ويمنعون من إحداث كنائس وبيع وبناء ما انهدم منها "ولو ظلما"
الشروح عليها
(ويمنعون من إحداث كنائس وبيع) ومجتمع لصلاة في دارنا (و) من (بناء ما انهدم منها ولو ظلما) لما روى كثير بن مرة قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لا تبنى الكنيسة في الإسلام، ولا يجدد ما خرب منها» ،
لا زيادة له على هذه المسألة.
من إحداث كنائس وبيع) ومجتمع لصلاة في دارنا لتأذي المسلمين بذلك.
الكنيسة في الإسلام، ولا يجدد ما خرب منها» لأنها بعد الهدم كأنها لم تكن، كما يمنعون من زيادتها، ورم شعثها وقال ابن عباس: أيما مصر مصرته العرب، فليس للعجم أن يبنوا فيه بيعة رواه أحمد، واحتج به، ولأبي داود عن ابن عباس مرفوعًا: «لا يجتمع قبلتان بأرض» وفي أثر آخر «لا يجتمع بيت رحمة، وبيت عذاب» ولهذا أقرهم المسلمون في أول الفتح على ما في أيديهم من أرض العنوة، بأرض مصر، والشام، وغير ذلك، فلما كثر المسلمون، وبنيت المساجد في تلك الأرض، أخذ المسلمون تلك الكنائس، فأقطعوها، وبنوها مساجد، وغير ذلك.
وقال: اتفق المسلمون أن ما بناه المسلمون من المدائن، لم يكن لأهل الذمة أن يحدثوا فيها كنيسة،
وإذا كان لهم كنيسة بأرض العنوة، فبنى المسلمون مدينة عليها،
فإن لهم أخذ تلك الكنيسة،
ولو هدم ولي الأمر كل كنيسة بأرض العنوة كمصر، والسواد بالعراق، وبر الشام ونحو ذلك، مجتهدًا في ذلك، ومتبعًا في ذلك لمن يرى ذلك، لم يكن ظلما منه، بل تجب طاعته ومساعدته في ذلك.
«ويمنعون من إحداث كنائس، وبِيَعٍ، وبناء ما انهدم منها ولو ظلماً»، «يمنعون» الضمير يعود على أهل الذمة الذين في بلادنا،
فيمنعون من الأمور الآتية:
أولاً: إحداث كنائس، والكنائس جمع كنيسة وهي متعبدهم سواء كانوا نصارى أو يهوداً، فيمنعون من بناء الكنيسة؛ لأن هذا إحداث شعائر كفرية في بلاد الإسلام.
ثانياً: إحداث بيع يمنعون من إحداثها وهي متعبد اليهود، كما يمنعون من إحداث الكنائس.
فإن قال قائل: إذا كانوا لا يمنعوننا من إحداث المساجد في بلادهم، فهل لنا أن نمنعهم من إحداث الكنائس في بلادنا؟
الجواب: نعم، وليس هذا من باب المكافأة أو المماثلة؛ لأن الكنائس دور الكفر والشرك، والمساجد دور الإيمان والإخلاص، فنحن إذا بنينا المسجد في أرض الله فقد بنيناه بحق، فالأرض لله، والمساجد لله، والعبادة التي تقام فيها كلها إخلاص لله، واتباع لرسوله ﷺ،
بخلاف الكنائس والبيع.
ومن سفه بعض الناس أنه يقول: لماذا لا نمكنهم من بناء الكنائس في بلادنا كما يمكنوننا من بناء المساجد في بلادهم؟
الجواب: نقول: هذا من السفه، ليست المسألة من باب المكافأة، إذ ليست مسائل دنيوية، فهي مسائل دينية، فالكنائس بيوت الكفر والشرك، والمساجد بيوت الإيمان والإخلاص فبينهما فرق، والأرض لله، فنحن إذا بنينا مسجداً في أي مكان من الأرض فقد بنينا بيوت الله في أرض الله بخلافهم.
ثالثاً: بناء ما انهدم منها، أي: لو كان هناك كنائس موجودة قبل فتحنا البلاد واستيلائنا عليها، وصار أهلها أهل ذمة بالنسبة لنا لكن انهدمت هذه الكنائس فإننا نمنعهم من بنائها؛ لأن البناء إحداث فنمنعهم منه.
وقوله:«ولو ظلماً» أي: ولو هدمت ظلماً، كما لو سطا عليها أحد من المسلمين وهدمها فإنها لا تقام مرة أخرى، وهذه إشارة خلاف، أعني قوله:«ولو ظلماً»،
فإن بعض أهل العلم قال: إذا هدمت ظلماً فلهم إعادة بنائها،
ولو قيل: إنه يعيدها من هدمها ويضمن لكان له وجه؛ لأن هذا عدوان وظلم، وأهل الذمة يجب علينا منع الظلم والعدوان عنهم.
فالصواب أنه إذا هدمت ظلماً فإنها تعاد؛ وذلك لأنها لم تنهدم بنفسها،
فإن هدموها هم وأرادوا تجديدها فإنهم يمنعون منه.
وَمِن تَعْلِيَةِ بُنْيَانٍ عَلَى مُسْلِمٍ لَا مِن مُسَاوَاتِهِ لَهُ ..
رابعاً: قوله: «ومن تعلية بنيان على مسلم» أي: إذا كانوا في حي من الأحياء، وأرادوا أن يبنوا عمارات رفيعة تعلو بناء المسلمين فإننا نمنعهم. وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين أن يكونوا مجاورين ملاصقين أو غير ملاصقين وهو كذلك، حتى لو كان بينهم وبين المسلم شارع، فإنه لا يجوز أن يمكنوا من تعلية البنيان على المسلم؛ لما في ذلك من إذلال المسلم واحتمال الأذى له؛ لأن العالي يستطيع أن يطلع على النازل ولا عكس، ونحن لا نأمن هؤلاء الكفار فلذلك يمنعون من تعلية البنيان على المسلم.
أما لو رضي المسلم وقال: لا مانع عندي، فهل يمنعون أو لا؟
الجواب: نعم يمنعون؛ لأن الحق هنا فيه شائبة حق لله، ولأن هذا المسلم موجود الآن، لكنه لن يبقى إلى الأبد فإنه سيموت أو يرتحل فيبقى البناء عالياً على من بعده، ولهذا لا يجوز أن يعلو البنيان على المسلم ولو بإذن المسلم ورضاه.
فإن ملكوه عالياً من مسلم، أي: اشتروا عمارة فخمة طويلة من المسلم فهل يجب أن نهدمها؟
الجواب: نقول: لكم الخيار إما أن نهدمها،
وإما أن تردوا البيع.
فإذا قالوا: إذاً نرد البيع أهون علينا من الهدم ولكن المسلم أبى،
وقال: أنا لا أريد فسخ البيع.
قلنا: نلزمك لأنك بعت عليهم بنياناً لا يجوز إقرارهم عليه، فأنت الذي اعتديت فنلزمك بأن تفسخ البيع.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.