وإذا رآه أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم.
الشروح عليها
(وإذا رآه أهل بلد) أي متى ثبتت رؤيته ببلد (لزم الناس كلهم الصوم) لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صوموا لرؤيته» وهو خطاب للأمة كافة،
فإن رآه جماعة ببلد ثم سافروا لبلد بعيد فلم ير الهلال به في آخر الشهر أفطروا.
متى ثبتت رؤْيته ببلد (لزم الناس كلهم الصوم) لا خلاف في لزوم الصوم على من رآه، أو كان قريبًا منه،
وقال الوزير: اتفقوا على أنه إذا رؤي بالليل، رؤية فاشية، فإنه يجب الصوم على أهل الدنيا.
وظاهره: ولو اختلفت المطالع، وهو الصحيح من المذهب، والصواب أنه إنما يلزم من قرب مطلعهم، ولأصحاب أبي حنيفة قول، فيما يختلف فيه المطالع، حكاه الوزير،
وقال الشافعي: إذا كانت البَلَدانِ متقاربتين.
وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أن الرؤية لا تراعى مع البعد، كالأندلس من خراسان، وخولف، وصحح النووي وغيره اعتبار اختلاف المطالع،
فإن اختلاف المنازل لا نزاع فيه، بحيث أنه يطلع في إحدى البلدتين دون الأخرى، بل كلما تحركت الشمس درجة فتلك طلوع فجر لقوم، وشمس لآخرين، وغروب لبعض، ونصف ليل لغيرهم، وقدر بمسيرة شهر فأكثر.
«صوموا لرؤْيته وافطروا لرؤيته» وهو خطاب للأُمة كافة
وكذا قوله «لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه» خطاب عام، ولأنه إذا رآه أهل بلد، فقد رآه المسلمون،
ولا يشترط رؤية كل إنسان إجماعًا، ولأن الشهر في الحقيقة ما بين الهلالين، وقد ثبت أن هذا اليوم منه في جميع الأحكام، وهذا مع اتفاق المطالع كما تقدم،
وإذا أخبر عدلان عن أهل بلد أنهم أفطروا، وفيهم قاض، اعتمد هذا الخبر،
وكذا جرت العادة، على الاعتماد على كتاب القاضي، وتقرر فيه قبول شهادة الفرع عن الأصل.
فلم ير الهلال به في آخر الشهر أفطروا لتعلق الحكم بهم،
وأما أهل تلك البلد فباعتبار المطالع كما يأتي،
وكذلك إذا رآه جماعة ببلد، ثم سارت بهم ريح، في سفينة أو نحو ذلك، فوصلوا آخر الليل إلى بلد بعيدة لم ير الهلال به، لم يلزمهم الصوم أول الشهر، ولم يحل لهم الفطر آخره، ولمسلم عن كريب، قال: قدمت الشام، واستهل علي هلال رمضان وأنا بالشام، فرأيناه ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني ابن عباس. فأخبرته، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم، حتى نكمل ثلاثين أو نراه.
فقال: ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الترمذي: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم.
«وإذا رآه أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم» المراد بأهل البلد هنا من يثبت الهلال برؤيته، فهو عام أريد به خاص، فليس المراد به جميع أهل البلد، من كبير وصغير وذكر، وأنثى،
فإذا ثبتت رؤيته في مكان لزم الناس كلهم الصوم في مشارق الأرض ومغاربها،
ويدل على ذلك:
١ ـ قول النبي ﷺ :«صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته»؛ والخطاب موجه لعموم الأمة.
٢ ـ أن ذلك أقرب إلى اتحاد المسلمين، واجتماع كلمتهم، وعدم التفرق بينهم بحيث لا يكون هؤلاء مفطرين وهؤلاء صائمين،
فإذا اجتمعوا وكان يوم صومهم ويوم فطرهم واحداً كان ذلك أفضل وأقوى للمسلمين في اتحادهم، واجتماع كلمتهم، وهذا أمر ينظر إليه الشرع نظر اعتبار.
وعلى ذلك إذا ثبتت رؤيته وقت المغرب في أمريكا وجب الصوم على الموجودين في الصين رغم تباعد مطالع الهلال.
القول الثاني: لا يجب إلا على من رآه، أو كان في حكمهم بأن توافقت مطالع الهلال،
فإن لم تتفق فلا يجب الصوم.
