والمحرم: خمس رضعات في الحولين
الشروح عليها
(والمحرم) من الرضاع (خمس رضعات) لحديث عائشة، قالت:«أنزل في القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، فنسخ من ذلك خمس رضعات، وصار إلى خمس رضعات معلومات يحرمن، فتوفي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والأمر على ذلك» رواه مسلم. وتحرم الخمس إذا كانت (في الحولين) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} ، ولقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء، وكان قبل الفطام» قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
ومتى امتص ثم قطعه لتنفس أو انتقال إلى ثدي آخر ونحوه فرضعة،
فإن عاد ولو قريبا فثنتان
عليه وسلم - والأمر على ذلك؛ رواه مسلم وكان بعض الناس يقرأ (خمس رضعات) ويجعلها قرآنا متلوا، لكونه لم يبلغه النسخ، لقرب عهده، فلما بلغهم رجعوا، وأجمعوا على أنه لا يتلى، وهذا من نسخ التلاوة دون الحكم، وهو مبين لما أجمل من الآية، والأحاديث، ويشهد له حديث سهلة، فإنها أرضعت سالما خمس رضعات.
حسن صحيح . ومتى امتص ثم قطعه لتنفس أو شبع أو ملة، فرضعة.
لتنفس أو انتقال إلى ثدي آخر ونحوه فرضعه كانتقاله من امرأة إلى امرأة غيرها، أو أخرج الثدي من فمه، إذ المرجع فيها إلى العرف، لأن الشرع ورد بها مطلقا، ولم يحددها بزمن ولا مقدار،
فإذا ارتضع ثم قطع باختياره، أو قطع عليه فرضعة.
كِتَابُ الرَّضَاعِ «الرضاع» الرضاع لغة: مص الثدي لاستخراج اللبن منه.
أما في الشرع فهو أعم من هذا، فهو إيصال اللبن إلى الطفل، سواء عن طريق الثدي أو عن طريق الأنبوب، أو عن طريق الإناء العادي، المهم هو وصول اللبن إلى الطفل بأي وسيلة، وهذا من النوادر أن يكون المعنى الشرعي أعم من المعنى اللغوي؛ لأن العادة أن المعنى اللغوي أعم من المعنى الشرعي، ولكن أحياناً يكون المعنى الشرعي أوسع من المعنى اللغوي، فالإيمان ـ مثلاً ـ في اللغة التصديق، لكن في الشرع يشمل التصديق، والقول، والعمل.
والرضاع من رحمة الله عز وجل وحكمته، فالطفل في بطن أمه يتغذى بالدم عن طريق السُّرة، ثم إذا انفصل فإنه لا يستطيع أن يأكل ولا يشرب، فجعل الله له وعاءين معلقين في صدر الأم، واختار الله عز وجل أن يكون في الصدر؛ لأن ذلك أقرب إلى القلب، ولأنه أقرب إلى كون الأم تحتضن الولد، وترق له وتحن عليه، ثم جعل الله عز وجل هذا الوعاء وعاء لا يجتمع فيه اللبن كما يجتمع في القارورة، لكنه يجتمع بين عصب ولحم وشحم متفرقاً؛
ليكون أسهل للأم مما لو كان يرتج كما لو كان في قارورة، ثم من رحمة الله عز وجل أنه جعله يخرج من هذه الحلمة، وليس في شق واحد، بل مخرقة عدة خروق؛ لأجل ألاَّ ينزل بسرعة فيشرق الطفل فيموت، وبهذا كله تتبين حكمة الله عز وجل، وأنه لا ينبغي العدول عن هذه الحكمة العظيمة بإسقائه لبناً أجنبياً كما يفعل بعض الناس، مع أن الأطباء متفقون على أن لبن الأم خير للطفل من أي لبن آخر، وهذا هو الذي يليق بحكمة الله ـ تعالى ـ الكونية والشرعية، ولهذا ينبغي للمرأة ألا تدع إرضاع ولدها لمدة سنتين، كما قال الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ ، فالرضاع يشارك النسب في بعض الأمور، ويفارقه في أكثر الأمور،
ومما يشارك النسب فيه ما ذكره المؤلف بقوله:
يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ.
