ويعجزه إلَّا فِي دَمٍ وَحَبْسٍ وَعِتْقٍ وَنَسَبٍ وَطَلَاقٍ
الشروح عليها
(وَ) إذَا أَنْظَرَهُ الْقَاضِي بِاجْتِهَادِهِ وَلَمْ يَأْتِ بِحُجَّتِهِ فَإِنَّهُ (يُعَجِّزُهُ) أَيْ يَحْكُمُ بِعَجْزِهِ أَيْ بِعَدَمِ قَبُولِ بَيِّنَةٍ يَأْتِي بِهَا بَعْدَ زِيَادَةٍ عَلَى الْحُكْمِ بِالْحَقِّ وَيَكْتُبُ ذَلِكَ فِي سِجِلِّهِ بِأَنْ يَقُولَ وَادَّعَى أَنَّ لَهُ حُجَّةً وَقَدْ أَنْظَرْنَاهُ بِالِاجْتِهَادِ فَلَمْ يَأْتِ بِهَا فَحَكَمْنَا بِعَجْزِهِ فَلَا تُسْمَعُ لَهُ بَيِّنَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ أَيْ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَدَّعِيَ بَعْدَ ذَلِكَ عَدَمَ التَّعْجِيزِ وَأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى حُجَّتِهِ نَعَمْ إذَا عَجَّزَهُ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ فَلَهُ إقَامَةُ بَيِّنَةٍ لَمْ يَعْلَمْهَا أَوْ نَسِيَهَا.
ثُمَّ اسْتَثْنَى خَمْسَ مَسَائِلَ لَيْسَ لِلْقَاضِي التَّعْجِيزُ فِيهَا فَقَالَ (إلَّا فِي دَمٍ) كَادِّعَاءِ شَخْصٍ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ قَتَلَ وَلِيَّهُ عَمْدًا وَأَنَّ لَهُ بَيِّنَةً بِذَلِكَ فَأَنْظَرَهُ لِيَأْتِيَ بِهَا فَلَمْ يَأْتِ فَلَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِتَعْجِيزِهِ عَنْ قِيَامِهَا فَمَتَى أَتَى بِهَا حَكَمَ بِقَتْلِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. (وَحُبْسٍ) أَيْ وَقْفٍ ادَّعَاهُ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ حَبَّسَهُ عَلَيْهِ وَأَنْكَرَ فَطَلَبَ الْحَاكِمُ مِنْهُ بَيِّنَةً عَلَى دَعْوَاهُ فَعَجَزَ عَنْهَا فِي الْحَالِ فَلَا يَحْكُمُ بِتَعْجِيزِهِ وَلَهُ الْقِيَامُ بِهَا مَتَى وَجَدَهَا،
وَإِنْ مَنَعَهُ الْآنَ مِنْ وَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهِ. (وَعِتْقٍ) ادَّعَاهُ الرَّقِيقُ عَلَى سَيِّدِهِ وَقَالَ عِنْدِي بَيِّنَةٌ وَعَجَزَ عَنْ إقَامَتِهَا فَلَا يَحْكُمُ بِعَدَمِ سَمَاعِهَا إنْ وَجَدَهَا،
وَإِنْ حَكَمَ بِبَقَائِهِ الْآنَ عَلَى الرِّقِّ. (وَنَسَبٍ) كَادِّعَائِهِ أَنَّهُ مِنْ ذُرِّيَّةِ فُلَانٍ وَأَنَّ لَهُ بَيِّنَةً وَعَجَزَ عَنْ إقَامَتِهَا فَلَا يَحْكُمُ بَعْدَ سَمَاعِهَا،
وَإِنْ لَمْ يُثْبِتْ نَسَبَهُ الْآنَ. (وَطَلَاقٍ) ادَّعَتْهُ الزَّوْجَةُ عَلَى زَوْجِهَا وَأَنَّ لَهَا بَيِّنَةً وَعَجَزَتْ عَنْ إقَامَتِهَا الْآنَ فَلَا يَحْكُمُ بِإِبْطَالِ سَمَاعِهَا،
وَإِنْ حَكَمَ أَنَّهَا فِي عِصْمَتِهِ
(قَوْلُهُ: وَإِذَا أَنْظَرَهُ) أَيْ أَنْظَرَ مَنْ كَانَ مُطَالَبًا بِالْبَيِّنَةِ سَوَاءٌ كَانَ مُدَّعِيًا طُلِبَ مِنْهُ الْبَيِّنَةُ الشَّاهِدَةُ لَهُ بِمَا يَدَّعِيهِ، أَوْ كَانَ مُدَّعًى عَلَيْهِ طُلِبَ مِنْهُ الْبَيِّنَةُ الْمُجَرِّحَةُ فِي الْبَيِّنَةِ الشَّاهِدَةِ عَلَيْهِ فَهَذَا انْتِقَالٌ لِمَا هُوَ أَعَمُّ مِمَّا تَقَدَّمَ.
(قَوْلُهُ: زِيَادَةٍ) أَيْ حَالَةَ كَوْنِ الْحُكْمِ بِعَجْزِهِ زِيَادَةً أَيْ زَائِدًا عَلَى الْحُكْمِ بِالْحَقِّ.
(قَوْلُهُ: وَيَكْتُبُ ذَلِكَ) أَيْ التَّعْجِيزَ فِي سِجِلِّهِ وَهَذَا هُوَ الْمُشَارُ لَهُ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي وَكَتَبَهُ فَالْمُنَاسِبُ لِلشَّارِحِ عَدَمُ ذِكْرِهِ هُنَا وَقَوْلُهُ بِأَنْ يَقُولَ إلَخْ الْمُنَاسِبُ بِأَنْ يَكْتُبَ فِيهِ وَادَّعَى إلَخْ.
(قَوْلُهُ: فَلَا تُسْمَعُ لَهُ بَيِّنَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ وَإِذَا عَجَّزَهُ الْقَاضِي فَلَا تُسْمَعُ لَهُ بَيِّنَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ مُرْتَبِطٌ بِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ لَا أَنَّهُ مِمَّا يُكْتَبُ فِي السِّجِلِّ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي الْمُعَجَّزِ إذَا أَتَى بِبَيِّنَةٍ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ قِيلَ لَا تُسْمَعُ مِنْهُ سَوَاءٌ كَانَ طَالِبًا أَوْ مَطْلُوبًا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ
وَقِيلَ تُقْبَلُ مِنْهُ مُطْلَقًا إذَا كَانَ لَهُ وَجْهٌ كَنِسْيَانِهَا، أَوْ عَدَمِ عِلْمِهِ بِهَا أَوْ غَيْبَتِهَا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَصَرَّحَ فِي الْبَيَانِ بِأَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ إذَا عَجَّزَ الْمَطْلُوبَ وَقَضَى عَلَيْهِ أَنَّ الْحُكْمَ يَمْضِي وَلَا يُسْمَعُ مِنْهُ مَا أَتَى بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ
وَأَمَّا إذَا عَجَّزَ الطَّالِبَ فَإِنَّ تَعْجِيزَهُ لَا يَمْنَعُ مِنْ سَمَاعِ مَا أَتَى بِهِ مِنْ الْبَيِّنَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَهَذَا الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ إذَا عَجَّزَهُ الْقَاضِي بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِالْعَجْزِ
وَأَمَّا إذَا عَجَّزَهُ بَعْدَ التَّلَوُّمِ وَالْإِعْذَارِ وَهُوَ يَدَّعِي أَنَّ لَهُ حُجَّةً فَلَا تُقْبَلُ لَهُ حُجَّةٌ بَعْدَ ذَلِكَ اتِّفَاقًا وَلَوْ ادَّعَى نِسْيَانَهَا وَحَلَفَ اهـ بْن وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَقَوْلُ الشَّارِحِ فَلَا تُسْمَعُ لَهُ بَيِّنَةٌ أَيْ اتِّفَاقًا.
(قَوْلُهُ: أَيْ خَوْفًا إلَخْ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ وَيَكْتُبُ ذَلِكَ فِي سِجِلِّهِ.
(قَوْلُهُ: فَلَهُ إقَامَةُ بَيِّنَةٍ لَمْ يَعْلَمْهَا، أَوْ نَسِيَهَا) أَيْ إنْ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ وَمَحَلُّ إقَامَتِهِ لَهَا إنْ عَجَّزَهُ مَعَ إقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِالْعَجْزِ لَا مَعَ ادِّعَائِهِ حُجَّةً فَلَا يُقِيمُهَا وَلَوْ مَعَ ادِّعَاءِ نِسْيَانِ بَيِّنَتِهِ وَحَلِفِهِ كَمَا مَرَّ وَقَوْلُهُ: فَلَهُ إقَامَتُهَا أَيْ سَوَاءٌ كَانَ طَالِبًا، أَوْ مَطْلُوبًا عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، أَوْ كَانَ طَالِبًا لَا مَطْلُوبًا عَلَى مَا حَكَاهُ ابْنُ رُشْدٍ كَمَا مَرَّ.
