إذا فارق عامر قريته أو خيام قومه.
الشروح عليها
(إذا فارق عامر قريته) سواء كانت البيوت داخل السور، أو خارجه، (أو) فارق (خيام قومه) ، أو ما نسبت إليه عرفا كسكان قصور وبساتين ونحوهم؛ لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنما كان يقصر إذا ارتحل، ولا يعيد من قصر بشرطه، ثم رجع قبل استكمال المسافة، ويقصر من أسلم، أو بلغ، أو طهرت بسفر مبيح،
ولو كان الباقي دون المسافة لا من تاب إذا، ولا يقصر من شك في قصر المسافة، ولا من لم يقصد جهة معينة كالتائه، ولا من سافر ليترخص، ويقصر المكره كالأسير وامرأة وعبد تبعا لزوج وسيد.
السور أو خارجه . (أو) فارق (خيام قومه) أي فله القصر وفاقا، إن استوطنوا الخيام، جمع خيمة كتمرة وتمر، قاله الواحدي،
وقال الجوهري، جمع خيم بمعنى خيمة وعلى الأول فالخيام جمع جمع.
ما نسبت إليه عرفا سكان قصور وبساتين ونحوهم كأهل العزب من قصب ونحوه، وسكان بالرفع نائب فاعل نسبت أي أو فارق سكان قصور وبساتين ونحوهم ذلك المحل الذي نسبت إليه عرفا تلك القصور والبساتين والعزب ونحوها، إن كان الباقي قدر مسافة، ولم ينو عودا قبل استكمالها وإن فارق عامر قريته ونحوه بنية رجوعه بقرب لحاجة لم يترخص حتى يرجع ويفارق،
ومن رجع إلى بلد أقام به إقامة مانعة يترخص مطلقا، حتى فيه نص عليه وفاقا، لزوال نية إقامته كعوده مجتازا.
طهرت بسفر مبيح، ولو كان الباقي دون المسافة لأن عدم تكليفه في السفر المبيح لا أثر له في ترك القصر في آخره، وعدم التكليف غير مانع في القصر،
بخلاف من أنشأ سفر معصية ثم تاب وقد بقي دونها على المذهب.
الباقي دون المسافة ، لا من تاب إذا أي فلا يقصر إذا لم يبق إلا دون مسافة القصر، وتقدم قول الشيخ.
ولا من سافر ليترخص . ويقصر المكره كالأسير أي يقصر المكره على السفر، كما يقصر الأسير، تبعا لسفرهم،
ومتى صار ببلدهم أتم تبعا لإقامتهم، وكالبكر الزاني المغرب، ومحرم المغربة، وقاطع الطريق المشرد إذا خاف السبيل، ولم يقتل ولم يأخذ مالا، لأن سفرهما ليس بمعصية وإن كان بسبب المعصية.
ويقصر المكره كالأسير وامرأة وعبد تبعا لزوج وسيد في سفر ونية،
فإذا نوى الزوج والسيد سفرا مباحا يبلغ مسافة القصر، قصرا تبعا لهما، وفيه لف ونشر مرتب، وهو من أنواع البديع المحسنة،
وكذا جندي مع أمير تبع له.
«إذا فارق عامر قريته» هذا شرط ابتداء القصر، يعني: لا يقصر إلا إذا فارق عامر قريته. والمفارقة: ليس المراد بها أن يغيب عن قريته؛ لأنها ربما لا تغيب عن نظره إلا بعد مسافة طويلة، وقد ذكر أن زرقاء اليمامة تبصر من مسيرة ثلاثة أيام، بل المراد بالمفارقة: المفارقة البدنية، لا المفارقة البصرية، أي: أن يتجاوز البيوت،
ولو بمقدار ذراع، فإذا خرج من مسامتة البيوت ولو بمقدار ذراع فإنه يعتبر مفارقاً.
