الثاني: أن يشترطاه في العقد مدة معلومة ولو طويلة
الشروح عليها
(الثاني) من أقسام الخيار: خيار الشرط بـ (أن يشترطاه) أي يشترط المتعاقدان الخيار (في) صلب (العقد) أو بعده في مدة خيار المجلس أو الشرط (مدة معلومة ولو طويلة) لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «المسلمون على شروطهم» ولا يصح اشتراطه بعد لزوم العقد ولا إلى أجل مجهول ولا في عقد حيلة ليربح في قرض فيحرم ولا يصح البيع.
لا زيادة له على هذه المسألة.
أو بعده في مدة خيار المجلس، أو الشرط أي أو أن يشترطا الخيار مدة خيار المجلس، قبل التفرق منه، ومدة خيار الشرط، كأن يشترطاه يومين مثلا،
فإذا كان في آخر اليومين، اشترطاه أيضا صح، لأنه بمنزلة حال العقد.
خيار المجلس، أو الشرط (مدة معلومة ولو طويلة) فيثبت الخيار فيها، إذا كانت معلومة ويعتبر الطول والقصر بالعرف، قال ابن القيم: يجوز اشتراط الخيار فوق ثلاث، في أصح قولي العلماء، وهو مذهب أحمد ومالك، والقياس المحض: جوازه وفي الاختيارات: يثبت خيار الشرط، في كل العقود،
ولو طالت المدة، وللبائع الفسخ في مدة الخيار، إذا رد الثمن وإلا فلا.
«أن يشترطاه»«الثاني»: مبتدأ، وجملة «أن يشترطاه»، «أن» وما دخلت عليه في تأويل المصدر خبر المبتدأ، فنفهم من قول المؤلف:«الثاني: أن يشترطاه» أن هذا القسم خيار شرط، أي: الأصل عدمه إلا إذا اشترط؛ لأن إضافته إلى الشرط من باب إضافة الشيء إلى سببه، فهذا خيار الشرط.
وقوله:«أن يشترطاه» الفاعل المتبايعان فلا بد أن يكون الشرط من البائع والمشتري، والمفعول به الهاء تعود على الخيار، وهذا القسم دل عليه قول النبي ﷺ : «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل» ، فمفهوم هذا الحديث أن كل شرط في كتاب الله فهو صحيح، وقوله ﷺ :«المسلمون على شروطهم»، ويمكن أن يستدل له من القرآن في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ، والأمر بالوفاء بالعقد أمر بالوفاء بالعقد وما يشترط فيه؛
لأن الشروط التي في العقد أوصاف في العقد. «في العقد» في للظرفية، فيقتضي أن يكون هذا الشرط في نفس العقد، أي: في صلب العقد، وليس قبله وليس بعده، لكن تقييد ذلك في صلب العقد فيه نظر.
والقول الثاني: أنه يصح في صلب العقد،
وفي زمن الخيارين؛ لأن حال الخيار كحال العقد.
والقول الثالث: أنه يصح قبل العقد وفي صلب العقد وفي زمن الخيارين؛ لأن الحق لهما،
فإذا اشترطاه، ورضي كل واحد منهما بذلك فلا بأس،
فلو قال: أنا أشتري منك البيت، لكن اجعل لي الخيار لمدة شهر، فقال: لا بأس، ثم قال: بعتك البيت بمائة ألف، فقال: قبلت، فهنا يصح الشرط؛ لأنه حق لهما وقد اتفقا عليه، وهذا مثل ما سبق في الشروط في البيع.
إذاً قول المؤلف:«في العقد»، يقتضي أنه لا يصح شرطه قبل العقد ولا بعد العقد،
وظاهره ولو في زمن خيار المجلس أو الشرط.
فلو اتفقا على الشرط قبل العقد ما صح؛ لأنه إضافة شرط قبل وجود السبب، والسبب هو العقد، ولا خيار بدون عقد، والشيء قبل وجود سببه ملغى ولا عبرة به،
ولو اتفقا عليه بعد انتهاء زمن الخيار ـ أيضاً ـ لا يصح؛ لأنه إلحاق شرط بعد اللزوم، واللازم لا ينقلب جائزاً، وهذا الشرط مخرج للعقد عن مقتضاه الشرعي فلا يصح.
والصحيح أنه يصح قبل العقد؛ لأننا نقول: العقد هنا مبني على اتفاق سابق، وأنتم تجوِّزون في باب النكاح لو اشترط الزوج على الزوجة شرطاً، أو الزوجة على الزوج شرطاً قبل العقد فإنه يصح،
وكذلك في شروط البيع السابقة إذا شرطت قبل العقد،
فإن فيها وجهاً قوياً بالصحة، وعلى هذا نقول: الخيار نوع من الشروط، ولا فرق، ما دمنا نحن متفقين عند العقد أن لكل واحد منا الخيار شهراً، ما الذي يبطل هذا؟! وقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ .
كذلك ـ أيضاً ـ الخيار بعد اللزوم، فاللزوم بالتفرق ـ مثلاً ـ من حق المتعاقدين،
فإذا رضيا بعد التفرق أن يجعلا أجلاً معيناً لكل منهما الخيار فهو من حقهما، مثل ما يجوز أن يجعلا هذا الخيار عند العقد، فما الذي يمنعه بعد لزومه وهو من حقهما؟! فالصواب في هذه المسألة أنهما إذا ألحقا شرط الخيار بعد لزوم البيع فلكل منهما الخيار،
فإن قال قائل: هذا يقتضي أن يكون العقد اللازم جائزاً، وهذا ينافي حكم الشرع.
قلنا: المنافاة نوعان: منافاة مطلقة ومطلق منافاة،
أما المنافاة المطلقة، فنعم لا تصح،
وأما مطلق المنافاة فتصح، فهنا سيجعل عقد البيع جائزاً إلى مدة لا دائماً، أليس الرجل إذا اشترى شيئاً ملكه ومنافعه من حين العقد، ومع ذلك لو شرط البائع منافع المبيع لمدة سنة فإنه يجوز، وهنا نافى مطلق العقد لا العقد المطلق، لأنه لو كان العقد على كماله وتمامه ما استحق البائع المنافع ولو يوماً واحداً، ثم هذا قد تدعو الحاجة إليه.
وكذلك يصح شرط الخيار مع العقد، وبعد العقد، وزمن الخيار،
إما خيار الشرط وإما خيار المجلس، لكن كيف في خيار الشرط؟ الجواب: أن يدخل شرطاً على آخر، مثل: أن يقول: اشتريت منك هذا البيت ولي الخيار ثلاثة أيام، فلما صار اليوم الثالث، قال: أريد أن أمدد الخيار إلى ستة أيام فله ذلك؛ لأن العقد لم يلزم الآن، فلا يلزم إلا بعد انتهاء مدة الخيار. «مدة معلومة ولو طويلة» علم من هذا أنه لا بد أن تكون المدة معلومة، بأن يقول: إلى دخول شهر رجب أو يوم كذا أو سنة كذا، لو قال إلى وقت الحصاد والجذاذ، فالمذهب أنه لا يصح؛
لأن الحصاد يختلف، فمن الناس من يحصد مبكراً، ومنهم من يحصد متأخراً،
وكذلك الجذاذ ـ جذاذ النخيل ـ يختلف فلا يصح؛ لأنه غير معلوم، والقول الثاني يصح ويكون الحكم متعلقاً بغالبه أو بأوله والمسألة متقاربة، وهذا هو الصحيح.
وقوله:«مدة معلومة» يُخرج المدة المجهولة، واختار ابن القيم أنه تجوز المدة المجهولة إذا كان لها غاية مثل أن يقول: أبيعك هذا البيت ولكن لي الخيار حتى أشتري بيتاً، فهذا له غاية، ولكن وإن قلنا: إن هذا له وجه ينبغي أن يحدد أعلاه بأن يقول: لي الخيار حتى أشتري بيتاً ما لم يتجاوز الشهر مثلاً؛ دفعاً للمماطلة. والمدة إذا كانت مجهولة دخل ذلك في الغرر، وقد صح عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع الغرر ؛
ولأن المدة المجهولة يحصل فيها نزاع وخصومة، وكل شروط أو عقود تستلزم ذلك فإنها ملغاة في الشرع.
فإن شرطاه إلى مدة مجهولة وتبايعا على ذلك، وقلنا: إن الخيار فاسد، فهل لمن فات غرضه الخيار؟
نعم، سبق لنا في باب الشروط في البيع أن كل شرط فاسد لا يفسد العقد،
فإن من اشترطه له الخيار إذا فات عليه.
وقوله:«مدة معلومة ولو طويلة» أي لو فرض أنه جعل خيار الشرط لمدة شهر أو سنة أو سنتين فلا بأس.
فإن قال قائل: إن هذا الشرط ليس في كتاب الله، لأنه يستلزم أن يكون العقد اللازم عقداً جائزاً؛ لأنه لو كان مدة الخيار شهراً ـ مثلاً ـ فلكل منها أن يفسخ، فهذا يكون منافياً لمقتضى العقد فيكون باطلاً.
فالجواب: أن النبي ﷺ أجاز للمتعاقدين إسقاط خيار المجلس،
وفي إسقاط خيار المجلس تنقيص للمدة التي يكون العقد فيها جائزاً، وهذا فيه زيادة للمدة التي يكون العقد فيها جائزاً ولا فرق بين الزيادة والنقص، بل قد يقال: إن الزيادة أرفق بالمتعاقدين من قطع ما هو لهما.
وظاهر كلام المؤلف: حتى فيما يفسد قبل تمام المدة، مثل أن يشتري منه بطيخاً،
وقال: لي الخيار لمدة أسبوع فيصح،
فإذا خيف فساده بيع، ثم إن أُمضي البيع فالقيمة للمشتري،
وإن فسخ البيع فالقيمة للبائع، ويرجع المشتري بثمنه، هكذا قالوا.
ولكن لو قيل: إنه إذا شرط الخيار في شيء يفسد قبل تمام المدة لا يصح لكان له وجه؛ لأنه إذا بيع فإن كانت القيمة أكثر، فسوف يختار المشتري الإمضاء،
وإن كانت أقل فسوف يختار الفسخ، وحينئذٍ يكون ضرر على أحد الطرفين.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.