يجب صوم رمضان برؤية هلاله
الشروح عليها
كتاب الصيام] [الصيام] لغة: مجرد الإمساك، يقال للساكت: صائم لإمساكه عن الكلام، ومنه:{إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} وفي الشرع: إمساك بنية عن أشياء مخصوصة في زمن معين من شخص مخصوص. وفرض صوم رمضان في السنة الثانية من الهجرة. قال ابن حجر في " شرح الأربعين ": في شعبان اهـ. فصام رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تسع رمضانات إجماعا. (يجب صوم رمضان برؤية هلاله)
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} ولقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» ، والمستحب قول شهر رمضان كما قال الله تعالى،
ولا يكره قول رمضان،
وإلا حرم . كتاب الصيام لغة مجرد الإمساك والكف، والامتناع، والترك، من «صام يصوم صومًا» أمسك،
وفي اللسان، والمحكم: الصوم ترك الطعام، والشراب، والنكاح، والكلام. وكان معقولاً عندهم أن الصيام هو الإمساك عن هذه، لقوله {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} قال الشيخ: كانوا يعرفونه قبل الإسلام، ويستعملونه كما في الصحيحين: يوم عاشوراء كان يومًا تصومه قريش في الجاهلية.
مجرد الإمساك يقال للساكت: صائم؛ لإمساكه عن الكلام وامسك عن الشيء، وكف عنه، وتركه، فهو صائم،
وقال ابن قتيبة: كل ممسك عن طعام، أو كلام، أو سير، فهو صائم. ويقال: صام النهار إذا وقف سير الشمس، وصام الفرس، أمسك عن العلف وهو قائم، أو عن الصهيل في موضعه، قال الشاعر:
عن الكلام . ومنه (إني نذرت للرحمن صومًا) أي سكوتًا وإمساكًا عن الكلام،
وأشار بـ «مِنْهُ» فصلاً له عما قبله، للخلاف في ذلك، وقد قرئ به (صيامًا) ، وكانوا لا يتكلمون في صيامهم.
(إني نذرت للرحمن صومًا) وفي الشرع: إمساك بنية فلا يجزئ بدون النية إجماعًا،
وكذا سائر العبادات، والأولى «وشرعًا» للمناسبة.
ابن حجر في شرح الأربعين: في شعبان. انتهى أي انتهى كلام ابن حجر، وصوبه في الإمداد، وفيه: أركانه ثلاثة: صائم، ونية، وإمساك عن المفطرات. اهـ. يعني حقيقة وحكما، وحكمه الأخروي نيل الثواب، والدنيوي سقوط الواجب إن كان لازمًا.
الله صلى الله عليه وسلم تسع رمضانات إجماعًا حكاه غير واحد من أهل العلم بالأخبار والسير، لفرضه في السنة الثانية في شعبان، وأكثر صيامه تسعًا وعشرين، والشهر ينقص أحيانًا، ويكمل، وثوابهما واحد، في الفضل المرتب على رمضان، لا المترتب على كل يوم، فيفوق الكامل.
. ولقوله عليه السلام «صوموا لرؤْيته، وأَفطروا لرؤْيته» أي صوموا لرؤية هلال شهر رمضان، فيجب صومه برؤيته، بإجماع المسلمين «وأفطروا لرؤيته» أي هلال شوال إجماعًا، هو حديث متواتر، قاله الطحاوي وغيره، ولانعقاد الإجماع على وجوبه بالرؤية، وللعلم بدخوله ثلاث طرق، الرؤية، والشهادة عليها أو الإخبار، وإكمال شعبان ثلاثين.
والمستحب قول: شهر رمضان؛ كما قال الله تعالى أي في كتابه العزيز {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ} .
كتاب الصيام» سبق لنا أن الفقهاء رحمهم الله يسمون بالكتاب، والباب، والفصل.
فالكتاب للجنس، والباب للنوع، والفصل لمفردات المسائل.
فمثلاً كتاب الطهارة جنس، أنواعه: باب المياه، باب الآنية، باب الوضوء، باب الغسل، باب التيمم، باب الحيض وغيرها.