قال شيخ الإسلام رحمه الله : تختلف مطالع الهلال باتفاق أهل المعرفة بالفلك،
فإن اتفقت لزم الصوم، وإلا فلا، واستدلوا بالنص والقياس.
أما النص فهو:
١ ـ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ، والذين لا يوافقون من شاهده في المطالع لا يقال إنهم شاهدوه لا حقيقة؛ ولا حكماً، والله تعالى أوجب الصوم على من شاهده.
٢ ـ قوله ﷺ :«صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته» فعلل الأمر في الصوم بالرؤية،
ومن يخالف من رآه في المطالع لا يقال إنه رآه لا حقيقة، ولا حكماً. ٣ ـ حديث ابن عباس رضي الله عنهما وفيه أن أم الفضل بنت الحارث بعثت كريباً إلى معاوية بالشام فقدم المدينة من الشام في آخر الشهر فسأله ابن عباس عن الهلال فقال: رأيناه ليلة الجمعة فقال ابن عباس: لكننا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه، فقال: أو لا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله ﷺ.
وأما القياس فلأن التوقيت اليومي يختلف فيه المسلمون بالنص والإجماع،
فإذا طلع الفجر في المشرق فلا يلزم أهل المغرب أن يمسكوا لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ ،
ولو غابت الشمس في المشرق، فليس لأهل المغرب الفطر.
فكما أنه يختلف المسلمون في الإفطار والإمساك اليومي، فيجب أن يختلفوا كذلك في الإمساك والإفطار الشهري، وهذا قياس جلي وهذا القول هو القول الراجح، وهو الذي تدل عليه الأدلة.
ولهذا قال أهل العلم: إذا رآه أهل المشرق وجب على أهل المغرب المساوين لهم في الخط أن يصوموا؛ لأن المطالع متفقة، ولأن الهلال إذا كان متأخراً عن الشمس في المشرق فهو في المغرب من باب أولى؛ لأن سير القمر بطيء كما قال الله تعالى: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا *﴾ [الشمس].
وإذا رآه أهل المغرب هل يجب الصيام على أهل المشرق؟ الجواب: لا؛ لأنه ربما في سير هذه المسافة تأخر القمر.
القول الثالث: أن الناس تبع للإمام فإذا صام صاموا،
وإذا أفطر أفطروا، ولو كانت الخلافة عامة لجميع المسلمين فرآه الناس في بلد الخليفة، ثم حكم الخليفة بالثبوت لزم من تحت ولايته في مشارق الأرض أو مغاربها، أن يصوموا أو يفطروا لئلا تختلف الأمة وهي تحت ولاية واحدة، فيحصل التنازع والتفرق، هذا من جهة المعنى.
ومن جهة النص: فلقوله ﷺ: «الصوم يوم يصوم الناس والفطر يوم يفطر الناس»، فالناس تبع للإمام، والإمام عليه أن يعمل ـ على القول الراجح ـ باختلاف المطالع.
وعمل الناس اليوم على هذا أنه إذا ثبت عند ولي الأمر لزم جميع من تحت ولايته أن يلتزموا بصوم أو فطر، وهذا من الناحية الاجتماعية قول قوي، حتى لو صححنا القول الثاني الذي نحكم فيه باختلاف المطالع فيجب على من رأى أن المسألة مبنية على المطالع، ألا يظهر خلافاً لما عليه الناس.
القول الرابع: أنه يلزم حكم الرؤية كل من أمكن وصول الخبر إليه في الليلة، وهذا في الحقيقة يشابه المذهب في الوقت الحاضر؛ لأنه يمكن أن يصل الخبر إلى جميع أقطار الدنيا في أقل من ليلة، لكن يختلف عن المذهب فيما إذا كانت وسائل الاتصالات مفقودة.
مسألة: الأقليات الإسلامية في الدول الكافرة، إن كان هناك رابطة، أو مكتب، أو مركز إسلامي؛ فإنها تعمل بقولهم،
وإذا لم يكن كذلك، فإنها تخيَّر، والأحسن أن تتبع أقرب بلد إليها.
ويُصَامُ بِرُؤْيَةِ عَدْلٍ وَلَوْ أُنْثَى.
فَإنْ صَامُوا بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ ثَلاثِينَ يَوْماً، فَلَمْ يُرَ الهِلَالَ، أَوْ صَامُوا لأَجْلِ غَيْمٍ لَمْ يُفْطِرُوا. «ويصام» مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى رمضان.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.