ولا صبي لبالغ
الشروح عليها
(ولا) إمامة (صبي لبالغ) في فرض؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تقدموا صبيانكم» ، قاله في " المبدع "، وتصح في نفل وإمامة صبي بمثله،
لا زيادة له على هذه المسألة.
الصلاة والسلام: «لا تقدموا صبيانكم» قاله في المبدع ولا يصح لمعارضته حديث عمرو وغيره، ولم يعز إلى شيء من كتب الحديث وقال ابن عبد الهادي: لا يصح ولا يعرف له إسناد صحيح،
وعنه تصح إذا كان يعقلها وفاقا للشافعي وإحدى الروايتي لأبي حنيفة، وذكره غير واحد قول أكثر العلماء لحديث «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله» ، الحديث ولحديث عمرو بن سلمة عند البخاري وغيره، وهو ابن سبع أو ثمان، والذين قدموه جماعة من الصحابة في عصر النبوة ولا يعدل عنه إلا بدليل،
وقال ابن حزم، لا نعلم لهم مخالفا، وتقدم أن ذكوان أم وهو غلام لم يبلغ، رواه الشافعي وعبد الرزاق وغيرهم، وكرهها مالك وأصحاب الرأي في الفرض،
وقال في الفروع، وبناؤهم المسألة على أن صلاتهم نافلة، ويقتضي صحة إمامته إن لزمته، قاله صاحب النظم وهو متجه اهـ ومن جازت إمامته في النفل جازت في الفرض، إلا بمخصص يجب المصير وقصة معاذ مشهورة.
المبدع وتصح في نفل . وإمامة صبي بمثله يعني تصح وفاقا، لأنها نفل في حق كل منهما، فاتحدت صلاتهما.
. وإمامة صبي بمثله (و) لا إمامة (أخرس) بناطق فلا تصح قولا، واحدا وفاقا، والأخرس محتبس اللسان عن النطق، خلقه أو إعياء، وتقدم.
«ولا صبي لبالغ» أي: لا تصحُّ إمامةٌ مِن صبيٍّ لبالغٍ. والصَّبيُّ: مَن دونَ البلوغِ، والبالغُ مَن بَلَغَ،
ويحصُلُ البلوغُ بواحدٍ مِن أمورٍ ثلاثةٍ بالنسبة للذُّكورِ وهي:
١ ـ تمامُ خمس عشرة سَنَةً.
٢ ـ إنباتُ العَانةِ.
٣ ـ إنزالُ المَنيِّ بشهوةٍ يقظةً أو مناماً.
فإذا وُجِدَ واحدٌ مِن هذه الأمورِ الثلاثةِ صارَ الإِنسانُ بالغاً. والمرأةُ تزيدُ على ذلك بأمرٍ رابعٍ وهو الحيضُ،
فإذا حاضت ولو لعشرِ سنواتٍ فهي بالغةٌ.
وقوله:«لا صبي لبالغ» أي: أنَّ الصَّبيَّ إذا صارَ إماماً، والبالغُ مأموماً، فصلاةُ البالغِ لا تصحُّ لدليلين؛ أثريٍّ ونظريٍّ.
أما الأثريُّ؛ فهو ما يُذكر عن رسولِ اللهِ ﷺ أنَّه قال:«لا تُقدِّموا سفهاءَكمْ وصبيانَكمْ في صلاتِكم … ».
وأما النظريُّ؛ فهو أنَّ صلاةَ الصَّبيِّ نَفْلٌ، وصلاةُ البالغِ فَرْضٌ. والفرضُ أعلى رُتْبةً مِن النَّفْلِ،
فإذا كان أعلى رُتْبَةً فكيف يكون صاحبُه تابعاً مَن هو أدنى منه رُتْبةً؛ لأننا لو صحَّحنا صلاةَ البالغِ خلفَ الصَّبيِّ لجعلنا الأعلى تابعاً لما دونه؛ وهذا خِلافُ القياسِ، والقياسُ أن يكونَ الأعلى متبوعاً لا تابعاً. وقوله:«لبالغ» يُفهمُ منه أنَّ إمامةَ الصَّبيِّ للصَّبيِّ جائزةٌ، وهو كذلك، وهذا ما ذهبَ إليه المؤلِّفُ رحمه الله.
القول الثاني: أنَّ صلاةَ البالغِ خلفَ الصَّبيِّ صحيحةٌ.
ودليلُ ذلك: ما ثَبَتَ في «صحيح البخاري» أن عَمرَو بنَ سَلَمة الجَرْمي أمَّ قومَه وله ستٌّ أو سبعُ سنين؛ لأنه كان رضي الله عنه يتلقَّفُ الرُّكبان، وهو صبيٌّ ذكيٌّ فيحفظُ منهم القرآنَ،
ولما قَدِمَ أبوه مِن عند الرَّسولِ ﷺ حدَّثَهم عن النبي ﷺ أنَّه قال:« … فإذا حضرتِ الصلاةُ؛ فَلْيُؤَذِّنْ أحدُكُم وَلْيَؤُمَّكُمْ أكثرُكُم قرآناً»، قال: فنظروا، فلم يكنْ أحدٌ أكثرَ قرآناً منِّي؛ لِمَا كنتُ أتلقَّى مِن الرُّكبانِ، فقدَّمُوني بين أيديهم وأنا ابنُ سِتٍّ أو سبعِ سنينَ، وكانت عليَّ بُرْدَةٌ، وكنتُ إذا سجدتُ تَقَلَّصَتْ عنِّي، فقالت امرأةٌ مِن الحَيِّ: ألا تُغَطُّون عنَّا إسْتَ قارِئِكم؟!. فاشتروا فقطعوا لي قميصاً. فما فرحتُ بشيءٍ فرحي بذلك القميصِ .
