ويقضي ويهدى إن لم يكن اشترط
الشروح عليها
(ويقضي) الحج الفائت (ويهدي) هديا يذبحه في قضائه (إن لم يكن اشترط) في ابتداء إحرامه، لقول عمر لأبي أيوب لما فاته الحج: اصنع ما يصنع المعتمر، ثم قد حللت،
فإن أدركت الحج قابلا فحج واهد ما استيسر من الهدي، رواه الشافعي.
والقارن وغيره سواء، ومن اشترط بأن
قال في ابتداء إحرامه: وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني فلا هدي عليه ولا قضاء إلا أن يكون الحج واجبا فيؤديه،
وإن أخطأ الناس فوقفوا في الثامن أو العاشر أجزأهم،
وإن أخطأ بعضهم فاته الحج.
الحج الفائت . (ويهدي) هديًا يذبحه في قضائه أي يجب من حين الفوات، ويؤخره إلى القضاء، وهو الصحيح من المذهب وقول الموفق، والجماهير من الأصحاب، وغيرهم.
قضائه (إن لم يكن اشترط) في ابتداء إحرامه فلا قضاء ولا هدي، ما لم يكن واجبًا قبل في ذمته.
قضاء . إلا أن يكون الحج واجبا فيؤديه وفاقًا، إلا رواية عن مالك، واستحسنها الوزير، واتفقوا أنه لا يلزمه مع الحج عمرة، إلا أبا حنيفة، فقال: يلزمه،
وإن كان تطوعًا، لم يلزمه القضاء للشرط.
أخطأ الناس، فوقفوا في الثامن، أو العاشر أجزأهم إجماعًا والعاشر هو يوم عرفة في حقهم، والحادي عشر، هو العيد شرعًا، في حق كل من أحرم بالحج، أو أحرم في ذلك اليوم، ولا يجزئ تضحية في اليوم التاسع،
وإذا وقفوا في الثامن، وعلموا قبل فوت الوقت، وجب الوقوف في الوقت،
وإن لم يعلموا أجزأ لقوله صلى الله عليه وسلم «الحج يوم يحج الناس» ولمشقة القضاء عليهم مع كثرتهم مشقة عظيمة، ولأنهم لا يأمنون وقوع مثله في القضاء، والمقصود أنه لا لغلط في العدد أو الطريق، فقد قال الشيخ: الهلال اسم لما يراه الناس، يدل عليه لو أخطئوا لغلط في العدد، أو في الطريق ونحوه، فوقفوا العاشر لم يجزئهم إجماعا.
«ويقضي ويُهْدِي إن لم يكن اشترط»، أي: يقضي هذا الحج الفائت. وظاهر كلام المؤلف أنه يقضي سواء كان الحج واجباً أم تطوعاً؛ لأنه إن كان واجباً فوجوب القضاء ظاهر، وسواء كان واجباً بأصل الشرع ـ بأن يكون هذا فريضة الإسلام ـ أو واجباً بالنذر، ولكن إذا كان تطوعاً فهل يجب القضاء؟
نقول: نعم، يجب القضاء؛ وذلك لأن الإنسان إذا شرع في النسك صار واجباً، وهذا من خصائص الحج والعمرة أنَّ نفلهما يجب المضي فيه،
بخلاف غيرهما فهو لما شرع وأحرم بالحج أو بالعمرة صار ذلك واجباً كأنما نذره نذراً، وإلى هذا يشير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ *﴾ [الحج]، وعلى هذا فيجب القضاء سواء كان ذلك تطوعاً أو واجباً بأصل الشرع وهو الفريضة، أو بالنذر؛ لقول النبي ﷺ :«من نذر أن يطيع الله فليطعه»، وعليه هدي في عام القضاء.
وقوله:«إن لم يكن اشترط» أي: إن كان اشترط فلا قضاء عليه، ولا هدي عليه، إلا إذا كان الحج واجباً بأصل الشرع، أو واجباً بالنذر فإنه يلزمه القضاء ولو اشترط، وعلى هذا فيكون قوله:«إن لم يكن اشترط» فيما إذا كان الحج نفلاً، فالمذهب وجوب القضاء.
