بخلاف الخلفاء
الشروح عليها
(بِخِلَافِ الْخُلَفَاءِ) وَالْعُمَّالِ الَّذِينَ جُعِلَ لَهُمْ صَرْفُ الْأَمْوَالِ فِي وُجُوهِهَا الشَّرْعِيَّةِ فَلَا يَضُرُّ الْأَخْذُ مِنْهُمْ وَالْأَكْلُ عِنْدَهُمْ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ وَالْعُمَّالُ الَّذِينَ جَعَلَ لَهُمْ إلَخْ) وَذَلِكَ كَالْبَاشَاوَاتِ وَالْأُمَرَاءِ الَّذِينَ يُوَلَّوْنَ مِنْ طَرَفِ السُّلْطَانِ عَلَى الْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ فِي الْبِلَادِ وَصَرْفِ الْأَمْوَالِ فِي جِهَاتِهَا وَقَسَّمَ ابْنُ رُشْدٍ مَا بِيَدِ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ جُعِلَ لَهُمْ صَرْفُ الْأَمْوَالِ فِي وُجُوهِهَا مِنْ الْأَمْوَالِ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ حَلَالًا لَكِنْ لَا يَعْدِلُونَ فِي قَسْمِهِ فَهَذَا الْأَكْثَرُ عَلَى جَوَازِ قَبُولِهِ مِنْهُمْ
وَقِيلَ يُكْرَهُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ مُخْتَلِطًا فَهَذَا الْأَكْثَرُ عَلَى كَرَاهَتِهِ
وَقِيلَ يَجُوزُ قَبُولُهُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ كُلُّهُ حَرَامًا وَهَذَا قِيلَ يَحْرُمُ أَخْذُهُ مِنْهُمْ
وَقِيلَ يُكْرَهُ وَقِيلَ يَجُوزُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ الْحَرَامُ فَلَهُ حُكْمُ الْحَرَامِ وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ الْحَلَالُ فَلَهُ حُكْمُ الْحَلَالِ وَفِيهِ كَرَاهَةٌ ضَعِيفَةٌ اهـ بْن قَوْلُهُ وَلَا إنْ تَعَصَّبَ) فِي الْمُفِيدِ أَنَّ الْعَصَبَةَ أَنْ يُبْغِضَ شَخْصًا لِكَوْنِهِ مِنْ بَنِي فُلَانٍ أَوْ مِنْ قَبِيلَةِ كَذَا أَيْ أَنْ يُبْغِضَ الشَّاهِدُ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ مِنْ بَنِي فُلَانٍ إلَخْ قَالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ وَالْأَوْلَى أَنْ يُمَثِّلَ لِذَلِكَ بِشَهَادَةِ الْأَخِ لِأَخِيهِ بِجَرْحِ شَاهِدٍ شَهِدَ عَلَيْهِ بِحَقٍّ أَوْ قَذْفٍ أَوْ بِتَعْدِيلِ شَاهِدٍ شَهِدَ لَهُ وَمِنْ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ شُهُودِ بَعْضِ الْعَاقِلَةِ بِفِسْقِ شُهُودِ الْقَتْلِ فَإِنَّ الْعَصَبَةَ فِيهِ ظَاهِرَةٌ
وَكَذَا شَهَادَةُ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ اهـ بْن
لا يتكلم على هذه المسألة.
(بِخِلَافِ الْخُلَفَاءِ) الْمُتَيْطِيُّ: لَا تَسْقُطُ الشَّهَادَةُ بِقَبْضِ جَوَائِزِ الْخُلَفَاءِ مَنْ يَرْضَى مِنْهُمْ وَمَنْ لَا يَرْضَى
بِخِلَافِ الْعُمَّالِ الْمَضْرُوبِ عَلَى أَيْدِيهِمْ فَالْقَبُولُ مِنْهُمْ مُسْقِطٌ لِلشَّهَادَةِ،
وَكَذَلِكَ الْأَكْلُ عِنْدَهُمْ إلَّا إذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ الزَّلَّةَ وَالْفَلْتَةَ فَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُمْ،
وَأَمَّا الْمُدْمِنُ الْأَكْلَ عِنْدَهُمْ فَسَاقِطُ الشَّهَادَةِ.
