ويقنت فيها بعد الركوع
الشروح عليها
(ويقنت فيها) أي الثالثة (بعد الركوع) ندبا؛ لأنه صح عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من رواية أبي هريرة وأنس وابن عباس،
وإن قنت قبل الركوع بعد القراءة جاز لما روى أبو داود عن أبي بن كعب «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقنت في الوتر قبل الركوع فيرفع يديه إلى صدره ويبسطهما وبطونهما نحو السماء» ولو كان مأموما،
(ويقنت فيها) أي: في الثالثة (بعد الركوع) ندبًا لا قبله،
وعبارة الإقناع وشرحه: ويسن أن يقنت فيها، أي في الركعة الأخيرة من الوتر جميع السنة، وهذا مذهب أبي حنيفة،
وقال الوزير: اتفقوا على أن القنوت في الوتر مسنون في النصف الثاني من شهر رمضان إلى آخره،
وقال الشيخ: إذا صلى قيام رمضان فإن قنت جميع الشهر، أو نصفه الأخير، أو لم يقنت بحال فحسن،
وقال: يخير في دعاء القنوت بين فعله وتركه اهـ والقنوت في اللغة له معان منها الدعاء، ولهذا سمي هذا الدعاء قنوتًا، ويطلق على الدعاء بخير وشر يقال: قنت له وقنت عليه.
وسلم من رواية أبي هريرة وأنس وابن عباس رضي الله عنهم، إلا أنه في الفريضة، وصح في الوتر عن عمر وعلي، وروي عن الخلفاء وغيرهم أنهم كانوا يقنتون بعد الركوع، قال الخطيب، وأكثر الصحابة عملوا به.
نحو السماء، ولو كان مأمومًا . (فيقول) جهرًا إن كان إمامًا إجماعًا، أو منفردًا نص عليه، وقياس المذهب يخير المنفرد، واستظهر في الخلاف تخصيص الجهر بالإمام، وهو ظاهر كلام جماعة،
وقال في الفروع والمبدع والإقناع والمنتهى وغيرها: «يقول اللهم إنا نستعينك ونستهديك ونستغفرك ونتوب إليك، ونؤمن بك ونتوكل عليك، ونثني عليك الخير كله، ونشكرك ولا نكفرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشي عذابك، إن عذابك الجد بالكفار ملحق» ، وهو مروي عن عمر وغيره، وسورتان في مصحف أبي، قال ابن سيرين، هاتان السورتان كتبهما أبي في مصحفه،
وقال أحمد: يستحب بالسورتين وقال الشيخ: لم ينقل مسلم دعاء في قنوت الوتر غير هذه الأدعية المأثورة في الوتر، قنوت الحسن، وسورتي أبي اهـ،
وقال غير واحد: لم يوقت في دعاء القنوت غير اللهم «إنا نستعينك» لأن الصحابة اتفقوا عليه،
ولو قرأ غيره جاز، والأولى بعده قنوت الحسن، قال أحمد: يدعو بدعاء عمر، «اللهم إنا نستعينك» وبدعاء الحسن «اللهم اهدني» وفي النصيحة: يدعو معه بما في القرآن، ونقل الحارث: بما شاء،
وفي الغاية: تحصل سنة القنوت بكل دعاء، وقد جاء القنوت من طرق تدل على مشروعية الدعاء فيه، قال العراقي وغيره، منها ما هو حسن، ومنها ما هو صحيح، وقوله: «ونحفد» بكسر الفاء أي نسارع إلى طاعتك، وأصل الحفد العمل والخدمة، والجد بالكسر العظيم، والأشهر كسر حاء ملحق.
«ويقنت فيها» أي: في الثالثة.
والقُنُوتُ يُطلق على معانٍ منها:
١ ـ الخُشوعُ، كما في قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ وكما في قوله: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ .
٢ ـ الدُّعاءُ، كما هنا «يَقْنُتُ فيها بعد الرُّكوع». «بَعْدَ الرُّكُوعِ» أي: بعدَ الرُّكوعِ في الثَّالثةِ.
وظاهرُ كلامِ المؤلِّفِ: أنَّه يدعو بعد أن يقول: «رَبَّنَا ولك الحَمْدُ» بدون أنْ يُكمل التَّحميدَ، ولكن لو كَمَّلهُ فلا حَرَجَ؛ لأن التَّحميدَ مفتاحُ الدُّعاءِ،
فإنَّ الحَمْدَ والثَّناءَ على الله؛ والصَّلاةَ على نبيِّهِ ﷺ من أسباب إجابةِ الدُّعاءِ.
وظاهر كلامه: أنَّه لا يَرفعُ يديه، وهو أحدُ قولي العُلماء، ولكن قد يُقال: إنَّ الكتابَ مُختصرٌ، وتَرَكَ ذِكْرَ رَفْعِ اليدين اختصاراً لا اعتباراً. يعني: لم يَتْرُكْ ذِكْرَه اعتباراً بأنها لا تُرفع، ولكن اقتصاراً على ذِكْرِ الدُّعاءِ فقط.