أما حديث:«لا تُقدِّموا صبيانكم في صلاتِكم»، فهو حديثٌ لا أصلَ له إطلاقاً، فلا يصحُّ عن النَّبيِّ ﷺ.
وأما التَّعليلُ: فقد علِمْنَا القاعدةَ وهي: أنه لا قياسَ في مقابلة النَّصِّ؛ لأنَّ القياسَ رأيٌ يُخطئُ ويُصيبُ،
ولا يجوز القول في الدين بالرَّأي،
فإذا كان لدينا حديثٌ صحيحٌ فإنَّ الرأيَ أمامَه ليس بشيءٍ. لكن؛ قد يعترضُ مُعترضٌ فيقول: هل عَلِمَ بذلك رسولُ الله ﷺ أوَ لم يعلمْ؟
الجواب: إما أنْ نقولَ: إنَّه عَلِمَ.
وإما أنْ نقولَ: إنَّه لم يعلمْ.
وإما أنْ نقولَ: لا ندري.
فإن كان قد عَلِمَ فالاستدلالُ بهذه السُّنَّةِ واضحٌ،
وإن عَلِمنا أنَّه لم يعلم فإننا نقول: إنَّ الله قد عَلِمَ، وإقرارُ اللهِ للشيء في زَمَنِ نزولِ الوحي دليلٌ على جَوازِه، وأنه ليس بمنكرٍ؛ لأنه لو كان منكراً لأنكرَه اللهُ،
وإن كان الرسولُ لم يعلمْ به،
ودليل ذلك:
أولاً: قول الله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا *﴾ [النساء] فأنكرَ اللهُ عليهم تبييتَهم للقولِ مع أنَّ الناسَ لا يعلمون به؛ لأنهم إنما بَيَّتوا أمراً منكراً، فدلَّ هذا على أن الأمرَ المنكرَ لا يمكن أن يَدَعَهُ الله،
وإنْ كان الناسُ لا يعلمون به.
ثانياً: أن الصحابةَ استدلُّوا على جوازِ العَزْلِ بأنهم كانوا يَعزلون والقرآنُ ينزل . وهذا استدلالٌ منهم بإقرارِ الله تعالى.
َلَا أَخْرَسَ، ........... «ولا أخرس» أي: ولا تصحُّ إمامةُ الأخرسِ. وظاهرُ كلامِهِ حتى بمثلِه، والأخرسُ هو الذي لا يستطيعُ النُّطقَ،
وهو نوعان:
١ ـ خَرَسٌ لازمٌ. ٢ ـ خَرَسٌ عارضٌ.
فاللازم: أن يكون ملازماً للمرءِ مِن صغرِه، والعارضُ هو الذي يحدثُ للمرءِ
إما بحادثٍ، أو بمرضٍ، أو بغير ذلك.
وإذا كان لازماً؛ فالغالبُ أنَّه لا يَسمَعُ، وانتفاءُ السَّمْعِ سابقٌ على الخَرَسِ؛ لأنه إذا كان لا يَسمَعُ لا يمكن أن يتكلَّمَ؛ إذ لا يَسمَعُ شيئاً يقلِّدُه حتى يتكلَّم مثلَه، ولهذا إذا وُلِدَ الصَّبيُّ أصمَّ، ولم يفتحِ الله أذنيهِ فإنه يبقى أخرس.
أما الطارئ؛ فقد يكون الأخرسُ سميعاً، لكن طرأ عليه عِلَّةٌ منعته مِن الكلام.
وكلا النوعين لا يصحُّ أن يكون إماماً، لا بمثلِه ولا بغيرِه؛ لأنه لا يستطيع النُّطقَ بالرُّكنِ كقراءة الفاتحةِ، ولا بالواجبات كالتشهد الأول، ولا بما تنعقدُ به الصَّلاةُ، وهو تكبيرةُ الإِحرامِ؛ فيكون عاجزاً عن الأركانِ والواجباتِ، فلا يصحُّ أن يكون إماماً لمن هو قادرٌ على ذلك، وهذا التعليلُ قد يكون متوجِّهاً بالنسبةِ لكونه إماماً لِمَن هو قادرٌ على النُّطقِ، لكن بالنسبة لمَن هو عاجزٌ عن النُّطقِ، فهذا التَّعليلُ يكون عليلاً؛ وذلك لأنَّ العاجزَ عن النُّطقِ لا يفوقُه ولا يفضُله بشيء، فلماذا لا يصحُّ أن يكون إماماً له؟
ولهذا كان القولُ الراجحُ: أنَّ إمامةَ الأخرسِ تصحُّ بمثلِه وبمَن ليس بأخرس؛ لأنَّ القاعدةَ عندنا: أنَّ كلَّ مَن صحَّتْ صلاتُه صحَّتْ إمامتُه. لكن مع ذلك لا ينبغي أن يكون إماماً؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ يقول:«يَؤمُّ القومَ أقرؤهم لكتابِ اللهِ» وهذا لا يقرأ، لكن بالنسبة للصِّحَّةِ فالصحيحُ، أنَّها تصحُّ.
وَلَا عَاجِزٍ عَنْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ أَوْ قُعُودٍ أَوْ قِيَامٍ ...........
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.