(بِخِلَافِ) الْأَخْذِ وَالْأَكْلِ مِنْ (الْخُلَفَاءِ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ اللَّامِ مَمْدُودًا جَمْعُ خَلِيفَةٍ، أَيْ السَّلَاطِينِ النَّائِبِينَ عَنْ رَسُولٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تَنْفِيذِ الْأَحْكَامِ وَإِقَامَةِ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ وَالتَّصَرُّفِ فِي أَمْوَالِ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ بِحِفْظِهَا وَصَرْفِهَا فِي جِهَاتِهَا الشَّرْعِيَّةِ وَالْأَكْلِ عِنْدَهُمْ، فَلَا يَمْنَعَانِ قَبُولَ الشَّهَادَةِ، وَمِثْلُهُمْ الْعُمَّالُ الْمَأْذُونُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ. ابْنُ عَرَفَةَ قِيلَ لِسَحْنُونٍ مَنْ قَبِلَ صِلَةَ السُّلْطَانِ أَوْ أَكَلَ طَعَامَهُ وَسَلَاطِينُ الزَّمَانِ مَنْ عَلِمْت هَلْ تَسْقُطُ عَدَالَتُهُ، وَقَدْ قَبِلَ جَوَائِزَ السُّلْطَانِ مَنْ قَدْ عَلِمْت مِنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى وَالْعِلْمِ، أَخَذَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - جَوَائِزَ الْحَجَّاجِ وَالْحَجَّاجُ مَنْ قَدْ عَلِمْت وَابْنُ شِهَابٍ جَوَائِزَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَغَيْرِهِ مِنْ الْخُلَفَاءِ، وَأَخَذَ مَالِكٌ جَوَائِزَ أَبِي جَعْفَرٍ وَلَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْخَوْفِ مِنْهُمْ؛
لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ تَرَكَ الْأَخْذَ مِنْهُمْ فَلَمْ يَرَ مِنْهُمْ إلَّا خَيْرًا.
وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ أَمَرَ لِمَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " بِثَلَاثِ صُرَرٍ فَأَتْبَعَهُ الرَّسُولَ بِهَا فَسَقَطَتْ مِنْهُ صُرَّةٌ مِنْهَا فِي الزَّحْمَةِ فَأَتَاهُ بِصُرَّتَيْنِ فَسَأَلَهُ عَنْ الثَّالِثَةِ فَأَنْكَرَهَا فَأَلَحَّ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " عَلَيْهِ فِيهَا حَتَّى أَتَاهُ بِهَا مَنْ وَجَدَهَا، وَجَمِيعُ الْقُضَاةِ مِنْ السُّلْطَانِ يُرْزَقُونَ وَيَأْكُلُونَ فَكَتَبَ سَحْنُونٌ مَنْ قَبِلَ الْجَوَائِزَ مِنْ الْعُمَّالِ الْمَضْرُوبِ عَلَى أَيْدِيهِمْ سَقَطَتْ شَهَادَتُهُ،
وَمَنْ كَانَتْ مِنْهُ الزَّلَّةُ وَالْفَلْتَةُ فَغَيْرُ مَرْدُودِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ الْخَفِيفَ مِنْ الزَّلَّةِ وَالْفَلْتَةِ لَا يَضُرُّ فِي الْعَدَالَةِ، وَالْمُدْمِنُ عَلَى الْأَكْلِ مِنْهُمْ سَاقِطُ الشَّهَادَةِ وَمَا قُلْت مِنْ قَبُولِ ابْنِ شِهَابٍ وَمَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لَيْسَ بِحُجَّةٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَجَوَائِزُ الْخُلَفَاءِ جَائِزَةٌ لَا شَكَّ فِيهَا لِاجْتِمَاعِ الْخَلْقِ عَلَى قَبُولِ الْعَطِيَّةِ مِنْ الْخُلَفَاءِ مِمَّنْ يُرْضَى مِنْهُمْ وَمِمَّنْ لَا يُرْضَى، وَجُلُّ مَا يَدْخُلُ بَيْتَ الْمَالِ مُسْتَقِيمٌ، وَمَا يَظْلِمُ فِيهِ قَلِيلٌ فِي كَثِيرٍ، وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَخْذَ الْعَطَاءِ مُنْذُ زَمَنِ مُعَاوِيَةَ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " إلَى الْيَوْمِ، وَالْقُضَاةُ أُجَرَاءُ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ.
وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - سَمِعَتْ عَلِيَّ بْنَ زِيَادٍ يُنْكِرُهُ وَيَرْفَعُهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ. وَلَا إنْ تَعَصَّبَ، [منح الجليل] ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ قَبُولُ جَوَائِزِ الْعُمَّالِ جُرْحَةٌ مَعْنَاهُ عِنْدِي عُمَّالُ الْجِبَايَةِ الَّذِينَ إنَّمَا جُعِلَ لَهُمْ قَبْضُ الْأَمْوَالِ وَتَحْصِيلِهَا دُونَ وَضْعِهَا فِي وُجُوهِهَا بِالِاجْتِهَادِ.
وَأَمَّا الْأُمَرَاءُ الَّذِينَ فَوَّضَ لَهُمْ الْخَلِيفَةُ أَوْ خَلِيفَتُهُ قَبْضَ الْأَمْوَالِ وَصَرْفَهَا فِي وُجُوهِهَا بِاجْتِهَادِهِمْ كَالْحَجَّاجِ وَشَبَهِهِ مِنْ أُمَرَاءِ الْبِلَادِ الْمُفَوَّضِ جَمِيعُ الْأُمُورِ فِيهَا إلَيْهِمْ، فَجَوَائِزُهُمْ كَجَوَائِزِ الْخُلَفَاءِ.
فَإِنْ صَحَّ أَخْذُ ابْنِ عُمَرَ جَوَائِزَ الْحَجَّاجِ فَهَذَا وَجْهُهُ،
وَأَمَّا الْقُضَاةُ وَالْأَجْنَادُ وَالْحُكَّامُ فَلَهُمْ أَخْذُ أَرْزَاقِهِمْ مِنْ الْعُمَّالِ الْمَضْرُوبِ عَلَى أَيْدِيهِمْ الَّذِينَ فُوِّضَ إلَيْهِمْ النَّظَرُ فِي ذَلِكَ وَضَرَبَ عَلَى أَيْدِيهِمْ فِيمَا سِوَاهُ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ بِجَوَائِزِ الْخُلَفَاءِ،
فَأَمَّا جَوَائِزُ الْعُمَّالِ فَفِيهَا شَيْءٌ يُرِيدُ الَّذِينَ ظَهَرَ أَمْرُهُمْ أَنَّهُ مُفَوَّضٌ إلَيْهِمْ مِنْ قِبَلِ خُلَفَائِهِمْ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ، وَيُرِيدُ أَنَّ الْأَخْذَ مِنْهُمْ مَكْرُوهٌ وَلَوْ تَحَقَّقَ التَّفْوِيضُ إلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ لِكَرَاهَةِ أَخْذِ جَوَائِزِهِمْ وَجْهٌ، كَمَا أَنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُمْ فِي إعْطَاءِ الْمَالِ بِاجْتِهَادِهِمْ لِمَنْ يَعْمَلُ عَمَلًا لَمْ يَكُنْ لِتَسْوِيغِ أَخْذِ جَوَائِزِهِمْ وَجْهٌ،
فَإِنْ كَانَ حَلَالًا وَعُدِلَ فِي قِسْمَتِهِ فَاتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الْجَائِزَةِ مِنْهُ،
وَإِنْ لَمْ يُعْدَلْ فِي قِسْمَتِهِ فَالْأَكْثَرُ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الْجَائِزَةِ مِنْهُ، وَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ،
