُكْمُ ظَاهِرِ الْجَسَدِ فِي الْأَخْبَاثِ فَيَجِبُ إزَالَةُ الدَّمِ عَنْهُ وَإِذَا أَمْسَكَهُ مِنْ أَسْفَلِهِ أَوْ تَرَكَهُ مِنْ غَيْرِ مَسْكٍ صَارَ دَاخِلُ الْأَنْفِ مُتَلَوِّثًا بِالدَّمِ وَرَدَّهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنَّ الْمَحِلَّ مَحَلُّ ضَرُورَةٍ فَيُنَاسِبُهُ التَّخْفِيفُ وَالْعَفْوُ عَنْ بَاطِنِ الْأَنْفِ فَمَسْكُ الْأَنْفِ إنَّمَا طُلِبَ لِلتَّحَفُّظِ مِنْ النَّجَاسَةِ لَا لِخُصُوصِهِ لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى التَّحَفُّظِ مِنْ النَّجَاسَةِ سَوَاءً أَمْسَكَهُ أَوْ لَمْ يُمْسِكْهُ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ: لِئَلَّا يَبْقَى فِيهِ) أَيْ فِي الْأَنْفِ الدَّمُ إنْ أَمْسَكَهُ مِنْ أَسْفَلِهِ فَيَصِيرُ فِي حَالِ خُرُوجِهِ حَامِلًا لِلنَّجَاسَةِ وَإِنْ كَانَ مَعْفُوًّا عَنْهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ
بِخِلَافِ مَا إذَا أَمْسَكَهُ مِنْ أَعْلَاهُ فَإِنَّهُ يَحْبِسُ الدَّمَ مِنْ أَصْلِهِ عَنْ النُّزُولِ
(قَوْلُهُ: لِيَغْسِلَ الدَّمَ) أَيْ لَا يَخْرُجُ إلَّا لِغَسْلِ الدَّمِ فَإِنْ اشْتَغَلَ بِغَيْرِهِ بَعْدَ خُرُوجِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.
(قَوْلُهُ: وَيَبْنِي) أَيْ بَعْدَ غَسْلِ الدَّمِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ لَهُ مِنْ الصَّلَاةِ
ص (فَيَخْرُجُ مُمْسِكَ أَنْفِهِ لِيَغْسِلَ إنْ لَمْ يُجَاوِزْ أَقْرَبَ مَكَان مُمْكِنٍ قَرُبَ وَيَسْتَدْبِرُ قِبْلَةً بِلَا عُذْرٍ وَيَطَأُ نَجَسًا وَيَتَكَلَّمُ وَلَوْ سَهْوًا) ش لِمَا ذُكِرَ أَنَّ الْبِنَاءَ مُسْتَحَبٌّ ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ مَا يُفْعَلُ فِيهِ وَشُرُوطُهُ فَقَالَ: فَيَخْرُجُ مُمْسِكَ أَنْفِهِ فَالْفَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ يَعْنِي فَإِذَا خَرَجَ يَغْسِلُ الدَّمَ فَيُمْسِكُ أَنْفَهُ لِئَلَّا يَتَطَايَرَ عَلَيْهِ الدَّمُ فَيُلَطِّخَ ثَوْبَهُ أَوْ جَسَدَهُ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى شُرُوطِ الْبِنَاءِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي ابْنُ الْحَاجِبِ إلَى مَا يَزِيدُهُ غَيْرُ وَاحِدٍ هُنَا مِنْ قَوْلِهِمْ يَخْرُجُ مُمْسِكًا لِأَنْفِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ مَحْضُ إرْشَادٍ إلَى مَا يُعِينُهُ عَلَى تَقْلِيلِ النَّجَاسَةِ لِأَنَّ كَثْرَتَهَا تَمْنَعُ مِنْ الْبِنَاءِ
لَا أَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْبِنَاءِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ لَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ انْتَهَى.
وَانْظُرْ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مَعَ قَوْلِهِ فِي الذَّخِيرَةِ وَإِذَا خَرَجَ فَلَهُ شُرُوطٌ سِتَّةٌ أَنْ يُمْسِكَ أَنْفَهُ
ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّتَهَا فَجَعَلَ ذَلِكَ شَرْطًا، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ يَذْكُرُ مَسْكَ أَنْفِهِ فِي صِفَةِ الْخُرُوجِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِاشْتِرَاطِ ذَلِكَ وَلَا لِعَدَمِهِ وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَيُحْمَلُ كَلَامُ الذَّخِيرَةِ عَلَى أَنَّ الشَّرْطَ التَّحَفُّظُ مِنْ النَّجَاسَةِ فَإِذَا تَحَفَّظَ مِنْهَا وَلَمْ يُمْسِكْ أَنْفَهُ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ. تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) اُنْظُرْ قَوْلَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ إلَخْ مَعَ أَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ قَالَ: وَكَيْفِيَّتُهُ أَنْ يَخْرُجَ مُمْسِكًا لِأَنْفِهِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِبَيَانِ أَنَّهُ شَرْطٌ فَتَأَمَّلْهُ، (الثَّانِي) قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: اشْتَرَطَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَصْرِ أَنْ يُمْسِكَ أَنْفَهُ مِنْ أَعْلَاهُ لِأَنَّ إمْسَاكَهُ كَذَلِكَ يَحْتَقِنُ الدَّمُ بِسَبَبِهِ فِي الْعُرُوقِ وَلَا أَثَرَ لَهُ هُنَاكَ فِي مَانِعِيَّةِ الصَّلَاةِ وَإِذَا أَمْسَكَهُ مِنْ أَسْفَلِهِ بَقِيَ الدَّمُ فِي دَاخِلِ الْأَنْفِ وَحُكْمُهُ حُكْمُ الظَّاهِرِ عَلَى سَطْحِ الْجَسَدِ فَيَكُونُ فَاعِلُهُ حَامِلًا لِلنَّجَاسَةِ اخْتِيَارًا وَفِيهِ تَكَلُّفٌ، وَالْمَوْضِعُ مَحِلُّ ضَرُورَةٍ مُنَاسِبٌ لِلتَّخْفِيفِ انْتَهَى، وَنَسَبَ الْمُصَنِّفُ الِاشْتِرَاطَ لِابْنِ هَارُونَ فَقَالَ: وَاشْتَرَطَ ابْنُ هَارُونَ أَنْ يُمْسِكَ أَنْفَهُ مِنْ أَعْلَاهُ لِأَنَّهُ إذَا أَمْسَكَهُ مِنْ أَسْفَلِهِ بَقِيَ الدَّمُ فِي دَاخِلِ الْأَنْفِ وَحُكْمُهُ حُكْمُ الظَّاهِرِ عَلَى سَطْحِ الْجَسَدِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: فِيهِ نَظَرٌ وَالْمَحِلُّ مَحِلُّ ضَرُورَةٍ انْتَهَى، وَهَكَذَا عَزَاهُ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ لِابْنِ هَارُونَ قَالَ وَعَبَّرَ عَنْهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِبَعْضِ الْمُعَاصِرِينَ وَمَرَّضَهُ بِقَوْلِهِ: وَفِيهِ تَكَلُّفٌ قُلْتُ وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ وَصَاحِبُ الْجَمْعِ عَنْ ابْنِ هَارُونَ أَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِهِمْ وَلَمْ يَذْكُرَا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَهُ مِنْ عِنْدِهِ وَلَا أَنَّهُ صَرَّحَ بِاشْتِرَاطِ ذَلِكَ بَلْ قَالَ ابْنُ هَارُونَ عَنْ بَعْضِهِمْ: أَنَّهُ يُمْسِكُ أَعْلَاهُ وَاَلَّذِي قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ التَّخْفِيفِ ظَاهِرٌ لَا شَكَّ فِيهِ وَقَدْ خَفَّفُوا فِي الْحَالَةِ الْأُولَى اخْتِضَابَ الْأَنَامِلِ الْعُلْيَا وَمِنْ لَازِمِ ذَلِكَ اخْتِضَابُ بَاطِنِ الْأَنْفِ وَقَالُوا إنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقَطْعُ مَعَ ذَلِكَ فَكَيْفَ بِاخْتِضَابِ الْأَنْفِ الَّذِي هُوَ مَحِلُّ خُرُوجِ الدَّمِ بَلْ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ الْمَحِلُّ كُلُّهُ قَدْ تَلَوَّثَ بِالنَّجَاسَةِ فَتَأَمَّلْهُ.
وَهَذَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالرُّعَافِ وَأَمَّا مَا اُسْتُفِيدَ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ وَهُوَ كَوْنُ دَاخِلِ الْأَنْفِ حُكْمُهُ حُكْمُ ظَاهِرِ الْجَسَدِ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ فَقَدْ قَبِلَهُ ابْنُ هَارُونَ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُمْ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ لِيَغْسِلَ بَيَانٌ لِمَا يَفْعَلُهُ إذَا خَرَجَ وَقَوْلُهُ إنْ لَمْ يُجَاوِزْ أَقْرَبَ مَكَان مُمْكِنٍ هُوَ الشَّرْطُ الْأَوَّلُ مِنْ شُرُوطِهِ وَهُوَ أَنْ لَا يُجَاوِزَ أَقْرَبَ مَكَان يُمْكِنُهُ غَسْلُ الدَّمِ فِيهِ فَإِنْ تَعَدَّى الْأَقْرَبَ إلَى غَيْرِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ
قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ بِاتِّفَاقٍ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَتَى فِي الصَّلَاةِ بِزِيَادَةٍ مُسْتَغْنًى عَنْهَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ: هَكَذَا قَالُوا وَلَمْ يَفْصِلُوا بَيْنَ الزِّيَادَةِ الْكَثِيرَةِ وَالْقَلِيلَةِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَقَالَ بَعْدَهُ: وَتَبَرِّيهِ لَا مَعْنَى لَهُ لِأَنَّ خُرُوجَهُ وَغَسْلَ الدَّمِ وَبِنَاءَهُ رُخْصَةٌ فَإِذَا انْضَافَ إلَى ذَلِكَ أَمْرٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ كَثُرَ الْمُنَافِي فَتَبْطُلُ
بِخِلَافِ غَيْرِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ وَفِي شَرْحِ الْجَلَّابِ وَأَظُنُّهُ اللُّبَابَ أَنَّ فِي الزِّيَادَةِ الْيَسِيرَةِ قَوْلَيْنِ انْتَهَى وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى صَاحِبِ الْجَمْعِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ وَظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِ وَاحِدٍ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْيَسِيرَةِ وَالْكَثِيرَةِ وَلِذَلِكَ أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ (فَإِنْ قُلْتُ) قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ قَرِيبًا جِدًّا بِحَيْثُ إنَّهُ لَوْ فَعَلَ مِثْلَهُ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَضُرَّ كَالتَّقَدُّمِ إلَى فُرْجَةٍ
قُلْتُ: التَّقَدُّمُ إلَى فُرْجَةٍ مُنْفَرِدٌ وَهَذَا مُنْضَمٌّ إلَيْهِ هَذِهِ الْأَفْعَالُ الَّتِي الْأَصْلُ أَنْ لَا تَصِحَّ الصَّلَاةُ مَعَهَا انْتَهَى قُلْتُ وَهُوَ نَحْوُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ نَاجِي وَيَنْبَغِي أَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ فِي أَنَّ مُجَاوَزَتَهُ بِنَحْوِ الْخُطْوَتَيْنِ وَالثَّلَاثِ لَا تَضُرُّ فَتَأَمَّلْهُ.
وَقَوْلُهُ مُمْكِنٌ يَعْنِي بِهِ أَنَّ مُجَاوَزَةَ الْأَقْرَبِ إنَّمَا تَضُرُّ إذَا كَانَ يُمْكِنُهُ الْغَسْلُ فِيهِ
وَأَمَّا إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الْغَسْلُ فِيهِ فَلَا تَضُرُّ مُجَاوَزَتُهُ فِي الْبِنَاءِ وَالْمُرَادُ بِالْمُمْكِنِ مَا يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ إلَيْهِ قَالَهُ ابْنُ رَاشِدٍ وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ وَنَحْوُهُ لِلْبَاجِيِّ فِي الْمُنْتَقَى
(فَرْعٌ) فَإِنْ وَجَدَ الْمَاءَ فِي مَوْضِعٍ بِشِرَاءٍ وَطُلِبَ مِنْهُ الثَّمَنُ الْمُعْتَادُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَكَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ وَغَيْرَ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ وَتَجَاوَزَهُ إلَى غَيْرِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ صَلَاتَهُ وَلَمْ أَرَهُ مَنْصُوصًا
وَأَمَّا لَوْ لَمْ يَجِدْ الثَّمَنَ أَوْ كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ أَوْ طُلِبَ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ الثَّمَنِ الْمُعْتَادِ فَلَهُ الْمُجَاوَزَةُ إلَى غَيْرِهِ فِيمَا يَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْمَاءَ فِي الصَّلَاةِ بِالْإِشَارَةِ وَالْمُعَاطَاةِ وَقَدْ نَصَّ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْأَلْغَازِ فِي مَسَائِلِ الْبُيُوعِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ عَقْدُ الْبَيْعِ فِي الصَّلَاةِ إذَا كَانَتْ بِإِشَارَةٍ خَفِيفَةٍ وَمُعَاطَاةٍ قَالَ: وَيُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي بَابِ السَّهْوِ وَالْفِعْلُ الْقَلِيلُ جِدًّا مُغْتَفَرٌ وَإِنْ كَانَ بِإِشَارَةٍ لِسَلَامٍ أَوْ رَدِّهِ أَوْ لِحَاجَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ انْتَهَى قُلْتُ وَهَذَا فِي عَقْدِ الْبَيْعِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فَكَيْفَ بِهَذِهِ الضَّرُورَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِتَصْحِيحِ الصَّلَاةِ، وَقَوْلُهُ قَرُبَ هَذَا هُوَ الشَّرْطُ الثَّانِي مِنْ شُرُوطِ الْبِنَاءِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَكَانُ الَّذِي يَغْسِلُ الدَّمَ فِيهِ قَرِيبًا فَإِنْ كَانَ بَعِيدًا بَطَلَتْ الصَّلَاةُ،
(فَإِنْ قُلْتُ) مَا فَائِدَةُ هَذَا الشَّرْطِ مَعَ قَوْلِهِ إنْ لَمْ يُجَاوِزْ أَقْرَبَ مَكَان قُلْتُ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَقْرَبَ مَكَان يَصْدُقُ مَعَ بُعْدِ الْمَكَانِ إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الْغَسْلُ إلَّا فِيهِ أَقْرَبُ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ بَعِيدًا وَهَذَا ظَاهِرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُتَعَارَفِ لِأَنَّ الْبُعْدَ وَالْقُرْبَ مِنْ الْأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ فَيُقَالُ: هَذَا الْمَكَانُ أَقْرَبُ مِنْ هَذَا الْمَكَانِ وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا فِي نَفْسِهِ وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ (فَإِنْ قُلْتُ) فَمَا
فَائِدَةُ قَوْلِهِ قَرُبَ بَعْدَ قَوْلِهِ أَقْرَبَ قُلْتُ أَظُنُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ أَقْرَبَ يَصْدُقُ عَلَى مَا إذَا بَعُدَ الْمَكَانُ إلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا أَقْرَبُ مِنْ الْآخَرِ قُلْتُ وَكَلَامُهُ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ لَا يَصْدُقُ مَعَ بُعْدِ الْمَكَانِ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ أَقْرَبَ صِيغَةُ تَفْضِيلٍ وَهُوَ يَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ فِي أَصْلِ الْمَعْنَى فَلَا بُدَّ أَنْ يُشْتَرَطَ الْمَكَانَانِ فِي الْقُرْبِ وَمَا ذَكَرْنَاهُ جَارٍ عَلَى عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ كَمَا ذَكَرْنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) شَرْطُ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَكُونَ الْمَكَانُ قَرِيبًا وَاَلَّذِي فِي كَلَامِ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَكَانُ بَعِيدًا جِدًّا وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ قَالَ اللَّخْمِيُّ وَيَطْلُبُ الْمَاءَ مَا لَمْ يَبْعُدْ جِدًّا