«يَحْرُمُ من الرَّضَاعِ ما يَحْرمُ من النسب» هذه الجملة هي لفظ الحديث الوارد عن النبي ﷺ، فهي إذاً مسألة بدليلها، يعني أن ما حرمه النسب وهو القرابة يحرمه الرضاع، فلننظر بالحد والعد، بالعد اقرأ الآية الكريمة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ هذه سبع، فيحرم على الإنسان من الرضاع ما يحرم من النسب، يحرم عليه أمه من الرضاع، وبنته من الرضاع، وأخته من الرضاع، وعمته من الرضاع، وخالته من الرضاع، وبنت أخته من الرضاع، وبنت أخيه من الرضاع، كما في الآية تماماً، وعلى هذا فلا تتعب نفسك،
فإذا سألك سائل عن مسألة فيها رضاع، فانظر العلاقة بين الراضع ومن أرضعته، هل هي الأمومة، البنوة، الأخوة، العمومة؛ الخؤولة؟ لأن الحديث محكم والآية محكمة.
أما الحد، فلدينا ثلاثة: أُمٌّ مُرْضِعَةٌ، وصاحب اللبن وهو زوجها أو سيدها، وراضع، كل واحد من الثلاثة له أصول، وفروع، وحواشٍ، فالمرضعة أصولها آباؤها وأمهاتها وإن علوا، وفروعها أبناؤها وبناتها وإن نزلوا، وحواشيها إخوانها وأعمامها وأخوالها، وصاحب اللبن كذلك له أصول، وفروع، وحواشٍ، والراضع كذلك له أصول، وفروع، وحواشٍ، فالرضاع لا يؤثر في حواشي وأصول الراضع، وإنما الذي يتعلق به حكم الرضاع الراضع وفروعه فقط، وبالنسبة للمرضعة يتعلق الرضاع بأصولها، وفروعها، وحواشيها، وبالنسبة لصاحب اللبن يتعلق بأصوله، وفروعه، وحواشيه، فهذا تقسيم حاصر يسهل على الإنسان أن يعرف تأثير الرضاع.
أضرب لهذا مثلاً: زيد رضع من هند، ولها زوج اسمه خالد، فأمهات هند يؤثر فيهن الرضاع، وبنات هند يؤثر فيهن الرضاع، وأخوات هند، وعماتها، وخالاتها يؤثر فيهن الرضاع كذلك، وصاحب اللبن ـ خالد ـ يؤثر الرضاع في أمهاته؛ لأنهن أصوله، ويؤثر في بناته؛ لأنهن فروعه، ويؤثر في إخوانه؛ لأنهم حواشيه، بقي الراضع وهو زيد، فيؤثر الرضاع في ذريته، ولا يؤثر في أصوله ولا حواشيه؛ ولذلك يجوز لأخي الراضع أن يتزوج من أرضعت أخاه؛
لأن الرضاع لا يؤثر في حواشي الراضع،
ويجوز لأبي الراضع أن يتزوج من أرضعت ابنه؛ لأن الرضاع لا يؤثر في أصول الراضع،
ولا يجوز لابن الراضع أن يتزوج أخت الراضع من المرأة التي أرضعته؛ لأنه من فروع الراضع، وفروع الراضع يؤثر فيهم الرضاع. مثال ذلك: رضيع رضع من امرأة اسمها هند مع ابنتها عائشة، لكن هنداً لها بنات من قبل، فإنهن يكن أخواتٍ له؛ لأنهن من فروع المرضعة التي هي هند، ويكون أخاً للبنات اللاتي بعده؛ لأنهن من فروع المرضعة.
مثال ثانٍ: رجل رضع من امرأة لها ابن اسمه علي، ولعلي بنت، فهل يجوز للراضع أن يتزوج بنت علي؟ لا يجوز؛ لأنها من فروع المرضعة، والرضاع يؤثر بالنسبة للمرضعة في أصولها، وفروعها، وحواشيها.
مثال ثالث: رجل رضع من امرأة زيد، وكان لزيد امرأة أخرى لها بنات، فلا يجوز أن يتزوجهن؛ لأنهن من فروع صاحب اللبن.