والصحيح: أنَّه يرفعُ يديه؛ لأن ذلك صَحَّ عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه. وعُمرُ بنُ الخطَّابِ رضي الله عنه أحدُ الخُلفاءِ الرَّاشدين الذين لهم سُنَّةٌ متَّبعةٌ بأمرِ النَّبيِّ ﷺ، فيَرفَعُ يديهِ.
ولكن كيف يَرفعُ يديه؟
الجواب: قال العُلماءُ: يَرفعُ يديه إلى صَدرِهِ، ولا يرفَعُها كثيراً؛ لأنَّ هذا الدُّعاءَ ليس دُعاءَ ابتهالٍ يُبالِغُ فيه الإنسانُ بالرَّفْعِ، بل دُعاءُ رَغْبَةٍ، ويبسُطُ يديْهِ وبطونَهما إلى السَّماءِ. هكذا قال أصحابُنَا رحمهم الله.
وظاهر كلام أهل العلم: أنه يضمُّ اليدين بعضهما إلى بعض، كحالِ المُستجدي الذي يطلب مِن غيره أن يُعطيه شيئاً،
وأمَّا التَّفْريجُ والمباعدةُ بينهما فلا أعلمُ له أصلاً؛ لا في السُّنَّةِ، ولا في كلامِ العُلماءِ.
وقوله:«فيها» أي: في الرَّكعةِ الثَّالثةِ بعد الرُّكوعِ، هذا هو الأفضلُ ،
وإنْ قَنَتَ قبلَه فلا بأس،
فإذا أتمَّ القِراءة قَنَتَ ثم كبَّرَ ورَكَع، فهذا جائزٌ أيضاً.
وقوله:«يقنتُ فيها» أفادنا رحمه الله: أَنَّ القنوتَ سُنَّةٌ في الوِترِ. وإلى هذا ذهب أصحابُ الإمامِ أحمدَ، وقالوا: إنه يُسَنُّ أن يَقْنُتَ في الوِترِ في كلِّ ليلةٍ.
وقال بعضُ أهل العلم: لا يقنتُ إلا في رمضان.
وقال آخرون: يَقْنُتُ في رمضان في آخرِه.
ولم يثبت عن النَّبيِّ ﷺ حديثٌ صحيحٌ في القُنوتِ في الوِتر. لكن؛ فيه حديث أخرجه ابنُ ماجه بسندٍ ضعيف، حسّنه بعضُهم لشواهده : «أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَنَتَ في الوِتْرِ».
أما الإمام أحمد فقال: إنه لم يصحَّ عن النَّبيِّ ﷺ في القُنُوتِ في الوِترِ قبل الرُّكوع ولا بعده شيءٌ، لكن صَحَّ عن عُمرَ رضي الله عنه أنه كان يَقْنُتُ . والمتأمِّلُ لصلاة النَّبيِّ ﷺ في الليل يرى أنه لا يقنت في الوِترِ، وإنَّما يُصلِّي ركعةً يُوتِرُ بها ما صَلَّى. وهذا هو الأحسن؛ أنْ لا تداوم على قُنُوتِ الوِترِ؛ لأن ذلك لم يثبت عن رسول الله ﷺ، ولكنه عَلَّمَ الحسنَ بنَ عليّ رضي الله عنه دعاءً يدعو به في قُنُوتِ الوِتْرِ ، فيدلُّ على أنَّه سُنَّةٌ، لكن ليس من فِعْلِهِ؛
بل من قَوْلِهِ، على أنَّ بعض أهل العِلْمِ أعلَّ حديث الحسن بعِلَّة، وهي أنَّ الحسن حين ماتَ الرسولُ ﷺ كان له ثمانِ سنوات، ولكن هذه العِلَّة ليست بقادحة؛ لأن مَنْ له ثمانِ سنوات يمكن أنْ يُعَلَّمَ ويُلَقَّنَ ويَحفظَ، فها هو عَمرُو بنُ سَلَمَة الجَرْمِي رضي الله عنه كان يؤمُّ قومَهُ وله سبعُ أو سِتُّ سنين؛ لأنه كان أقرأهم .
وقوله:«بعد الرُّكُوعِ» ظاهرُ كلامِ المؤلِّف: أنَّه لا يُشرعُ القُنُوت قبل الرُّكوعِ، ولكن المشهور مِن المذهب: أنَّه يجوزُ القُنُوتُ قبل الرُّكوعِ وبعد القِراءة؛
فإذا انتهى مِن قراءته قَنَتَ ثم رَكَعَ، وبعد الرُّكوعِ؛ لأنه وَرَدَ ذلك عن النَّبيِّ عليه الصلاة والسلام في قُنُوتِهِ في الفَرائضِ .
وعليه؛ فيكون موضعُ القُنُوتِ مِن السُّننِ المتنوِّعةِ؛ التي يَفعلُها أحياناً هكذا، وأحياناً هكذا.
ويقول:«اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيتَ، ..........
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.