وَقَالَ فِي الطِّرَازِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَيَطْلُبُ الْمَاءَ مَا لَمْ يَبْعُدْ جِدًّا انْتَهَى وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافَهُ
وَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى الْبِنَاءِ وَمَعْنَاهُ مَا لَمْ يَتَفَاحَشْ بُعْدُ الْمَوْضِعِ الَّذِي يَغْسِلُ فِيهِ انْتَهَى،
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ فِي شُرُوطِ الْبِنَاءِ وَأَنْ لَا يَبْعُدَ الْمَكَانُ جِدًّا
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَوْلُهُ إلَى أَقْرَبِ الْمِيَاهِ قَالُوا: مَا لَمْ يَتَفَاحَشْ بُعْدُ مَوْضِعِ الْغُسْلِ فَيَجِبُ الْقَطْعُ وَقَدْ يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ أَقْرَبُ زَادَ ابْنُ فَرْحُونٍ لِأَنَّهُ يَدُلُّ إلَى أَنَّ ثَمَّ قَرِيبًا وَغَيْرَهُ أَقْرَبُ انْتَهَى، وَكَانَ هَذَا الَّذِي حَمَلَ الْمُصَنِّفُ عَلَى قَوْلِهِ أَقْرَبُ وَالظَّاهِرُ مَا تَقَدَّمَ وَأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَبْطُلُ إلَّا إذَا تَفَاحَشَ بُعْدُ الْمَكَانِ كَمَا تَقَدَّمَ النَّصُّ عَلَيْهِ فِي كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ ابْنُ يُونُسَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ وَلْيَطْلُبْ الرَّاعِفُ الْمَاءَ إلَى أَقْرَبِ مَوْضِعٍ يُمْكِنُهُ إذَا لَمْ يَتَفَاحَشْ الْبُعْدُ جِدًّا فَإِذَا وَجَدَهُ فِي مَكَان فَجَاوَزَهُ إلَى غَيْرِهِ فَذَلِكَ قَطْعٌ لِصَلَاتِهِ قَالَ ابْنُ نَاجِي قُلْتُ تَبَرَّأَ ابْنُ هَارُونَ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى بِقَوْلِهِ قَالُوا: إنْ تَفَاحَشَ وَجَبَ الْقَطْعُ وَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الْبِنَاءَ رُخْصَةٌ وَذَلِكَ يُؤْذِنُ بِالطَّلَبِ وَإِنْ تَفَاحَشَ انْتَهَى قُلْتُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ ابْنِ هَارُونَ عَلَى الْبِنَاءِ وَلَوْ تَفَاحَشَ الْبُعْدُ فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِنُصُوصِ الْمَذْهَبِ وَأَيْضًا فَوَجْهُ الْبُطْلَانِ ظَاهِرٌ وَهُوَ كَثْرَةُ الْمُنَافِي فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) إذَا رَعَفَ الْمُتَيَمِّمُ فِي الصَّلَاةِ وَوَجَدَ مَا يَغْسِلُ بِهِ الدَّمَ فَإِنَّهُ يَغْسِلُهُ وَيَبْنِي وَلَا يَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ بِشُرُوطِهَا فَلَا يُبْطِلُهَا طُرُوُّ الْمَاءِ قَالَهُ صَاحِبُ الْجَمْعِ فِي آخِرِ الْكَلَامِ عَلَى الرُّعَافِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
وَقَالَ فِي الطِّرَازِ مَنْ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ بِالتَّيَمُّمِ ثُمَّ صَبَّ الْمَطَرُ أَوْ جَاءَ الْمَاءُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَبْطُلْ تَيَمُّمُهُ فَإِنْ رَعَفَ غَسَلَ الدَّمَ وَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُرَجِّحُ قَطْعَ الصَّلَاةِ بِالرُّعَافِ فَلَمَّا قَطَعَ كَانَ مَا وَجَدَهُ مِنْ الْمَاءِ بِقَدْرِ مَا غَسَلَ الدَّمَ فَقَطْ فَهَلْ يَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ أَمْ لَا وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَذَلِكَ لِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَمَّا اشْتَغَلَ بِطَهَارَةِ النَّجَسِ قَطَعَ اتِّصَالَ تَيَمُّمِهِ بِالصَّلَاةِ وَالثَّانِي أَنَّهُ لَمَّا وَجَدَ الْمَاءَ الْيَسِيرَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَبْحَثَ عَنْهُ وَعَنْ سَبَبِهِ فَلَعَلَّهُ يَقْدِرُ عَلَى زِيَادَةٍ وَوُجُوبُ الطَّلَبِ يُبْطِلُ تَيَمُّمَهُ حَتَّى يَتَحَقَّقَ عَدَمُ الْمَاءِ وَقَوْلُهُ وَيَسْتَدْبِرُ قِبْلَةً بِلَا عُذْرٍ هَذَا هُوَ الشَّرْطُ الثَّالِثُ وَهُوَ أَنْ لَا يَسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَإِنْ اسْتَدْبَرَهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ
قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَإِذَا اسْتَدْبَرَ الرَّاعِفُ الْقِبْلَةَ لِطَلَبِهِ الْمَاءَ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ
وَقَالَ فِي الطِّرَازِ إنْ أَمْكَنَهُ طَلَبُ الْمَاءِ وَهُوَ مُسْتَقْبِلٌ الْقِبْلَةَ فَلَا يَسْتَدْبِرُهَا وَإِنْ اسْتَدْبَرَهَا لِلضَّرُورَةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ انْتَهَى
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ قَالَهُ اللَّخْمِيّ وَصَاحِبُ الطِّرَازِ انْتَهَى وَيُرِيدُ إذَا كَانَ ذَلِكَ لِضَرُورَةٍ كَمَا قَالُوا وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي غَسْلِ الدَّمِ لِلْبِنَاءِ أَنْ يَكُونَ مَسِيرُهُ لِجِهَةِ الْقِبْلَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ انْتَهَى وَقَدْ عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ الضَّرُورَةَ هُوَ كَوْنُ الْمَاءِ فِي غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَهُوَ الْقَدْرُ الَّذِي أَرَادَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ بِلَا عُذْرٍ وَقَالَ ابْنُ غَازِيٍّ قَوْلُهُ وَيَسْتَدْبِرُ قِبْلَةً بِلَا عُذْرٍ كَذَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ وَسَنَد.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ غَازِيٍّ أَنَّ مَا قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ مُوَافِقٌ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَاَلَّذِي نَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ وَصَاحِبُ الْجَمْعِ عَنْهُ خِلَافُ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَخْرُجُ كَيْفَمَا أَمْكَنَهُ سَوَاءٌ اسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ فِي خُرُوجِهِ أَوْ لَا إلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْمُحَافَظَةُ عَلَى اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ مَا أَمْكَنَهُ قَالَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ لَا يَخْرُجُ إلَّا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةَ وَهُوَ قَوْلٌ بَعِيدٌ لَمْ يُعَوِّلْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ الشُّيُوخِ لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْ ذَلِكَ غَالِبًا وَنَحْوُهُ لِصَاحِبِ الْجَمْعِ وَزَادَ فِي آخِرِهِ فَلَا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ (الثَّانِي) مَا ذَكَرَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ وَصَاحِبُ الْجَمْعِ أَوَّلُهُ مُوَافِقٌ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَمَا تَقَدَّمَ وَقَوْلُهُ إلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ مُخَالِفٌ لَهُ فَتَأَمَّلْهُ.