وقوله:«عامر قريته» لم يقل بيوت قريته؛ لأنه قد يكون هناك بيوت قديمة في أطراف البلد هجرت وتركت ولم تسكن، فهذه لا عبرة بها، بل العبرة بالعامر من القرية،
فإذا قدر أن هذه القرية كانت معمورة كلها، ثم نزح أهلها إلى جانب آخر وهجرت البيوت من هذا الجانب فلم يبق فيها سكان فالعبرة بالعامر،
فإن كان في القرية بيوت عامرة ثم بيوت خربة ثم بيوت عامرة، فالعبرة بمفارقة البيوت العامرة الثانية وإن كان يتخللها بيوت غير عامرة.
وقوله:«إذا فارق عامر قريته» أضافها إلى نفسه ليفيد أن المراد قريته التي يسكنها،
فلو فرض أن هناك قريتين متجاورتين،
ولو لم يكن بينهما إلا ذراع أو أقل،
فإن العبرة بمفارقة قريته هو،
وإن لم يفارق القرية الثانية الملاصقة أو المجاورة. «أو خيام قومه» أي: إذا كانوا يسكنون الخيام فالعبرة بمفارقة الخيام،
فإذا فارق الخيام حل له القصر، وعلم من كلامه رحمه الله : أنه لا يجوز أن يقصر ما دام في قريته ولو كان عازماً على السفر ولو كان مرتحلاً،
ولو كان راكباً يمشي بين البيوت، فإنه لا يقصر حتى يبرز، وذلك لأن النبي ﷺ :«كان لا يقصر إلا إذا خرج وارتحل».
ولأن السفر هو أن يسفر الإِنسان ويبرز ويخرج كما سبق أن السفر مفارقة محل الإِقامة ،
ومن كان في محل إقامته فإنه ليس مسافراً.
مسألة: إذا كان في القصيم وخرج إلى المطار، هل يقصر في المطار؟
الجواب: نعم يقصر؛ لأنه فارق عامر قريته فجميع القرى التي حول المطار منفصلة عنه،
أما من كان من سكان المطار؛ فإنه لا يقصر في المطار، لأنه لم يفارق عامر قريته.
مسألة: وهل له أن يفطر في المطار؟
الجواب: نعم له أن يفطر،
فلو أراد أن يسافر في رمضان وخرج وبقي في المطار ينتظر الطائرة، وأقصد بذلك مطار القصيم فإنه يفطر، لأنه فارق عامر قريته،
ولو قدر أن الطائرة لم تقلع ولم يحصل السفر ذلك اليوم، هل يعيد الصلاة التي كان قصرها؟
الجواب: لا، لأنه أتى بها بأمر الله موافقة لشرعه، فتكون مقبولة لقول النبي ﷺ :«من عمل عملاً ليس عليها أمرنا فهو رد» فمفهومه أن من عمل عملاً عليه أمر الله ورسوله فهو مقبول. مسألة: وهل يلزمه إذا لم تأتِ الطائرة ورجع إلى بلده بعد أن أفطر الإِمساك؟
فيه قولان لأهل العلم.
والصحيح: أنه لا يلزمه، لأنه أفطر بعذر شرعي على وجه مباح، فزالت حرمة النهار في حقه فبقي آخر النهار غير ملزم به. وسيأتي لهذا مزيد بحث في كتاب الصيام إن شاء الله.
مسألة: رجل سافر من أجل أن يترخص فهل يترخص؟
الجواب: لا، لأن السفر حرام حينئذ، ولأنه يعاقب بنقيض قصده فكل من أراد التحيُّل على إسقاط الواجب أو فعل المحرم عوقب بنقيض قصده فلا يسقط عنه الواجب ولا يحل له المحرم.
مسألة: إنسان خرج من بلده يتمشّى فهبت رياح أضلته عن الطريق، فصار تائهاً يطلب الطريق، ولم يهتدِ إليه، فهل يقصر الصلاة؟.
الجواب: لا يقصر، لأنه لم ينو مسافة القصر وقد يهتدي إلى الطريق قبل بلوغ المسافة،
وكذلك من خرج لطلب بعير شارد لا يقصر؛ لأنه لم ينوِ المسافة.
ولكن الصحيح: أنه يقصر لأنه على سفر.
وَإِنْ أَحْرَمَ حَضَراً ثُمَّ سَافَرَ، ...........
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.