مسألة: هل يحرم من الرضاع ما يحرم بالصهر؟ اختلف في ذلك أهل العلم، فذهب الأئمة الأربعة وجمهور أهل العلم إلى أنه يحرم من الرضاع ما يحرم بالصهر، وعلى هذا فأم زوجتك من الرضاع حرام عليك، كأم زوجتك من النسب؛ لأن أم زوجتك من النسب حرام بالنص والإجماع، كما قال الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ وبنت زوجتك من الرضاع، كأن يكون لك زوجة قد أرضعت بنتاً من زوج سابق، فعلى رأي الجمهور تحرم عليك تلك البنت؛
لأنها بنت زوجتك من الرضاع، فهي كبنت زوجتك من النسب،
ولو كان لزوج المرأة أب من الرضاع يحرم عليها ـ على رأي الجمهور ـ كأبي زوجها من النسب،
ولو كان لزوجها ابن من الرضاع ـ أي: لم يرضع منها، لكن رضع من زوجة أخرى ـ فهو على رأي الجمهور يحرم عليها كابن زوجها من النسب.
ولكن ظواهر الأدلة تدل على خلاف قول الجمهور؛ لأن الله ـ تعالى ـ ذكر المحرمات ثم قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ فيكون الأصل الحل، وعلى هذا فإذا لم يكن هناك تحريم بيِّن،
فإن الأصل الحل، حتى يقوم دليل بيِّن على التحريم،
ثم إن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول:«يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، ولم يقل:«والمصاهرة» ومعلوم أن أم الزوجة، وبنت الزوجة، وأبا الزوج، وابن الزوج تحريمهم بالمصاهرة لا بالنسب بالإجماع، فيكون الحديث مخرجاً لذلك، وأيضاً فإن الله ـ تعالى ـ يقول: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ فخرج به الابن من الرضاع، فزوجته لا تحرم عليه؛ لأنه ليس ابناً لصلبه، ولكن هذه الآية أجاب الجمهور عنها بأنها احتراز من ابن التبني.
والجواب عن هذا أن يقال:
أولاً: ابن التبني ليس ابناً شرعياً حتى يحتاج إلى الاحتراز عنه، فهو ـ أصلاً ـ ما دخل في قوله: ﴿أَبْنَائِكُمُ﴾ لأن بنوَّته باطلة.
ثانياً: على فرض أنه داخل في البنوة،
فإن قوله: ﴿مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ لماذا لا نجعله احترازاً من ابن التبني وابن الرضاع، فيكون مخرجاً للجنسين؟
فإن قلت: إن عموم قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ يشمل أمها من النسب وأمها من الرضاع.
فالجواب: أن الأم عند الإطلاق لا تدخل فيها أم الرضاع، بدليل قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَهَاتُكُمْ﴾ ثم قال بعدها: ﴿وَأُمَهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ ولو كانت الأم عند الإطلاق يدخل فيها أم الرضاع ما ذكرت مرة ثانية.
والحاصل: أن هذا القول هو القول الراجح وإن كان خلاف رأي الجمهور؛ لأنه ما دامت المسألة ليست إجماعاً فلا ضير على الإنسان أن يأخذ بقول يراه أصح، وابن رجب نقل عن شيخ الإسلام أنه يرى هذا الرأي: أن الرضاع لا يؤثر في تحريم المصاهرة، وذكر عنه ابن القيم أنه توقف في ذلك، ولا يمنع أن يكون توقف ثم تبين له بعد ذلك الأمر، كما يوجد في كثير من آرائه رحمه الله، فأحياناً يصرح بأنه رجع عن رأيه أو يتبين واضحاً أنه رجع عن رأيه، وأحياناً يتوقف.
فإذا قال قائل: أنا أتهيب من خلاف الجمهور، وأريد أن أسلك الاحتياط من الوجهين، فأقول: إن أم الزوجة من الرضاع ليست حراماً على الزوج، فلا أحل لها أن تكشف وجهها موافقة لقول شيخ الإسلام، ولا أحل له أن يتزوج بها موافقة للجمهور، فهل لهذا المسلك أصل؟
الجواب: نعم، وذلك في قصة سودة بنت زمعة رضي الله عنها حين تنازع عبد بن زمعة وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما في وليد، فقال سعد: يا رسول الله إن هذا ولد من أخي عتبة، وأنه عهد به إليَّ،
وقال عبد بن زمعة، أخو سودة: يا رسول الله إنه أخي، ولد على فراش أبي من وليدته، فقال له سعد: يا رسول الله انظر إلى شبهه، فلما نظر النبي ﷺ إلى شبهه، رأى شبهاً بيِّناً بعتبة، ولكنه قال:«الولد للفراش وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة»، فحكم أن هذا الولد أخ لسودة، وأمر أن تحتجب منه احتياطاً؛ لأنه رأى شبهاً بيناً بعتبة، فهل هذا من باب إعمال الدليلين أو من باب الاحتياط؟
قال بعضهم: إنه من باب إعمال الدليلين،
وقال بعضهم: إنه من باب الاحتياط، والأقرب أنه من باب الاحتياط؛ لأن هذين الدليلين أحكامهما متنافية لا يمكن أن تجتمع،
فإما هذا وإما هذا، فلو ذهب ذاهب إلى هذا وقال: إن الرضاع لا يؤثر في التحريم بالنسبة للمصاهرة، ولكني آمره ألا يتزوج بهن احتياطاً، لو ذهب ذاهب إلى ذلك لم يكن هذا بعيداً من الصواب.
