وندب ليشهر علمه:
الشروح عليها
(وَنُدِبَ لِيُشْهَرَ عِلْمُهُ) لِلنَّاسِ بِقَصْدِ إفَادَةِ الْجَاهِلِ، وَإِرْشَادِ الْمُسْتَفْتِي لَا الشُّهْرَةِ لِأَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ، ثُمَّ شُبِّهَ فِي النَّدْبِ قَوْلُهُ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: وَنُدِبَ) أَيْ الْقَضَاءُ بِمَعْنَى تَوْلِيَتِهِ.
(قَوْلُهُ: لِيُشْهَرَ عِلْمُهُ) أَيْ لِكَوْنِهِ خَامِلًا لَا يُؤْخَذُ بِفَتْوَاهُ وَلَا يَتَعَلَّمُ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَيَتَوَلَّاهُ بِقَصْدِ إفَادَةِ الْجَاهِلِ وَإِرْشَادِ الْمُسْتَفْتِي.
(قَوْلُهُ: لَا الشُّهْرَةِ إلَخْ) أَيْ وَلَيْسَ الْمُرَادُ تَوْلِيَتَهُ لِأَجْلِ الشُّهْرَةِ لِرِفْعَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ فَإِنَّ هَذَا مَكْرُوهٌ لَا مَنْدُوبٌ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
ص (وَنُدِبَ لِيُشْهَرَ عِلْمُهُ) ش: نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْمَازِرِيِّ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَزَادَ مَعَهُ أَوْ أَنْ يَكُونَ فَقِيرًا وَلَهُ عِيَالٌ وَيَسْعَى فِي تَحْصِيلِهِ لِسَدِّ خُلَّتِهِ وَنَصُّهُ: قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: يُسْتَحَبُّ طَلَبُهُ لِمُجْتَهِدٍ خَفِيَ عِلْمُهُ وَأَرَادَ إظْهَارَهُ بِوِلَايَتِهِ الْقَضَاءَ أَوْ لِعَاجِزٍ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ إلَّا بِرِزْقِ الْقَضَاءِ الْمَازِرِيُّ وَلَا يُقْتَصَرُ بِالِاسْتِحْبَابِ عَلَى هَذَيْنِ بَلْ يُسْتَحَبُّ لِلْأَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ مِنْهُ، انْتَهَى. وَعَبَّرَ ابْنُ فَرْحُونٍ عَنْ هَذَا الْأَخِيرِ بِقَوْلِهِ، قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَقَدْ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ وَلَكِنْ يَرَى أَنَّهُ أَنْهَضُ بِهِ وَأَنْفَعُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ آخَرَ يُوَلَّاهُ وَهُوَ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ التَّوْلِيَةَ وَلَكِنَّهُ مُقَصِّرٌ عَنْ هَذَا، انْتَهَى.
وَإِنْ كَانَ يَقْصِدُ بِهِ دَفْعَ ضَرَرٍ عَنْ نَفْسِهِ فَعَدَّهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْقِسْمِ الْمُبَاحِ، قَالَ: وَنَقَلَهُ الْمَازِرِيُّ فِي الْوَجْهِ الْمُسْتَحَبِّ،
وَكَذَلِكَ عَدَّ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْقِسْمِ الْمُبَاحِ مَا نَقَلَ الْمَازِرِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ مِنْ أَنَّهُ إذَا كَانَ فَقِيرًا وَطَلَبَهُ لِسَدِّ خُلَّتِهِ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ وَعَكْسُ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ وَهُوَ مَا إذَا كَانَ عَدْلًا مَشْهُورًا يَنْفَعُ النَّاسَ بِعِلْمِهِ وَخَافَ إنْ تَوَلَّى الْقَضَاءَ أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى ذَلِكَ يُكْرَهُ لَهُ السَّعْيُ، قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْمَازِرِيِّ وَفِي كَوْنِهِ فِي حَقِّ الْمَشْهُورِ عِلْمُهُ الْغَنِيِّ مَكْرُوهًا أَوْ مُبَاحًا نَظَرٌ، قَالَ: وَأُصُولُ الشَّرْعِ تَدُلُّ عَلَى الْإِبْعَادِ مِنْهُ، انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: وَمِنْ الْمَكْرُوهِ أَنْ يَكُونَ سَعْيُهُ فِي طَلَبِ الْقَضَاءِ لِتَحْصِيلِ الْجَاهِ وَالِاسْتِعْلَاءِ عَلَى النَّاسِ فَهَذَا يُكْرَهُ لَهُ السَّعْيُ وَلَوْ قِيلَ إنَّهُ يَحْرُمُ لَكَانَ وَجْهُهُ ظَاهِرًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} ، انْتَهَى.