(قَوْلُهُ: إلَّا فِي دَمٍ وَحُبْسٍ وَعِتْقٍ وَنَسَبٍ وَطَلَاقٍ) أَيْ فَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يُعَجِّزَ طَالِبَ إثْبَاتِهَا سَوَاءٌ اعْتَرَفَ بِالْعَجْزِ أَوْ ادَّعَى أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً وَطَلَبَ الْإِمْهَالَ لَهَا وَأُنْظِرَ فَلَمْ يَأْتِ بِهَا فَإِنْ عَجَّزَهُ كَانَ حُكْمُهُ بِالتَّعْجِيزِ غَيْرَ مَاضٍ فَإِذَا قَالَ مُدَّعِي الدَّمِ، أَوْ الْحَبْسِ، أَوْ الْعِتْقِ، أَوْ النَّسَبِ أَوْ الطَّلَاقِ: لِي بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ وَأُمْهِلَ لِلْإِتْيَانِ بِهَا فَتَبَيَّنَ لَدَدُهُ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِعَدَمِ ثُبُوتِ الدَّمِ وَالْحَبْسِ وَالْعِتْقِ وَالنَّسَبِ وَالطَّلَاقِ وَلَا يَحْكُمُ بِتَعْجِيزِ ذَلِكَ الْمُدَّعِي فَإِنْ حَكَمَ بِعَجْزِهِ كَانَ حُكْمُهُ غَيْرَ مَاضٍ
وَأَمَّا طَالِبُ نَفْيِهَا فَإِنَّهُ يَمْضِي حُكْمُهُ بِتَعْجِيزِهِ فِي الْمَسَائِلِ الْخَمْسَةِ الدَّمِ وَالنَّسَبِ وَالطَّلَاقِ وَالْحُبْسِ وَالْعِتْقِ فَإِذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ لِمُدَّعِي الدَّمِ، أَوْ النَّسَبِ أَوْ الطَّلَاقِ، أَوْ الْحَبْسِ، أَوْ الْعِتْقِ فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عِنْدِي بَيِّنَةٌ تُجَرِّحُ بَيِّنَةَ الْمُدَّعِي فَإِذَا أُمْهِلَ وَتَبَيَّنَ لَدَدُهُ حَكَمَ الْقَاضِي بِثُبُوتِ الدَّمِ وَالنَّسَبِ وَالطَّلَاقِ وَالْحُبْسِ وَالْعِتْقِ وَتَعْجِيزِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَإِذَا عَجَّزَهُ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ مَا أَتَى بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْمَسَائِلِ كَذَا قَالَ الْجِيزِيُّ وَارْتَضَاهُ بْن وَقَالَ عج: إنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَالْمُدَّعِي فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْخَمْسِ لَيْسَ لِلْقَاضِي تَعْجِيزُهُ أَصْلًا فِيهَا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ عج يَقُولُ إنَّ النَّفْيَ كَالْإِثْبَاتِ فِي عَدَمِ التَّعْجِيزِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْخَمْسَةِ وَالْجِيزِيُّ يَقُولُ لَيْسَ النَّفْيُ فِيهَا كَالْإِثْبَاتِ وَحِينَئِذٍ فَلَهُ تَعْجِيزُهُ وَكَلَامُ خش فِي كَبِيرِهِ عَنْ بَعْضِ التَّقَارِيرِ يُقَوِّي مَا قَالَهُ عج.
(قَوْلُهُ: فَلَا يَحْكُمُ بِتَعْجِيزِهِ) فَإِنْ حَكَمَ بِتَعْجِيزِهِ كَانَ الْحُكْمُ بَاطِلًا وَقَوْلُهُ: حَكَمَ بِقَتْلِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَيْ وَإِنْ كَانَ قَدْ حَكَمَ بِعَدَمِ قَتْلِهِ أَوَّلًا.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ مَنَعَهُ الْآنَ) أَيْ وَإِنْ حَكَمَ الْقَاضِي بِعَدَمِ وَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: فَلَا يَحْكُمُ بِعَدَمِ سَمَاعِهَا) فَإِنْ حَكَمَ كَانَ حُكْمُهُ غَيْرَ مَاضٍ وَلَهُ الْقِيَامُ بِهَا إذَا وَجَدَهَا
وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يُثْبِتْ نَسَبَهُ الْآنَ) أَيْ وَإِنْ حَكَمَ بِعَدَمِ ثُبُوتِ نَسَبِهِ الْآنَ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ حَكَمَ أَنَّهَا فِي عِصْمَتِهِ) أَيْ وَإِنْ حَكَمَ بِبَقَائِهَا فِي الْعِصْمَةِ الْآنَ.
لا يتكلم على هذه المسألة.
(وَيُعَجِّزُهُ إلَّا فِي دَمٍ وَحَبْسٍ وَعِتْقٍ وَنَسَبٍ وَطَلَاقٍ) الْجَزِيرِيُّ: إذَا انْصَرَمَتْ الْآجَالُ وَعَجَزَ الطَّالِبُ عَجَّزَهُ الْقَاضِي وَأَشْهَدَ بِذَلِكَ
وَيَصِحُّ التَّعْجِيزُ فِي كُلِّ شَيْءٍ يَدَّعِي فِيهِ إلَّا فِي خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: الدِّمَاءِ وَالْأَحْبَاسِ وَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ وَالنَّسَبِ.
وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَابْنُ وَهْبٍ،
فَإِنْ قَضَى عَلَى الْقَائِمِ بِإِسْقَاطِ دَعْوَاهُ حِينَ لَمْ يَجِدْ بَيِّنَةً مِنْ غَيْرِ تَعْجِيزِهِ ثُمَّ وَجَدَ بَيِّنَةً فَلَهُ الْقِيَامُ بِهَا وَيَجِبُ الْقَضَاءُ لَهُ
(ص) وَيُعَجِّزُهُ (ش) الضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ كَانَ مُدَّعِيًا أَوْ مُدَّعًى عَلَيْهِ فَإِذَا قَالَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ لِي حُجَّةٌ وَأَنْظَرَهُ الْحَاكِمُ لِأَجْلِ الْإِتْيَانِ بِهَا بِاجْتِهَادِهِ وَلَمْ يَأْتِ بِحُجَّتِهِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُعَجِّزُهُ وَيَكْتُبُ التَّعْجِيزَ فِي سِجِلِّهِ بِأَنْ يَقُولَ فُلَانٌ ادَّعَى أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً وَلَمْ يَأْتِ بِهَا وَقَدْ عَجَّزْته خَوْفًا مِنْ أَنْ يَدَّعِيَ بَعْدَ ذَلِكَ عَدَمَ التَّعْجِيزِ وَأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى حُجَّتِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ عَلَى الْمَذْهَبِ رَفْعًا لِلنِّزَاعِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ مَنْ يَقُولُ بِالْقَبُولِ ثُمَّ اسْتَثْنَى الْمُؤَلِّفُ مَسَائِلَ لَيْسَ لِلْقَاضِي التَّعْجِيزُ فِيهَا بِقَوْلِهِ. (ص) إلَّا فِي دَمٍ وَحَبْسٍ وَعِتْقٍ وَنَسَبٍ وَطَلَاقٍ (ش) يَعْنِي أَنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ لَا يَقْطَعُ فِيهَا الْحُجَّةُ
وَضَابِطُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ حَقٍّ لَيْسَ لِمُدَّعِيهِ إسْقَاطُهُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ فَإِنَّ الْحُكْمَ بِالتَّعْجِيزِ لَا يَقْطَعُ الْحُجَّةَ فِيهِ وَبِعِبَارَةٍ لَيْسَ لِلْقَاضِي تَعْجِيزُ الطَّالِبِ وَهُوَ بَاقٍ عَلَى حُجَّتِهِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ فَلَهُ الْقِيَامُ بِبَيِّنَتِهِ مَتَى وَجَدَهَا وَيَحْكُمُ الْآنَ بِإِبْطَالِ الدَّمِ وَبِإِبْطَالِ الْحَبْسِ وَبِبَقَاءِ الرِّقِّ وَبِعَدَمِ النَّسَبِ وَبِبَقَاءِ الزَّوْجِيَّةِ مِثَالُ الْأَوَّلِ أَنْ يَدَّعِيَ شَخْصٌ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ قَتَلَ وَلِيَّهُ وَيُطَالِبَ بِالْبَيِّنَةِ فَيَعْجِزَ عَنْهَا فَلَا يَحْكُمُ الْقَاضِي بِعَدَمِ سَمَاعِ دَعْوَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ وَجَدَ بَيِّنَتَهُ وَإِنْ مَنَعَهُ مِنْ الْقِصَاصِ الْآنَ،