وَالمُحَرِّمُ خَمْسُ رَضَعَاتٍ .......................... «والمُحَرِّمُ خَمْسُ رَضَعَاتٍ» بدأ المؤلف بشروط الرضاع المحرم، فالرضاع المحرم خمس رضعات، ودليل ذلك ما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت:«كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي النبي ﷺ وهي فيما يقرأ من القرآن»، وعلى هذا فما دون الخمس لا يؤثر.
فإن قال قائل: حديث عائشة رضي الله عنها: «خمس رضعات معلومات يحرمن»، هذا ليس فيه حصر، فلم يقل الرسول ﷺ : لا يحرم إلا خمس، فنحن نقول: تحرم الخمس، وتحرم الأربع، وتحرم الثلاث، وهذا إيراد قوي جداً،
فالجواب على ذلك من أربعة وجوه:
الأول: أنه قد روي أن الرسول ﷺ قال: «لا يحرم إلا خمس رضعات»، وهذا حصر طريقهُ النفي والإثبات.
الثاني: روي أن الرسول عليه الصلاة والسلام«أمر امرأة أبي حذيفة أن ترضع سالماً مولى أبي حذيفة خمس رضعات».
الثالث: أن عائشة رضي الله عنها ذكرت عدداً أعلى وعدداً أدنى، الأعلى العشر والأدنى الخمس،
ولو كان هناك عدد أدنى من الخمس لبينته.
الرابع: أن الأصل عدم التحريم، والثلاث والأربع مشكوك فيهما، فالأصل الحل وعدم التحريم حتى يثبت التحريم.
وقالت الظاهرية: لا يشترط شيء، بل مطلق الرضاع ولو كان نقطة يحرم، لقوله تعالى: ﴿وَأُمَهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ ولم يذكر عدداً، ولقوله عليه الصلاة والسلام لزوجة أبي حذيفة: أرضعيه تحرمي عليه ، ولم يقل: خمس رضعات، وبما في الصحيح في قصة الرجل الذي جاءته امرأة فأخبرت أنها أرضعته وزوجتَه، فأمر النبي ﷺ بفراقها، فقال: كيف وقد قيل ؟! ولم يسأل الرسول ﷺ أو يستفصل كم أرضعته، فهذا يدل على أنه لا يشترط العدد، والجواب عن هذه النصوص أنها مطلقة قيدها منطوق حديث عائشة، ومفهوم حديث:«لا تحرم المصَّة ولا المصَّتان».
وقال بعض العلماء: المحرم ثلاث رضعات، واستدلوا بقول النبي ﷺ :«لا تحرم المصَّة ولا المصَّتان»، وقوله ﷺ :«لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان»، قالوا: فمنطوق الحديث أن الثِّنْتَيْنِ لا تؤثر، ومفهوم العدد أن ما زاد عليهما محرِّم، ونحن نرى أن الشارع اعتبر العدد الثلاث في مواضع كثيرة مثل الطلاق، والوضوء ثلاث، وصيام ثلاث من كل شهر، والاستئذان، وغيره،
بخلاف الخمس فليس لها أصل.
ولكن الجواب عن هذا أن يقال: دلالة تأثير الثلاث بالمفهوم، ودلالة أن لا يؤثر إلا الخمس بالمنطوق، ودلالة المنطوق مقدمة على دلالة المفهوم، ويتبين بالمثال، إذا قلنا: لا تحرم المصة ولا المصتان، فصحيح، حتى إذا قلنا بخمس رضعات فالثنتان لا تؤثر،
وإذا قلنا: الثلاث تؤثر، بقي عندنا معارضة حديث الخمس، وحينئذٍ لا يمكن العمل إلا بحديث عائشة أنه لا بد من خمس رضعات.