وَقَالَ الشَّبِيبِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ وَقَالَ بِالْبُطْلَانِ (الثَّالِثُ) إذَا وَجَدَ مَاءً قَرِيبًا لَكِنَّهُ يَسْتَدْبِرُ الْقِبْلَةَ إذَا خَرَجَ إلَيْهِ وَفِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ مَاءٌ أَبْعَدُ مِنْهُ فَهَلْ يَذْهَبُ إلَى الْمَاءِ الْقَرِيبِ وَإِنْ اسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ أَوْ يَذْهَبُ إلَى الْأَبْعَدِ وَلَا يَسْتَدْبِرُ الْقِبْلَةَ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا وَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنْ يَذْهَبَ إلَى الْمَكَانِ الْقَرِيبِ وَإِنْ اسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ لِأَنَّ تَرْكَ الِاسْتِقْبَالِ أَخَفُّ مِنْ كَثْرَةِ الْأَفْعَالِ الْمُنَافِيَةِ لِلصَّلَاةِ فَتَأَمَّلْهُ.
وَقَوْلُهُ وَيَطَأُ نَجَاسَةً هَذَا هُوَ الشَّرْطُ الرَّابِعُ وَهُوَ أَنْ لَا يَطَأَ فِي مَشْيِهِ عَلَى نَجَاسَةٍ
وَظَاهِرُهُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَتْ رَطْبَةً أَوْ يَابِسَةً وَسَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ أَرْوَاثِ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالِهَا أَوْ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ وَسَوَاءٌ وَطِئَهَا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا وَقَرِيبٌ مِنْهُ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ غَيْرُ مُتَكَلِّمٍ وَلَا مَاشٍ عَلَى نَجَاسَةٍ فَإِنْ تَكَلَّمَ أَوْ مَشَى عَلَى نَجَاسَةٍ فَثَالِثُهَا يَبْطُلُ فِي الْمُضِيِّ لَا فِي الْعَوْدِ إلَيْهَا وَرَابِعُهَا عَكْسُهُ (وَلْنَذْكُرْ نُصُوصَ الْمَذْهَبِ)
قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ إنْ وَطِئَ عَلَى نَجَاسَةٍ رَطْبَةٍ اُنْتُقِضَتْ صَلَاتُهُ بِاتِّفَاقٍ ثُمَّ قَالَ: وَاخْتُلِفَ إنْ مَشَى عَلَى قَشَبٍ يَابِسٍ فَقَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ تُنْتَقَضُ صَلَاتُهُ وَقَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ لَا تُنْتَقَضُ
وَأَمَّا مَشْيُهُ فِي الطَّرِيقِ لِغَسْلِ الدَّمِ وَفِيهَا أَرْوَاثُ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالِهَا فَلَا تُنْتَقَضُ بِذَلِكَ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ إلَى الْمَشْيِ فِي الطَّرِيقِ لِغَسْلِ الدَّمِ كَمَا يُضْطَرُّ لِلصَّلَاةِ فِيهَا وَلَيْسَ بِمُضْطَرٍّ إلَى الْمَشْيِ عَلَى الْقَشَبِ قَالَهُ ابْنُ حَارِثٍ انْتَهَى.
قَالَ وَصَاحِبُ الْجَمْعِ قَالُوا: إنْ مَشَى عَلَى نَجَاسَةٍ وَكَانَتْ رَطْبَةً بَطَلَتْ بِاتِّفَاقٍ أَيْ عُذْرَةٍ وَمَا فِي مَعْنَاهَا
ثُمَّ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي الْقَشَبِ الْيَابِسِ ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ عِنْدِي إذَا مَشَى عَلَيْهَا غَيْرَ عَالَمٍ بِهَا
وَأَمَّا إذَا تَعَمَّدَ الْمَشْيَ عَلَيْهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِلَا خِلَافٍ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ: إنْ كَانَتْ الْعُذْرَةُ رَطْبَةً فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ الِاتِّفَاقُ عَلَى الْبُطْلَانِ وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ غَلَّابٍ النَّجَاسَةُ الرَّطْبَةُ مُتَّفَقٌ عَلَى إبْطَالِهَا وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ الْعُذْرَةُ الرَّطْبَةُ لِأَنَّهُ قَالَ: وَأَرْوَاثُ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالُهَا لَا تُبْطِلُ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ الْبَوْلَ رَطْبٌ،
قَالَ: وَأَمَّا عَدَمُ الْبُطْلَانِ فِي زِبْلِ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالِهَا فَمُعَلَّلٌ بِضَرُورَةِ الْمَشْيِ عَلَيْهَا لِكَثْرَتِهَا فِي الطُّرُقَاتِ وَلِلِاخْتِلَافِ أَيْضًا فِي نَجَاسَتِهَا
وَأَمَّا الدَّمُ الزَّائِدُ عَلَى الْقَدْرِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ وَزِبْلُ الْكِلَابِ وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ مِنْ النَّجَاسَاتِ فَغَيْرُ مُغْتَفَرٍ ثُمَّ قَالَ: (تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) أَطْلَقَ الْمُؤَلَّفُ الْقَوْلَ فِي النَّجَاسَةِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ وَلَا بُدَّ مِنْ رَدِّ ذَلِكَ الْإِطْلَاقِ إلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، (الثَّانِي) كَلَامُ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّ الْخِلَافَ الَّذِي فِي الْكَلَامِ يَجْرِيَ فِي الْمَشْيِ عَلَى النَّجَاسَةِ
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَلَمْ أَرَ فِي مَسْأَلَةِ النَّجَاسَةِ إلَّا الْقَوْلَيْنِ يُرِيدُ فِي الْقَشَبِ الْيَابِسِ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ مُوَافِقٌ لِابْنِ شَاسٍ وَابْنِ عَطَاءِ اللَّهِ فَانْظُرْ نُصُوصَ الْمُتَقَدِّمِينَ انْتَهَى.
