ولا خائن في وديعة أو عارية أو غيرها
الشروح عليها
«في وديعة» وهي استحفاظ الغير على المال، فاستحفاظ الغير على المال يسمَّى استيداعاً، والمال المستحفظ عليه يسمى وديعة.
مثال ذلك: أعطيت رجلاً كتاباً وقلت له: هذا وديعة عندك إلى مدة شهر، فلما مضى الشهر وجئت إليه تطلبه منه، قال: ليس لك عندي شيء، ولا أعرفك، فهذا خان في الوديعة، فلا يقطع؛ لأنه لم يأخذ المال على وجه الاختفاء. «أو عاريَّة» كذلك ـ أيضاً ـ الخائن في العارية، وهي المال المدفوع للغير لينتفع به ويرده.
مثل أن تعطيه هذا الكتاب وتقول: انتفع به لمدة شهر، أو لمدة أسبوع، أو لمدة سنة، فلما انقضت المدة وجئت تطلبه، قال: ما لك عندي شيء، فهذا خائن فلا يقطع؛ لأن ذلك ليس بسرقة.
وهذا ما مشى عليه رحمه الله، وهو قول جمهور أهل العلم، أن الخائن في العارية لا يقطع، ولكن المذهب خلاف ما ذهب إليه المؤلف، فالمذهب أن الخائن في العارية يقطع، واستدلوا بحديث المخزومية أنها كانت تستعير المتاع فتجحده، فأمر النبي ﷺ بقطع يدها . وليست الخيانة في العارية كالخيانة في الوديعة؛ لأن قابض العارية قبضها لمصلحته،
وأما الوديعة فلمصلحة المالك، فمن قاسها عليها فقد أخطأ؛ لأن الفرق بينهما ظاهر، ولأننا إذا قطعنا جاحد العارية امتنع الناس من جحدها،
وإذا لم نقطعهم تجرأ الناس على جحدها،
وفي هذا سد لباب المعروف؛ لأن المُعير محسن،
فإذا كان المعير يُجْحَد، ولا يؤخذ له حقه، إلا بالضمان فقط فإن الناس قد يمتنعون من العارية، وهي واجبة في بعض الصور، وهذا يؤدي إلى عدم القيام بهذا الواجب.
ثم نقول أيضاً: هي قسم برأسها، افرض أنها لا تدخل في السرقة لغة، فما دام فيها نص فما موقفنا أمام الله عز وجل إذا كان يوم القيامة، والرسول ﷺ قطع بها، وقال:«لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها»؟.
والإنسان حينما ينظر في الأحكام الشرعية وفي فتاويه، أو فيما يقول يجب أن ينظر أولاً كيف يقابل الله عز وجل بما قال قبل كل شيء؛ لأنه مسؤول، فالمفتي والقاضي مبلغ لرسالات الله عز وجل، لقول الرسول ﷺ :«بلغوا عني»، فيجب أن تعتبر نفسك مسؤولاً أمام الله عز وجل في كل شيء تحكم به، فلا بد أن تلاحظ سؤال الله عز وجل قبل كل أحد، فالصحيح المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أن جاحد العارية يقطع، خلافاً لما ذهب إليه المؤلف؛
ولهذا كان الإمام أحمد يقول: ما أعلم شيئاً يدفعه، ماذا أقول؟!
فلو أعرت شخصاً كتاباً يقرأ فيه، ثم جحده، فأقمت بينة عليه أنه عنده، فتبين بذلك ثبوت العارية وثبوت جحدها، فحينئذٍ يتعين القطع.
َوْ غَيْرِها، وَيُقْطَعُ الطَّرَّارُ الَّذِي يَبُطُّ الْجَيْبَ أَوْ غَيْرَهُ وَيَأْخُذُ مِنْهُ
وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مَالاً مُحْتَرَماً، .. «أَوْ غَيْرِها» أي: غير العارية أو ما أشبه ذلك، مثل أن يكون في شيء أجرته إياه، كسيارة فخان فيها، كأن يأخذ منها شيئاً،
فإن هذا ليس بسرقة، فلا يقطع.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.