وقوله بعد فراغه: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته.
الشروح عليها
(و) يسن (قوله) أي قول المؤذن وسامعه (بعد فراغه: اللهم) أصله: يا الله، والميم بدل من " يا " قاله الخليل وسيبويه (رب هذه الدعوة) بفتح الدال أي دعوة الأذان (التامة) أي الكاملة السالمة من نقص يتطرق إليها (والصلاة القائمة) التي ستقوم وتفعل بصفاتها (آت محمدا الوسيلة) منزلة في الجنة (والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته) أي الشفاعة العظمى في موقف القيامة؛ لأنه يحمده فيه الأولون والآخرون ثم يدعو.
ويحرم خروج من وجبت عليه الصلاة بعد الأذان في الوقت من مسجد بلا عذر أو نية رجوع.
[
الخليل وسيبويه . (رب هذه الدعوة) بفتح الدال احتراز عن الدعوة بالكسر للنسب،
وأما دعوة الوليمة فبالفتح: وقيل بالضم.
(التامة) أي الكاملة السالمة من نقص يتطرق إليها لكمالها وعظم موقعها، والمراد دعوة التوحيد لقوله تعالى: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ}
وقيل لدعوة التوحيد تامة لأنه لا يدخلها تغيير ولا تبديل، بل هي باقية إلى يوم القيامة،
وقال ابن التين: وصفت الدعوة بالتمام لأنها ذكر الله، ويدعى به إلى عبادته.
(آت محمدا الوسيلة) منزلة في الجنة . والفضيلة الرتبة الزائدة على سائر الخلائق ويحتمل أن تكون منزلة أخرى، أو تفسيرا للوسيلة،
قال السخاوي: وأما الدرجة الرفيعة فيما يقال بعد الأذان فلم أره في شيء من الروايات.
الجنة . والفضيلة (وابعثه المقام المحمود الذي وعدته) أي ابعثه يوم القيامة فأقمه المقام المحمود الذي وعدته وهو الذي يغبطه فيه الأولون والآخرون،
ومن سأل الله له الوسيلة حلت له الشفاعة يوم القيامة، زاد البيهقي إنك لا تخلف الميعاد، والموصول
إما بدل، وإما خبر مبتدأ محذوف
وإما مفعول بفعل محذوف، وقيل: بدل على رواية النكير، نعت على رواية التعريف، ورواه النسائي وغيره بالتعريف بإسناد صحيح، ورواه البخاري وأكثر أهل الحديث بالتنكير، قال ابن القيم: وهو الصحيح من وجوه:
بعد الأذان في الوقت من مسجد، بلا عذر مع صحتها منه، لحديث «من أدركه الأذان في المسجد ثم خرج لم يخرج لحاجة هو لا يريد الرجعة فهو منافق» ، رواه ابن ماجه، ولأحمد عن أبي هريرة: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنتم في المسجد فنودي بالصلاة فلا يخرج أحدكم من المسجد حتى يصلي، ورأى أبو هريرة رجلا خرج من المسجد بعد الأذان فأتبعه بصره،
وقال: إن هذا قد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم وقاله ابن عبد البر: أجمعوا على القول بهذا الحديث لمن لم يصل، وكان على طهارة اهـ ولأن خروجه بعد الأذان من المسجد ذريعة إلى اشتغاله عن الصلاة جماعة
قال الشيخ: وإن كان التأذين للفجر قبل الوقت لم يكون الخروج،
وأما خروجه لعذر فلا يحرم، كقضاء حاجة،
ومثله لو خرج بعد الأذان ليصلي جماعة بمسجد آخر، لا سيما مع فضل إمامه.
الوقت من مسجد، بلا عذر أو نية رجوع أي إلى المسجد قبل فوت الجماعة،
ويستحب أن لا يقوم إذا أخذ المؤذن في الأذان، بل يصبر قليلا لئلا يتشبه بالشيطان،
ولو دخل المسجد والمؤذن قد شرع في الأذان لم يأت بتحية المسجد لا بغيرها، بل يجيب المؤذن، ثم يصلي تحية المسجد، ليجمع بين أجر الإجابة والتحية، والمراد غير أذان الخطبة، لأن استماع الخطبة أهم.