وَأَمَّا إبَاحَةُ السَّعْيِ فَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ، قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَيَبْعُدُ عِنْدِي تَصَوُّرُ الْإِبَاحَةِ إلَّا عِنْدَ تَقَابُلِ أَدِلَّةِ الْأَحْكَامِ وَقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ وَلَا يُقْدَرُ عَلَى تَرْجِيحِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ لِلْفَهْمِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ابْنَ فَرْحُونٍ جَعَلَ مِنْهُ مَسْأَلَةَ مَنْ سَعَى فِيهِ لِسَدِّ خُلَّتِهِ وَتَقَدَّمَ كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ أَيْضًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ ذِكْرِهِ هَذِهِ الْأَقْسَامَ (قُلْتُ) هَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ تَكُنْ تَوْلِيَتُهُ مَلْزُومَةً لِمَا لَا يَحِلُّ مِنْ تَكْلِيفِهِ تَقْدِيمَهُ مَنْ لَا يَحِلُّ تَقْدِيمُهُ لِلشَّهَادَةِ وَقَدْ شَاهَدْنَا مِنْ ذَلِكَ مَا اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ وَلَا
فَائِدَةَ فِي كَتْبِهِ هُنَا، انْتَهَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَاب آدَاب الْقَضَاء] (وَنُدِبَ لِيُشْهَرَ عِلْمُهُ)
الْمَازِرِيُّ: وَيُسْتَحَبُّ طَلَبُهُ لِمَنْ أَرَادَ إظْهَارَ عِلْمِهِ. اُنْظُرْ أَوَّلَ سِرَاجِ الْمَرِيدِينَ.
(ص) وَنُدِبَ لِيُشْهَرَ عِلْمَهُ (ش) لَمَّا ذَكَرَ الْوَاجِبَ؛ لِأَنَّهُ أَشْرَفُ وَثَنَّى بِمُقَابِلِهِ وَهُوَ الْحَرَامُ ثَلَّثَ بِالْمَنْدُوبِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ طَلَبُ الْقَضَاءِ إذَا كَانَ عَالِمًا خَفَى عِلْمُهُ عَلَى النَّاسِ فَأَرَادَ أَنْ يُشْهِرَهُ بِالْقَضَاءِ لِيُعَلِّمَ الْجَاهِلَ وَيُرْشِدَ الْمُسْتَفْتِيَ،
وَمِنْ أَقْسَامِ الْمُسْتَحَبِّ أَنْ يَكُونَ عَاجِزًا عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ إلَّا بِرِزْقِ الْقَضَاءِ وَهُوَ أَهْلٌ لَهُ وَالْمُرَادُ بِرِزْقِ الْقَاضِي الْمَجْعُولُ لَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ مِنْ الْأَوْقَافِ عَلَى الْقَضَاءِ لَا مِنْ مَالِ مَنْ حَكَمَ لَهُ بِالْحَقِّ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ كَمَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ فِي الْإِجَارَةِ فِي الشَّرْطِ الرَّابِعِ
(قَوْلُهُ: وَنُدِبَ لِيُشْهَرَ عِلْمَهُ) بِضَمِّ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ وَهُوَ الْمَحْفُوظُ مِنْ أَشْهَرَ وَبِفَتْحِهَا مِنْ شَهَرَ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِقَوْلِهِ الْآتِي إنْ شُهِرَ عَدْلًا.
(قَوْلُهُ: لِيُعَلِّمَ الْجَاهِلَ) أَيْ لَا الشُّهْرَةَ لِرِفْعَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ
وَكَذَا يُنْدَبُ لِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ أَنْهَضُ وَأَنْفَعُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِهِ
وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ نِظَامَ الشَّرْعِ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْقَضَاءِ فَيُنْدَبُ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ عَاجِزًا إلَخْ) قَدْ يُقَالُ هَذَا يُنْتِجُ الْوُجُوبَ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِعَجْزِهِ حُصُولُ مَشَقَّةٍ مِنْ تَحْصِيلِهِ لَا تَصِلُ لِحَدِّ الْوُجُوبِ.