وَقَالَ صَاحِبُ الْجَمْعِ قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ
وَأَمَّا مَشْيُهُ عَلَى أَرْوَاثِ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالِهَا فِي الطَّرِيقِ وَمُبَاشَرَتُهُ لِغَسْلِ الدَّمِ فَمُغْتَفَرٌ قَالَهُ ابْنُ حَارِثٍ انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) تَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَشْيَهُ عَلَى أَرْوَاثِ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالِهَا غَيْرُ مُبْطِلٍ كَمَا تَقَدَّمَ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُبْطِلُ وَلَوْ كَانَتْ رَطْبَةً كَمَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَمَنْ كَلَامِ صَاحِبِ الْجَمْعِ وَهُوَ صَرِيحُ كَلَامِ ابْنِ فَرْحُونٍ وَقَالَهُ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فَإِنَّهُ قَالَ لَا خِلَافَ فِيمَا إذَا مَشَى عَلَى نَجَاسَةٍ رَطْبَةٍ أَنَّهُ لَا يُبْنَى وَاخْتُلِفَ فِيمَا إذَا مَشَى عَلَى نَجَاسَةٍ يَابِسَةٍ وَذَكَرَ الْخِلَافَ ثُمَّ قَالَ: وَالنَّجَاسَةُ الْمُرَادَةُ هِيَ الْعُذْرَةُ
وَأَمَّا أَرْوَاثُ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالُهَا فَيُبْنَى إذَا مَشَى عَلَيْهَا مُطْلَقًا لِلضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّ الطَّرِيقَ لَا تَخْلُو مِنْهَا وَلِلْخِلَافِ فِيهَا وَلِذَلِكَ رَاعَاهُ مَالِكٌ وَقَالَ مَنْ وَطِئَ بِخُفَّيْهِ أَوْ نَعْلَيْهِ عَلَى أَرْوَاثِ الدَّوَابِّ الرَّطْبَةِ وَأَبْوَالِهَا وَصَلَّى بِهَا الْمَسْأَلَةُ يُشِيرُ إلَى مَسْأَلَةِ الْخُفِّ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي بَابِ الْمَعْفُوَّاتِ قُلْتُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِمَا إذَا وَطِئَهَا نَاسِيًا أَوْ مُضْطَرًّا لِذَلِكَ لِعُمُومِهَا وَانْتِشَارِهَا فِي الطَّرِيقِ
وَأَمَّا إنْ وَطِئَهَا عَامِدًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لِسَعَةِ الطَّرِيقِ وَعَدَمِ عُمُومِهَا وَإِمْكَانِ عُدُولِهِ عَنْهَا فَيَنْبَغِي أَنْ تَبْطُلَ صَلَاتُهُ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ الَّتِي هِيَ الضَّرُورَةُ (الثَّانِي) مُبَاشَرَتُهُ لِغَسْلِ الدَّمِ مِنْ أَنْفِهِ مُغْتَفَرٌ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الْجَمْعِ
وَأَمَّا غَيْرُهَا مِنْ النَّجَاسَاتِ كَالْعُذْرَةِ وَالْبَوْلِ وَالدَّمِ وَزِبْلِ الْكِلَابِ وَالدَّجَاجِ الَّتِي تَأْكُلُ النَّجِسَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَتْ رَطْبَةً بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِاتِّفَاقٍ
وَكَذَا إنْ كَانَتْ يَابِسَةً وَوَطِئَهَا عَامِدًا كَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْجَمْعِ وَإِنْ كَانَتْ يَابِسَةً وَوَطِئَهَا سَهْوًا فَفِيهَا الْخِلَافُ حَكَى الْمُتَقَدِّمُونَ فِيهَا قَوْلَيْنِ بِالْبُطْلَانِ وَعَدَمِهِ فَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ مَشَى عَلَى الْبُطْلَانِ وَهُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّ مُبَاشَرَةَ النَّجَاسَةِ فِي الصَّلَاةِ مُبْطِلٌ سَوَاءٌ كَانَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا إذَا عَلِمَ بِذَلِكَ الْمُصَلَّى فِي صَلَاتِهِ وَحَكَى ابْنُ الْحَاجِبِ فِي ذَلِكَ أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ كَمَا تَقَدَّمَ
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَلَمْ أَرَ مَنْصُوصًا فِي مَسْأَلَةِ النَّجَاسَةِ إلَّا هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ وَالْمَشْيَ عَلَى النَّجَاسَةِ مُسْتَوِيَانِ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ عَطَاءِ اللَّهِ انْتَهَى وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ الْقَوْلَيْنِ ثُمَّ قَالَ: قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ مَشْيُهُ عَلَى نَجَاسَةٍ مِثْلُ كَلَامِهِ فِي أَقْوَالِهِ وَلَمْ يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ هَذَا بِمَا إذَا عَلِمَ قَبْلَ كَمَالِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ وَطِئَ نَجَاسَةً سَهْوًا
وَأَمَّا إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ إلَّا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ وَهَذَا ظَاهِرٌ (الرَّابِعُ) الْقَشْبُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ الْعُذْرَةُ الْيَابِسَةُ هَكَذَا
قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ وَفَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِأَرْوَاثِ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالِهَا وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْخَامِسُ) إذَا عَلِمَ هَذَا فَيُحْمَلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى عُمُومِهِ لَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْهُ أَرْوَاثُ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالُهَا وَقَدْ اسْتَثْنَاهَا فِي الشَّامِلِ وَقَوْلُهُ وَيَتَكَلَّمُ وَلَوْ سَهْوًا هَذَا هُوَ الشَّرْطُ الْخَامِسُ وَهُوَ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ فَإِنْ تَكَلَّمَ عَامِدًا أَوْ جَاهِلًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِاتِّفَاقٍ قَالَهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فَإِنْ تَكَلَّمَ سَاهِيًا فَحَكَى فِي الْمُقَدِّمَاتِ فِيهِ قَوْلَيْنِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يَبْنِي لِأَنَّ السُّنَّةَ إنَّمَا جَاءَتْ فِي بِنَاءِ الرَّاعِفِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ وَلَمْ يَخُصَّ نَاسِيًا مِنْ مُتَعَمِّدٍ وَحَكَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ يَبْنِي وَيَسْجُدُ لِسَهْوِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَلَامُهُ وَالْإِمَامُ لَمْ يَفْرُغْ مِنْ صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ يَحْمِلُهُ عَنْهُ قُلْتُ وَهَذَا الْحُكْمُ جَارٍ عَلَى حُكْمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ فِي غَيْرِ الرَّاعِفِ وَالْأَوَّلُ قَصَرَ الرُّخْصَةَ عَلَى مَحِلِّ وُرُودِهَا وَأَيْضًا إذَا حَصَلَ الْكَلَامُ كَثُرَتْ الْأَفْعَالُ الْمُنَافِيَةُ لِلصَّلَاةِ وَوَجَّهَ صَاحِبُ الطِّرَازِ هَذَا الْقَوْلَ بِأَنَّ لَمَّا كَانَتْ مُنَافِيَةً لِحَالِ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ مِنْ صِفَاتِ الْمُصَلِّينَ إلَّا تَرْكُ الْكَلَامِ فَقَطْ فَإِذَا انْخَرَمَ هَذَا الْوَصْفُ انْسَلَبَتْ عَنْهُ سَائِرُ صِفَاتِ الْمُصَلِّينَ وَخَرَجَ مِنْ حُكْمِ الصَّلَاةِ انْتَهَى وَحَكَى ابْنُ يُونُسَ ثَالِثًا عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ إنْ تَكَلَّمَ فِي ذَهَابِهِ أُبْطِلَ وَإِنْ تَكَلَّمَ فِي رُجُوعِهِ لِلصَّلَاةِ لَمْ تُبْطَلْ قَالَ ابْنُ يُونُسَ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا لِأَنَّهُ إذَا تَكَلَّمَ رَاجِعًا فَهُوَ فِي عَمَلِ الصَّلَاةِ فَأَشْبَهَ كَلَامَهُ سَهْوًا فِي إضْعَافِ الصَّلَاةِ وَإِذَا تَكَلَّمَ فِي انْصِرَافِهِ فَإِنَّمَا هُوَ مُشْتَغِلٌ بِغَسْلِ الدَّمِ وَهَذَا لَيْسَ بِقَوِيٍّ لِأَنَّ حُكْمَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ قَائِمٌ سَوَاءٌ تَكَلَّمَ فِي سَيْرِهِ أَوْ فِي رُجُوعِهِ انْتَهَى.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَحَكَى ابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ شَاسٍ رَابِعًا عَكْسَ الثَّالِثِ أَنَّهُ إنْ تَكَلَّمَ فِي مَسِيرِهِ لَمْ تَبْطُلْ وَإِنْ تَكَلَّمَ فِي عَوْدَتِهِ بَطَلَتْ وَلَمْ يَعْزُوَاهُ انْتَهَى.