والجواب على قولهم إن الخمس ليس لها أصل معتبر في الشرع، أن يقال: إن الخمس لها أصل معتبر، فالصلوات خمس، والأوسق خمسة، وأركان الإسلام خمسة.
ولكن يبقى النظر ما هي خمس الرضعات؟ أهي خمس مصات؟ أو خمسة أنفاس؟ أو خمس وجبات؟
بعضهم قال: خمس مصات لقوله ﷺ: «لا تحرم المصَّة ولا المصَّتان»، فعلق الحكم بالمص، وعلى هذا يمكن أن يثبت الرضاع في خلال ثلاث دقائق؛ لأنه إذا مص ثم بلع، ثم مص ثم بلع، ثم مص خمس مرات ثبت الرضاع.
وبعضهم يقول: بل خمسة أنفاس لقوله ﷺ: «لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان» والإملاج إدخال الثدي في فم الصبي، فما دام الثدي في فمه
فلو مص مائة مرة فهو واحدة، وعلى هذا إذا مص ثم بلع ثم مص ثم بلع ثم مص ثم بلع في نفس واحد ثم أطلق الثدي ثم عاد، تكون الثانية هي الرضعة الثانية.
وبعضهم يقول: خمس وجبات، كما يقول: خمس أكلات، فلا بد من زمن يقطع اتصال الثانية بالأولى،
أما ما دام في حجر المرأة فإنها رضعة واحدة، كما تقول: هذه أكلة، هذا غداء، هذا عشاء، وما أشبه ذلك، فالعشاء ليس كل لقمة ترفعها إلى فمك، بل مجموع اللقم،
وكذلك الغداء فليس كل تمرة تبلعها تكون غداء، إنما الغداء، مجموع الأكل، وعليه فالمراد بالرضعة الفعلة من الرضاع التي تنفصل عن الأخرى،
وأما مجرد فصل الثدي فهذا لا يعتبر رضعة في الحقيقة، فمثلاً لو أرضعته أول النهار الساعة الثامنة، ثم الساعة التاسعة، ثم الساعة العاشرة، ثم الحادية عشرة، ثم الثانية عشرة، فهذه خمس رضعات،
فلو أرضعته في مكان واحد، وامتص الثدي ثم أطلقه يتنفس، ثم عاد ورضع، ثم أطلقه ليتنفس، ثم عاد خمس مرات لكنها في جلسة واحدة فلا يؤثر على هذا القول.
فإذا قال قائل: أيهما أرجح؟ قلنا: الأصل عدم التأثير، ولا نتيقن التأثير إلا بخمس وجبات؛ لأن الأصل أنه لا يؤثر، فنأخذ بالاحتياط، والاحتياط ألا يؤثر إلا خمس وجبات، لا خمس مصات، ولا خمسة أنفاس، وهذا اختيار شيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله، وهو ظاهر اختيار ابن القيم.
فإذا قال قائل: لماذا لا نجعل المصَّات هي الأحوط؟ قلنا: هذا مشكل؛ لأننا إذا احتطنا من جهة، أهملنا من جهة أخرى، فمثلاً هذه طفلة رضعت خمس مصات،
فإذا احتطنا، وقلنا: إن بنت المرضعة تكون أختاً للراضع يحرم عليه نكاحها، أتانا أمر آخر ضد هذا الاحتياط، وهي أننا إذا قلنا: إنها أخته لزم من ذلك أن يخلو بها، ويسافر بها، وتكشف وجهها له، والاحتياط ألا تفعل، وهي لا تفعل هذا إلا إذا قلنا: إن الرضاع غير مؤثر، فلذلك لا تحتاط من جهة إلا أهملت من جهة أخرى، فنرجع إلى الأصل وهو عدم التأثير، ولذلك كان هذا القول هو المتمشي على القواعد والأصول.
فِي الْحَوْلَيْنِ، .............. «في الحولين» هذا شرط آخر، يعني أن تكون الرضعات الخمس كلها في الحولين من ولادة الطفل،
فإذا ولد في الواحد من محرم عام عشرين، فينتهي وقت الرضاع في الواحد من محرم عام اثنين وعشرين، فما دام في الحولين فالرضاع مؤثر،
وإذا انتهت الحولان فالرضاع غير مؤثر، والدليل قول الله تبارك وتعالى : ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ فقالوا: تمام الرضاعة في حولين، وما زاد فهو خارج، وما دونهما ناقص عن تمام الرضاعة؛ ولأن الحولين حدٌّ فاصل بيِّن قاطع، فكان أولى بالاعتبار من سواه.
