وينظر مسجده
الشروح عليها
(وينظر) المصلي استحبابا (مسجده) أي موضع سجوده؛ لأنه أخشع إلا في صلاة خوف لحاجة
لا زيادة له على هذه المسألة.
المصلي استحبابا (مسجده) أي موضع سجوده لأنه أخشع وأكف لبصره، وأبلغ في الخضوع، وكان عليه الصلاة والسلام إذا دخل في الصلاة طأطأ رأسه،
وقال أبو هريرة، كانوا يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة فلما أنزل الله {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} رمقوا بأبصارهم إلى موضع سجودهم، ويأتي النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة، فيما يكره فيها، وقد أجمع العلماء على استحباب الخشوع والخضوع في الصلاة، وغض البصر عما يلهي، وكراهة الالتفات، وتقريب نظره، وقصره على ما بين يديه، ومسجد بفتح الميم وكسر الجيم وتفتح موضع السجود نفسه،
وقال الليث: اسم جامع حيث سجد عليه،
وقال الزجاج: كل موضع يتعبد فيه فهو مسجد، ومنه المسجد للجامع.
سجوده لأنه أخشع إلا في صلاة خوف لحاجة إذا كان العدو في جهة القبلة،
وكذا إذا اشتد الخوف، أو كان خائفا من سيل أو سبع، أو فوات الوقوف بعرفة، أو ضياع مال ونحو ذلك، مما يحصل به الضرر إذا نظر إلى موضع سجوده،
وكذا في حال تشهده، فينظر إلى سبابته لحديث،
وأشار بالسبابة ولم يجاوز بصره إشارته، رواه أحمد وغيره،
وفي الغنية: يكره إلصاق الحنك بالصدر.
«وينظر مسجده» أي: موضع سجوده، والضَّميرُ يعودُ على المُصلِّي، وهو شاملٌ للإِمام والمأموم والمنفرد؛ أنه ينظر موضعَ سجودِه، وعلى هذا كثير مِن أهلِ العلمِ ، واستدلُّوا بحديث رُويَ عن رسول الله ﷺ في هذا:«أنه كان ينظر إلى موضع سجودِه في حال صلاتهِ»،
وكذلك قالوا في تفسير قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ *الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ *﴾ [المؤمنون] الخشوع: أن ينظر إلى موضع سجوده.
وقال بعضُ العلماءِ: ينظرُ تلقاء وجهِهِ، إلا إذا كان جالساً، فإنَّه ينظر إلى يدِه حيث يُشير عند الدُّعاء .
وفصل بعض العلماء بين الإِمام والمنفرد وبين المأموم فقال: إن المأموم ينظر إلى إمامه ليتحقق من متابعته ؛ ولهذا قال البراء بن عازب: «كان رسولُ الله ﷺ إذا قال: سَمِعَ اللَّهُ لمن حَمِده، لم يَحْنِ أحدٌ منَّا ظهرَه؛ حتى يقعَ النبي ﷺ ساجداً، ثم نقعُ سجوداً بعده» قالوا: فهذا دليل على أنهم ينظرون إليه.
واستدلُّوا أيضاً: بما جرى في صلاةِ الكسوفِ، حيث أخبرَ النبيُّ ﷺ الصحابةَ أنه عُرضت عليه الجنَّةُ، وعُرضت عليه النَّارُ ،
وقال فيما عُرضت عليه الجنَّةُ:«حيث رأيتموني تقدَّمت»، وفيما عُرضت عليه النَّارُ قال:«فيما تأخَّرت» وهذا يدلُّ على أنَّ المأمومَ ينظر إلى إمامه.
والأمر في هذا واسع، ينظر الإِنسان إلى ما هو أخشع له؛ إلا في الجلوس، فإنه يرمي ببصره إلى أصبعه حيث تكون الإِشارة كما وَرَدَ ذلك .
واستثنى بعضُ أهلِ العِلمِ: فيما إذا كان في صلاة الخوف ، لقوله تعالى: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ وبأن النَّبيَّ ﷺ بعثَ عيناً يوم حُنين، فجعل رسولُ الله ﷺ ينظر إلى ناحية الشِّعْبِ وهو يُصلِّي ؛ لينظر إلى هذا العين، والعين هو الجاسوس، ولأنَّ الإِنسان يحتاج إلى النَّظَرِ يميناً وشمالاً في حال الخوف، والعملُ ـ ولو كان كثيراً ـ في حال الخوف مغتفر، فكذلك عَمَلُ البصر، وهذا الاستثناء صحيحٌ.