قُلْتُ عَزَوْهُ لِابْنِ بَشِيرٍ سَهْوًا وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ ابْنُ شَاسٍ وَلَهُ عَزَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَاعْتَرَضَهُ فَقَالَ: وَنَقَلَ ابْنُ شَاسٍ الثَّالِثَ مَعْكُوسًا خِلَافَ مَا تَقَدَّمَ وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: قَوْلُ خَلِيلٍ حَكَاهُ ابْنُ بَشِيرٍ وَهُمْ لَا شَكَّ فِيهِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ شَاسٍ عَلَى أَنَّهُ رَابِعٌ بَلْ
قَالَ: فَإِنْ تَكَلَّمَ سَاهِيًا فَفِي الْبُطْلَانِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ وَلِذَلِكَ قَوَّى الظَّنَّ بِأَنَّهُ وَهْمٌ فِي النَّقْلِ
وَكَذَلِكَ جَزَمَ صَاحِبُ الْجَمْعِ بِأَنَّهُ وَهْمٌ فِي ذَلِكَ وَأَنَّهُ أَرَادَ نَقْلَ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي حَكَاهَا ابْنُ بَشِيرٍ فَوَهَمَ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) نَسَبَ صَاحِبُ الطِّرَازِ الْقَوْلَ بِالْبُطْلَانِ بِالْكَلَامِ سَهْوًا مُطْلَقًا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ وَنَسَبَ الْقَوْلَ بِالتَّفْصِيلِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي الذَّهَابِ أَوْ فِي الرُّجُوعِ لِابْنِ حَبِيبٍ عَكْسُ مَا تَقَدَّمَ فَلَعَلَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ قَوْلَيْنِ أَوْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُ سَهْوًا وَاقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْقَوْلِ بِالْبُطْلَانِ وَلَوْ كَانَ الْكَلَامُ سَهْوًا لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ
قَالَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الِاسْتِخْلَافِ: وَإِنْ قَالَ: يَا فُلَانُ تَقَدَّمْ فَإِنْ كَانَ رَاعِفًا فَقَدْ أَفْسَدَ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا يَبْنِي انْتَهَى. فَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ قَالَ ذَلِكَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا لَكِنْ قُوَّةَ الْكَلَامِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ عَمْدًا وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ فِي بَابِ الرُّعَافِ
قَالَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ: وَإِنْ رَعَفَ الْإِمَامُ فَلَمَّا خَرَجَ تَكَلَّمَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: تَكَلَّمَ سَهْوًا أَوْ عَمْدًا ابْنُ يُونُسَ يُرِيدُ لِلْحَدِيثِ أَنَّهُ يَبْنِي مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ فَهُوَ عَلَى عُمُومِهِ وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ: لَا يَظْهَرُ لِقَوْلِهِ وَلَوْ سَهْوًا مَعْنًى لِأَنَّ هَذِهِ شُرُوطٌ عَدَمِيَّةٌ مَجْمُوعُهَا مَلْزُومُ الصِّحَّةِ وَضِدُّ أَحَدِهَا مَلْزُومٌ لِضِدِّ الصِّحَّةِ وَالْمُبَالَغَةُ إنَّمَا تَكُونُ فِي هَذَا فَتَأَمَّلْهُ قُلْتُ بَلْ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ لِذَلِكَ
فَائِدَةٍ وَهِيَ أَنَّهُ لَمَّا شَرَطَ فِي الْبِنَاءِ عَدَمَ الْكَلَامِ بَالَغَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: وَلَوْ كَانَ الْكَلَامُ سَهْوًا فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ عَدَمُهُ فَتَأَمَّلْهُ.
(الثَّانِي) لَوْ تَكَلَّمَ عَمْدًا لِإِصْلَاحِ الصَّلَاةِ فَهَلْ يُبْطِلُ ذَلِكَ صَلَاتَهُ وَيُمْنَعُ الْبِنَاءُ أَمْ لَا؟ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ فَتَأَمَّلْهُ.
(الثَّالِثُ) اُخْتُلِفَ فِي الْمَأْمُومِ إذَا انْصَرَفَ لِغَسْلِ الدَّمِ هَلْ يَخْرُجُ مِنْ حُكْمِ الْإِمَامِ أَمْ لَا؟ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ حَكَاهَا صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ وَغَيْرُهُ:(أَحَدُهَا) أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ حُكْمِهِ حَتَّى يَرْجِعَ إلَيْهِ جُمْلَةً مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، (الثَّانِي) أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ حُكْمِهِ جُمْلَةً مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، (الثَّالِثُ) إنْ رَعَفَ قَبْلَ أَنْ يَعْقِدَ مَعَهُ رَكْعَةً خَرَجَ مِنْ حُكْمِهِ حَتَّى يَرْجِعَ إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَعْقِدْ مَعَهُ رَكْعَةً لَمْ يَخْرُجْ مِنْ حُكْمِهِ، (الرَّابِعُ) النَّظَرُ إلَى مَا آلَ إلَيْهِ أَمْرُهُ فَإِنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ بَعْدَ رُجُوعِهِ كَانَ فِي حُكْمِهِ حَالَ خُرُوجِهِ عَنْهُ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ مَعَهُ رَكْعَةً حِينَ خُرُوجِهِ لَمْ يَكُنْ فِي حُكْمِهِ فِي حَالِ خُرُوجِهِ
قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فَمَنْ رَأَى أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ حُكْمِهِ حَتَّى يَرْجِعَ يَقُولُ: إنْ أَفْسَدَ الْإِمَامُ صَلَاتَهُ مُتَعَمِّدًا قَبْلَ أَنْ يَرْجِعْ لَمْ تَفْسُدْ عَلَيْهِ وَإِنْ تَكَلَّمَ سَهْوًا سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ وَلَمْ يَحْمِلْ عَنْهُ ذَلِكَ الْإِمَامُ خِلَافَ أَصْلِ ابْنِ حَبِيبٍ الَّذِي يَرَى أَنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ عَلَيْهِ الْبِنَاءَ وَإِنْ ظَنَّ الْإِمَامُ قَدْ أَتَمَّ صَلَاتَهُ فَأَتَمَّ صَلَاتَهُ فِي مَوْضِعِهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ لَوْ مَضَى لَأَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الصَّلَاةِ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ وَإِنْ سَهَا الْإِمَامُ لَمْ يَلْزَمْهُ سَهْوُهُ وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ حُكْمِهِ يَقُولُ: إنْ أَفْسَدَ الْإِمَامُ صَلَاتَهُ مُتَعَمِّدًا فَسَدَتْ عَلَيْهِ هُوَ صَلَاتُهُ وَإِنْ أَتَمَّ صَلَاتَهُ فِي مَوْضِعِهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَوْ مَضَى لَأَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الصَّلَاةِ لَمْ تُجْزِهِ صَلَاتُهُ وَإِنْ سَهَا الْإِمَامُ لَزِمَهُ سَهْوُهُ وَإِنْ تَكَلَّمَ سَاهِيًا حَمَلَهُ عَنْهُ الْإِمَامُ خِلَافَ أَصْلِ ابْنِ حَبِيبٍ الْمَذْكُورِ وَإِنْ قَرَأَ الْإِمَامُ بِسَجْدَةٍ فَسَجَدَهَا فَرَجَعَ هُوَ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْرَأهَا وَيَسْجُدَهَا قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَلَى قِيَاسِ هَذَا الْقَوْلِ انْتَهَى.
