أَوْ كَثِيرَ كَذِبٍ
الشروح عليها
(أَوْ) لَمْ يُبَاشِرْ (كَثِيرَ كَذِبٍ) لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ فَسَادٌ وَإِلَّا ضَرَّ وَلَوْ الْوَاحِدَةُ بِخِلَافِهَا إذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهَا ذَلِكَ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ أَوْ لَمْ يُبَاشِرْ كَثِيرَ كَذِبٍ) أَيْ فَإِنْ بَاشَرَ كَثِيرَ الْكَذِبِ بَطَلَتْ شَهَادَتُهُ وَالْمُرَادُ بِالْكَثِيرِ مَا زَادَ عَلَى الْكِذْبَةِ الْوَاحِدَةِ يَعْنِي فِي السَّنَةِ وَهَذَا فِي كَذِبٍ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فَسَادٌ وَإِلَّا ضُرٌّ وَلَوْ وَاحِدَةً
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْكَذِبَ إمَّا أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ فَسَادٌ أَوْ لَا فَالْأَوَّلُ مُضِرٌّ وَلَوْ وَاحِدَةً وَهِيَ كَبِيرَةٌ وَالثَّانِي مُضِرٌّ مِنْهُ الْكَثِيرُ وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدَةِ
وَأَمَّا الْوَاحِدَةُ يَعْنِي فِي السَّنَةِ فَلَا تَضُرُّ لِعُسْرِ الِاحْتِرَازِ مِنْهَا وَهِيَ صَغِيرَةٌ
وَقِيلَ كَبِيرَةٌ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ قَادِحَةٍ فِي الشَّهَادَةِ.
ص (أَوْ كَثِيرُ كَذِبٍ) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَأَمَّا الْكَذِبُ فَنَصُّهَا مِمَّا يُجْرَحُ بِهِ الشَّاهِدُ قِيَامُ بَيِّنَةٍ عَلَى أَنَّهُ كَذَّابٌ فِي غَيْرِ شَيْءٍ وَاحِدٍ وَنَقَلَهَا ابْنُ الْحَاجِبِ بِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ بِالْكَذِبِ فِي غَيْرِ شَيْءٍ وَاحِدٍ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: كَلَامُهُ يَعْنِي تَكْرَارَ الْكَذِبِ مِمَّنْ يَثْبُتُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَأَنَّهُ مَشْهُورٌ مِنْ قَوْلِهِ مَعْرُوفٌ، وَلَمْ يُشْتَرَطْ هَذَا الْقَيْدُ الْأَخِيرُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَيَكْفِي تَكْرَارُ الْكَذِبِ قُلْت قَوْلُهُ يُعْطِي تَكْرَارَ الْكَذِبِ لَا وَجْهَ لَهُ لِتَخْصِيصِهِ بِهِ دُونَ الْمُدَوَّنَةِ؛
لِأَنَّ فِيهَا لَفْظَ كَذَّابٍ، وَفَعَّالٌ يَدُلُّ عَلَى التَّكْرَارِ ضَرُورَةً وَقَوْلُهُ: إنَّهُ مَشْهُورٌ مِنْ قَوْلِهِ مَعْرُوفٌ يُرَدُّ بِمَنْعِهِ؛ لِأَنَّ مَدْلُولَ مَشْهُورٍ أَخَصُّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ صِدْقِ الْأَعَمِّ صِدْقُ الْأَخَصِّ، وَقَوْلُهُ: لَمْ يُشْتَرَطْ هَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ أَرَادَ بِهِ كَوْنَهُ مَشْهُورًا فَلَا يَضُرُّ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ لَفْظَ مَعْرُوفٍ لَا يَسْتَلْزِمُهُ،
وَإِنْ أَرَادَ لَفْظَ مَعْرُوفٍ فَقَوْلُهُ: لَمْ يُشْتَرَطْ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ أَرَادَ نَصًّا فَمُسَلَّمٌ وَإِنْ أَرَادَ لُزُومًا مُنِعَ؛ لِأَنَّ لَفْظَ قَوْلِهَا قِيَامُ الْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ أَنَّهُ كَذَّابٌ بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَعْرُوفٌ بِمُطْلَقِ الْكَذِبِ عَادَةً؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْعَادَةِ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ كَذَّابٌ فِي غَيْرِ شَيْءٍ إلَّا وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِمُطْلَقِ الْكَذِبِ عَادَةً؛ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ فَتَأَمَّلْهُ مُنْصِفًا انْتَهَى.
