ويصح من كافر وقن ومميز "وغضبان" وسكران
الشروح عليها
(ويصح) الإيلاء (من) كل من يصح طلاقه من مسلم و (كافر و) حر و (قن و) بالغ و (مميز وغضبان وسكران ومريض مرجو برؤه وممن) أي: زوجة يمكن وطؤها ولو
لا زيادة له على هذه المسألة.
ولو (لم يدخل بها) . لعموم ما تقدم من عموم الآية وغيرها، ولأنه ممتنع من جماع زوجته بيمينه، فأشبه ما بعد الدخول،
ويصح من الصغيرة والمجنونة، إلا أنه لا يطالب بالفيئة في حال الصغر والجنون.
كِتَابُ الإِيلَاءِ وَهُوَ حَلِفُ زوْجٍ باللهِ تَعَالَى، أَوْ صِفَتِهِ عَلَى تَرْكِ وَطْءِ زَوْجَتِهِ فِي قُبُلِهَا أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، ...........................
قوله ـ رحمه الله تعالى ـ:«الإيلاء» الإيلاء يعني الحلف والألية الحِلْفة، مصدر آلى يولي إيلاء، رباعي، بدليل أنه على وزن إكرام، من أكرم يكرم إكراماً، وهو في اللغة: اليمين، قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ .
لكنه في الشرع مقيد، والتعاريف الشرعية الغالب أنها أخص من المعنى اللغوي، والمعنى اللغوي أعم في الغالب، فالطهارة في اللغة: النظافة والنزاهة،
وفي الشرع أخص، والصلاة في اللغة الدعاء،
وفي الشرع أخص، فهي التعبد لله بأقوال وأفعال معلومة، والزكاة: النماء والزيادة،
وفي الشرع أخص، فكل التعريفات الشرعية الغالب أنها أخص من المعاني اللغوية، إلا في مسألة واحدة وهي الإيمان؛
فإن الإيمان في اللغة التصديق،
وفي الشرع التصديق المستلزم للقبول والإذعان، فيشمل القول والعمل، فيكون الإيمان: اعتقاد القلب، وقول اللسان، وعمل الأركان.
والإيلاء شرعاً عرَّفه المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ بقوله:
«وهو حلف زوج بالله تعالى أو صفته على ترك وطء زوجته في قبلها أكثر من أربعة أشهر» فقوله: «حلف زوج» فغير الزوج لا يكون يمينه إيلاء ولا يصح منه،
فلو قال: والله لا أجامع هذه المرأة لمدة سنة، ثم عقد عليها فلا يكون يمينه إيلاء؛ لأنه حين قالها لم تكن زوجة له، كما لو قال: هذه المرأة طالق، ثم تزوجها فلا يقع الطلاق، حتى لو قال: إن تزوجتها فهي طالق،
فإن الطلاق لا يقع؛ لأنه ليس زوجاً، وكما لو قال لامرأة: أنت علي كظهر أمي، وهو لم يتزوجها، ثم تزوجها لم يكن مظاهراً؛ لأنه ليس بزوج، ودليل هذا قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ ولا تكون المرأة من نسائه إلا إذا تزوجها.
وقوله:«زوج» لا يمكن أن يكون زوجاً حتى يكون العقد صحيحاً.
وقوله:«بالله تعالى» أي: بكل اسم من أسماء الله سواء بهذا اللفظ «الله» أو بغيره، مثل أن يقول: والله لا أطأ زوجتي لمدة سنة؛ أو العزير الحكيم لا أطأ زوجتي لمدة سنة فهو مولٍ.
وقوله:«أو صفته» قال في الروض : «كالرحمن الرحيم» وهذا خطأ، فالرحمن والرحيم ليسا صفتين ولكنهما اسمان، لكن الصفة مثل أن يقول: وعزة الله، وقدرة الله لا أجامع زوجتي، ولهذا قال الله عز وجل : ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَانُ الرَّحِيمُ *﴾ إلى أن
قال في آخر الآيتين: ﴿لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الحشر: ٢٢ ـ ٢٤]، فجعل الله هذه أسماء.