وَالثَّلَاثَةُ الْأَقْوَالِ الْأَوَّلُ تُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ كَمَا حَصَّلَهَا ابْنُ نَاجِي مِنْ كَلَامِهِ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ قُلْتُ وَالْجَارِي عَلَى الْمَشْهُورِ هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ سَيَأْتِي أَنَّهُ إذَا فَرَغَ الْإِمَامُ أَتَمَّ مَكَانَهُ وَصَحَّتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ تُبُيِّنَ خَطَؤُهُ وَصَوَّبَ ابْنُ يُونُسَ بُطْلَانَ صَلَاتِهِ إذَا بَطَلَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ فَتَأَمَّلْهُ.
(فَيَخْرُجُ مُمْسِكَ أَنْفِهِ لِيَغْسِلَ: إنْ لَمْ يُجَاوِزْ أَقْرَبَ مَكَان مُمْكِنٍ فِيهَا، وَيَسْتَدْبِرْ قِبْلَةً بِلَا عُذْرٍ)
ابْنُ عَرَفَةَ: يَخْرُجُ مُمْسِكًا أَنْفَهُ سَاكِتًا لِأَقْرَبِ مَا يُمْكِنُ اللَّخْمِيِّ: وَلَوْ مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ. ابْنُ الْعَرَبِيِّ: لَا يَسْتَدْبِرُهَا إلَّا لِضَرُورَةٍ. ابْنُ رُشْدٍ: إنْ وَجَدَ الْمَاءَ فِي مَوْضِعٍ فَتَجَاوَزَهُ إلَى غَيْرِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِاتِّفَاقٍ بَهْرَامَ: قَالَ ابْنُ هَارُونَ: يُمْسِكُ أَنْفَهُ مِنْ أَعْلَاهُ لِئَلَّا يَبْقَى الدَّمُ دَاخِلَ أَنْفِهِ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الظَّاهِرِ، وَرُدَّ هَذَا بِأَنَّهُ مَحَلُّ ضَرُورَةٍ.
(ص) فَيَخْرُجُ مُمْسِكَ أَنْفِهِ لِيَغْسِلَ إنْ لَمْ يُجَاوِزْ أَقْرَبَ مَكَان مُمْكِنٍ قَرُبَ وَيَسْتَدْبِرُ قِبْلَةً بِلَا عُذْرٍ وَيَطَأُ نَجِسًا وَيَتَكَلَّمُ وَلَوْ سَهْوًا (ش) يَعْنِي أَنَّهُ إذَا فَعَلَ مَا هُوَ الْمَنْدُوبُ وَهُوَ الْبِنَاءُ فَيَخْرُجُ مُمْسِكَ أَنْفِهِ مِنْ أَسْفَلِهِ أَوْ مِنْ أَعْلَاهُ وَهُوَ الْأَوْلَى لِئَلَّا يَحْبِسَ الدَّمَ لِيَغْسِلَ الدَّمَ وَيَبْنِيَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ لَهُ مِنْ صَلَاتِهِ بِشُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ الْأَوَّلُ أَنْ لَا يَجِدَ الْمَاءَ فِي مَوْضِعٍ فَيَتَجَاوَزَهُ؛ لِأَنَّهُ مَتَى جَاوَزَهُ مَعَ الْإِمْكَانِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَأَتَى بِأَقْرَبَ مَعَ قُرْبٍ لِصِدْقِهِ عَلَى قَرِيبٍ غَيْرُهُ أَقْرَبُ مِنْهُ وَعَلَى بَعِيدٍ وَغَيْرُهُ أَقْرَبُ مِنْهُ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ مُمْكِنٍ مِنْ غَيْرِ الْمُمْكِنِ فَإِنَّ مُجَاوَزَتَهُ لَا تَضُرُّ فِي الْبِنَاءِ الشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ لَا يَسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَإِنْ اسْتَدْبَرَهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ بَطَلَتْ وَإِذَا اسْتَدْبَرَهَا لِطَلَبِ الْمَاءِ لَمْ تَبْطُلْ الشَّرْطُ الثَّالِثُ أَنْ لَا يَطَأَ نَجَاسَةً فَإِنْ وَطِئَ نَجِسًا رَطْبًا أَوْ يَبَسًا بَطَلَتْ أَيْ حَيْثُ عَلِمَ بِهَا فِيهَا لَا بَعْدَهَا لَكِنْ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ لَكِنْ يُسْتَثْنَى أَرْوَاثُ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالُهَا وَلَوْ رَطْبَةً إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْدُوحَةٌ، وَإِنَّمَا سَكَتَ عَنْهُ لِتَقَدُّمِهِ فِي الْمَعْفُوَّاتِ الرَّابِعُ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ جَاهِلًا أَوْ عَامِدًا فَإِنْ تَكَلَّمَ بَطَلَتْ اتِّفَاقًا قَالَهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَاخْتَلَفُوا إذَا تَكَلَّمَ نَاسِيًا فَهَلْ تَبْطُلُ أَيْضًا أَمْ لَا
وَالْمَشْهُورُ الْبُطْلَانُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ فِي ذَهَابِهِ أَوْ عَوْدِهِ.
(قَوْلُهُ مُمْسِكَ أَنْفِهِ) لَيْسَ مَسْكُهُ شَرْطًا فِي الْبِنَاءِ إنَّمَا هُوَ إرْشَادٌ لِمَا يُعِينُهُ عَلَى تَقْلِيلِ النَّجَاسَةِ؛ لِأَنَّ كَثْرَتَهَا تَمْنَعُ مِنْ الْبِنَاءِ وَمَنْ عَدَّهُ شَرْطًا لَا يُرِيدُهُ بِخُصُوصِهِ بَلْ الشَّرْطُ عِنْدَهُ التَّحَفُّظُ مِنْ النَّجَاسَةِ وَلَوْ لَمْ يُمْسِكْهُ.
(قَوْلُهُ لِئَلَّا يُحْبَسَ الدَّمُ) أَيْ فَلَا يَخْرُجُ أَصْلًا أَيْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَسَكَهُ مِنْ أَسْفَلَ لَانْحَبَسَ الدَّمُ.
(قَوْلُهُ لِصِدْقِهِ إلَخْ) حَاصِلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى التَّحْقِيقِ بَعْدَ مُرَاجَعَةِ النُّصُوصِ الْمُفِيدَةِ لِلْوُقُوفِ عَلَى الْحَقِّ أَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ عَبَّرَ بِأَقْرَبَ فَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ لِشُمُولِهِ لِصُورَتَيْنِ إحْدَاهُمَا مُرَادَةٌ وَالثَّانِيَةُ غَيْرُ مُرَادَةٍ وَذَلِكَ أَنَّ أَقْرَبَ بِحَسَبِ الْعَرَقِ يَصْدُقُ بِمَكَانَيْنِ بِعِيدَيْنِ وَأَحَدُهُمَا أَقْرَبُ مِنْ الْآخَرِ وَيَصْدُقُ بِمَكَانَيْنِ قَرِيبِينَ وَأَحَدُهُمَا أَقْرَبُ مِنْ الْآخَرِ وَفِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ لَا يَصِحُّ الْبِنَاءُ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ الْقُرْبِ فِي نَفْسِهِ فَاحْتَاجَ الْمُصَنِّفُ لِقُرْبٍ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ مَعَ الْأَقْرَبِيَّةِ الْقُرْبُ فَإِذَا وُجِدَ الْبُعْدُ وَلَوْ كَانَ مَعَهُ أَقْرَبِيَّةٌ فَإِنَّهُ يَضُرُّ وَقُلْنَا بِحَسَبِ الْعُرْفِ
وَأَمَّا بِحَسَبِ اللُّغَةِ فَيَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ فِي الْقُرْبِ فِي نَفْسِهِ فَقَوْلُ الشَّارِحِ لِصِدْقِهِ أَيْ صِدْقِ أَقْرَبَ وَالْأَوْضَحُ أَنْ يَقُولَ الشَّارِحُ وَأَتَى بِقُرْبٍ مَعَ أَقْرَبَ؛ لِأَنَّ أَقْرَبَ يَصْدُقُ بِصُورَتَيْنِ إحْدَاهُمَا مُرَادَةٌ وَالثَّانِيَةُ غَيْرُ مُرَادَةٍ فَلِذَا أَتَى بِقُرْبٍ لِيَكُونَ نَصًّا فِي الْمُرَادَةِ.
