وتوبة المرتد "وكل كافر" إسلامه بأن يشهد أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله
الشروح عليها
(وتوبة المرتد) إسلامه (و) توبة (كل كافر إسلامه بأن يشهد) المرتد أو الكافر الأصلي (أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) لحديث ابن مسعود «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دخل الكنيسة، فإذا هو بيهودي يقرأ عليهم التوراة، فقرأ حتى أتى عل صفة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأمته، فقال: هذه صفتك وصفة أمتك، أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: آووا أخاكم» رواه أحمد.
لا زيادة له على هذه المسألة.
أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل الكنيسة متعبد لليهود،
وكذا النصارى مشهورة كنائسهم.
دخل الكنيسة فإذا هو بيهودي، يقرأ عليهم التوراة التي أنزلت على موسى عليه السلام.
«وتوبةُ المرتد» التوبة في اللغة: الرجوع، ولكن في الشرع فهي الرجوع من معصية الله إلى طاعته، بترك المحظور، وفعل المأمور، ولها شروط خمسة ذكرناها سابقاً.
وقوله:«المرتد» أي: الراجع عن الإسلام. «وَكُلِّ كافرٍ» يعني الكافر الأصلي؛ لأن الكفار قسمان: مرتد، وأصلي، فالأصلي هو الذي لم يزل على كفره، والمرتد هو الذي كان مؤمناً ثم خرج عن الإيمان إلى الكفر ـ والعياذ بالله ـ وهذا أشد وأعظم، ولهذا يقتل بكل حال. «إسْلَامُهُ» يعني أن يسلم، والإسلام معناه الاستسلام لله،
فإن كان ظاهراً لا باطناً فهو نفاق،
وإن كان ظاهراً وباطناً فهو حقيقة، فالمنافقون مسلمون ظاهراً، لكن باطناً كفار، والمؤمنون مسلمون ظاهراً وباطناً، والذي عليه مدار الثناء هو الإسلام ظاهراً وباطناً. «بأَنْ يَشْهَدَ أَنْ لَا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله» يشهد نطقاً باللسان، واعترافاً بالجَنان، فلا يكفي النطق، فالنطق وإن كفى بالنسبة لنا في أمر الدنيا فإنه لا يكفي بالنسبة لله عز وجل، ولهذا كان المنافقون يذكرون الله، ولا يذكرون الله إلا قليلاً، وكانوا يشهدون أن محمداً رسول الله، والله يقول: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ ، فالشهادة ظاهراً لا تنفع أمام الله عز وجل، لكن أمامنا تنفع، فتعصم ماله ودمه.
وقوله:«يشهد أن لا إله إلاَّ الله» هذه الكلمة العظيمة هي مفتاح الإسلام، يدخل بها الإسلام من يقولها، ويخرج من الإسلام من ينكرها، فما معنى لا إله إلاَّ الله؟ الإله هو المعبود بحق أو بغير حق، لكن إن كان معبوداً بحق فألوهيته حق،
وإن كان معبوداً بغير حق فألوهيته باطلة ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ ، إذاً لا إله أي: لا معبود،
ويجب أن نقدر الخبر، وتقديره لا إله حقّ، أي: لا إله حق في ألوهيته، وأنه أهل لها إلا الله عز وجل، وعلى هذا فيكون الخبر محذوفاً، ويكون لفظ الجلالة بدلاً من ذلك الخبر المحذوف، والبدل هو المقصود في الحكم،
كما قال ابن مالك رحمه الله :
التابعُ المقصودُ بالحكم بلا … واسطةٍ هو المسمَّى بدلاً إذاً فالإله الحق هو الله عز وجل، فأنت عندما تقول: لا إله إلا الله، معناه أعتقد اعتقاداً جازماً لا شك فيه بأن جميع المعبودات التي تعبد من دون الله ألوهيتها باطلة،
وأن الإله الحق هو الله عز وجل رب العالمين.
وقوله:«وأن محمداً رسول الله» فلا بد من انضمامها إلى الجملة الأولى، فيشهد بالشهادتين؛ لقول النبي ﷺ :«الإسلام أن تشهد أن لا إله إلاَّ الله وأن محمداً رسول الله … » الحديث . ولقوله ﷺ :«أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاَّ الله وأن محمداً رسول الله»، فهذه الأدلة وأشباهها تدل على أنه لا يتم الإسلام إلا بالشهادتين، ولكن هناك نصوصاً أخرى تدل على أن الإنسان يدخل في الإسلام بالشهادة الأولى فقط، وهي لا إله إلاَّ الله،
ومن ذلك حديث أسامة رضي الله عنه في قصة المشرك الذي أرهقه أسامة، فلما أرهقه قال: لا إله إلاَّ الله فقتله، فأَخبرَ النبيَّ ﷺ بذلك، فقال:«أقتلته بعد أن قال: لا إله إلاَّ الله؟!»، قال: نعم، إنما قالها تعوُّذاً، أي: ليعوذ بها من القتل، فقال:«أقتلته بعد أن قال: لا إله إلاَّ الله؟!»، فما زال يكررها حتى قال أسامة: تمنيت لو لم أكن أسلمت بعد ؛ لأنه إذا أسلم فإن الإسلام يهدم ما قبله.
