من ولدت زوجته منه أمكن أنه منه لحقه بأن تلده بعد نصف سنة منذ أمكن وطؤه أو دون أربع سنين منذ أبانها وهو ممن يولد لمثله "كابن عشر" ,
الشروح عليها
[فصل فيما يلحق من النسب] (من ولدت زوجته من) أي: ولدا (أمكن أنه منه لحقه) نسبه لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الولد للفراش» ، وإمكان كونه منه (بأن تلده بعد نصف سنة منذ أمكن وطؤه) إياها ولو مع غيبة فوق أربع سنين (أو) تلده لـ (دون أربع سنين منذ أبانها) زوجها (وهو) أي: الزوج (ممن يولد لمثله كابن عشر) لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع» ، ولأن تمام عشر سنين يمكن فيه البلوغ فيلحق به الولد
لا زيادة له على هذه المسألة.
من) أي: ولدا (أمكن كونه منه لحقه) نسبه أي من ولدت زوجته ولدا فأكثر، أمكن كون الولد من الزوج، لحقه نسبه، ما لم ينفعه باللعان.
(وهو) أي الزوج (ممن يولد لمثله كابن عشر) وذلك فيما إذا أتت به لستة أشهر، منذ أمكن اجتماعه بها، أو لدون أربع سنين منذ أبانها.
- «واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع» فأمر بالتفريق، يدل على إمكان الوطء، وهو سبب الولادة،
وأما مقطوع الذكر والأنثيين، فقال الموفق: لا يلحق به الولد في قول عامة أهل العلم، لأنه يستحيل منه الإيلاج، والإنزال،
وإن قطعت أنثياه دون ذكره، فكذلك، لأنه لا ينزل ما يخلق منه الولد عادة، ولا وجد ذلك، وهو قول الجمهور.
«من ولدت زوجته من أمكن كونه منه لحقه» هذه قاعدة عامة.
فقوله:«زوجته» معلوم أنها لا تكون زوجة إلا بعقد صحيح.
وقوله:«من أمكن كونه منه لحقه» ويكون ولداً له، والدليل لذلك قول النبي ﷺ :«الولد للفراش وللعاهر الحجر».
وعلم من قوله:«من ولدت زوجته» أنه لو ولدت أنثى غير زوجته، مثل امرأة زنى بها ـ والعياذ بالله ـ فولدت ولداً منه يقيناً، فهل يلحقه أو لا؟ المذهب ـ وهو قول أكثر أهل العلم ـ لا يلحقه؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال:«للعاهر الحجر»، والعاهر الزاني.
وإذا استلحقه ولم يدعه أحد،
وقال: ولدي وينسب إليّ، فلا يلحقه؛ لعموم قول النبي ﷺ :«وللعاهر الحجر»، حتى لو قال الزاني: أنا أريد هذا الولد، انسبوه إليّ، وحتى لو تزوج المزني بها بعد، كما يجري عند بعض الناس، إذا زنى بامرأة وحملت منه، قالوا: نريد أن نستر عليها، فيتزوجها، ويستلحق الولد، ويكون في هذا ستر على الجميع، وتحل المشاكل، ولا تعير الأم، ولا يعير الولد! المهم أن كلام المؤلف واضح أنه ما يمكن أن يلحق به، إلا إذا كان من زوجته،
أما إذا كان من امرأة أجنبية فلا يلحق به ولو استلحقه.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : أنه إذا استلحقه ولم يَدَّعِهِ أحدٌ فإنه يلحق به؛ حفظاً لنسب هذا الطفل؛ لئلا يضيع نسبه، ولئلا يعير،
وإذا كان الإنسان في باب الإقرار بالميراث ـ كما سبق ـ إذا أقر بأن هذا وارثه، أو أنه ابنه، كإنسان مجهول قال: هذا ابني، فإنه سبق لنا أنه يلحق به، كل ذلك حفظاً للأنساب، فهذا الرجل الذي استلحق هذا الولد بدون أن يدعيه أحد يكون له، وهو مذهب إسحاق بن راهويه، واختاره بعض السلف أيضاً، وقول الرسول ﷺ :«الولد للفراش وللعاهر الحجر» جملتان متلازمتان، فيما إذا كان عندنا فراش وعاهر،