وَالثَّانِي أَنْ يَدَّعِيَ شَخْصٌ أَنَّ شَخْصًا حَبَسَ عَلَيْهِ دَارًا وَيَطْلُبُ مِنْهُ الْبَيِّنَةَ عَلَى دَعْوَاهُ فَيَعْجِزُ عَنْهَا فَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِعَدَمِ سَمَاعِ بَيِّنَتِهِ إنْ وَجَدَهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَإِنْ رَفَعَ يَدَهُ الْآنَ عَنْهَا، الثَّالِثُ عَبْدٌ ادَّعَى أَنَّ سَيِّدَهُ أَعْتَقَهُ وَعَجَزَ عَنْ إقَامَةِ بَيِّنَةٍ بِذَلِكَ فَلَا يَحْكُمُ الْقَاضِي بِعَدَمِ سَمَاعِ بَيِّنَتِهِ عَلَيْهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ إنْ وَجَدَهَا وَإِنْ حَكَمَ بِبَقَائِهِ فِي الرِّقِّ الْآنَ، الرَّابِعُ إنْسَانٌ ادَّعَى أَنَّهُ مِنْ ذُرِّيَّةِ فُلَانٍ وَعَجَزَ عَنْ إقَامَةِ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ لَهُ بِذَلِكَ فَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِعَدَمِ سَمَاعِ بَيِّنَتِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ إنْ وَجَدَهَا وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ الْآنَ، الْخَامِسُ امْرَأَةٌ ادَّعَتْ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا وَعَجَزَتْ عَنْ إقَامَةِ بَيِّنَةٍ عَلَى الطَّلَاقِ فَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهَا بِإِبْطَالِ دَعْوَاهَا بَعْدَ ذَلِكَ إنْ وَجَدَتْ بَيِّنَةً وَإِنْ حُكِمَ بِبَقَائِهَا فِي عِصْمَةِ زَوْجِهَا الْآنَ وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ عَدَمَ التَّعْجِيزِ فِي جَانِبِ الْمُدَّعِي،
وَأَمَّا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِأَنَّهُ قَتَلَ عَمْدًا أَوْ أَنَّهُ طَلَّقَ إلَخْ وَلَمْ يَأْتِ بِمَدْفَعٍ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْحُجَجِ فَإِذَا عَجَّزَهُ الْحَاكِمُ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ مَا أَتَى بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْمَسَائِلِ حَتَّى فِي الدَّمِ وَنَحْوِهِ كَمَا ارْتَضَاهُ الْجِيزِيُّ وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ (وَكَتَبَهُ) لِلتَّعْجِيزِ أَوْ لِلتَّلَوُّمِ أَوْ لِلْإِعْذَارِ أَوْ لِلْإِنْظَارِ الْمُتَبَادَرِ مِنْ قَوْلِهِ وَأَنْظَرَهُ لَهَا بِاجْتِهَادِهِ وَهَذَا يُفِيدُهُ مَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ وَلَيْسَ فِيهِ كَبِيرُ
فَائِدَةٍ؛ لِأَنَّ الْإِنْظَارَ مَوْكُولٌ إلَى اجْتِهَادِ الْقَاضِي وَهُوَ مُصَدَّقٌ فِيهِ وَلَكِنْ رُجُوعُهُ لِلتَّعْجِيزِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ كَتْبِهِ كَتْبُ التَّلَوُّمِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكْتُبُ التَّعْجِيزَ إلَّا وَيَكْتُبُ التَّلَوُّمَ أَيْ وَكَتْبُ كَيْفِيَّةِ التَّعْجِيزِ هَلْ عَجَّزَهُ بَعْدَ أَنْ ادَّعَى حُجَّةً أَوْ ابْتِدَاءً لَا وَكَتَبَ أَنَّهُ عَجَّزَ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمٌ وَإِنَّمَا يَتَرَتَّبُ الْحُكْمُ عَلَى كَيْفِيَّةِ التَّعْجِيزِ؛ لِأَنَّ مِنْهُ مَا يُعْتَبَرُ وَمِنْهُ مَا لَا يُعْتَبَرُ كَمَسَائِلِ الْمُسْتَثْنَاةِ.
(قَوْلُهُ: وَيُعَجِّزُهُ) التَّعْجِيزُ هُوَ الْحُكْمُ بِعَدَمِ قَبُولِ بَيِّنَتِهِ بِعَدَمِهَا لَهُ لِلْحُجَّةِ الَّتِي ادَّعَاهَا لَا الْحُكْمُ بَعْدَ تَبَيُّنِ اللَّدَدِ فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ مِنْ قَبُولِ بَيِّنَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ مُحَشِّي تت التَّعْجِيزُ هُوَ الْحُكْمُ عَلَى الْمُعَجِّزِ فَلَيْسَ هُوَ بِشَيْءٍ زَائِدٍ عَلَى الْحُكْمِ فَلَا يُشْتَرَطُ التَّلَفُّظُ بِالتَّعْجِيزِ وَإِنَّمَا يَكْتُبُ التَّعْجِيزَ لِمَنْ سَأَلَهُ تَأْكِيدًا لِلْحُكْمِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ سَمَاعِ الْحُجَّةِ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وَذَكَرَ النَّقْلَ فِي ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ فَقَدْ ظَهَرَ لَك أَنَّ مُجَرَّدَ الْحُكْمِ هُوَ التَّعْجِيزُ ثُمَّ قَالَ إذَا تَمَهَّدَ هَذَا فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ إلَّا فِي دَمٍ إلَخْ لَا يَأْتِي عَلَى مَا دَرَجَ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِ إلَّا لِعُذْرٍ كَنِسْيَانٍ إلَخْ وَقَبُولُ مَا أَتَى بِهِ بَعْدَ التَّعْجِيزِ إنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ مِنْ نِسْيَانٍ وَعَدَمِ عِلْمٍ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ وَأَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُمَا فِي كُلِّ شَيْءٍ لَا خُصُوصِيَّةً لِهَذِهِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ وَإِنَّمَا يَأْتِي عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يُقْبَلُ مَا يَأْتِي بَعْدَ التَّعْجِيزِ وَإِنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ وَذَكَرَ النُّقُولَ ثُمَّ قَالَ فَقَدْ ظَهَرَ لَك مِنْ هَذِهِ الْأَسْمِعَةِ وَغَيْرِهَا مَا قُلْنَاهُ إنَّ التَّلَفُّظَ بِالتَّعْجِيزِ غَيْرُ مُشْتَرَطٍ وَإِنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ الْقِيَامُ بَعْدَهُ لِلطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ إنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ وَهُوَ مَا دَرَجَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ إلَّا لِعُذْرٍ فِي تَنَازُعِ الزَّوْجَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ وَظَاهِرُهَا الْقَبُولُ فَلَا وَجْهَ لِاسْتِثْنَاءِ هَذِهِ الْخَمْسَةِ إذْ الْقَبُولُ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا وَإِنَّمَا يَأْتِي عَلَى مَنْ قَالَ لَا يُقْبَلُ فِيهِ مَا أُتِيَ بِهِ انْتَهَى الْمُرَادُ مِنْهُ.
(قَوْلُهُ: وَيَكْتُبُ التَّعْجِيزَ فِي سِجِلِّهِ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا هُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِيمَا يَأْتِي وَكَتَبَهُ فَالْمُنَاسِبُ أَنْ لَا يَذْكُرَهُ هُنَا.
(قَوْلُهُ: خَوْفًا) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ وَيَكْتُبُ التَّعْجِيزَ أَيْ إنَّمَا كَانَ يَكْتُبُ التَّعْجِيزَ خَوْفًا مِنْ أَنْ إلَخْ وَقَوْلُهُ: وَأَنَّهُ بَاقٍ وَمَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ عَدَمُ التَّعْجِيزِ
وَقَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ الْوَاوُ لِلْحَالِ أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ أَيْ كَتَبَهُ خَوْفًا مِنْ دَعْوَاهُ كَذَا وَإِنْ كَانَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ تِلْكَ الدَّعْوَى وَقَوْلُهُ: رَفْعًا لِلنِّزَاعِ عِلَّةٌ لِلْكَتْبِ مَعَ عِلَّتِهِ الَّتِي هِيَ قَوْلُهُ: خَوْفًا وَقَوْلُهُ: لِأَنَّ هُنَاكَ عِلَّةٌ لِلْمُعَلَّلِ بِالرَّفْعِ مَعَ عِلَّتِهِ أَيْ الرَّفْعِ .