(قَوْلُهُ لَكِنْ يُسْتَثْنَى إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا عَلِمَ بِهَا فِيهَا فَإِذَا كَانَتْ غَيْرَ أَرْوَاثِ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالِهَا فَتَبْطُلُ مُطْلَقًا كَانَ لَهُ مَنْدُوحَةٌ أَوْ لَا،
وَأَمَّا إنْ كَانَتْ أَرْوَاثُ الدَّوَابِّ أَوْ أَبْوَالُهَا فَتَبْطُلُ إنْ كَانَ لَهُ مَنْدُوحَةٌ وَإِلَّا فَلَا
وَأَمَّا إذَا عَلِمَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَيُعِيدُ فِي الْوَقْتِ
وَظَاهِرُهُ مُطْلَقًا فَقَوْلُهُ لَكِنْ يُسْتَثْنَى إلَخْ رَاجِعٌ لِمَا إذَا عَلِمَ بِهَا فِيهَا قَالَ عج مَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ وَطِئَ نَجَاسَةً فَلَا يَخْلُو حَالُهُ تَارَةً يَكُونُ عَالِمًا مُخْتَارًا وَتَارَةً يَكُونُ عَالِمًا غَيْرَ مُخْتَارٍ وَتَارَةً يَكُونُ نَاسِيًا،
فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَتَبْطُلُ مُطْلَقًا أَرْوَاثُ دَوَابَّ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ النَّجَاسَاتِ وَلَوْ كَانَتْ أَرْوَاثُ الدَّوَابِّ يَابِسَةً وَإِنْ كَانَ الثَّانِي لِعُمُومِهِ وَانْتِشَارِهِ فِي الطَّرِيقِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ حَيْثُ كَانَتْ أَرْوَاثَ دَوَابَّ وَأَبْوَالَهَا وَلَوْ رَطْبًا وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ بِحَالٍ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ أَرْوَاثِ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالِهَا فَلَا تَبْطُلُ أَيْضًا وَيَنْبَغِي أَنْ يُعِيدَ فِي الْوَقْتِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ صَلَّى بِالنَّجَاسَةِ عَاجِزًا وَإِنَّمَا فَارَقَ رَوْثُ الدَّوَابِّ وَبَوْلُهَا النَّجِسَ مِنْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُمَا لَمَّا كَانَا مِمَّا يُعْفَى عَنْهُمَا فِي مِثْلِ هَذَا كَانَا فِي حُكْمِ الطَّاهِرِ فَإِنْ وَطِئَ نَاسِيًا فَإِنْ كَانَ مِنْ أَرْوَاثِ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالِهَا فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا،
وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِمَا فَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَ الصَّلَاةِ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ وَإِنْ تَذَكَّرَ فِيهَا وَقَدْ تَعَلَّقَ بِهِ شَيْءٌ مِنْهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ شَيْءٌ جَرَى عَلَى الْخِلَافِ بَيْنَ ابْنِ عَرَفَةَ وَغَيْرِهِ فِيمَنْ رَأَى بَعْدَ رَفْعِهِ مِنْ السُّجُودِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ بِمَحَلِّ سُجُودِهِ نَجَاسَةٌ فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَقَالَ غَيْرُهُ لَا تَبْطُلُ.
(فَيَخْرُجُ) الرَّاعِفُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ هَيْئَتِهِ الْأَوْلَى أَوْ مِنْ مَكَانِهِ إنْ احْتَاجَ لَهُ وَلَوْ مُتَيَمِّمًا لِأَنَّ مَا يَفْعَلُهُ مُلْحَقٌ بِأَفْعَالِ الصَّلَاةِ فَلَا يَبْطُلُ مُوَالَاتُهُ وَلِذَا لَا يُكَبِّرُ إحْرَامًا لِإِتْمَامِهِ بَعْدَ غَسْلِ الدَّمِ وَسَبَقَ أَنَّ تَيَسُّرَ الْمَائِيَّةِ فِي الصَّلَاةِ لَا يُبْطِلُهَا إنْ لَمْ يُنْسِهِ حَالَ كَوْنِهِ (مُمْسِكَ) بِضَمِّ الْمِيمِ الْأُولَى وَسُكُونِ الثَّانِيَةِ وَكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ (أَنْفَهُ) إرْشَادٌ لِأَحْسَنِ الْكَيْفِيَّاتِ الْمُعِينَةِ عَلَى تَقْلِيلِ النَّجَاسَةِ إذْ كَثْرَتُهَا مَانِعَةٌ مِنْ الْبِنَاءِ وَلَيْسَ شَرْطًا فِيهِ إذْ هُوَ التَّحَفُّظُ مِنْهَا وَلَوْ بِغَيْرِ إمْسَاكِهِ قَالَهُ الْحَطّ تَبَعًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَعَلَى هَذَا فَإِمْسَاكُهُ مَنْدُوبٌ.
لِيَغْسِلَ، إنْ لَمْ يُجَاوِزْ أَقْرَبَ مَكَان مُمْكِنٍ قَرُبَ، وَيَسْتَدْبِرْ قِبْلَةً بِلَا عُذْرٍ، [منح الجليل] وَجَعَلَهُ ابْنُ هَارُونَ شَرْطًا فِيهِ لِأَنَّ دَاخِلَ الْأَنْفِ مِنْ الظَّاهِرِ فِي طَهَارَةِ الْخَبَثِ فَإِنْ لَمْ يُمْسِكْهُ أَوْ أَمْسَكَهُ مِنْ أَسْفَلِهِ تَلَوَّثَ دَاخِلُ أَنْفِهِ وَرَدَّهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنَّ الْمَحَلَّ مَحَلُّ ضَرُورَةٍ فَيُنَاسِبُهُ التَّخْفِيفُ وَالْعَفْوُ عَنْ بَاطِنِ الْأَنْفِ فَمَسْكُ الْأَنْفِ إنَّمَا طَلَبٌ لِلتَّحَفُّظِ مِنْ النَّجَاسَةِ لَا لِخُصُوصِهِ فَالْمَدَارُ عَلَى التَّحَفُّظِ مِنْهَا سَوَاءٌ أَمْسَكَهُ أَوْ لَمْ يُمْسِكْهُ وَيُمْسِكُهُ مِنْ أَعْلَاهُ لِيُنَجِّسَ الدَّمَ فِي عُرُوقِهِ وَمَقَرِّهِ فَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ نَجِسٌ وَإِنْ أَمْسَكَهُ مِنْ أَسْفَلِهِ نَزَلَ الدَّمُ إلَى أَنْفِهِ وَصَارَ حَامِلًا لِلنَّجَاسَةِ وَإِنْ كَانَتْ مَعْفُوًّا عَنْهَا وَصِلَةُ يَخْرُجُ (لِيَغْسِلَ) الدَّمَ وَيَبْنِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ لَهُ مِنْ صَلَاتِهِ بَعْدَ غَسْلِهِ وَلَا يَشْتَغِلُ بِشَيْءٍ غَيْرَ الْغُسْلِ وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَتَصِحُّ صَلَاتُهُ
Adds nothing on this mas’ala.
Says nothing on this mas’ala.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.