عذر أو نية رجوع . باب شروط الصلاة أجمع الأئمة على أن للصلاة شرائط لا تصح إلا بها، وهي التي تقدمها، ويأتي تفصيلها، والشروط جمع شرط، كفلوس جمع فلس، والشرائط جمع شريطة، كفرائض جمع فريضة، والأشراط واحدها شرط، وهو لغة العلامة، سمي شرطا، لأنه علامة على المشروط، ومنه (فقد جاء أشراطها) أي علاماتها.
«وقوله بعد فراغه: اللهم رَبَّ هذه الدَّعوةِ التَّامَّة … إلخ»، الحقيقة أن المؤلِّف اقتصر في الدُّعاء الذي بعد الأذان على ما ذكره، وإلا فينبغي بعد الأذان أن تُصلِّي على النبيِّ ﷺ ثم تقول: «اللهم ربَّ هذه الدعوة التامة … إلخ»،
وفي أثناء الأذان إذا قال المؤذِّن:«أشهد أنْ لا إله إلا الله، أشهد أنَّ محمداً رسولُ الله» وأجبته تقول بعد ذلك: «رضيت بالله رَبًّا وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً» كما هو ظاهر رواية مسلم حيث قال: «من قال حين سمع النداء: أشهد أنْ لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمداً رسول الله، رضيت بالله رَبًّا وبمحمد رسولاً، وبالإسلام ديناً، غُفِرَ له ذَنْبه». في رواية ابن رُمْح ـ أحد رجال الإسناد ـ:«من قال: وأنا أشهد».
وفي قوله:«وأنا أشهد» دليلٌ على أنه يقولها عقب قول المؤذِّن: «أشهد أنْ لا إله إلا الله»، لأنَّ الواو حرف عطف، فيعطف قولَه على قولِ المؤذِّن.
فإذاً؛ يوجد ذِكْرٌ مشروع أثناء الأذان. وقوله:«اللهم رَبَّ هذه الدعوة التَّامة»، الدعوة التامة: هي الأذان؛ لأنه دعوة، ووَصَفَها بالتَّامة؛ لاشتمالها على تعظيم الله وتوحيده، والشهادة بالرسالة، والدعوة إلى الخير.
وقوله:«اللهُم رَبَّ»، اللَّهُ بالضم، وربَّ بالفتح، لأنَّ اللَّهَ عَلَمٌ مفردٌ فيُبنى على الضمِّ، و «ربَّ» مضاف، فيكون منصوباً؛ لأن المُنادى أو ما وقع بدلاً منه إذا كان مضافاً فإنه يكون منصوباً.
وقوله:«اللهم» منادى حُذِفَت منه ياءُ النداء، وعُوِّضَ عنها الميم، وجُعِلَت الميم بعد لفظ الجلالة تيمُّناً وتبرُّكاً بالابتداء بلفظ الجلالة، واخْتِيرَ لفظ الميم دون غيره من الحروف للدلالة على الجمع؛ كأن الدَّاعي يجمع قلبه على ربِّه عز وجل، وعلى ما يريد أن يدعوه به.
وقوله:«رَبَّ»، «ربّ» هنا بمعنى صاحبَ الدَّعوة الذي شرعها،
ولو كانت «ربّ» بمعنى خالق أشكل علينا؛ لأنَّ هذه الدَّعوة فيها أسماء الله وهي غير مخلوقة؛ لأنها من الكلام الذي أخبر به عن نفسه، وكلامه غير مخلوق، لكن لو فَسَّرنا «ربّ» بمعنى خالق على إرادة اللفظ الذي هو فعل المؤذِّن، فهذا لا إشكال فيه.
والصَّلَاةِ القَائِمَةِ .............. «والصَّلاة القائمة»، أي: وربَّ هذه الصَّلاة القائمة؛ والمشار إليه ما تصوَّره الإنسانُ في ذِهنه؛ لأنك عندما تسمع الأذان تتصوَّر أنَّ هناك صلاة. و «القائمة»: قال العلماء: التي ستقام فهي قائمة باعتبار ما سيكون . آتِ محمداً الوَسِيْلَةَ والفَضِيْلَةَ، وابْعَثْهُ مَقَاماً مَحْمُوداً الذي وَعَدْتُه. «آتِ محمداً الوسيلةَ والفضيلةَ»، آتِ: بمعنى أعطِ، وهي تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، والمفعول الأوَّل «محمداً» و «الوسيلة» المفعول الثَّاني. والوسيلة: بيَّنها الرَّسول عليه الصلاة والسلام أنها: «درجة في الجنة، لا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله»، قال:«وأرجو أن أكون أنا هو».