وظاهر كلام المؤلف: أن الرضاع في الحولين مؤثر، سواء فطم الصبي أم لم يفطم، حتى لو فرض أنه فطم في سنة،
وفي السنة الثانية كان يأكل الخبز والجبن وكل شيء ورضع فالرضاع يؤثر،
ولو كان لا يتغذى باللبن، فإنه ما دام في الحولين فرضاعه مؤثر.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن العبرة بالفطام، فما كان قبل الفطام فهو مؤثر ولو كان بعد الحولين، وما كان بعد الفطام فليس بمؤثر ولو في الحولين، واستدل رحمه الله بالأثر والنظر،
أما الأثر فالحديث المعروف: «لا رضاع إلا ما أنشز العظم وكان قبل الفطام» ، ولم يقل:«وكان قبل الحولين»،
وأما النظر فلأنه ثإذا كان يتغذى بغير اللبن ـ يعني بالطعام المعروف ـ فأي فرق بين من كان في الحولين ومن بعد الحولين؟! فكلا الطفلين لا يحتاج إلى اللبن،
ولو رضع أربع مرات إلى صباح ثلاثين من ذي الحجة من السنة الثانية،
ولما هلَّ محرم رضع الخامسة، فهل يؤثر أو لا يؤثر على قول من يرى أن العبرة بالحولين؟ لا يؤثر، فأي فرق بين هذه وبين قبل ساعة؟! ثم أي فرق بين طفل فطم للحول الأول، وصار يأكل الطعام وآخر يأكل الطعام في السنة الثالثة؟! لا فرق.
فالقول الراجح أن العبرة بالفطام، سواء كان قبل الحولين أو بعد الحولين،
فلو فرض أن هذا الطفل نموه ضعيف، وصار يتغذى باللبن حتى تم له ثلاث سنوات، ففي السنة الثالثة رضاعه مؤثر على القول الراجح،
وأما على قول من قال: العبرة بالحولين فرضاعه غير مؤثر،
ولو فرضنا أن طفلاً فطم لأول سنة، وصار يأكل الطعام وأرضعناه في السنة الثانية، فهل الرضاع محرِّم أو غير محرم؟ على القول بأنه لا يؤثر إلا في الحولين فهو مؤثر، وعلى القول الثاني الذي رجحناه غير مؤثر، المهم يشترط في الرضاع المحرم أن يكون في وقت معين،
إما في الحولين على ما مشى عليه المؤلف،
وإما قبل الفطام على القول الراجح.
والقول الثاني: أن الرضاع محرم ولو كان الإنسان له ستون سنة، حتى لو كان الراضع أكبر من المرضعة، فهذا شيخ كبير له ستون سنة رضع من امرأة شابة لها عشرون سنة مرة واحدة، يكون ولداً لها، وهذا رأي الظاهرية؛ لأنهم لا يرون سناً ولا عدداً فمتى حصل الرضاع فهو مؤثر، ودليلهم الإطلاق في قوله: ﴿وَأُمَهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾، ولقصة سالم مولى أبي حذيفة، وكان أبو حذيفة قد تبناه قبل أن يبطل التبني، يعني اتخذه ابناً له، وصار كابنه تماماً، يدخل البيت وزوجة أبي حذيفة لا تحتجب عنه، فلما أبطل الله التبني صار سالم أجنبياً من المرأة، فجاءت سهلة تشتكي إلى النبي ﷺ وتقول: إن سالماً كان أبو حذيفة قد تبناه، يدخل علينا ونكلمه، وقد بطل التبني فقال لها النبي ﷺ :«أرضعيه تحرمي عليه»، وهو كبير يقضي الحوائج، فقالوا: وهذا رضع وهو كبير، وقد حكم النبي ﷺ بأنه مؤثر، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وعلى هذا فإذا كانت امرأة وأحبت أن تكشف لهذا الرجل، تقول له: تعال أنا أرغب أن أكشف لك،
وأن تخلو بي، وأن أسافر معك، ارضع!
ويبقى إشكال كيف يرضع من ثديها وهو ليس محرماً لها؟!