وَإِنْ شَابَ الْمَجْبِيَّ حَلَالٌ وَحَرَامٌ فَالْأَكْثَرُ عَلَى كَرَاهَةِ الْأَخْذِ مِنْهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ وَإِنْ كَانَ الْمَجْبِيُّ حَرَامًا فَمِنْهُمْ مَنْ حَرَّمَ أَخْذَ الْجَائِزَةِ وَالرِّزْقِ عَلَى عَمَلٍ مِنْ الْأَعْمَالِ مِنْهُ، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَهُ اهـ. الْبُنَانِيُّ قَسَّمَ ابْنُ رُشْدٍ مَا بِيَدِ الْأُمَرَاءِ مِنْ الْمَالِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ، أَحَدُهُمَا حَلَالٌ لَا يُعْدَلُ فِي قَسْمِهِ، فَالْأَكْثَرُ عَلَى جَوَازِ قَبُولِهِ مِنْهُمْ،
وَقِيلَ يُكْرَهُ. الثَّانِي مُخْتَلِطٌ حَلَالٌ وَحَرَامٌ، فَالْأَكْثَرُ عَلَى كَرَاهَةِ أَخْذِهِ،
وَقِيلَ يَجُوزُ. الثَّالِثُ حَرَامٌ فَقِيلَ يَحْرُمُ أَخْذُهُ،
وَقِيلَ يُكْرَهُ وَقِيلَ يَجُوزُ. قَالَ وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ الْحَرَامُ فَلَهُ حُكْمُهُ،
وَإِنْ غَلَبَ الْحَلَالُ فَلَهُ حُكْمُهُ وَفِيهِ كَرَاهَةٌ خَفِيفَةٌ.
بخلاف الخلفاء يعني أن الخلفاء يجوز الأكل عندهم
ويجوز أخذ جوائزهم ومثلهم العمال المفوض إليهم جباية الأموال وصرفها في مصارفها كالباشا، وكالأمراء الملتزمين للبلاد فلا يقدح الأخذ منهم والأكل عندهم في الشهادة، إذ جوائزهم كجوائز الخلفاء تجوز من غير كراهة. قاله عبد الباقي.
وقال الخرشي: يعني أن الخلفاء يجوز الأكل عندهم
ويجوز أخذ جوائزهم. وفي التمهيد لابن عبد البر: قال سفيان: جوائز السلطان أحب إلي من صلة الإخوان لأنهم لا يمنون والإخوانُ يمنون، وكانت هدايا المختار تأتي ابنَ عمر وابنَ عباس،
وقال الحسن: لا يرد عطاءَهم إلا الأحمق أو مُرَاءٍ. اهـ. وهذا فيما لا يعلم فيه الحرام بعينه. وأخذ الإمام الشافعي من هارون الرشيد ألف دينار دفعة واحدة، وأخذ مالك من الخلفاء أموالا جمة.
وقوله: "بخلاف الخلفاء" ينبغي إعرابه بأنه خبر مبتدإ محذوف تقديره: وذلك
بخلاف الخلفاء. اهـ. وقال محمد بن الحسن البناني: قسم ابن رشد ما بيد الأمراء من الأموال إلى ثلاثة أقسام، أحدها: أن يكون حلالا لكن لا يعدلون في قسمه فهذا الأكثر على جواز قبوله منهم
وقيل يكره. الثاني: أن يكون مختلطا فهذا الأكثر على كراهته
وقيل يجوز. الثالث: أن يكون حراما وهذا قيل يحرم أخذه منهم
وقيل يكره وقيل يجوز. وقال ابن رشد: إن كان الغالب عليه الحرام فله حكم الحرام،
وإن كان الغالب عليه الحلال فله حكم الحلال وفيه كراهة ضعيفة. اهـ.