والقول الثاني: لا قضاء عليه لأن النبي ﷺ لم يلزم الناس بقضاء العمرة؛ ولأننا لو ألزمناه بالقضاء لأوجبنا عليه الحج أو العمرة أكثر من مرة وبناء على هذا التعليل ينبغي أن يقال: إن فاته بتفريط منه فعليه القضاء،
وإن فاته بغير تفريط منه كما لو أخطأ في دخول الشهر فظن أن اليوم الثامن هو التاسع، ولم يعلم بثبوته فلا قضاء عليه، وهذا القول الذي فصلنا فيه قول وسط بين من يقول يلزمه القضاء ومن يقول لا يلزمه القضاء.
فالأقوال إذاً ثلاثة:
الأول: المذهب يلزمه القضاء.
الثاني: لا يلزمه القضاء، وهو الذي قدمه الموفق في المقنع.
الثالث: التفصيل، فإن فاته بتفريط منه لزمه القضاء،
وإن كان بغير تفريط منه لم يلزمه القضاء.
وهذا هو القياس التام على الإحصار؛ لأن المحصر منع من إتمام النسك بدون اختياره.
مسألة: لم يتعرض المؤلف رحمه الله إلى مسألة ما إذا أخطأ الناس في يوم الوقوف بأن وقفوا، ثم ثبت ثبوتاً شرعياً أن وقوفهم كان في غير يوم عرفة، فهل حجهم صحيح أو باطل؟ وهذا في الوقت الحاضر قد يكون متعذراً، ولكن فيما سبق ربما يقف الناس، ثم يثبت ببينة أن وقوفهم كان في اليوم العاشر،
وأن الهلال هلَّ قبل أن يراه الناس في مكة، فهل يلزمهم القضاء؟
الجواب: لا؛ لأن الهلال اسم لما اشتهر عند الناس؛ ولأنهم فعلوا ما أمروا به،
فإن النبي ﷺ قال:«إن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين»، فهؤلاء غم عليهم في هذه الحجة فيلزمهم أن يتموا ذا القعدة ثلاثين يوماً،
ومن فعل ما أمر به على وجه أمر به فإنه لا يلزمه القضاء؛ لأننا لو ألزمناه بالقضاء لأوجبنا عليه العبادة مرتين.
وإن وقف يسير منهم فأخطأوا فإن حجهم غير صحيح، بل نقول: إذا وقف اليسير منهم فإنهم مخطئون بكل حال؛ لأن الواجب عليهم الرجوع إلى ما عليه الجماعة،
فلو تعنَّت أناس فقالوا: لا يمكن أن يكون الهلال هَلَّ البارحة، فمنازل الهلال ضعيفة، ولا نقبل أن يكون اليوم التاسع عند هؤلاء هو اليوم التاسع بل هو اليوم الثامن، وسنقف في اليوم العاشر، والعاشر عند الناس التاسع على زعمهم، فإننا نقول لهؤلاء: إن حجهم غير صحيح.
ثم انتقل المؤلف إلى الإحصار فقال:«ومن صده عدو عن البيت أهدى ثم حل»، أي: منع عن وصوله إلى البيت، سواء في عمرة أو في حج فإنه يهدي، أي يذبح الهدي ثم يحل لقول الله تبارك وتعالى : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ، أي فعليكم ما استيسر من الهدي، ولأن النبي ﷺ :«أمر أصحابه في الحديبية أن ينحروا ويحلوا، وأهدى ثم حل».
وَمَنْ صَدَّهُ عَدُوٌّ عَن البَيْتِ أهْدَى ثُمَّ حَلَّ،
فَإِنْ فَقَدَه صَامَ عَشَرَةَ أيَّامٍ ثُمَّ حَلَّ وَإِنْ صُدَّ عَنْ عَرَفَةَ تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ ..
وقوله:«ومن صده عدو»، «من» يجوز أن تكون موصولة وأن تكون شرطية، وعلى كل تقدير فهي للعموم، فتعم ما إذا كان الصد عاماً أو كان خاصاً، فالعام أن يصد كل الحجيج لا قدر الله ذلك، والخاص أن يصد واحد من الناس أو جماعة من الناس، فماذا يصنعون؟
قال المؤلف:«أهدى ثم حل».
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.