فلو زنى رجل بمزوجة، وقال: الولد لي، نقول: لا، ويدل لذلك سبب الحديث،
فإن سبب الحديث هو أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ادعى أن غلاماً كان عهد به إليه أخوه عتبة؛ لأن عتبة فجر بوليدة لزمعة، وزمعة أبو سودة زوج رسول الله ﷺ، فاختصم فيه سعد بن أبي وقاص، وعبد بن زمعة،
أما سعد فقال: يا رسول الله إن هذا ابن أخي عتبة عهد به إلي ـ يعني وصاني عليه ـ
وأما عبد بن زمعة فقال: يا رسول الله هذا أخي، ولد على فراش أبي، فقال سعد بن أبي وقاص: يا رسول الله، انظر إلى شبه الولد، فلما نظر وجد أنه يشبه عتبة، ولكنه عليه الصلاة والسلام قال:«الولد لك يا عبد، الولد للفراش وللعاهر الحجر»، لكن قال لسودة:«واحتجبي منه يا سودة»، فأمر سودة رضي الله عنها بأن تحتجب منه، فحكم بأنه أخوها وقال: احتجبي منه، لماذا؟
قال بعض العلماء: إن هذا من باب الاحتياط؛ لأنه وجد عندنا أصل وظاهر، الأصل الفراش، والظاهر الشَّبَه البَيِّن بعتبة، فلما اجتمع عندنا أصل وظاهر صار الاحتياط أن نحكم بالأصل والظاهر ونحتاط، فنعمل بهذا وبهذا.
وقال بعض العلماء: إن هذا من باب إعمال الدليلين،
وأن هذا ليس حكماً احتياطياً، بل هو حكم واجب، وفرق بينهما، فالحكم الاحتياطي ليس واجباً، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله : إن الحكم الاحتياطي لا يدل على الوجوب، لكن القول الثاني أن هذا حكم أصلي، أعمل فيه السببان وهما الأصل والظاهر، فيكون هذا الحكم ليس احتياطياً، لكن يعكر عليه أن الحكم بالسببين يستلزم العمل بالنقيضين وهذا بعيد، والأقرب ـ والله أعلم ـ أن هذا من باب الاحتياط وليس من باب الحكم بالدليلين.
وقوله:«من أمكن» أي: أمكن عقلاً،
وإن كان بعيداً عادة. بِأَنْ تَلِدَهُ بَعْدَ نِصْفِ سَنَةٍ مُنْذُ أَمْكَنَ وَطْؤُهُ، أَوْ دُونَ أَرْبَعِ سِنِينَ مُنْذُ أَبانَهَا، وَهُوَ ممَّنْ يُولَدُ لِمِثْلِهِ كَابْنِ عَشْرٍ، .............................. «بأن تلده بعد نصف سنة منذ أمكن وطؤه، أو دون أربع سنين منذ أبانها، وهو ممن يولد لمثله كابن عشر»
اشترط المؤلف شرطين:
الأول: أن يكون الزوج ممن يولد لمثله، وهو ابن عشر سنين، وهذا ممكن لكنه نادر،
فإذا كان له تسع سنين وجامع زوجته وجاءت بولد، يقولون: لا يمكن أن يلحق الولد به؛ لأنه ما يمكن أن يولد له،
ومَنْ له عشر سنين يمكن أن يولد له، ويقال: إن بين عبد الله بن عمرو بن العاص وأبيه رضي الله عنهما إحدى عشرة سنة، ويقول الشافعي رحمه الله : رأيت جدة لها إحدى وعشرون سنة.
الثاني: أن تلده بعد نصف سنة منذ أمكن وطؤه،
وإن لم نتحقق أنه وَطِئ، مثل ما لو تزوج امرأة في البلد ولم يدخل عليها وأتت بولد بعد نصف سنة منذ أمكن الوطء، لكنه ما دخل عليها وعاش الولد فإنه يكون للزوج؛ لأنه يمكن أنه اتصل بها فيكون الولد ولداً له.