(تَنْبِيهٌ) : الْأَصْلُ فِي الْقَضَاءِ الْإِبَاحَةُ وَرُبَّمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ: فَلَهُ الْهَرَبُ وَذَكَرَ الْوَاجِبَ وَالْحَرَامَ وَتَرَكَ الْمَكْرُوهَ وَهُوَ إرَادَتُهُ لِلْجَاهِ وَالِاسْتِعْلَاءِ عَلَى النَّاسِ أَيْ طَلَبَ أَنْ يَكُونَ عَالِيًا بَيْنَهُمْ مِنْ غَيْرِ تَكَبُّرٍ عَلَيْهِمْ وَإِلَّا حَرُمَ قَطْعًا وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى فَيُبَاحُ لِمَنْ يَدْفَعُ بِهِ ضَرَرًا عَنْ نَفْسِهِ،
وَكَذَا إذَا كَانَ فَقِيرًا وَلَهُ عِيَالٌ
وَيُكْرَهُ أَنْ يَنْفَعَ النَّاسَ وَيَخْشَى بِهِ الِانْقِطَاعَ ثُمَّ إنَّك خَبِيرٌ بِأَنَّ قَوْلَهُ أَنْ يَكُونَ عَاجِزًا يُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي كَوَرِعٍ غَنِيٍّ أَوْ يُقَالُ إنَّ مَا يَأْتِي الِاسْتِحْبَابُ مُتَعَلِّقٌ بِالْخَلِيفَةِ لَا بِالْقَاضِي.
(قَوْلُهُ: كَمَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ فِي الْإِجَارَةِ فِي الشَّرْطِ الرَّابِعِ) أَيْ مِنْ شُرُوطِ الْإِجَارَةِ لَكِنْ يَنْبَغِي مُرَاجَعَةُ الْجَوَاهِرِ .
(وَنُدِبَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ طَلَبُ وَقَبُولُ تَوْلِيَةِ الْقَضَاءِ لِصَاحِبِ عِلْمٍ خَفِيٍّ (لِيُشْهِرَ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ (عِلْمَهُ) لِلنَّاسِ فَيَنْتَفِعُونَ بِهِ لِأَنَّ الْخَامِلَ لَا يُعْبَأُ بِهِ وَلَا يُلْقَى إلَيْهِ، سَمِعَ فِي الْمَازِرِيِّ " ق " عَنْ بَعْضِهِمْ يُسْتَحَبُّ طَلَبُهُ لِمُجْتَهِدٍ خَفِيَ عِلْمُهُ وَأَرَادَ إظْهَارَهُ بِوِلَايَتِهِ الْقَضَاءَ وَلِعَاجِزٍ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ إلَّا بِرِزْقِ الْقَضَاءِ. الْمَازِرِيُّ وَلَا يُقْتَصَرُ بِالِاسْتِحْبَابِ عَلَى هَذَيْنِ إذْ يُسْتَحَبُّ لِلْأَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ مِنْهُ. ابْنُ فَرْحُونٍ الْمَازِرِيُّ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ وَلَكِنَّهُ يَرَى أَنَّهُ أَنْهَضُ وَأَنْفَعُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ آخَرَ يُوَلَّاهُ وَهُوَ يَسْتَحِقُّهُ.
وَلَكِنَّهُ دُونَ هَذَا. اهـ. وَإِنْ قَصَدَ بِهِ دَفْعَ ضَرَرٍ عَنْ نَفْسِهِ فَعَدَّهُ ابْنُ فَرْحُونٍ مِنْ الْمُبَاحِ وَعَكْسُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَا إذَا كَانَ عَدْلًا مَشْهُورًا يَنْفَعُ النَّاسَ بِعِلْمِهِ وَخَافَ إنْ تَوَلَّى الْقَضَاءَ أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى ذَلِكَ، فَيُكْرَهُ لَهُ طَلَبُهُ وَقَبُولُهُ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
ابْنُ عَرَفَةَ الْمَازِرِيُّ فِي كَوْنِهِ فِي حَقِّ الْمَشْهُورِ عِلْمُهُ الْغَنِيِّ مَكْرُوهًا أَوْ مُبَاحًا نَظَرٌ، وَأُصُولُ الشَّرْعِ تَدُلُّ عَلَى الْإِبْعَادِ مِنْهُ اهـ. ابْنُ فَرْحُونٍ مِنْ الْمَكْرُوهِ أَنْ يَطْلُبَ الْقَضَاءَ لِتَحْصِيلِ الْجَاهِ وَالِاسْتِعْلَاءِ عَلَى النَّاسِ، فَهَذَا سَعْيُهُ مَكْرُوهٌ،
وَلَوْ قِيلَ إنَّهُ حَرَامٌ كَانَ وَجْهُهُ ظَاهِرًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ تَكُنْ تَوْلِيَتُهُ مَلْزُومَةً لِمَا لَا يَحِلُّ مِنْ تَكْلِيفِهِ تَقْدِيمَ مَنْ كَوَرِعٍ، غَنِيٍّ، حَلِيمٍ، نَزِهٍ، [منح الجليل] لَا يَحِلُّ تَقْدِيمُهُ لِلشَّهَادَةِ، وَقَدْ شَاهَدْنَا مِنْ ذَلِكَ مَا اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ، وَلَا
فَائِدَةَ فِي كَتْبِهِ هُنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَشَبَّهَ فِي النَّدْبِ فَقَالَ (كَ) تَوْلِيَةِ (وَرِعٍ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ تَارِكِ الشُّبُهَاتِ خَوْفَ الْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمَاتِ، وَالنَّزِهِ هُوَ الَّذِي لَا يَطْمَعُ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ. فِي الْمُقَدِّمَاتِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي صِفَةِ الْقَاضِي أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ذَا نَزَاهَةٍ عَنْ الطَّمَعِ.