ولهذا نحن ندعو الله ليتحقَّق لرسول الله ﷺ ما رجَاه عليه الصلاة والسلام.
وأما الفضيلة: فهي المَنْقبَة العالية التي لا يشاركه فيها أحد. «وابْعَثْهُ مَقَامَاً مَحْمُوداً الذي وَعَدْتهُ»، ابعثه يوم القيامة «مقاماً» أي: في مقام محمود الذي وعدته، وهذا المقام المحمود يشمل كلّ مواقف القيامة، وأَخَصُّ ذلك الشفاعة العُظمى، حينما يلحق الناس من الكرب والغَمِّ في ذلك اليوم العظيم ما لا يُطيقون، فيطلبون الشفاعة من آدم، ثم نوح، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى عليهم الصَّلاة والسَّلام، فيأتون في النهاية إلى نبيِّنا محمَّد عليه الصلاة والسلام فيسألونه أن يشفع إلى الله فيشفع لهم .
وهذا مقام محمود؛ لأن الأنبياء والرُّسل كلهم يعتذرون عن الشَّفاعة،
إما بما يراه عُذراً كآدم ونوح وإبراهيم وموسى،
وإمَّا لأنه يرى أن في المقام مَنْ هو أولى منه كعيسى. وانظر كيف أَلْهَمَ اللَّهُ الناسَ أن يأتوا إلى هؤلاء؛ لأن هؤلاء الأربعة هم أولو العزم، وآدم أبو البشر خلقه الله بيده وأسجد له ملائكته، ثم انظر كيف يُلْهِمُ الله هؤلاء أن يعتذر كُلُّ واحد بما يرى أنَّه حائل بينه وبين الشفاعة، لأن الشافع لا يتقدَّم في الشَّفَاعة، وهو يرى أنه فعل ما يُخِلُّ بمقام الشَّفاعة، وهؤلاء الأربعة: آدم ونوح وإبراهيم وموسى؛
استحيوا أن يتقدَّموا في الشَّفاعة؛ لكونهم فعلوا ما يُخِلُّ بمقام الشَّفاعة في ظَنِّهم، مع أنهم قد تابوا إلى الله تعالى.
أما بالنسبة لإبراهيم عليه السلام فالذي فعله كان تأويلاً، لكن لكمال تواضعه اعتذر به. والخامس لم يذكر شيئاً يُخِلُّ بمقام الشفاعة، ولكن ذَكَرَ مَنْ هو أَولى منه في ذلك، وهو محمَّد عليه الصلاة والسلام لتتمَّ الكمالات لرسول الله ﷺ.
وهذا من المقام المحمود الذي قال الله له فيه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا *﴾ [الإسراء] هذه الدعوات. وقد ثَبَت عن النبي ﷺ :«أن من صَلَّى عليه، ثم سأل الله له الوسيلة، فإنها تحلُّ له الشفاعة يوم القيامة». فيكون مستحقًّا لها، وهذا لا شَكَّ أنه من نعمة الله سبحانه علينا وعلى الرَّسول ﷺ.
أما علينا فلِمَا ننالُه من الأجر من هذا الدُّعاء،
وأما على الرَّسول ﷺ. فلأن هذا مما يرفع ذكرَه أن تكون أمته إلى يوم القيامة تدعو الله له. لكن لو قال قائل: إذا كانت الوسيلة حاصلة لرسول الله ﷺ، فما الفائدة من أن ندعو الله له بها؟
فالجواب: لعلَّ من أسباب كونها له دُعاءُ النَّاس له بذلك،
وإن كان ﷺ أحقَّ الناس بها. ولأن في ذلك تكثيراً لثوابنا؛ وتذكيراً لحقِّه علينا.