فكتاب الصيام هذا جنس؛ لأن ما سبقه في الصلاة والزكاة وهذا هو الصيام.
ورتب العلماء رحمهم الله الفقه في باب العبادات على حسب حديث جبريل عليه السلام ـ، وحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في بعض ألفاظه فقدموا الصلاة، ثم الزكاة، ثم الصيام، ثم الحج.
وقدمت الطهارة قبل الصلاة لأنها شرط، وهي مفتاح الصلاة فقدموها على الصلاة، وإلا لأدرجوها ضمن شروط الصلاة، أي: في أثناء كتاب الصلاة، لكن لما رأوا أنها مفتاحها،
وأن الكلام عليها كثير قدموها على كتاب الصلاة. الصيام في اللغة مصدر صام يصوم، ومعناه أمسك، ومنه قوله تعالى: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً
فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَن صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا *﴾ [مريم] فقوله: ﴿صَوْمًا﴾ أي: إمساكاً عن الكلام،
بدليل قوله: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ أي: إذا رأيت أحداً فقولي: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَن صَوْمًا﴾ يعني إمساكاً عن الكلام ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾.
ومنه قولهم صامت عليه الأرض، إذا أمسكته وأخفته
وأما في الشرع فهو التعبد لله سبحانه وتعالى بالإمساك عن الأكل والشرب، وسائر المفطرات، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
ويجب التفطن لإلحاق كلمة التعبد في التعريف؛ لأن كثيراً من الفقهاء لا يذكرونها بل يقولون: الإمساك عن المفطرات من كذا إلى كذا،
وفي الصلاة يقولون هي: أقوال وأفعال معلومة، ولكن ينبغي أن نزيد كلمة التعبد، حتى لا تكون مجرد حركات، أو مجرد إمساك، بل تكون عبادة وحكمه: الوجوب بالنص والإجماع.
ومرتبته في الدين الإسلامي: أنه أحد أركانه، فهو ذو أهمية عظيمة في مرتبته في الدين الإسلامي.
وقد فرض الله الصيام في السنة الثانية إجماعاً، فصام النبي ﷺ تسع رمضانات إجماعاً، وفرض أولاً على التخيير بين الصيام والإطعام؛ والحكمة من فرضه على التخيير التدرج في التشريع؛ ليكون أسهل في القبول؛ كما في تحريم الخمر، ثم تعين الصيام وصارت الفدية على من لا يستطيع الصوم إطلاقاً.
ثم اعلم أن حكمة الله عز وجل، أن الله نوع العبادات في التكليف؛ ليختبر المكلف كيف يكون امتثاله لهذه الأنواع، فهل يمتثل ويقبل ما يوافق طبعه، أو يمتثل ما به رضا الله عز وجل؟
فإذا تأملنا العبادات: الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وجدنا أن بعضها بدني محض، وبعضها مالي محض، وبعضها مركب، حتى يتبين الشحيح من الجواد، فربما يهون على بعض الناس أن يصلي ألف ركعة، ولا يبذل درهماً، وربما يهون على بعض الناس أن يبذل ألف درهم ولا يصلي ركعة واحدة، فجاءت الشريعة بالتقسيم والتنويع حتى يعرف من يمتثل تعبداً لله،
ومن يمتثل تبعاً لهواه.
فالصلاة مثلاً عبادة بدنية محضة، وما يجب لها مما يحتاج إلى المال، كماء الوضوء الذي يشتريه الإنسان، والثياب لستر العورة تابع، وليس داخلاً في صلب العبادة.
والزكاة مالية محضة، وما تحتاج إليه من عمل بدني كإحصاء المال وحسابه، ونقل الزكاة إلى الفقير والمستحق فهو تابع، وليس داخلاً في صلب العبادة.
والحج مركب من مال وبدن إلا في أهل مكة فقد لا يحتاجون إلى المال، لكن هذا شيء نادر، أو قليل بالنسبة لغير أهل مكة.