(أَوْ كَثِيرَ كَذِبٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مِمَّا يُجْرَحُ بِهِ الشَّاهِدُ قِيَامُ بَيِّنَةٍ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَذَّابٌ فِي غَيْرِ شَيْءٍ وَاحِدٍ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(أَوْ كَثِيرَ كَذِبٍ) ظَاهِرُ مَفْهُومِهِ أَنَّ مَنْ بَاشَرَ كَثِيرَ الْكَذِبِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَلَوْ اتَّحَدَ مُتَعَلِّقُهُ، وَقَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ مِمَّا يُجَرَّحُ بِهِ الشَّاهِدُ قِيَامُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَذَّابٌ فِي غَيْرِ شَيْءٍ مُشْعِرٍ أَوْ صَغِيرَةَ خِسَّةً وَسَفَاهَةً، وَلَعِبَ نَرْدٍ، ذُو مُرُوءَةٍ [منح الجليل] بِتَعَدُّدِ مُتَعَلِّقِهِ. وَمَفْهُومُ " كَثِير " أَنَّ مُبَاشَرَةَ الْكَذِبِ الْيَسِيرِ كَالْوَاحِدِ غَيْرُ قَادِحٍ فِي الْعَدَالَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ، لِعُسْرِ الِاحْتِرَازِ مِنْهُ الْحَطَّابُ ابْنُ عَرَفَةَ
وَأَمَّا الْكَذِبُ فَنَصُّهَا مِمَّا يُجَرَّحُ بِهِ الشَّاهِدُ قِيَامُ بَيِّنَةٍ عَلَى أَنَّهُ كَذَّابٌ فِي غَيْرِ شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَنَقَلَهَا ابْنُ الْحَاجِبِ بِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ بِالْكَذِبِ فِي غَيْرِ شَيْءٍ وَاحِدٍ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ كَلَامُهُ يُعْطِي تَكَرُّرَ الْكَذِبِ مِمَّنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ مَشْهُورٌ مِنْ قَوْلِهِ وَلَمْ يُشْتَرَطْ هَذَا الْقَيْدُ الْأَخِيرُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَاكْتُفِيَ بِتَكْرَارِ الْكَذِبِ. قُلْت قَوْلُهُ يُعْطِي تَكْرَارَ الْكَذِبِ لَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِهِ بِهِ دُونَ الْمُدَوَّنَةِ؛ لِأَنَّ فِيهَا لَفْظَ كَذَّابٍ، وَفَعَّالٌ يَدُلُّ عَلَى التَّكْرَارِ ضَرُورَةً، وَقَوْلُهُ إنَّهُ مَشْهُورٌ مِنْ قَوْلِهِ يَرِدُ بِمَنْعِهِ؛
لِأَنَّ مَدْلُولَ مَشْهُورٍ أَخَصُّ مِنْ مَعْرُوفٍ،
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ صِدْقِ الْأَعَمِّ صِدْقُ الْأَخَصِّ، وَقَوْلُهُ لَمْ يَشْتَرِطْ هَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ أَرَادَ بِهِ كَوْنَهُ مَشْهُورًا فَلَا يَضُرُّ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ لَفْظَ مَعْرُوفٍ لَا يَسْتَلْزِمُهُ،
وَإِنْ أَرَادَ لَفْظَ مَعْرُوفٍ فَقَوْلُهُ لَمْ يَشْتَرِطْ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ أَرَادَ نَصًّا فَمُسَلَّمٌ،
وَإِنْ أَرَادَ وَلَا لُزُومًا مُنِعَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهَا قِيَامُ الْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ أَنَّهُ كَذَّابٌ بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَعْرُوفٌ بِمُطْلَقِ الْكَذِبِ عَادَةً؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْعَادَةِ أَنْ لَا يَثْبُتَ بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ كَذَّابٌ فِي غَيْرِ شَيْءٍ بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ إلَّا وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِمُطْلَقِ الْكَذِبِ.
أو كثير كذب، يعني أنه يشترط في قبول شهادة الشاهد أن لا يباشر كثير كذب، قال عبد الباقي: فتغتقر الكذبة الواحدة في السنة لعسر التحرز منها، وهي صغيرة إلا أن يترتب عليها عظيم مفسدة فكبيرة قادحة. اهـ.