وفي الإحياء: أموال السلاطين في عصرنا حرام كلها أو جلها حتى الجزية لأنها إنما تؤخذ بأنواع من الظلم
وكذا غيرها فلا ينبغي الأخذ منهم بحال لذلك، ولأنهم إنما تسمح أنفسهم في خصوص هذه الأزمنة لمن طمعوا في استخدامه والاستعانة به على أغراضهم الفاسدة. اهـ.
وفي كتاب مسلم في باب الزكاة: قيل لأبي ذر: ما تقول في هذا العطاء؟ قال: خذه فإن فيه اليوم معونة فإذا كان ثمنا لدينك فدعه. اهـ. أي بأن يرى العطاء منهم فيستميله به عن الحق، وإنما كان أخذ علماء السلف منهم لما علموه من صلاح قصدهم دون مذلة ولا سؤال ولا يطيعونهم في أغراضهم الفاسدة. اهـ. ثم كان العلماء يأخذونه ويفرقونه.
وفي الإحياء أيضا: منع قبول الفتوى والرواية والشهادة من الذي يرى أنه يأكل من مائدة لسُلطانٍ أغلبُ مالِه حرامٌ ويأخذ منه إدْرارا وصلة من غير أن يعلم أن الذي يأخذه من وجه حلال، فكل ذلك فسق يقدح في العدالة. اهـ. نقله الشيخ أبو زيد رضي الله عنه. اهـ.
وقال المواق: وأما الأمراء الذين فوض إليهم الخليفة أو خليفته قبض الأموال وصرفها في وجوهها باجتهادهم كالحجاج وشبهه من أمراء البلاد المفوض جميع الأمر فيها إليهم فجوائزهم كجوائز الخلفاء،
وأما القضاة والأجناد والحكام فلهم أخذ أرزاقهم من العمال المضروب على أيديهم،
وإن كان المَجْبيُّ حلالا لم يعدل في قسمه فالأكثر على جواز أخذ الجائزة منه وكرهه بعضهم،
وإن شاب المجبي حلال وحرام فالأكثر على كراهة الأخذ منهم، ومنهم من أجازه وإن كان المجبي حراما فمنهم من حرم أخذ الجائزة والرزق على عمل من الأعمال منه، وروي هذا عن مالك ومنهم من أجازه ومنهم من كرهه. تنبيهات: الأول: نقل ابن بطال عن الطبري: من كان من أهل الإسلام بيده مال لا يُدْرَى من حرام، كسبه أم من حلال فإنه لا يحرم قبوله لمن أعطيه بعد أن لا يعلمه حراما بعينه.
قال: وبهذا قالت الأئمة من الصحابة والتابعين،
ومن كرهه فإنما ركب في ذلك طريق الورع وتجنب الشبهات لأن الحرام لا يكون إلا بينا.
الثاني: قال المواق: وفي طرر ابن عات، من عمل للسلطان فظلم الناس أو كان قاهرا غاصبا أو قاطعا للسبيل أو سارقا أو تاجرا عمل بالربلا ثم مرض وأراد أن يتمخى مما نال من ذلك كله وأراد أن يوصي بماله كله عن ذلك،
وقال: أنا قد نلت من أموال الناس أكثر من جميع مالي ولا أعلم أصحابه وأنا أوصي بجميع مالي عن ذلك كله للمساكين لم يكن له ذلك إذا أبى ورثته عن ذلك وجاز له الثلث، وكان ينبغي أن يفعل ذلك في صحته. انتهى. الثالث: في المدونة: من أودعته دنانير فابتاع بها سلعة فليس لك أخذها، إنما لك أخذ دنانيرك. اهـ. وهذا يشبه ما للمص من قوله: وكره النقد والمثلي لخ.
الرابع: قوله: "بخلاف الخلفاء" ظاهره ولو تحقق جور الخليفة وهو كذلك. انظر كلام سحنون الذي في الحطاب والتوضيح وغيرهما. قاله الرهوني.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.