(قَوْلُهُ: وَضَابِطُ إلَخْ) اعْتَرَضَ بِأَنَّ هَذَا لَا يَظْهَرُ فِي الدَّمِ؛ لِأَنَّ لِوَلِيِّهِ إسْقَاطُهُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى قَتْلِ الْغِيلَةِ فَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ إسْقَاطُهُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ؛
لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ قَوْلُهُ: فَإِنَّ الْحُكْمَ بِالتَّعْجِيزِ) الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ سَابِقًا لَيْسَ لِلْقَاضِي التَّعْجِيزُ أَنْ يَقُولَ فَإِنَّ التَّعْجِيزَ إلَّا أَنْ تُجْعَلَ الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ بِالتَّعْجِيزِ لِلتَّصْوِيرِ لَا لِلتَّعْدِيَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّ التَّعْجِيزَ صِفَتُهُ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حُكْمٌ.
(قَوْلُهُ: لَا يَقْطَعُ) أَيْ الْقَاضِي.
(قَوْلُهُ: أَنْ يَدَّعِيَ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ دَعْوَى إثْبَاتٍ وَهِيَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا وَسَيَأْتِي دَعْوَى النَّفْيِ فِي آخِرِ الْعِبَارَةِ وَهِيَ مُخْتَلَفٌ فِيهَا.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إلَخْ) فَإِذَا أُقِيمَتْ عَلَى الْقَاتِلِ أَوْ عَلَى الْمُطَلِّقِ بَيِّنَةٌ
ثُمَّ إنَّ هَذَا الْقَاتِلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ الْمُطَلِّقُ ادَّعَى أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً تَجْرَحُ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ ثُمَّ إنَّهُ عَجَزَ عَنْ الْإِتْيَانِ بِتِلْكَ الْبَيِّنَةِ الْمُجَرِّحَةِ فَحَكَمَ الْقَاضِي بِتَعْجِيزِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَحَكَمَ بِقَتْلِهِ
ثُمَّ إنَّ أَوْلِيَاءَهُ أَقَامَتْ بَيِّنَةً تَجْرَحُ الشَّهَادَةَ بِالْقَتْلِ فَإِنَّهَا لَا تُقْبَلُ وَمَضَى الْقَتْلُ فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَقَوْلُ الشَّارِحِ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ أَيْ مِنْ وَلِيِّهِ وَقَوْلُهُ: وَلَمْ يَأْتِ بِمَدْفَعٍ أَيْ لَمْ يَأْتِ بِمَا يُبْطِلُ بَيِّنَةَ الْمُدَّعِي بِالْقَتْلِ أَوْ الطَّلَاقِ وَقَوْلُهُ: بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْحُجَجِ أَيْ مِنْ الْإِعْذَارِ وَالتَّلَوُّمِ
وَقَوْلُهُ: فَإِذَا عَجَّزَهُ الْأَوْضَحُ أَنْ يَقُولَ فَلَهُ تَعْجِيزُهُ فَإِذَا عَجَّزَهُ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَنَحْوِهِ) وَهُوَ النَّسَبُ وَمَا عُطِفَ عَلَى الدَّمِ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إلَّا فِي دَمٍ وَحَبْسٍ إلَخْ وَفِي ذَلِكَ رَدٌّ عَلَى عج؛ لِأَنَّ عج يَقُولُ لَيْسَ لَهُ تَعْجِيزُهُ أَصْلًا أَيْ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ،
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الَّذِي يَقُولُهُ عج أَنَّ النَّفْيَ كَالْإِثْبَاتِ فِي عَدَمِ التَّعْجِيزِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَيْ الدَّمِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ وَأَنَّ الْجِيزِيَّ يَقُولُ لَيْسَ النَّفْيُ كَالْإِثْبَاتِ فَلَهُ تَعْجِيزُهُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَكَلَامُ شَارِحِنَا فِي ك عَنْ بَعْضِ التَّقَارِيرِ يُقَوِّي كَلَامَ عج.
(قَوْلُهُ: كَمَا ارْتَضَاهُ الْجِيزِيُّ) هُوَ الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ الْجِيزِيُّ عَصْرِيُّ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأُجْهُورِيِّ مِمَّنْ أَخَذَ عَنْ الشَّيْخِ نَاصِرِ الدِّينِ اللَّقَانِيِّ.
(قَوْلُهُ: لِلتَّعْجِيزِ) أَيْ الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُعَجِّزُهُ وَهُوَ أَوْلَى لِقُرْبِهِ وَقَوْلُهُ: أَوْ لِلتَّلَوُّمِ أَيْ الَّذِي هُوَ عَيْنُ الْإِنْظَارِ الْمُفَادُ مِنْ قَوْلِهِ وَأَنْظَرَهُ وَقَوْلُهُ: أَوْ لِلْإِعْذَارِ أَيْ الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِهِ وَأَعْذَرَ إلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَهَذَا يُفِيدُهُ) أَيْ كَوْنُ الضَّمِيرِ عَائِدًا عَلَى الْإِنْظَارِ هُوَ الَّذِي يُفِيدُهُ مَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْإِنْظَارَ إلَخْ) رَوْحُ الْعِلَّةِ قَوْلُهُ: وَهُوَ مُصَدَّقٌ فِيهِ أَيْ إذَا ادَّعَى الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ أَنَّ الْقَاضِيَ لَمْ يُنْظِرْهُ وَادَّعَى الْقَاضِي أَنَّهُ أَنْظَرَهُ فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْقَاضِي أَنَّهُ أَنْظَرَهُ فَلَا
فَائِدَةَ فِي الْكَتْبِ وَمُفَادُهُ أَنَّ التَّنَازُعَ إذَا حَصَلَ فِي التَّعْجِيزِ بِأَنْ يَقُولَ الْقَاضِي أَنَا عَجَّزْتُك فَيَقُولُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ أَنْتَ لَمْ تُعَجِّزْنِي أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ لَا قَوْلَ الْقَاضِي فَلِذَا كَتَبَ التَّعْجِيزَ، وَظَاهِرٌ أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ ثَمَرَةَ الْكَتْبِ خَوْفًا مِنْ تَطَاوُلِ الزَّمَنِ وَنِسْيَانِ ذَلِكَ أَوْ عَزْلِ هَذَا الْقَاضِي وَقِيَامِ غَيْرِهِ مَقَامَهُ وَيَحْصُلُ التَّنَازُعُ عِنْدَ قِيَامِ غَيْرِهِ فَيَرْجِعُ لِلْكِتَابَةِ الْمَذْكُورَةِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ كَتْبِ التَّعْجِيزِ كَتْبُ التَّلَوُّمِ) أَيْ بِحَسَبِ مَا طَلَبَ فِي الشَّرْعِ لَا عَقْلًا وَقَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَا يَكْتُبُ التَّعْجِيزَ إلَّا وَيَكْتُبُ التَّلَوُّمَ أَيْ لِأَنَّ التَّعْجِيزَ شَرْعًا لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ التَّلَوُّمِ فَمَتَى كَتَبَ الْمُتَأَخِّرُ الَّذِي هُوَ التَّعْجِيزُ فَلَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ كَتْبِ الْمُتَقَدِّمِ وَهُوَ الْإِنْظَارُ الَّذِي هُوَ التَّلَوُّمُ أَيْ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَتْبِ التَّلَوُّمِ أَيْ الَّذِي هُوَ الْمُتَقَدِّمُ كَتْبُ الْمُتَأَخِّرِ الَّذِي هُوَ التَّعْجِيزُ
وَالْحَاصِلُ أَنَّ كَتْبَ التَّعْجِيزِ مُسْتَلْزِمٌ لِكَتْبِ التَّلَوُّمِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الْمُسَبَّبِ الَّذِي هُوَ التَّعْجِيزُ وُجُودُ السَّبَبِ الَّذِي هُوَ التَّلَوُّمُ دُونَ الْعَكْسِ أَيْ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَتْبِ التَّلَوُّمِ كَتْبُ التَّعْجِيزِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ السَّبَبِ وُجُودُ الْمُسَبَّبِ لِجَوَازِ أَنْ يَحْصُلَ الْإِنْظَارُ وَيَمْنَعَ مِنْ التَّعْجِيزِ مَانِعٌ وَقَوْلُهُ: أَيْ وَكَتَبَ كَيْفِيَّةَ التَّعْجِيزِ أَيْ اللَّازِمِ مِنْهُ كَتْبُ التَّعْجِيزِ وَقَوْلُهُ: هَلْ عَجَّزَهُ بَيَانٌ لِلْكَيْفِيَّةِ فَكِتَابَتُهُ أَنَّهُ عَجَّزَهُ بَعْدَ ادِّعَاءِ الْحُجَّةِ أَوْ ابْتِدَاءِ كِتَابَةٍ لِكَيْفِيَّةِ التَّعْجِيزِ أَيْ لِصِفَةِ التَّعْجِيزِ وَلَا يَخْفَى مَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّسَامُحِ وَقَوْلُهُ: لَا وَكَتَبَ أَنَّهُ عَجَّزَ أَيْ فَقَطْ وَقَوْلُهُ: لِأَنَّ هَذَا لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمٌ أَيْ فَكَتَبَهُ أَنَّهُ عَجَّزَ بِدُونِ أَنْ يُبَيِّنَ الْكَيْفِيَّةَ الْمَذْكُورَةَ لَا
فَائِدَةَ فِيهِ نَقُولُ بَلْ فِيهِ
فَائِدَةٌ لِأَنَّ الْأَصْلَ الصِّحَّةُ وَأَنَّهُ مَا كَتَبَ أَنَّهُ عَجَّزَ إلَّا بَعْدَ كِتَابَةِ مَا يَسْبِقُهُ فِي التَّلَوُّمِ.