وقال الشبراخيتي: ومقتضى ما في التوضيح أن الكذبة الواحدة من الكبائر لكنها اغتفرت لتعسر الاحتراز منها، ومقتضى كلام غيره أنها صغيرة، ومقتضى كلام الشارح والتتائي نحو ما للتوضيح،
وفي مفهوم المص تفصيل، وهو أن الكذبة الواحدة تغتفر إذا لم يترتب عليها عظيم مفسدة،
لا إن ترتب عليها عظيم مفسدة. تنبيهات: الأول: قال ابن شأس: قال علماؤنا: ليست العدالة أن يمحض الرجل الطاعة حتى لا يشوبها بمعصية؛ لأن ذلك يتعذر ولا يقدر عليه إلا الأولياء والصديقون، ولكن من كانت الطاعة أكثر أحواله وأغلبها عليه وهو مجتنب الكبائر محافظ على ترك الصغائر فهو العدل. نقله غير واحد. ولابن عاصم رحمه الله: والعدل من يجتنب الكبائرا … ويتقي في الأغلب الصغائرا الخ،
وقال المواق: عبارة ابن شأس: أن يكون مجتنبا للكبائر. زاد عياض: ومتقيا المثابرة على الصغائر. ابن عات: ومجانبا مخالطة من لا خير فيه. اهـ.
وقال المواق أيضا: من المدونة: مما يجرح به الشاهد قيام بينة عليه أنه كذاب في غير شيء واحد. اهـ. الثاني: احتيج إلى بيان الكبائر هنا لقوله: لم يباشر كبيرة، روي عن سعيد بن جبير: الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب،
وقيل ما أوعد الله عليه بنار أو بحد في الدنيا،
وقال ابن مسعود وغيره: هي جميع ما نهى الله عنه من أول سورة النساء إلى قوله {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} . واستخرج مكي: السبعة عشر من أحاديث متفرقة، فقال: أربعة في القلب، الشرك، والإصرار، والقنوط، والأمن من عذاب الله، وأربعة في اللسان، شهادة الزور، واليمين الغموس، والسحر، والقذف، وثلاثة في البطن، شرب الخمر، والسكر من غيره من الأشربة، وأكل مال اليتيم ظلما، وأكل الربا وهو يعلم، واثنان في الفرج، الزنى، واللواط، واثنان في اليد القتل، والسرقة، وواحدة في الرجلين، الفرار من الزحف إلا بشرطه، وواحدة في جميع الجسد عقوق الوالدين.
وقال ابن السبكي في جمع الجوامع: القتل، والزنى، واللواط، وشرب الخمر، ومطلق السكر، والسرقة، والغصب، والقذف، والنميمة، واليمين الفاجرة، وقطيعة الرحم، والعقوق، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم بغير حق، والخيانة في الكيل أو الوزن، وتقديم الصلاة عن وقتها وتأخيرها عنه، والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضرب المسلم بغير حق، وسب الصحابة، وكتمان الشهادة والرشوة، والدياثة، والسعاية يريد عند الأمراء بما يضر الناس، ومنع الزكاة، واليأس من الرحمة، والأمن من عذاب الله يريد بالاسترسال في المعاصي والاتكال على الرحمة، والظهار؛
وفطر رمضان، والغلول، والمحاربة، والسحر، والربا
ويصح ضبطه بالموحدة والتحتية المثناة، وإدمان الصغيرة، وروي عن سعيد بن جبير هي إلى سبع مائة أقرب، ومنهم من حصرها بالضابط قيل: ما لحق صاحبها وعيد شديد بنص كتاب أو سنة،
وقيل: ما أوجب حكما، وقيل: ما نص القرآن على تحريمه أو وجب في جنسه حَدٌّ،
وقال إمام الحرمين: كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة، وهذه هي التي تسقط الشهادة، وكل جريمة لا تؤذن بذلك بل تبقي حسن الظن ظاهرا بصاحبها فهي التي لا تحط العدالة.
وقيل: غير ذلك. قاله التتائي. الثالث: قال الرهوني عند قوله: لم يباشر كبيرة، يتناول من ترك صلاة مفروضة غير جمعة حتى خرج وقتها الضروري مرة واحدة، وفيه خلاف، ففي ابن عرفة: قال الباجي: ترث شهادة من ترك واجبا كالصلاة من الفريضة والصوم حتى يخرج الوقت المشروع لها وترك الجمعة جرح في الجملة، واختلف في تركها مرة واحدة، فقال أصبغ: جرحة كالصلاة من الفريضة تركها مرة،
قلتُ: فاستدلاله هذا نص في أن تركه الصلاة مرة واحدة وأنه متفق عليه، وهو خلاف ما يأتي لابن رشد أن ترك الصلاة الواحدة من الصلوات المفروضة حتى يخرج وقتها بغير عذر لا يوجب رد الشهادة حتى يكثر ذلك من فعله. اهـ منه بلفظه. ونقله ابن غازي في تكميله وأقره. اهـ كلام الرهوني.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.