واستثنى بعضُ العلماءِ أيضاً: المُصلِّي، في المسجد الحرام وقالوا: ينبغي أن ينظر إلى الكعبة؛ لأنها قِبْلةُ المصلِّي، ولكن هذا القول ضعيف؛
فإن النَّظَرَ إلى الكعبة يشغل المُصلِّي بلا شَكٍّ؛ لأنه إذا نَظَرَ إلى الكعبة نَظَرَ إلى النَّاسِ وهم يطوفون فأشغلوه،
والصَّحيح أنَّ المسجدَ الحرامَ كغيره؛ ينظر فيه المصلِّي
إما إلى موضع سجودِه، أو إلى تلقاءِ وجهه.
وأما النَّظَرُ إلى السَّماءِ فإنه محرَّم، بل مِن كبائر الذُّنوب؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ نَهى عن ذلك، واشتدَّ قوله فيه حتى قال:«لينتهينَّ ـ يعني الذين يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة ـ أو لتُخطفنَّ أبصارُهم»،
وفي لفظ:«أو لا ترجع إليهم». وهذا وعيد، والوعيد لا يكون إلا على شيء مِن كبائر الذنوب، بل قال بعضُ العلماءِ: إن الإِنسان إذا رَفَعَ بصرَه إلى السماءِ وهو يُصلِّي بطلتْ صلاتهُ،
واستدلُّوا لذلك بدليلين:
الأول: أنَّه انصرفَ بوجهِه عن جهِة القِبْلةِ، لأنَّ الكعبةَ في الأرض، وليست في السَّماءِ. الثاني: أنَّه فَعَلَ محرَّماً منهيًّا عنه في الصَّلاةِ بخصوصها، وفِعْلُ المحرَّمِ المنهيُّ عنه في العبادة بخصوصها يقتضي بطلانَها.
ولكن؛ جمهورُ أهل العِلم على أنَّ صلاتَه لا تبطل برَفْعِ بصرِه إلى السَّماءِ، لكنَّه على القول الرَّاجح آثمٌ بلا شَكٍّ؛ لأن الوعيد لا يأتي على فِعْلِ مكروه فقط.
إذاً؛ ينظرُ المصلِّي إما إلى تلقاء وجهه،
وإما إلى موضعِ سجودِه في غير ما استُثنيَ. ولكن أيُّهما أرجح؟
الجواب: أن يختارَ ما هو أخشعُ لقلبِه؛ إلا في موضعين: في حال الخوف، وفيما إذا جَلَسَ، فإنه يرمي ببصره إلى موضع إشارته إلى أصبعه؛ كما جاءت به السُّنَّةُ عن النبيِّ ﷺ.
ومِن العجيب أن الذين قالوا: ينظر إلى الكعبة، علَّل بعضهم ذلك بأن النظر إلى الكعبة عبادة، وهذا التَّعليلُ يحتاجُ إلى دليلٍ،
فمِن أين لنا أنَّ النَّظَرَ إلى الكعبة عبادةٌ؟ لأن إثبات أيِّ عبادةٍ لا أصل لها مِن الشرع فهو بدعة.
مسألة: إغماض العينين في الصَّلاةِ.
الصَّحيحُ أنَّه مكروهٌ؛ لأنه يُشبه فِعْلِ المجوس عند عبادتهم النيران، حيث يُغمضون أعينَهم.
وقيل: إنه أيضاً مِن فِعْلِ اليهودِ، والتشبُّه بغير المسلمين أقلُّ أحواله التحريم، كما قال شيخ الإِسلام رحمه الله، فيكون إغماضُ البَصَرِ في الصَّلاةِ مكروهاً على أقل تقدير، إلا إذا كان هناك سبب مثل أن يكون حولَه ما يشغلُه لو فَتَحَ عينيه، فحينئذٍ يُغمِضُ تحاشياً لهذه المفسدة.
فإِن قال قائل: أنا أجِدُ نفسي إذا أغمضت عينيَّ أخشعُ، فهل تُفْتُونَني بأن أُغمِضَ عينيَّ؟
الجواب: لا، لأن هذا الخشوعَ الذي يحصُلُ لك بفِعْلِ المكروه مِن الشيطان، فهو كخشوعِ الصوفية في أذكارهم التي يتعبَّدونَ بها وهي بدعة، والشيطان قد يبعد عن قلبك إذا أغمضت عينيك فلا يوسوس، من أجل أن يوقعك فيما هو مكروه، فنقول: افْتَحْ عينيك، وحاول أن تخشعَ في صلاتِك.
أما أن تُغمِضَ عينيك بدون سببٍ لتخشعَ فلا؛ لأنَّ هذا مِن الشيطان.
ثُمَّ يَقُولُ:«سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إلهَ غَيْرُكَ».
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.