(قَوْلُهُ: وَمِنْهُ مَا لَا يُعْتَبَرُ كَالْمَسَائِلِ الْمُسْتَثْنَاةِ) مَعْنَى ذَلِكَ أَيْ إلَّا الْمَسَائِلَ الْمُسْتَثْنَاةَ فَإِنَّ الْمَطْلُوبَ عَدَمُ التَّعْجِيزِ وَإِذَا وَقَعَ وَنَزَلَ لَا يُعْتَبَرُ وَالْمَسَائِلُ الْمُسْتَثْنَاةُ هِيَ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ إلَّا فِي دَمٍ إلَخْ .
(وَيُعَجِّزُهُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْجِيمِ مُثَقَّلَةً، أَيْ الْقَاضِي الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ إذَا مَضَى الْأَجَلُ وَلَمْ يُثْبِتْ حُجَّتَهُ. طفي أَيْ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِمُقْتَضَى الشَّهَادَةِ فَلَيْسَ التَّعْجِيزُ شَيْئًا زَائِدًا عَلَى الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِمُقْتَضَى الشَّهَادَةِ، فَلَا يُشْتَرَطُ تَلَفُّظُهُ بِمَادَّةِ التَّعْجِيزِ، وَإِنَّمَا يَكْتُبُ التَّعْجِيزَ لِمَنْ يَسْأَلُ تَأْكِيدًا لِلْحُكْمِ، لَا لِأَنَّ عَدَمَ سَمَاعِ الْحُجَّةِ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ، فَفِي التَّوْضِيحِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ فَإِنْ قَالَ نَعَمْ انْتَظَرَهُ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَدَدُهُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهُ إذَا ذَكَرَ أَنَّ لَهُ حُجَّةً وَتَبَيَّنَ لَدَدُهُ يَقْضِي الْقَاضِي عَلَيْهِ هُوَ التَّعْجِيزُ، وَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِ عِيَاضٍ أَنَّهُ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ فَحَكَمَ عَلَيْهِ عَلَى تَعْجِيزِ الطَّالِبِ، وَجَوَابُهُ عَنْ ذَلِكَ، وَقَدْ عَزَا ابْنُ رُشْدٍ لِلْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ تُقْبَلُ مِنْهُ الْبَيِّنَةُ الَّتِي أَتَى بِهَا بَعْدَ التَّعْجِيزِ طَالِبًا كَانَ أَوْ مَطْلُوبًا إذَا كَانَ لِذَلِكَ وَجْهٌ قَائِلًا هُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، إذْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ تَعْجِيزِ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ، وَهُوَ الَّذِي عَنَى الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ فِي فَصْلِ تَنَازُعِ الزَّوْجَيْنِ، وَظَاهِرُهَا الْقَبُولُ إلَخْ.
وَالْمُدَوَّنَةُ لَمْ تُصَرِّحْ بِعُنْوَانِ التَّعْجِيزِ كَمَا عَلِمْت نَصَّهَا آنِفًا مِنْ قَوْلِهَا حَكَمَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ لَا يُقْبَلُ مِنْ الْمَطْلُوبِ حُجَّةٌ إلَخْ، فَقَدْ ظَهَرَ لَك أَنَّ مُجَرَّدَ الْحُكْمِ هُوَ التَّعْجِيزُ، وَقَوْلُ أَبِي الْقَاسِمِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل] الْجَزِيرِيِّ فِي وَثَائِقِهِ، وَتَبِعَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ إنْ كَانَ الْحَاكِمُ قَدْ قَضَى عَلَى الْقَائِمِ بِإِسْقَاطِ دَعْوَاهُ حِينَ لَمْ يَجِدْ بَيِّنَتَهُ مِنْ غَيْرِ صُدُورِ تَعْجِيزٍ، ثُمَّ وَجَدَ بَيِّنَتَهُ فَلَهُ الْقِيَامُ بِهَا،
وَيَجِبُ الْقَضَاءُ لَهُ يَقْتَضِي أَنَّ التَّعْجِيزَ غَيْرُ الْقَضَاءِ،
وَأَنَّ عَدَمَ سَمَاعِ الْحُجَّةِ إنَّمَا هُوَ بَعْدَ التَّعْجِيزِ لَا بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا عَلِمْت، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ قَضَى عَلَيْهِ قَبْلَ إثْبَاتِ عَجْزِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ صُدُورِ تَعْجِيزٍ إذَا تَمَهَّدَ هَذَا فَقَوْلُهُ إلَّا فِي دَمٍ إلَخْ، لَا يَأْتِي عَلَى مَا دَرَجَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ إلَّا لِعُذْرٍ كَنِسْيَانٍ إلَخْ مِنْ قَبُولِ مَا أَتَى بِهِ بَعْدَ التَّعْجِيزِ إنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ مِنْ نِسْيَانٍ وَعَدَمِ عِلْمٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ، وَأَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُمَا فِي كُلِّ شَيْءٍ لَا خُصُوصِيَّةَ لِهَذِهِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ، وَإِنَّمَا يَأْتِي عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ مَا أَتَى بِهِ بَعْدَ التَّعْجِيزِ،
وَإِنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ.
ابْنُ رُشْدٍ اُخْتُلِفَ فِيمَنْ أَتَى بِبَيِّنَةٍ بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالتَّعْجِيزِ هَلْ تُقْبَلُ مِنْهُ أَمْ لَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: لَا تُقْبَلُ مِنْهُ كَانَ الطَّالِبَ أَوْ الْمَطْلُوبَ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي تَعْجِيزِ الطَّالِبِ،
وَإِذَا قَالَهُ فِي الطَّالِبِ فَأَحْرَى أَنْ يَقُولَهُ فِي الْمَطْلُوبِ.
الثَّانِي: قَبُولُهَا مِنْهُ كَانَ الطَّالِبَ أَوْ الْمَطْلُوبَ إذَا كَانَ لِذَلِكَ وَجْهٌ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، إذْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ تَعْجِيزِ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ.
الثَّالِثُ: تُقْبَلُ مِنْ الطَّالِبِ وَلَا تُقْبَلُ مِنْ الْمَطْلُوبِ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَالَهُ فِي الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبُ بِخِلَافِهِ، إذْ الْمَشْهُورُ فِيهِ أَنَّهُ إذَا عَجَزَ وَقَضَى عَلَيْهِ مَضَى الْحُكْمُ وَلَا يُسْمَعُ مِنْهُ مَا أَتَى بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ وَهَذَا الْخِلَافُ إذَا عَجَّزَهُ الْقَاضِي بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِالْعَجْزِ،
أَمَّا إذَا عَجَّزَهُ بَعْدَ التَّلَوُّمِ وَالْإِعْذَارِ وَهُوَ يَدَّعِي حُجَّةً فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ مَا أَتَى بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ اهـ. وَسَمَاعُ أَصْبَغَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ هُوَ قَوْلُهُ سَمِعَ أَصْبَغُ ابْنَ الْقَاسِمِ مَنْ ادَّعَى عَلَى نِكَاحِ امْرَأَةٍ أَنْكَرَتْهُ بِبَيِّنَةٍ بَعِيدَةٍ فَلَا يَنْتَظِرُ إلَّا فِي بَيِّنَةٍ قَرِيبَةٍ وَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ بِالْمَرْأَةِ، وَيَرَى الْإِمَامُ لِمَا ادَّعَاهُ وَجْهًا،
فَإِنْ عَجَّزَهُ ثُمَّ أَتَى بِبَيِّنَةٍ فَقَدْ مَضَى الْحُكْمُ عَلَيْهِ نُكِحَتْ الْمَرْأَةُ أَمْ لَا ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ لَا تُقْبَلُ مِنْهُ بَيِّنَتُهُ بَعْدَ التَّعْجِيزِ خِلَافُ سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل] الصَّدَقَاتِ، وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ إذْ لَمْ يُفَرِّقْ فِيهَا بَيْنَ تَعْجِيزِ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ. اهـ. وَسَمَاعُ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الصَّدَقَاتِ.
سُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ وَرَثَةٍ قَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَادَّعَى صَدَقَةً عَلَيْهِ مِنْ أَبِيهِمْ فَسُئِلَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْحَوْزِ فَأَتَى بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ وَأَوْقَفَ الْقَاضِي لَهُ صَدَقَتَهُ زَمَنًا حَتَّى يَأْتِيَ بِشَاهِدٍ آخَرَ فَلَمْ يَأْتِ بِهِ، ثُمَّ أَمَرَ الْقَاضِي بِقَسْمِهَا عَلَى الْوَرَثَةِ وَكَانَتْ رَقِيقًا وَمَنَازِلَ وَأَرْضًا فَقُسِمَتْ وَاُتُّخِذَتْ أُمَّهَاتُ أَوْلَادٍ وَأُعْتِقَ مَا أُعْتِقَ وَغُرِسَتْ الْأَرْضُ شَجَرًا، ثُمَّ ظَفِرَ مُدَّعِي الصَّدَقَةِ بِشَاهِدٍ آخَرَ كَانَ صَبِيًّا فَبَلَغَ أَوْ غَائِبًا فَقَدِمَ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ
أَمَّا مَا اُتُّخِذَتْ مِنْهَا أُمَّهَاتُ أَوْلَادٍ وَمَا أُعْتِقَ مِنْهُمْ فَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهِمْ وَيَتْبَعُ الْوَرَثَةَ بِالثَّمَنِ،
وَأَمَّا مَا لَمْ يُحْمَلْ وَلَمْ يُعْتَقْ فَيَأْخُذُهُ وَأَطَالَ فِي تَفْصِيلِ ذَلِكَ.
ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ يَقْضِي لَهُ بِالشَّاهِدِ الَّذِي أَتَى بِهِ مَعَ الشَّاهِدِ الْأَوَّلِ بَعْدَ أَنْ كَانَ قَدْ عَجَّزَهُ وَقَضَى بِقِسْمَةِ الْمِيرَاثِ فَقَسَمَ وَفَوَّتَ خِلَافُ مَا فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ، وَمِثْلُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، إذْ لَمْ يُفَرِّقْ فِيهَا بَيْنَ تَعْجِيزِ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ، وَسَمِعَ يَحْيَى ابْنَ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ إذَا قَضَى الْقَاضِي لِرَجُلٍ عَلَى آخَرَ وَسَجَّلَ لَهُ وَأَشْهَدَ لَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ أَقَامَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بَيِّنَةً بِتَجْرِيحِ بَعْضِ مَنْ حَكَمَ بِهِ قُبِلَ مِنْهُ إنْ رَأَى لَهُ وَجْهًا، كَقَوْلِهِ جَهِلْت سُوءَ حَالِهِمْ حَتَّى ذُكِرَ لِي وَظَهَرَ أَنَّهُ غَيْرُ مُلِدٍّ وَمَنْ وَلِيَ بَعْدَ الْقَاضِي مِثْلُهُ فِي ذَلِكَ.
ابْنُ رُشْدٍ تَمْكِينُهُ مِنْ التَّجْرِيحِ بَعْدَ التَّسْجِيلِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ كَقَوْلِهَا، فَقَدْ ظَهَرَ لَك مِنْ هَذِهِ الْأَسْمِعَةِ وَغَيْرِهَا مَا قُلْنَاهُ إنَّ التَّلَفُّظَ بِالتَّعْجِيزِ غَيْرُ مُشْتَرَطٍ،
وَأَنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ لِلْقِيَامِ بَعْدَهُ لِلطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ إنْ كَانَ لِذَلِكَ وَجْهٌ وَهُوَ مَا دَرَجَ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ إلَّا لِعُذْرٍ.
وَفِي تَنَازُعِ الزَّوْجَيْنِ بِقَوْلِهِ وَظَاهِرُهَا الْقَبُولُ فَلَا وَجْهَ لِاسْتِثْنَاءِ هَذِهِ الْخَمْسَةِ، إذْ الْقَبُولُ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا وَإِنَّمَا يَأْتِي عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ مَا أَتَى بِهِ، وَلِذَا قَالَ اللَّخْمِيُّ مَنْ ادَّعَى شَيْئًا وَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَيْهِ وَعَجَزَ عَنْ تَزْكِيَةِ بَيِّنَتِهِ وَطَلَبَ مِنْ الْقَاضِي . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . .
[منح الجليل] الْمُدَّعَى عَلَيْهِ تَعْجِيزَهُ لِئَلَّا يَقُومَ عَلَيْهِ بِهَا مَرَّةً أُخْرَى، فَقَالَ مُطَرِّفٌ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَاخْتُلِفَ إذَا أَتَى بَعْدَ ذَلِكَ بِمَنْ يُزَكِّيهَا أَوْ بَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ، فَأَصْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهَا تُقْبَلُ.
وَقَالَ مُطَرِّفٌ لَا تُقْبَلُ إلَّا فِي الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ وَالنَّسَبِ اهـ.
وَإِنَّمَا أَطَلْنَا بِذِكْرِ النُّقُولِ الْمُتَدَاخِلَةِ إيضَاحًا لِلْحَقِّ، إذْ لَمْ أَرَ مَنْ شَفَى الْغَلِيلَ فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ شُرَّاحِهِ مَعَ وُقُوعِ الِاضْطِرَابِ فِي كَلَامِهِ مِنْ جَرْيِهِ مَرَّةً عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ وَمَرَّةً عَلَى غَيْرِهِ وَقَدْ نَبَّهْنَا عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي فَصْلِ تَنَازُعِ الزَّوْجَيْنِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. عب يُعَجِّزُهُ أَيْ يَحْكُمُ بِعَدَمِ قَبُولِ بَيِّنَتِهِ الَّتِي يَأْتِي بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ زِيَادَةً عَلَى الْحُكْمِ بِالْحَقِّ، وَيَكْتُبُ ذَلِكَ فِي سِجِلٍّ بِأَنْ يَقُولَ ادَّعَى فُلَانٌ أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً وَلَمْ يَأْتِ بِهَا وَقَدْ عَجَّزْته كَمَا يَأْتِي خَوْفًا مِنْ أَنْ يَدَّعِيَ بَعْدَ ذَلِكَ عَدَمَ التَّعْجِيزِ، وَأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى حُجَّتِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ عَلَى الْمَذْهَبِ دَفْعًا لِلنِّزَاعِ لِأَنَّ هُنَاكَ مَنْ قَالَ بِالْقَبُولِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالتَّعْجِيزِ الْحُكْمَ بَعْدَ تَبَيُّنِ اللَّدَدِ لِأَنَّ هَذَا لَا يَمْنَعُ مِنْ بَقَائِهِ عَلَى حُجَّتِهِ، فَالْمُرَادُ الْأَوَّلُ ثُمَّ إذَا عَجَّزَهُ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ فَلَهُ إقَامَةُ بَيِّنَةٍ لَمْ يَعْلَمْهَا أَوْ ادَّعَى نِسْيَانَهَا وَحَلَفَ عَلَيْهِ إنْ عَجَّزَهُ مَعَ إقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِالْعَجْزِ عَلَى الْمَشْهُورِ لَا مَعَ ادِّعَائِهِ حُجَّةً فَلَا يُقِيمُهَا وَلَوْ مَعَ ادِّعَاءِ نِسْيَانِهَا وَحَلِفِهِ عَلَيْهِ.