وإذا ولدته قبل نصف السنة وعاش فلا يكون له؛ لأن أقل مدة الحمل الذي يمكن أن يعيش ستة أشهر، والدليل قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ ، وقوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ أَسْقِطِ العامين من الثلاثين شهراً يبقى للحمل ستة أشهر، فعلى هذا إذا ولدت لأقل من ستة أشهر وعاش فالولد ليس له، وذكر ابن قتيبة في كتابه «المعارف» أن عبد الملك بن مروان وهو من أعظم الخلفاء ولد لستة أشهر.
وقوله:«وهو» الضمير يعود على الزوج.
وقوله:«ممن يولد لمثله كابن عشر» يعني الذي تم له عشر.
وقوله:«كابن عشر» هذا مثال لأدنى ما يمكن أن يولد لمثله، وهو من تم له عشر سنوات، وهل يمكن أن يولد لمن تم له عشر سنوات؟ قالوا: إنه يمكن، وهذا القول وسط بين قولين آخرين، أنه يمكن أن يولد له وله تسع سنين، وقول ثالث أنه لا يولد إلا وله اثنتا عشرة سنة، ودليل المذهب قوله ﷺ :«اضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع»، ولأن هذا الأمر قد وقع وإن كان قليلاً.
وقوله:«أو دون أربع سنين» بناء على المشهور من المذهب أن أكثر مدة الحمل أربع سنين، وسيأتينا ـ إن شاء الله ـ في كتاب العِدد، ولا دليل على أكثر الحمل، لكن قالوا: لأن هذا أكثر ما وجد، فنقول: تقييد الحكم بالوجود يحتاج إلى دليل؛ لأنه قد تأتي حالات نادرة غير ما حكمنا به، وهذا هو الواقع، فقد وجد من لم يولد إلا بعد سبع سنين! ولد وقد نبتت أسنانه، ووجد أكثر من هذا، إلى عشر سنين، وهو في بطن أمه حياً، لكن الله عز وجل منع نموه، فالصحيح أنه لا حَدَّ لأكثره وأنه خاضع للواقع، فما دمنا علمنا أن الولد الذي في بطنها من زوجها وما جامعها أحد غيره وبقي في بطنها أربع سنين، أو خمس سنين أو عشر سنين فهو لزوجها.
وقوله:«أمكن» فلا يشترط تحقق اجتماع الزوجين، يعني سواء تحققنا أنهما اجتمعا أم لم نتحقق، فما دام الأمر ممكناً فالولد له، وهذا قول بين أقوال ثلاثة، وهو مذهب الحنابلة.
القول الثاني: أنه يلحق به منذ العقد، سواء أمكن اجتماعه بها أم لم يمكن، وعلى هذا القول فإذا تزوج امرأة وهو في أقصى المشرق وهي في أقصى المغرب، ثم ولدت بعد العقد بنصف سنة فإنه يلحق به،
ولو لم يسافر، يقولون: لأن المرأة تكون فراشاً بمجرد العقد ولا يشترط إمكان اجتماعهما، وهذا مذهب أبي حنيفة.
القول الثالث: أنها لا تكون فراشاً له حتى يتحقق اجتماعه بها ووطؤه إياها؛ لأنها فراش، وفراش بمعنى مفروش، ولا يمكن أن يفرشها إلا إذا جامعها، وعلى هذا القول إذا عقد عليها ولم يدخل بها، وأتت بولد لأكثر من ستة أشهر فليس ولداً له، وهذا القول هو الصحيح وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فما تكون فراشاً إلا بحقيقة الوطء وإلا فلا، كما أن الأمة ـ كما سيأتي إن شاء الله ـ أنها لا تكون فراشاً لمالكها إلا إذا وطئها، وهذا كما أنه مقتضى الدليل اللغوي، هو مقتضى دليل العقل، فكيف يمكن أن نلحقه به، وهو يقول: أنا ما دخلت عليها ولا جئتها؟!