وَفِي الذَّخِيرَةِ ابْنُ مُحْرِزٍ لَا يَأْتِي بِمَا نُصِبَ لَهُ حَتَّى يَكُونَ ذَا نَزَاهَةٍ وَنَصِيحَةٍ وَرَحْمَةٍ وَصَلَابَةٍ لِيُفَارِقَ بِالنَّزَاهَةِ التَّشَوُّفَ لِمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ وَبِالنَّصِيحَةِ يُفَارِقُ حَالَ مَنْ يُرِيدُ الظُّلْمَ، وَلَا يُبَالِي بِوُقُوعِ الْغِشِّ وَالْغَلَطِ وَالْخَطَأِ، وَبِالرَّحْمَةِ حَالَ الْقَاسِي الَّذِي لَا يَرْحَمُ الصَّغِيرَ وَالْيَتِيمَ وَالْمَظْلُومَ بِالصَّلَابَةِ حَالُ مَنْ يَضْعُفُ عَنْ اسْتِخْرَاجِ الْحُقُوقِ
وإليه أشار بقوله: وندب ليشهر علمه، يشهر بضم الياء وهو المحفوظ من أشهر، وبفتحها من شهر، وهو الموافق لقوله الآتي: إن شهر عدلا، وربما يدل عليه كلام الصحاح. قاله عبد الباقي. يعني أنه يستحب لعالم خامل الذكر القبول والطلب ليعلم الجاهل ويرشد المستفتي، لا الشهرة لرفعة دنيوية،
وكذا يندب لمن يعلم أنه أنهض وأنفع للمسلمين من غيره.
قال عبد الباقي: وكذا لفقير عاجز عن قوته وقوت عياله إلا برزق القضاء من بيت المال أو من مرتب وقف عليه، كما اقتصر عليه ابن عرفة،
وفي ابن ناجي والتبصرة: أنه مباح فقط. انتهى.
وقال الخرشي: ومن أقسام المستحب أن يكون عاجزًا عن قوته وقوت عياله إلا برزق القضاء وهو أهل له، والمراد برزق القضاء المجعول للقاضي من بيت المال أو من الأوقاف على القضاء، لا من مال من حكم له بالحق فإن ذلك لا يجوز كما نقله صاحب الجواهر في الشرط الرابع. انتهى.
وأشار إلى القسم الثالث وهو شرط الكمال بقوله: كورع، يعني أنه يستحب أن يكون القاضي ورعا، فتولية الورع مندوبة،
ولا يشترط في صحتها أن يكون من ولَّى ورعا، والورِع هو التارك للشبهات خوف الوقوع في المحرمات. قاله الخرشي.
وقال الشبراخيتي: ثم شبه في الندب قوله: كورع، أي شديد الورع كحَذِر أي شديد الحَذَر، وهو التارك للشبهات وبعض المباحات خوف الوقوع في المحرم. انتهى.
وقال عبد الباقي: كورع بكسر الراء أي تارك شبهات وبعض مباحات خوف وقوع في محرم انتهى وقال الحطاب: إن الورع هو التارك للشبهات انتهى.