الْبُنَانِيُّ مَا ذَكَرَهُ " ز " مِنْ أَنَّ التَّعْجِيزَ هُوَ الْحُكْمُ بِعَدَمِ قَبُولِ بَيِّنَتِهِ الَّتِي يَأْتِي بِهَا وَأَنَّهُ زَائِدٌ عَلَى الْحُكْمِ بِالْحَقِّ هُوَ الَّذِي يُفِيدُهُ الْجَزِيرِيُّ فِي وَثَائِقِهِ وَابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَيُعَجِّزُهُ إلَّا فِي دَمٍ لِأَنَّهُ لَوْ أَنَّ مُرَادَهُ بِالتَّعْجِيزِ مُجَرَّدُ الْحُكْمِ لَمْ يَفْتَرِقْ الدَّمُ وَمَا مَعَهُ مِنْ غَيْرِهِ قَالَهُ اللَّقَانِيُّ، ثُمَّ قَالَ الْبُنَانِيُّ الظَّاهِرُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ وَيُعَجِّزُهُ عَلَى صُورَةِ الِاتِّفَاقِ عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ وَهِيَ إذَا عَجَّزَهُ مُدَّعِيًا أَنَّ لَهُ حُجَّةً وَعَلَيْهَا يَتَنَزَّلُ الِاسْتِثْنَاءُ فَلَا يَكُونُ مُخَالِفًا لِمَا جَرَى عَلَيْهِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، وَبِهَذَا يَسْلَمُ مِنْ الِاضْطِرَابِ الَّذِي ادَّعَاهُ طفي، وَيَسْقُطُ بِهِ أَيْضًا قَوْلُ اللَّقَانِيِّ مَا نَصُّهُ قَوْلُهُ وَيُعَجِّزُهُ إلَّا فِي دَمٍ إلَخْ، هَذَا مُوَافِقٌ لِابْنِ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ، وَمُخَالِفٌ لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى مَا فِي التَّوْضِيحِ.
اهـ. نَقَلَهُ عَنْهُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ،
وَقَالَ بَعْدَهُ التَّقْرِيرُ حَسَنٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. إلَّا فِي دَمٍ وَحَبْسٍ وَعِتْقٍ وَنَسَبٍ، [منح الجليل] وَاسْتَثْنَى مِمَّا يُعَجِّزُ فِيهِ بَعْدَ التَّلَوُّمِ خَمْسَ مَسَائِلَ لَيْسَ لِلْقَاضِي التَّعْجِيزُ فِيهَا، وَضَابِطُهَا كُلُّ حَقٍّ لَيْسَ لِمُدَّعِيهِ إسْقَاطُهُ بَعْدَ ثُبُوتَةِ فَقَالَ (إلَّا فِي) شَأْنِ (دَمٍ) أَيْ قَتْلٍ إثْبَاتًا كَادِّعَاءِ شَخْصٍ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ قَتَلَ وَلِيَّهُ عَمْدًا عُدْوَانًا وَأَنَّ لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةً فَأَنْظَرَهُ الْقَاضِي لِإِحْضَارِهَا ثُمَّ تَبَيَّنَ لَدَدُهُ فَلَيْسَ لِلْقَاضِي تَعْجِيزُهُ، فَمَتَى أَقَامَ بَيِّنَتَهُ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ بِهَا أَوْ نَفْيًا كَادِّعَاءِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً تُجَرِّحُ الْبَيِّنَةَ الشَّاهِدَةَ عَلَيْهِ بِهِ فَأَنْظَرَهُ الْقَاضِي لِإِتْيَانِهِ بِهَا وَتَبَيَّنَ لَدَدُهُ فَلَا يُعَجِّزُهُ الْقَاضِي، فَمَتَى أَتَى بِالْبَيِّنَةِ الْمُجَرِّحَةِ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ بِهَا لِعِظَمِ الْقَتْلِ أَفَادَهُ عب، وَكَتَبَ عَلَى حَاشِيَتِهِ مَعْزُوًّا لَهُ مَا نَصُّهُ قَالَ عب هَذَا الضَّابِطُ ظَاهِرٌ فِي غَيْرِ الدَّمِ،
وَأَمَّا الدَّمُ فَلِلْوَلِيِّ إسْقَاطُهُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى قَتْلِ الْغِيلَةِ، إذْ لَيْسَ لِلْوَلِيِّ إسْقَاطُهُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى اهـ.
طفي هَذِهِ الْمُسْتَثْنَيَاتُ إنَّمَا هِيَ مَفْرُوضَةٌ فِي كَلَامِ الْأَئِمَّةِ فِي تَعْجِيزِ الطَّالِبِ، وَفِيهِ تَظْهَرُ
فَائِدَةُ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ. أَمَّا الْمَطْلُوبُ فَيُعَجَّزُ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ. الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ إثْبَاتًا إلَخْ غَيْرُ ظَاهِرٍ لِأَنَّ صُورَةَ الْإِثْبَاتِ لَا يَنْطَبِقُ عَلَيْهَا الضَّابِطُ الْمَذْكُورُ لِأَنَّ الْقِصَاصَ إذَا ثَبَتَ فَلِمُدَّعِيهِ إسْقَاطُهُ، وَاَلَّذِي صَوَّرَ بِهِ ابْنُ مَرْزُوقٍ وَهُوَ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ إذَا أَرَادَ تَجْرِيحَ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِهِ فَعَجَزَ فَحَكَمَ الْقَاضِي عَلَيْهِ بِهِ، ثُمَّ وَجَدَ مَنْ يُجَرِّحُ الْبَيِّنَةَ الشَّاهِدَةَ عَلَيْهِ بِهِ فَإِنَّهَا تُسْمَعُ وَلَا يُعْمَلُ بِالْحُكْمِ عَلَيْهِ بِهِ لِخَطَرِ الدَّمِ، وَهَذَا يُعَكِّرُ عَلَى مَا قَالَهُ طفي،
فَإِنْ اقْتَصَّ مِنْهُ ثُمَّ أَقَامَ وَارِثُهُ بَيِّنَةَ التَّجْرِيحِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تُسْمَعُ. (وَ) إلَّا فِي دَعْوَى (حُبُسٍ) بِضَمِّ الْحَاءِ أَيْ تَحْبِيسِ شَيْءٍ، وَذَكَرَ الْمُدَّعِي أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً بِهِ وَأَمْهَلَهُ الْقَاضِي لِإِتْيَانِهِ بِهَا فَلَمْ يَأْتِ بِهَا فَلَا يُعَجِّزُهُ، فَمَتَى أَتَى بِهَا عَمِلَ بِهَا. الْبُنَانِيُّ هَذَا ظَاهِرٌ إذَا كَانَ الْحَبْسُ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْفُقَرَاءِ فَلَا سَبِيلَ إلَى تَعْجِيزِ الطَّالِبِ لِحَقِّ الْغَائِبِ لَا مَا كَانَ عَلَى مُعَيَّنٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ فِي الْحَبْسِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى مُطْلَقًا اُنْظُرْ ابْنَ مَرْزُوقٍ (وَ) إلَّا فِي دَعْوَى (عِتْقٍ) بِبَيِّنَةٍ فَأَنْظَرَ الْمُدَّعِيَ لَهَا فَلَمْ يَأْتِ بِهَا فَلَا يُعَجَّزُ، فَمَتَى أَتَى بِهَا فَتُسْمَعُ وَيُعْمَلُ بِهَا (وَ) إلَّا فِي دَعْوَى (نَسَبٍ) لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ بِبَيِّنَةٍ وَلَمْ يَأْتِ بِهَا بَعْدَ التَّلَوُّمِ فَلَا وَطَلَاقٍ وَكَتَبَهُ وَإِنْ لَمْ يُجِبْ: حُبِسَ، وَأُدِّبَ، ثُمَّ حَكَمَ بِلَا يَمِينٍ.
[منح الجليل] يُعَجَّزُ فَمَتَى أَقَامَهَا حُكِمَ بِهَا (وَ) إلَّا فِي دَعْوَى (طَلَاقٍ) بِبَيِّنَةٍ وَعَجَزَ عَنْ إقَامَتِهَا فَلَا يُعَجَّزُ، فَمَتَى أَتَى بِهَا قُضِيَ بِهَا.
ابْنُ سَهْلٍ وَالْمُتَيْطِيُّ وَيُشْبِهُ الْحَبْسُ الطَّرِيقَ الْعَامَّ نَفْعُهَا لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا يُعَجَّزُ مُدَّعِيهَا. وَنَصُّ ابْنُ سَهْلٍ وَمِمَّا يُشْبِهُ الطَّلَاقَ وَالنَّسَبَ وَالْإِعْتَاقَ الْحَبْسُ وَطَرِيقُ الْعَامَّةِ وَشَبَهُهَا مِنْ مَنَافِعِهِمْ لَيْسَ عَجْزُ طَالِبِهِ وَالْقَائِمِ عَنْهُمْ فِيهِ يُوجِبُ مَنْعَهُ أَوْ مَنْعَ غَيْرِهِ مِنْ النَّظَرِ لَهُ إنْ أَتَى بِوَجْهٍ. الْجَزِيرِيُّ إنْ انْصَرَمَتْ الْآجَالُ وَعَجَزَ الطَّالِبُ عَجَّزَهُ الْقَاضِي، وَأَشْهَدَ بِذَلِكَ
وَيَصِحُّ التَّعْجِيزُ فِي كُلِّ شَيْءٍ يُدَّعَى فِيهِ إلَّا فِي خَمْسَةِ أَشْيَاءَ الدِّمَاءِ وَالْأَحْبَاسِ وَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ وَالنَّسَبِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَابْنُ وَهْبٍ، وَفِيهِ خِلَافٌ،
فَإِنْ قَامَتْ لِلْمُعَجِّزِ بَيِّنَةٌ وَزَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا حَلَفَ وَقُضِيَ لَهُ بِهَا.
