ويقول: سبحان ربي الأعلى
الشروح عليها
(ويقول) في السجود: (سبحان ربي الأعلى) على ما تقدم في تسبيح الركوع.
لا زيادة له على هذه المسألة.
الأعلى) . على ما تقدم في تسبيح الركوع أي حكمه حكم ما تقدم، من أن الواجب مرة، وأدنى الكمال ثلاث وفاقا، وأعلاه عشرة على ما تقدم. أي يكون ابتداؤه مع ابتدائه، وانتهاؤه مع انتهائه، لقوله: ثم يكبر حين يرفع رأسه، متفق عليه، وهذا الرفع والاعتدال واجب، وهو مذهب الشافعي، لقوله في حديث المسيء ثم اجلس حتى تطمئن جالسا وعن عائشة: إذا رفع من السجدة لم يسجد حتى يستوي قاعدا، متفق عليه, لحديث أبي حميد الآتي وغيره.
لا زيادة له على هذه المسألة.
«ويقول: سبحان ربي الأعلى». أي: حال السُّجودِ يقول: «سبحان ربي الأعلى» وقد سَبَقَ معنى التسبيح، وما الذي يُسبَّح الله عنه، أي: يُنَزَّه عنه .
وأما قوله:«رَبِّي الأعلى» دون أن يقولَ رَبِّيَ العظيم؛ لأن ذِكْرَ علوِ الله هنا أنسب من ذكر العظمة، لأن الإنسان الآن أنزل ما يكون، لذا كان من المناسب أن يُثني على الله بالعلو، وانظر إلى الحكمة والمناسبة في هذه الأمور، كيف كان الصَّحابةُ في السفر إذا علوا شيئاً كَبَّروا،
وإذا هبطوا وادياً سَبَّحوا ؛ لأن الإنسان إذا علا وارتفع قد يتعاظم في نفسه ويتكبَّر ويعلو، فمناسبٌ أن يقول:«الله أكبر» لِيُذكِّرَ نفسَه بكبرياء الله عز وجل،
أما إذا نزل فإن النزول نقص، فكان ذِكْرُ التسبيح أَولى؛ لتنزيه الله عز وجل عن النقص الذي كان فيه الآن، فكان من المناسب أن يُذَكِّرَ الإنسانُ نفسَه بِمَنْ هو أعلى منها. ونظير هذا من بعض الوجوه: أنَّ الرسول ﷺ كان إذا رأى شيئاً يعجبه من الدنيا يقول: «لبيكَ، إنَّ العيشَ عيشُ الآخرة» لأن الإنسان إذا رأى ما يعجبُه مِن الدُّنيا رُبَّما يلتفت إليه فيُعرض عن الله، فيقول:«لبيك» استجابةً لله عز وجل، ثم يوطِّنُ نفسه فيقول:«إنَّ العيشَ عيشُ الآخرة» فهذا العيش الذي يعجبك عيش زائل، والعيش حقيقة هو عيش الآخرة، ولهذا كان من السُّنَّة إذا رأى الإنسانُ ما يعجبُه في الدُّنيا أن يقول:«لبيك، إن العيشَ عيشُ الآخرة».
وما المراد بالعلو في قول:«سبحانَ ربِّيَ الأعلى» أعلوُّ المكان، أم علوُّ الصفة؟
الجواب: يشمَلُ الأمرين جميعاً، وهذا متفق عليه في فِطَرِ الناس؛ إلا مَن اجتالتْهُ الشياطين عن فطرته،
فإن علوَّ الله عز وجل علو ذات، أمرٌ مفطور عليه الخلق،
فلو أنك قلت للعامي: ماذا تريد بقولك «سبحان رَبِّيَ الأعلى»؟ لقال: أريد أنه فوق كلِّ شيءٍ، ولا يدري عن علوِّ الصِّفة، ومع ذلك فقد أنكر علوه في ذاته مَنْ أنكر ممن يستقبلون قبلتنا، ولا شَكَّ أنهم خالفوا الكتابَ والسُّنَّةَ وإجماعَ السَّلفِ والعقلَ والفطرةَ،
ولو رجعوا إلى فِطَرهم لعلموا أن الإيمان بعلوِّ الله تعالى بذاته أمرٌ لا بُدَّ منه، ولا بُدَّ من الإقرار به، فهم عندما يصيبهم شيءٌ تنصرفُ قلوبُهم إلى السَّماء إلى العلوِّ. وهم يقفون بعَرَفَة يدعون الله، فهل يرفعون أيديهم، أم ينزلوها إلى الأرض؟
ومن العجيب أنهم يرفعون أيديهم، ويدَّعون أنَّ الله في الأرض! نسأل الله العافية.
المهم أننا نشعر في قولنا:«سُبحانَ رَبِّيَ الأعلى» أنَّ اللَّهَ عَلِيٌّ في ذاته، وعَلِيٌّ في صفاته، بل هو أعلى مِنْ كلِّ شيء، والله تعالى وَصَفَ نفسَه أحياناً بالأعلى، وأحياناً بالعليِّ، لأن الوصفين ثابتان له: العلو، وكونه أعلى، كما أنه يوصف بأنه الكبير وأنه الأكبر، وبالعليم وبالأعلم. وصيغة التفضيل في هذه الأشياء على بابها، وليست بمعنى اسم الفاعل كما يدَّعيه بعض العلماء.
وفي قوله:«ويقول سبحان رَبِّي الأعلى» قد ذكرنا في أول باب صِفة الصَّلاةِ أنه لا بُدَّ من أن يُسمِعَ الإنسانُ نفسَه في كلِّ قولٍ واجب، وذكرنا أنَّ القولَ الرَّاجح أن ذلك ليس بشرط ، فالشرطُ أن يخرجَ الحروفَ مِن مخارجها سواءٌ أسْمَعَ نفسه أم لم يُسمعها.
ولم يذكرِ المؤلِّفُ هنا كم مرَّة يقولها؟ ولم يذكر هل يذكر معها غيرها؟ والسُّنَّة أن تُكرر ثلاث مرات،
وأن يزيد معها ما جاءت به السُّنَّةُ أيضاً مثل:«سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الملائكةِ والرُّوح»، «سبحانك اللهمَّ رَبَّنا وبحمدك، اللهمَّ اغْفِرْ لي»، لكن؛ عُذْرُ المؤلِّف أنه كتاب مختصر، فيقتصر المؤلِّف فيه على أدنى الكمال، أو أحياناً على أدنى الواجب.
ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مُكَبِّراً، وَيَجْلِسُ مُفْتَرِشاً يُسْرَاهُ، نَاصِباً يُمْنَاهُ .......
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.