الخرشي: ويستحب أن يكون القاضي بلديا لعلمه بأحوال الشهود على الراجح. ونحوه للشبراخيتي. الحطاب: زاد ابن الحاجب أن يكون مليا، ولا يخاف في الله لومة لائم، والمص إنما ترك الأول لأن ابن رشد وابن عبد السلام قالا: إن الوُلَاة اليوم يرجحون غير البلدي على البلدي، وترك الثاني لأنه
قال في التوضيح تبعا لابن عبد السلام: الظاهر أنه راجع إلى النوع الأول لأن الخوف من لومة لائم راجع إلى الفسق. انتهى. غني، يعني أنه يستحب في حق القاضي أن يكون غنيا، أي ذا مال غير محتاج بحيث لا تتطلَّع نفسه لما في يد غيره، ولا تتطرق مقالة السوء فيه، فالغني مظنة التنزه عن الطمع، لأن المال عند ذوي الدين زيادة لهم في الخير والفضل، لا سيما من نصب نفسه للناس، ولهذا قال الإمام الشافعي: من تولى القضاء ولم يفتقر فهو سارق، ولا ينافي ذلك ما مر عن ابن ناجي من إباحته لفقير ليستعين [بمرتبه] من نحو بيت المال على عياله لأنه في المباح، وما هنا في المندوب.
قاله عبد الباقي وغيره. حليم، يعني أنه يستحب في حق القاضي أن يكون حليما لا يحمله الغضب على تعجيل العقوبة ما لم تنتهك حرمات الشرع أو يسيء عليه أحد في مجلسه كما يأتي. نَزِهٍ يعني أنه تستحب النزاهة في حق القاضي. ابن غازي: والنزه الكامل المروءة،
وقال غيره: النزه هو الذي لا يتشوف لما في أيدي الناس،
وقال الجوهري: النزاهةُ البعد عن السوء.
وقال ابن مرزوق: أي مترفعا عن الوقوع في الرذائل. قاله الشبراخيتي.
وقال التتائي: نزه أي كامل المروءة بترك ما لا يليق بمثله، بأن لا يصحب الأرذال، ولا يجلس مجالس السوء. ابن عرفة: قول عمر بن عبد العزيز: أن يكون ذا نزاهة عن الطمع مستخفا بالأَئِمّة، يريد أنه يدير الحق على من دار عليه ولا يبالي بمن لامه على ذلك. نسيب، يعني أنه يستحب في القاضي أن يكون نسيبا، وهو من ألفاظ المبالغة، ومعناه معروف النسب ليلا يتسارع إليه ألْسِنَةُ الناس بالطعن،
وظاهره أن تولية غير النسيب جائزة سواء كان انتفاء نسبه محققا أم لا وهو كذلك، وحينئذ فتجويز سحنون ولاية ولد الزنى موافق للمذهب، زادَ: ولكن لا يحكم في الزنى لعدم شهادته فيه، وقد نقله ابن عرفة استقلالا على أنه خلاف،
فقال: وأما المحدود في الزنى فعند أصبغ أنه يحكم فيه ولا يشهد فيه، وعند سحنون أنه لا يحكم فيه كولد الزنى. قاله الخرشي.
وقال التتائي: نسيب أي معروف النسب ليلا يُتسارَع للطعن فيه. سحنون: يجوز أن يستقضى ولد الزنى ولا يحكم فيه. انتهى.
وقال عبد الباقي: نسيب، أي معروف النسب ليلا يتسارع للطعن فيه،
وظاهره أن تولية غير النسيب جائزة سواء كان انتفاء نسبه محققا أم لا وهو كذلك، قال ابن رشد: من الصفات المستحبة أن يكون معروف النسب ليس بابن لعان. انتهى. ثم قال عبد الباقي: ويأتي قريبا ما يفيد ترجيح ما لأصبغ؛
وقال الحطاب: قال ابن عرفة: قال سحنون: ولا بأس بولاية ولد الزنى ولا يحكم في حده. قال الباجي: الأظهر منعه لأن القضاء موضع رفعة فلا يليه ولد الزنى كالإمامة. الصقلي عن أصبغ: لا بأس أن يستقضى من حُدَّ في زنى إذا تاب ورضيت حالته وكان عالما،
ويجوز حكمه في الزنى وإن لم تجز شهادته فيه. مستشير، يعني أنه يندب في حق القاضي أن يكون مستشيرا لأهل العلم، أي معروفا بالاستشارة قبل التولية، فلا يتكرر مع قوله: أو شاوَرَهم، لأنه فيما بعد التولية كما يفيده السياق. قاله الرهوني. وإنما ندب فيه ذلك لأن ذلك مما يعينه ويوصله إلى الصواب، فلا يستقل برأيه خوف الخطإ، وقوله: مستشير، قال الخرشي: وبعبارة أي كثير الاستشارة لأنه وإن كان مجتهدا أو أمثل مقلد لا يتقيد الصواب به لإمكان أن يكون الصواب عند من هو أدنى منه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.