وهذا يدل على أنه بقوله:«لا إله إلاَّ الله» دخل في الإسلام، وَعَصَم دمه، ولأن النبي ﷺ حضر وفاة عمه أبي طالب، وكان يقول له:«يا عم قل: لا إله إلاَّ الله، كلمةً أحاجّ لك بها عند الله»، ولم يذكر الشهادة الثانية، وهي شهادة أن محمداً رسول الله،
ومن ثَمَّ اختلف العلماء، هل توبة المرتد والكافر بقول: لا إله إلاَّ الله فقط، ثم يطالب بشهادة أن محمداً رسول الله،
فإن شهد وإلا قتل، أو لا يدخل في الإسلام حتى يشهد الشهادتين؟ وينبني على ذلك أننا إذا قلنا بالأول، ثم قال: لا إله إلا الله، فقد دخل في الإسلام،
فإذا لم يقل: محمد رسول الله ﷺ قتلناه؛ لأنه مرتد.
وأما على الثاني: الذي يقول: إن الكافر ـ أي: الأصلي ـ لا يدخل في الإسلام إلا بالشهادتين، فإنه إذا قال: أشهد أن لا إله إلاَّ الله، ثم أبى أن يقول: أشهد أن محمداً رسول الله، فإننا لا نقتله؛ لأنه لم يكن مرتداً حيث إنه لا يدخل في الإسلام إلا إذا شهد الشهادتين،
وإذا لم يوجد الشرط وهو شهادة الشهادتين، فإنه لا يوجد المشروط وهو الإسلام، وحينئذٍ يبقى على كفره الأصلي، ثم يعامل بما يقتضيه ذلك الكفر.
وقال بعض العلماء: إذا كان هذا الإنسان مقرّاً بأن محمداً رسول الله، ولكنه مشرك، فإنه يكفي في توبته أن يشهد أن لا إله إلاَّ الله؛ لأنه يشهد أن محمداً رسول الله، وبنوا ذلك على قصة أبي طالب،
وقالوا: إن أبا طالب يشهد أن محمداً رسول الله ويقول:
قد علموا أن ابننا لا مكذَّبٌ … لدينا ولا يُعنَى بقول الأباطل فيشهد بأنه رسول لكنه مشرك، فلذلك يكتفى منه بشهادة أن لا إله إلاَّ الله، وهذا يوجد كثيراً فيمن ينتسب للإسلام وهو مشرك، يدعو الأموات، ويستغيث بهم، وما أشبه ذلك، فنقول في مثل هذا: يُكتفى لتوبته أن يقول: لا إله إلاَّ الله؛ لأن الكلمة الثانية كان يقر بها، ولا ينكرها،
فإذا أتى بالأولى تم إسلامه،
وكذلك أيضاً يقولون: من كان يقول: لا إله إلاَّ الله، ولا يشرك بالله، لا عيسى ولا غيره، لكن لا يشهد أن محمداً رسول الله،
فإن أتى بشهادة أن محمداً رسول الله، فقد دخل في الإسلام؛ لأنه في الأول كان يشهد أن لا إله إلاَّ الله.
وفي الحقيقة أن هذين القولين لا يخرجان عما سبق؛ لأن لازمهما أن هذا الذي أسلم قد أتى بالشهادتين جميعاً.
والظاهر لي من الأدلة أنه إذا شهد أن لا إله إلاَّ الله فقد دخل في الإسلام، ثم يؤمر بشهادة أن محمداً رسول الله،
فإن شهد، وإلا فهو مرتد، يحكم بردته ويقتل مرتداً، فتكون الأولى هي الأصل، والثانية شرطاً في عصمة دمه،
وفي صحة الأولى أيضاً، فإن لم يقل: أشهد أن محمداً رسول الله فإنه يعتبر مرتداً عن الإسلام.
وأما المذهب فإن توبته بأن يقول: أشهد أن لا إله إلاَّ الله وأن محمداً رسول الله،
فإن قال: أشهد أن لا إله إلاَّ الله، ثم أُغمي عليه فمات، فهو غير مسلم، فلا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه ولا يدفن مع المسلمين. وعلى القول الثاني: الذي يقول: إن قوله: «أشهد أن لا إله إلاَّ الله» كافٍ للإسلام يكون مسلماً.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.