وَقِيلَ لَا يُقْضَى لَهُ بِهَا وَبِهِ الْعَمَلُ إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ،
وَإِنْ كَانَ قَدْ قُضِيَ عَلَى الْقَائِمِ بِإِسْقَاطِ دَعْوَاهُ حِينَ لَمْ يَجِدْ بَيِّنَتَهُ مِنْ غَيْرِ تَعْجِيزِهِ ثُمَّ وَجَدَ بَيِّنَتَهُ فَلَهُ الْقِيَامُ بِهَا
وَيَجِبُ الْقَضَاءُ لَهُ بِهَا.
فقال: إلا في دم، يعني أنه لا تعجيز في الدم بل المحكوم عليه باق على حجته. قال عبد الباقي: إثْبَاتًا، كادعاء شخص على آخر أنه قتل وليه عمدا، أو أن له بينة بذلك فأنظَره لها ثم تبين لدده فلا يحكم بتعجيزه عن قيامها، فمتى أتى بها قتل المشهود عليه، أو نَفْيًا كادعائه عليه أنه قتل وليه عمدا وأقام بينة فقال المدعى عليه: عندي ما يجرحها، فأنظره وتبين لدده وحكم عليه بالقتل وقتل،
فإن قامت لولي المقتول ثانيا بينة بتجريح بينة القتيل أولا كان ذلك من خطإ الإمام، وارتضى الجيزي عدم سماع النفي. اهـ.
وقال بناني: قال مصطفى: هذه المستثنيات يعني إلا في دم، وما بعده إنما هي مفروضة في كلام الأئمة في تعجيز الطالب، وفيه تظهر
فائدة هذه الأشياء، أما المطلوب فيعجزه فيها وفي غيرها. اهـ. وقول الزرقاني: إثباتا كادعاء شخص لخ، غير ظاهر لأن صورة الإثبات لا ينطبق عليها الضابط المذكور، لأن القصاص إذا ثبت كان لمدعيه إسقاطه، والذي صوره به ابن مرزوق وهو الظاهر أن المدعى عليه بالقتل إذا أراد تجريح من شهد عليه بالقتل فعجز فحكم القاضي عليه بالقتل ثم وجد من يجرح له البينة الشاهدة عليه بالقتل فإنها تسمع منه ولا يعمل بتعجيزه لخطر الدماء.
اهـ. وهو يعكر على ما قدمناه عن مصطفى من أن ذلك مقصور على الطالب، ثم محل سماع الحجة فيما صوّر به ابن مرزوق إن أتى بها قبل استيفاء الحكم كما يظهر من تصويره،
أما إن قام ورثة المدعى عليه بعد قتله بما يجرح بينة المدعي فالظاهر أن ذلك لا يسمع. اهـ. وحبس، صورتها على ما قاله الخرشي: أن يدعي شخص أن شخصا حبس عليه دارا ويطلب منه البينة على دعواه فيعجز عنها فلا يحكم عليه بعدم سماع بينته في المستقبل إن وجدها وإن رفع يده الآن عنها. اهـ. ونحوه للشبراخيتي وعبد الباقي: قال بناني عند قوله: وحبس: هذا ظاهر إن كان الحبس على غير معين كالفقراء فلا سبيل إلى تعجيز الطالب لحق الغائب، لا ما إذا كان على معين، كما صوره الزرقاني إلا أن يقال في الحبس حق الله مطلقا.
انظر ابن مرزوق. اهـ. وعتق. يعني أن العتق لا يحكم فيه بالتعجيز فيما إذا ادعى عبد على سيده أنه أعتقه وأن له بينة وعجز عن إقامتها، فلا يحكم بعدم سماعها إن وجدها وإن حكم ببقائه الآن في الرق، بهذا صوره غير واحد. ونسب، كادعائه أنه من ذرية فلان وأن له به بينة وعجز عن إقامتها، فلا يحكم بعدم سماعها إن وجدها وإن لم يثبت نسبه الآن، مثل له بهذا غير واحد.
وطلاق، صورتها امرأة ادعت أن زوجها طلقها وعجزت عن إقامة بينة على الطلاق، فلا يحكم عليها بإبطال دعواها بعد ذلك إن وجدت بينة وإن حكم ببقائها في عصمة زوجها الآن. قال الشيخ الخرشي وبهذا يعلم أن عدم التعجيز في جانب المدعي،
وأما المدعى عليه بأنه قتل عمدا لخ، ولم يأت بمدفع بعد استيفاء الحجج،
فإذا عجزه الحاكم فلا يقبل منه ما أتى به بعد ذلك في جميع المسائل حتى في الدم كما ارتضاه الجيزي. اهـ.
وقال عبد الباقي: واعلم أن حكمه بالتعجيز لا يمضي سواء كان لإثبات أو نفي في دم ونسب وطلاق،
وأما الحبس والعتق فلا يعجز طالب إثباتهما ويعجز طالب نفيهما. كذا يظهر. اهـ. وقوله: إلا في دم لخ، زاد ابن سهل على هذه الخمسة طريق العامة، فقال: يشبه الحبس طريق العامة وشبهه من منافعهم ليس عجز طالبه والقائم عنهم فيه يوجب منعه أو منع غيره من النظر له إن أتى بوجه. ونظمها التتائي فقال: إذا ما رمت أمرا ليس فيه … لقاضي الشرع تعجيز الخصوم فعتق مع طلاق ثم حبس … دم نسب ونفع للعموم كطرق أو مشابهها فهذا … تمام الست يا حاوي العلومِ وكتبه، الضمير للتعجيز، يعني أن القاضي يجب عليه أن يكتب التعجيز، وهو الحكم بعدم قبول بينة يأتي بها المحكوم عليه.
قال الشبراخيتي: قال ابن غازي: خوفا من أن يدعي بعد ذلك عدم التعجيز وأنه باق على حجته،
وإن كان ذلك لا يقبل منه على المذهب رفعا للنزاع، لأن هناك من يقول: إنه يقبل. ورجع الطخيخي الضمير للتلوم، وكلاهما صحيح لكن رجوعه للتعجيز أولى، لأنه يلزم من كتبه كتب التلوم لا العكس، ورجعه الشارح للإنظار أي المستفاد من قوله: وأنظره لها باجتهاده، وليس فيه كبير
فائدة، لأن الإنظار موكول إلى اجتهاد القاضي وهو مصدق فيه. اهـ.
وقال عبد الباقي: وكتبه، أي التعجيز في غير المستثنيات، والمراد كتب كيفية التعجيز أي عجزه بعد أن ادعى حجة أو ابتداء ليرتب عليه ثمرته.
فرع: إذا قام أحد الشركاء فخاصم في شيء فقضيَ عليه، ثم قام أحدهم يريد المخاصمة فيه،
فإن قام بما قام به المقضي عليه حكم عليه وألحقه به ولم تسمع حجته ولا بينته،
وإن جاء بغير ذلك نظر له فيه ولم يعجزه،
وكذلك من يدعي حقا للعامة. نقله في التبصرة.
وقال عبد الباقي: قال ابن رشد: إذا تغيب المدعى عليه بعد استيفاء الحجج وهرب من القضاء عليه فإنه يقضى عليه ويعجزه، ولا يكون له إذا قدم أن يقوم بحجته، بمنزلة ما لو قضى عليه وهو حاضر،
وأما لو هرب وتغيب قبل أن يستوفي جميع حججه فالواجب في ذلك أن يتلوم له،
فإن لم يخرج وتمادى على مغيبه واختفى قضى عليه من غير أن يقطع حجته. اهـ.
وقال المواق: ومن المفيد: حق على القاضي أن يكتب التعجيز ويشهد عليه، ثم لا ينظر له هو ولا من جاء بعده إن جاء ببينة تثبت ما عجز عنه من ذلك إلا العتق وما ذكر معه. انتهى.
وقال الخرشي: وكتبه أي وكتب كيفية التعجيز هل عجزه بعد أن ادعى حجة أو ابتداء، لا وكتب أنه عجز، لأن هذا لا يترتب عليه حكم، وإنما يترتب الحكم على كيفية التعجيز، لأن منه ما يعتبر ومنه ما لا يعتبر كالمسائل المستثناة. اهـ.
ثم ذكر ما هو راجع لقدر بعد قوله: بجوابه، أي فإن أجاب عمل بجوابه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.