وعلم من قول المؤلف:«بالله تعالى أو صفته» أن الإيلاء لا يكون بالتحريم، أو بالنذر، أو بالطلاق وإن كانت أيماناً، يعني لو قال: لله علي نذر أن لا أطأ زوجتي، فظاهر كلام المؤلف أن ذلك ليس بإيلاء، مع أن هذا حكمه حكم اليمين،
وكذلك لو قال: حرام علي أن أطأ زوجتي، فظاهر كلام المؤلف أنه ليس إيلاء، ولكن الصواب هو القول الثاني في المذهب في هذه المسألة، وهو أن الحلف سواء بالله أو صفته، أو بصيغة حكمها حكم اليمين،
فإن الإيلاء يثبت، والدليل على ذلك أن الله تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى أن قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١ ـ ٢]، والأحاديث الواردة في هذا فيها أن الرسول ﷺ آلى من نسائه شهراً ، هذا إذا قلنا: إنه حَرَّم نساءه،
أما إذا قلنا: إنه حرم العسل كما هو الراجح،
فإن الآية تدل على أن التحريم يمين من وجه آخر.
والحاصل أن الصواب في هذه المسألة: أن كل ما له حكم اليمين فإنه يحصل به الإيلاء،
فإذا قال: لله عليَّ نذر أن لا أجامع زوجتي فهو إيلاء؛ لأن الله سمى التحريم يميناً.
وقوله:«على ترك وطء زوجته» كلمة «وطء» تخرج المباشرة بغير الوطء،
فلو قال: والله لا أباشر زوجتي لمدة ستة أشهر، ونيته المباشرة دون الفرج، فليس بمولٍ فلا بد أن يحلف على ترك الوطء.
وقوله:«زوجته» احترازاً مما لو حلف على ترك وطء أمته،
فإن ذلك لا يسمى إيلاء،
وإذا لم يسمَّ إيلاء فهو يمين، لكننا لا نرتب عليه أحكام الإيلاء، وإنما نرتب عليه أنه إذا حنث كفَّر.
وقوله:«في قبلها» هل هذا قيد أو بيان للواقع؟ قيد؛ لأنه قد يحلف على ألا يطأها في دبرها،
فإذا حلف ألا يطأها في دبرها لمدة سنة فليس بمولٍ؛ لأنه إنما حلف على أمر واجب تركه، فإنه يحرم على الإنسان أن يطأ زوجته في دبرها.
وقوله:«أكثر من أربعة أشهر» ظاهر كلام المؤلف أنه لو آلى أن لا يطأها لمدة أربعة أشهر فليس بإيلاء، أو لمدة ثلاثة أشهر فليس بإيلاء، والصواب أنه إيلاء؛ لأن الله قال: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ فأثبت الله الإيلاء، لكن جعل المدة التي ينظرون فيها أربعة أشهر،
فإذا قال: والله لا أجامع زوجتي ثلاثة أشهر،
فإن هذا مولٍ؛ لأنه حلف أن لا يجامعها، ولكننا ما نقول له شيئاً الآن؛ لأنه إذا تمت المدة انحلت اليمين، مثاله: رجل قال لزوجته: والله لا أجامعك لمدة ثلاثة أشهر، فهنا نقول: هو مولٍ لكن ما نلزمه بحكم الإيلاء، بل ننظره حتى تنتهي ثلاثة أشهر،
فإذا انتهت زال حكم اليمين.
وَيَصِحُّ مِنْ كَافِرٍ، وَقِنٍّ، وَمُمَيِّزٍ، وَغَضْبَانَ، وَسَكْرَانَ، وَمَرِيضٍ مَرْجُوٍّ بُرْؤُهُ، وَمِمَّنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، لَا مِنْ مَجْنُونٍ، وَمُغْمًى عَلَيْهِ، ............