فلو جعل يرضع من الثدي وله عشرون سنة ستحصل فتنة بلا شك، فنقول: الحمد لله يوجد مخرج، كل يوم تجمع له قلة حليب من ثديها لمدة خمسة أيام، ويشربه، فيكون ولداً لها، وهذا القول كما ترى فيه شبهة؛ ولكن نقول: حديث سالم يعارض منطوق حديث: «لا رضاع إلا ما أنشز العظم وكان قبل الفطام»، فاختلفوا في الجواب عنه، فقال بعضهم: إنه منسوخ،
وقال بعضهم: إنه خاص بسالم مولى أبي حذيفة، ثم اختلف القائلون بأنه خاص، هل هي خصوصية وصف، أو هي خصوصية عين؟ والفرق بينهما: إذا قلنا: إنها خصوصية عين، فمعنى ذلك أنها خاصة بعين سالم فقط لا تتعداه إلى غيره،
وإذا قلنا: إنها خصوصية وصف صارت متعدية إلى غيره، ممن تشبه حالُه حالَ سالم، وقد مر علينا كثيراً أن الشرع كله ليس فيه خصوصية عين، حتى خصائص النبي ﷺ لم يخص بها؛ لأنه محمد بن عبد الله، لكن لأنه رسول الله، والرسالة ما يشاركه فيها أحد، فالتخصيص بالعين لا نراه والأصل عدمه، ثم لو كان هذا من باب الخصوصية العينية لكان الرسول ﷺ يبين ذلك، كما بيّن لأبي بردة رضي الله عنه حين قال:«إنها لن تجزئ عن أحد بعدك».
أما خصوصية وصف فالأمر فيها قريب، وقد اختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله،
وقال: إنه إذا كان المقصود بالإرضاع التغذية فإنه لا يكون إلا في زمن الرضاع،
وإذا كان المقصود بالرضاع دفع الحاجة جاز ولو للكبير، وعندي أن هذا ـ أيضاً ـ ضعيف،
وأن رضاع الكبير لا يؤثر مطلقاً، إلا إذا وجدنا حالاً تشبه حال أبي حذيفة من كل وجه.
ويرى بعض العلماء أن مطلق الحاجة تبيح رضاع الكبير،
وأن المرأة متى احتاجت إلى أن ترضع هذا الإنسان وهو كبير أرضعته وصار ابناً لها، ولكننا إذا أردنا أن نحقق قلنا: ليس مطلق الحاجة، بل الحاجة الموازية لقصة سالم، والحاجة الموازية لقصة سالم غير ممكنة؛ لأن التبني أُبطل، فلما انتفت الحال انتفى الحكم، ويدل لهذا التوجيه أن النبي ﷺ لما قال:«إياكم والدخول على النساء» قالوا: يا رسول الله، أرأيت الحمو ـ وهو قريب الزوج كأخيه مثلاً ـ قال:«الحمو الموت»، والحمو في حاجة أن يدخل بيت أخيه إذا كان البيت واحداً، ولم يقل عليه الصلاة والسلام : الحمو ترضعه زوجة أخيه، مع أن الحاجة ذكرت له، فدل هذا على أن مطلق الحاجة لا يبيح رضاع الكبير؛
لأننا لو قلنا بهذا لكان فيه مفسدة عظيمة، وكانت المرأة تأتي كل يوم لزوجها بحليب من ثديها،
وإذا صار اليوم الخامس صار ولداً لها، وهذه مشكلة، فالقول بهذا ضعيف أثراً ونظراً،
ولا يصح.
أما دعوى النسخ فإنها لا تصح؛ لأن من شرط النسخ أن نعلم التاريخ وهنا لا نعلم،
ولو ادعينا النسخ لكان خصومنا ـ أيضاً ـ يدعون علينا النسخ، ويقولون: إن الأحاديث التي تدل على أنه لا رضاع إلا في الحولين منسوخة بحديث سالم، فليست دعوانا عليهم بأقوى من دعواهم علينا.
والخلاصة أنه بعد انتهاء التبني نقول: لا يجوز إرضاع الكبير، ولا يؤثر إرضاع الكبير، بل لا بد
إما أن يكون في الحولين،
وإما أن يكون قبل الفطام، وهو الراجح. وَالسَّعُوطُ، وَالْوَجُورُ، وَلَبَنُ الْمَيْتَةِ، وَالمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ، أَوْ بِعَقْدٍ فَاسِد، أَوْ بَاطِلٍ، أَوْ بِزِناً مُحَرِّمٌ، ......
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.