والجهاد في سبيل الله مركب من مال وبدن، ربما يستقل بالمال وربما يستقل بالبدن. فالجهاد من حيث التركيب أعم العبادات؛ لأنه قد يكون بالمال فقط، وقد يكون بالبدن فقط، وقد يكون بهما.
والتكليف أيضاً ينقسم من وجه آخر، إلى: كف عن المحبوبات، وإلى بذل للمحبوبات، وهذا نوع من التكليف أيضاً.
كف عن المحبوبات مثل الصوم، وبذل للمحبوبات كالزكاة؛ لأن المال محبوب إلى النفس، فلا يبذل المال المحبوب إلى النفس إلا لشيء أحب منه.
وكذلك الكف عن المحبوبات، فربما يهون على المرء أن ينفق ألف درهم، ولا يصوم يوماً واحداً أو بالعكس،
ومن ثم استحسن بعض العلماء استحساناً مبنياً على اجتهاد، لكنه سيء حيث أفتى بعض الأمراء أن يصوم شهرين متتابعين بدلاً عن عتق الرقبة في الجماع في نهار رمضان.
وقال: إن ردع هذا الأمير بصيام شهرين متتابعين، أبلغ من ردعه بإعتاق رقبة؛ لأنه ربما يعتق ألف رقبة ولا يهون عليه أن يصوم يوماً واحداً.
لكن هذا اجتهاد فاسد لأنه مقابل للنص، ولأن المقصود بالكفارات التهذيب والتأديب وليس تعذيب الإنسان، بل تطهيره بالإعتاق، فقد أخبر النبي ﷺ :«أن من أعتق عبداً فإن الله يعتق بكل عضو منه عضواً من النار» فهو فكاك من النار، فيكون أفضل وأعظم، فالحاصل أنك إذا تأملت الشريعة الإسلامية والتكاليف الإلهية وجدتها في غاية الحكمة والمطابقة للمصالح.
يَجِبُ صَوْمُ رَمَضَانَ بِرُؤْيَةِ هِلَالِهِ،
فَإِنْ لَمْ يُرَ مَعَ صَحْوِ لَيْلَةِ الثَّلَاثِينَ أَصْبَحُوا مُفْطِرِينَ،
وَإِنْ حَالَ دُونَهُ غَيْمٌ، أوْ قَتَرٌ فَظَاهِرُ المَذْهَبِ يَجِبُ صَوْمَهُ ......... «يجب صوم رمضان برؤية هلاله» هذه الجملة لا يريد بها بيان وجوب الصوم؛ لأنه مما علم بالضرورة، ولكن يريد أن يبين متى يجب،
فذكر أنه يجب بأحد أمرين:
الأول: رؤية هلاله: أي هلال رمضان ١ ـ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ .
٢ ـ وقوله ﷺ :«إذا رأيتموه فصوموا».
وعلم منه أنه لا يجب الصوم بمقتضى الحساب،
فلو قرر علماء الحساب المتابعون لمنازل القمر أن الليلة من رمضان، ولكن لم ير الهلال، فإنه لا يصام؛ لأن الشرع علق هذا الحكم بأمر محسوس وهو الرؤية.
وقال بعض المتأخرين: إنه يجب العمل بالحساب إذا لم تمكن الرؤية، وبه فسر حديث ابن عمر رضي الله عنهما وفيه قول النبي ﷺ :«فإن غُمّ عليكم فاقدروا له»،
وقال: إنه مأخوذ من التقدير، وهو الحساب ولكن الصحيح أن معنى (اقدروا له) مفسر بكلام النبي ﷺ وأن المراد به إكمال شعبان ثلاثين يوماً.
وقوله:«برؤية هلاله» يعم ما إذا رأيناه بالعين المجردة أو بالوسائل المقربة؛ لأن الكل رؤية. الثاني: إتمام شعبان ثلاثين يوماً؛ لأن الشهر الهلالي لا يمكن أن يزيد عن ثلاثين يوماً، ولا يمكن أن ينقص عن تسعة وعشرين يوماً، وعلى المذهب يزيد أمر ثالث، وهو أن يحول دون منظره غيم أو قتر، وسيأتي البحث فيه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.