«ويصح» الضمير يعود على الإيلاء. «من كافر» أي: يصح من الكافر، والمسلم من باب أولى،
فإذا حلف اليهودي أو النصراني على أن لا يطأ زوجته لمدة ستة أشهر، وحاكمته إلينا، حكمنا أنه مولٍ، وكيف يصح من الكافر؟ وهل لنا سبيل على الكافر بأن نلزمه بأحكام الإسلام؟ نعم قد يولي من زوجته وهو كافر، ثم يسلمان جميعاً، فهل نقول: إن الإيلاء الذي في الكفر لغى أو بقي حكمه؟ الجواب: يبقى حكمه بعد الإسلام. «وقن» وهو العبد المملوك كله، فيصح الإيلاء من القن، وهل يكون للقن زوجة؟
نعم، فإذا آلى صح إيلاؤه لعموم الآية. «ومميز» وهو من له سبع سنين،
فإذا آلى من زوجته صح إيلاؤه، ووجه صحته من المميز أن المميز يصح طلاقه،
ومن صح طلاقه صح إيلاؤه؛ لأن الطلاق أشد من الإيلاء، والدليل عموم قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ و «الذين» اسم موصول من صيغ العموم، فيشمل كل زوج.
وقال بعض أهل العلم: إن المميز لا يصح منه الإيلاء؛ لأنه لا يصح منه الحلف، إذ لا يمين له، فهو غير مكلف، ولكن المشهور من المذهب أنه يصح الإيلاء من المميز كالحلف. «وغضبان» فيصح الإيلاء من الغضبان،
والغضب ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: غضب لا يدري الإنسان ما يقول معه، فهذا لا عبرة بأقواله وأفعاله؛ لأنه مغلق عليه ولا يدري فهو كالسكران، فلا يقع به الإيلاء مطلقاً، وقد حكى الاتفاق عليه ابن القيم رحمه الله في كتابه:«إغاثة اللهفان في عدم وقوع طلاق الغضبان».
الثاني: غضب يسير يتصور الإنسان ما يقول، ولا يرى أن الغضب قد أغلق عليه تفكيره وتصوره، فهذا لا أثر له، ويقع معه الطلاق، والإيلاء، وكل أقواله وأفعاله معتبرة؛ لأنه هو وغير الغضبان سواء.
الثالث: غضب بينهما، فيدري ما يقول لكنه مغلق عليه، كالمكره، فقد سبق لنا أن هذا فيه خلاف بين أهل العلم،
وأن الصواب: أنه لا يقع منه الطلاق لقول النبي ﷺ: «لا طلاق في إغلاق»، أي: تضييق على الإنسان،
وكذلك الإيلاء.
فقوله:«وغضبان» ليس على إطلاق كما بيَّنَّا. «وسكران» وهو الذي فقد عقله للذة والطرب بتناول المسكر،
فإذا سكر وصار يهذي، وقال لزوجته: والله ما أجامعك أبداً، فهل يقع الإيلاء أو لا؟ المؤلف يرى أنه يقع؛ لأن السكر محرم فهو غير معذور، فلا ينبغي أن يعامل السكران بالرخصة وعدم المؤاخذة بما يقول، بل ينبغي أن يشدد عليه، وعلى هذا التعليل يشترط في السكران أن يكون قد سكر على وجه محرم،
أما لو سكر على وجه مباح، مثل أن يشرب شراباً ما علم أنه مسكر فسكر منه، فهذا لا حد عليه، يعني لا عقوبة عليه ولا حكم لكلامه؛ لأنه معذور، والصواب خلاف هذا،
وأن السكران لا حكم لأقواله، لا طلاقه، ولا إيلائه، ولا ظهاره، ولا عتقه، ولا وقفه، فلا يؤاخذ بشيء أبداً؛ لأنه فاقد العقل فهو كالمجنون، وكوننا نعاقبه بأمر ليس من فعله، ولا من اختياره ليس بصحيح، بل نعاقبه على شرب الخمر؛ لأنه باختياره، ولهذا لو نسي أو جهل أو أكره على شرب الخمر ما يعاقب، ولا بالجلد، فهذا القول الذي قاله ما نعاقبه عليه؛ لأنه بغير اختياره.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.