وأكثرها ثمان
الشروح عليها
(وأكثرها ثمان) لما روت أم هانئ «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عام الفتح صلى ثماني ركعات سبحة الضحى» ، رواه الجماعة
لا زيادة له على هذه المسألة.
الفتح صلى ثماني ركعات، سبحة الضحى، رواه الجماعة أي نافلة الضحى، والسبحة الدعاء، وصلاة التطوع، لأنها يسبح بها، ولأحمد عن أنس نحوه، وثمان في الأصل منسوب إلى الثمن، لأنه الجزء الذي صير السبعة ثمانية، فهو ثمنها، فتحوا أوله، وحذفوا منه إحدى ياءي النسب، وعوضوا منها الألف، كما فعلوا في المنسوب إلى اليمن، فتثبت ياؤه عند الإضافة والنصب، كما تثبت ياء القاضي، وتسقط مع التنوين عند الرفع والجر.
لا زيادة له على هذه المسألة.
«وأكثرها ثمان» أي: أكثر صلاة الضُّحى ثمانِ ركعات بأربع تسليمات.
ودليل ذلك: أنَّ النبيَّ ﷺ دخلَ بيتَ أُمِّ هانئ في غزوة الفتح حين دخل مَكة فصَلَّى فيه ثماني ركعات ، قالوا: وهذا أعلى ما وَرَدَ. وعلى هذا؛
فلو صَلَّى الإنسانُ عشرَ ركعات بخمس تسليمات؛ صارت التاسعة والعاشرة تطوُّعاً مطلقاً لا مِن صلاة ضُحى.
والصَّحيح: أنه لا حَدَّ لأكثرها؛ لأنَّ عائشة رضي الله عنها قالت:«كان النبيُّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحى أربعاً، ويزيد ما شاء الله» أخرجه مسلم ، ولم تُقَيِّد،
ولو صَلَّى مِن ارتفاع الشَّمس قيدَ رُمْحٍ إلى قبيل الزوَّال أربعين ركعة مثلاً؛ لكان هذا كلّه داخلاً في صلاة الضُّحى،
ويُجاب عن حديث أُمِّ هانئ بجوابين:
الجواب الأول: أن كثيراً من أهل العلم قال: إن هذه الصَّلاة ليست صلاة ضُحى، وإنما هي صلاة فتح، واستحبَّ للقائد إذا فتح بلداً أن يُصَلِّي فيه ثمان ركعات شكراً لله عز وجل على فتح البلد؛ لأن من نعمة الله عليه أن فتح عليه البلد، وهذه النِّعمة تقتضي الخشوع والذُّل لله والقيام بطاعته، ولهذا لا نعلم أن أحداً فتح بلداً أعظم من مَكَّة، ولا نعلم فاتحاً أعظم من محمَّد ﷺ، ومع ذلك دخل مكَّة ـ حين فتحها ـ وقد طأطأ رأسه عليه الصلاة والسلام، وهو يقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِيناً *﴾ [الفتح] يُرجِّعُ فيها ، أي: كأنه يردِّدُ الحرف مرَّتين، وهذا من كمال تواضعه عليه الصلاة والسلام؛
لأن من أكبر النِّعم أن يفتحَ اللهُ بلدَ أعدائِك على يَدِك قال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ *﴾ ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٤ ـ ١٥] وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ وما أحلى العذاب إذا كان بأيدينا لأعدائنا!.
الوجه الثاني: أنَّ الاقتصار على الثَّمان لا يستلزم أنْ لا يزيد عليها؛ لأنَّ هذه قضيةُ عَين، أرأيت لو لم يُصَلِّ إلا ركعتين، هل نقول: لا تزيد على ركعتين؟.
الجواب: لا؛ لأنَّ قضيةَ العين وما وقع مصادفة فإنه لا يُعَدُّ تشريعاً. وهذه قاعدةٌ مفيدةٌ جداً، ولهذا لا يستحبُّ للإنسان إذا دفع مِن «عَرفة» وأتى الشِّعبَ الذي حول مزدلفة؛ أنْ ينزلَ فيبول ويتوضأ وضوءاً خفيفاً، كما فَعَلَ الرَّسول ﷺ،
فإنَّ النبيَّ ﷺ لما دَفَعَ مِن «عَرفة» في الحَجِّ؛ ووصل إلى الشِّعبِ نَزَلَ فَبَالَ وتوضَّأ وضوءاً خفيفاً لأن هذا وقع مصادفة، فالنبيُّ ﷺ احتاج أن يبولَ فنزل فبال وتوضَّأ؛ لأجل أن يكون فعلُه للمناسك على طهارة.
وقوله:«أكثرها» مبتدأ. و «ثمان» خبر تعرب إعراب المنقوص بياء مفتوحة في النَّصب منونة، فتقول: اشتريت من الغنم ثمانياً كما تقول: رأيت قاضياً.
وفي حال الرَّفع والجَرِّ تُحذف الياء وتبقى الكسرة دليلاً عليها، لكنها منوَّنة، وهذا التنوين تنوين عِوض فتقول: عندي من الضَّأن ثمانٍ، وعليه فنقول:«ثمان» مرفوعة بضمَّة مقدَّرة على الياء المحذوفة لالتقاء السَّاكنين، والتنوين تنوين عِوض، هذا إذا لم تُركَّب مع عشرة، وفيها لغة رديئة قليلة أن تُعرب بالحركات على النون، فتقول: اشتريت من الضأن ثماناً وعندي من الضَّأن ثمانٌ، ونظرت في الضأن إلى ثمانٍ.
فلنا في إعرابها وجهان إذا لم تُركَّب.
أما إذا رُكِّبت مع عشرة؛ ففيها وجهان: تُبنى على الفتح، فيُقال: ثمانيَ عشرة امرأة،
ويجوز إسكان الياء، فتقول: ثمانيْ عشرة.
وَوَقْتُهَا مِنْ خُرُوجِ وَقْتِ النَّهِي إِلَى قُبَيْلِ الزَّوَالِ ..........
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.