وفي هذا الدُّعاء عِدَّة مسائل:
المسألة الأولى: أن النبيَّ ﷺ بشرٌ لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضَرًّا، ووجهه: أننا أمرنا بالدُّعاء له.
المسألة الثانية: أن الرَّسول عليه الصلاة والسلام أفضل البشر؛ لأنَّ الوسيلة لا تحصُل إلا له خاصَّة، ومعلومٌ أن الجزاء على قَدْرِ قيمة المجزيِّ، قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ .
المسألة الثالثة: الإشكال في قوله: «آتِ محمَّداً»، ولم يقل:«آتِ رسول الله»، فكيف نجمع بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ على أحد التفسيرين في أنَّ المعنى لا تنادوه باسمه كما يُنادي بعضكم بعضاً؟
والجواب: أن النهي في الآية عن مناداته باسمه،
وأما في باب الإخبار فلا نهيَ في ذلك.
وفي الآية قولٌ آخر؛ وهو أن قوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ من باب إضافة المصدر إلى فاعله لا إلى مفعوله، يعني: لا تجعلوا دُعاءَ الرَّسول إيَّاكم كدُعاء بعضكم بعضاً، إن شئتم أجبتم،
وإن شئتم لم تجيبوا، بل تجب إجابته.
تنبيه: لم يذكر المؤلِّف قوله: «إنك لا تخلف الميعاد»؛ لأن المحدثين اختلفوا فيها، هل هي ثابتة أو ليست بثابتة؟ فمنهم من قال: إنها غير ثابتة لشُذُوذِها؛ لأن أكثر الذين رَوَوا الحديث لم يرووا هذه الكلمة، قالوا: والمقام يقتضي ألا تُحذف؛ لأنه مقام دُعاء وثناء، وما كان على هذا السبيل فإنه لا يجوز حذفه إلا لكونه غير ثابت؛ لأنه مُتَعَبَّدٌ به.
ومن العلماء من قال: إنَّ سندها صحيح، وإنها تُقال؛ لأنها لا تُنَافي غيرَها، وممن ذهب إلى تصحيحها الشيخ عبد العزيز بن باز،
وقال: إن سندَها صحيح، وقد أخرجها البيهقي بسند صحيح. وقالوا: إنَّ هذا مما يُختم به الدُّعاء كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ *﴾ [آل عمران] فمن رأى أنَّها صحيحة فهي مشروعة في حقِّه،
ومن رأى أنَّها شاذة فليست مشروعة في حقِّه، والمؤلِّف وأصحابُنَا يرون أنها شاذَّة ولا يُعمل بها.
تَنْبِيهات:
الأوَّل: ظاهر كلام المؤلِّف أنه لا تُسَنُّ متابعةُ المقيم، وهو أظهر.
وقيل: بل تُسَنُّ ، وفيها حديث أخرجه أبو داود لكنه ضعيف ؛ لا تقوم به الحُجَّة.
الثاني: ظاهر كلامه: أنَّه إذا قال المؤذِّن في صلاة الصُّبْح: «الصَّلاة خير من النوم»،
فإن السَّامع يقول مثل ما يقول:«الصَّلاةُ خير من النوم» وهو الصَّحيح؛ لأن النبيَّ ﷺ قال:«إذا سمعتم المؤذِّن فقولوا مثل ما يقول»، وهذا عامٌّ في كلِّ ما يقول، لكن الحيعلتين يُقال في متابعتهما:«لا حول ولا قوَّة إلا بالله» كما جاء في الحديث، ولأن السَّامع مدعو لا داع،
والمذهب أنه يقول في المتابعة في «الصلاة خير من النوم»: «صدقت وبررت» وهذا ضعيف، لا دليل له؛ ولا تعليل صحيح.
التنبيه الثالث: ظاهر كلام المؤلِّف أيضاً: أن المؤذِّن لا يتابعُ نفسَه، وهو الصَّحيح؛ لقول النبيِّ ﷺ :«إذا سمعتم المؤذِّن فقولوا مثل ما يقول»،
والمذهب أنه يُتابع نفسه ، وهو ضعيفٌ مخالف لظاهر الحديث، وللتعليل الصَّحيح وهو: أن المقصود مشاركة السَّامع للمؤذِّن في أصل الثواب.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.