أما القول الثاني الذي يقول: تكون فراشاً له أمكن وطؤه أم لم يمكن، بل بمجرد العقد، فهذا أبعد ما يكون عن المعقول! والعجيب أنه مذهب أبي حنيفة، والأحناف رحمهم الله دائماً تكون مسائلهم الفقهية مبنية على النظر والعقل، لكن في هذه المسألة قولهم بعيد جداً، كيف تكون فراشاً له، وهو في المشرق، وهي في المغرب، ونعلم أنها ما سافرت ولا سافر، أين الفراش؟!
والأمة المملوكة يلحقه ولدها كما سيأتي، والموطوءة بشبهة، سواء كانت الشبهة شبهة اعتقاد أو شبهة عقد ـ أيضاً ـ يلحقه ولدها.
والموطوءة بشبهة اعتقاد أن يظنها زوجته، وبشبهة عقد أن يعقد عليها عقداً فاسداً، أو باطلاً ويظنه صحيحاً.
مثاله: تزوج امرأة وأتت منه بأولاد، ثم ثبت أنها أخته من الرضاع، فما حكم الأولاد؟ الأولاد له، والشبهة هنا شبهة عقد؛ لأنهم ظنوا أن العقد صحيح، وهو باطل.
مثال آخر: تزوج امرأة عقد له عليها أبوها، وكان أحد الشهود أخاها، وأتت بأولاد، فالعقد فاسد لكن الأولاد له؛ لأنه يعتقد صحته، ولا يعرف أن الأخ لا يكون شاهداً على نكاح أخته إذا كان العاقد هو الأب؛ لأنه إذا كان الأب هو العاقد، والشاهدان أحدهما أحد الإخوة، والآخر عمها، فلا يصح العقد على المذهب؛ لأنهم يقولون: لا بد أن يكون الشاهدان ليسا من أصول الزوج ولا من فروعه، ولا من أصول الزوجة ولا من فروعها، ولا من أصول الولي ولا من فروعه.
وهذا القول ليس بصحيح، لكن نحن نحتاط ونتحرى؛ لأنا نخشى لو حصل خلاف بينهم وترافعوا للمحاكم ـ وهم يحكمون بالمذهب ـ فيفسدون النكاح وكل ما يترتب عليه، ولهذا مع اعتقادي أن هذا القول ضعيف فأنا أتحرز. وقوله:«منذ أبانها» تحصل البينونة بكل فراق لا رجعة فيه، أو بتمام العدة في الطلاق الذي فيه رجعة، مثال ذلك: رجل طلق زوجته آخِرَ ثلاث تطليقات في آخر يوم من ذي الحجة، في عام ألف وأربعمائة، فبانت منه وولدت في يوم ثمانٍ وعشرين من ذي الحجة عام ألف وأربعمائة وأربعة، فيلحقه النسب لأنها ولدت دون أربع سنين منذ أبانها بيوم.
مثال آخر: رجل طلق زوجته في تسع وعشرين من ذي الحجة عام ألف وأربعمائة، وولدت في تسع وعشرين من محرم عام ألف وأربعمائة وخمسة، فينظر في الطلاق فإن كان بائناً، بأن كان آخر ثلاث تطليقات فالولد ليس له؛ لأنه فوق أربع سنين.
أما إذا كانت رجعية فمعروف أن الرجعية عدتها ثلاث حيض، أو تبقى ثلاثة أشهر حسب الحال، فالولد يلحقه؛ لأنها ما تَبِين بالطلاق الرجعي إلا إذا انتهت العدة، ثم تحسب مدة أربع السنوات.
وَلَا يُحْكَمُ بِبُلُوغِهِ إِنْ شُكَّ فِيهِ،
وَمَنِ اعْتَرَفَ بِوَطْءِ أَمَتِهِ فِي الْفَرْجِ، أَوْ دُونَهُ فَوَلَدَتْ لِنِصْفِ سَنَةٍ، أَوْ أَزْيَدَ لَحِقَهُ وَلَدُهَا، إِلاَّ أَنْ يَدَّعِيَ الاسْتِبْرَاءَ وَيَحْلِفَ عَلَيْهِ، ........
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.